الآية ٥٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٦ من سورة التوبة

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر الله تعالى نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم ( يحلفون بالله إنهم لمنكم ) يمينا مؤكدة ، ( وما هم منكم ) أي : في نفس الأمر ، ( ولكنهم قوم يفرقون ) أي : فهو الذي حملهم على الحلف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويحلف بالله لكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون كذبًا وباطلا خوفًا منكم: (إنهم لمنكم) في الدين والملة.

يقول الله تعالى، مكذّبًا لهم: (وما هم منكم)، أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم, بل هم أهل شكٍّ ونفاقٍ =(ولكنهم قوم يفرقون)، يقول: ولكنهم قوم يخَافونكم, فهم خوفًا منكم يقولون بألسنتهم: " إنا منكم ", ليأمنوا فيكم فلا يُقْتَلوا.

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ويحلفون بالله إنهم لمنكم بين أن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم مؤمنون .

نظيره إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله الآية .

والفرق الخوف ، أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ‏}‏ قصدهم في حلفهم هذا أنهم ‏{‏قَوْمٌ يَفْرَقُونَ‏}‏ أي‏:‏ يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم‏.‏ فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرأوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب‏.‏ وأما حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب‏.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) أي : على دينكم ، ( وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ) يخافون أن يظهروا ما هم عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويحلفون بالله إنهم لمنكم» أي مؤمنون «وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون» يخافون أن تفعلوا بهم كالمشركين فيحلفون تقية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويحلف هؤلاء المنافقون بالله لكم أيها المؤمنون كذبًا وباطلا إنهم لمنكم، وليسوا منكم، ولكنهم قوم يخافون فيحلفون تَقِيَّة لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بينت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة ، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التى على رأسها الجبن والكذب فقال - تعالى - : ( وَيَحْلِفُونَ بالله .

.

.

وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) .أى : أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - " إنهم لمنكم " أى : فى الدين والملة ، والحق أنهم ما هم منكم ، لأنهم يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر ، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى قوله : ( إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقوله : ( ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) استدراك للرد عليهم فيما قالواه وأقسموا عليه كذاب وزروا .وقوله : ( يَفْرَقُونَ ) من الفرق ، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله .يقا : فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه .أى : أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم - أيها المؤمنون - يحلفون لكم كذبا وزورا بأنهم منكم ، والحق أنهم ما هم منكم ، ولكنهم قوم جبناء .

لا يستطيعون مصارحتكم بالعداوة ، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم لكم به بغضاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله ﴾ أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم ﴿ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ أي على دينكم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا هُم مّنكُمْ ﴾ أي ليسوا على دينكم ﴿ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ القتل، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون  ﴾ والفرق الخوف، ومنه يقال: رجل فروق.

وهو الشديد الخوف، ومنها: أنهم لو وجدوا مفراً يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب، فقوله: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصوراً مهموزاً، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله التجأ والجأته إلى كذا، أي جعلته مضطراً إليه، وقوله: ﴿ أَوْ مغارات ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه، أي يستتر.

قال أبو عبيد: كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين.

وقوله: ﴿ مُدْخَلاً ﴾ قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً، لأن التاء مهموسة، والدال مهجورة، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول، كالمتلج من الولوج.

ومعناه: المسلك الذي يستتر بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع.

والمعنى: أنهم لو جدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه الثلاثة، مع أنها شر الأمكنة ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ أي رجعوا إليه.

يقال: ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة.

واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي: الملجأ، والمغارات، والمدخل، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه، فالملجأ يحتمل الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار.

قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ من دخل و ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم، وقرأ أبي بن كعب ﴿ متدخلاً ﴾ وقرأ ﴿ لَوْ ألو إِلَيْهِ ﴾ أي لالتجاؤا، وقرأ أنس ﴿ يجمزون ﴾ فسئل عنه فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَمِنكُمْ ﴾ لمن جملة المسلمين ﴿ يَفْرَقُونَ ﴾ يخافون القتل وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية ﴿ مَلْجَئاً ﴾ مكاناً يلتجئون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ﴿ أَوْ مغارات ﴾ أو غيراناً.

وقرئ بضم الميم، من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور.

وقيل: هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا، يعني: أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم.

ويجوز أن يكون من: أغار الثعلب، إذا أسرع، بمعنى مهارب ومفارّ ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ أو نفقاً يندسون فيه وينجحرون، وهو مفتعل من الدخول.

وقرئ مدخلاً من دخل ومدخلاً من أدخل: مكاناً يدخلون فيه أنفسهم.

وقرأ أبيّ بن كعب رضي الله عنه: متدخلاً وقرئ: لو ألوا إليه لالتجؤا إليه ﴿ يَجْمَحُونَ ﴾ يسرعون إسراعاً لا يردّهم شيء؛ من الفرس الجموح، وهو الذي إذا حمل لم يردّه اللجام.

وقرأ أنس رضي الله عنه: يجمزون.

فسئل فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدّون واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ إنَّهم لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ.

﴿ وَما هم مِنكُمْ ﴾ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ.

﴿ وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُونَ بِالمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً.

﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ﴾ حِصْنًا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ أوْ مَغاراتٍ غِيرانًا.

﴿ أوْ مُدَّخَلا ﴾ نَفَقًا يَنْجَحِرُونَ فِيهِ مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ مُدَّخَلا ﴾ مِن مَدْخَلٍ.

وقُرِئَ « مُدْخَلًا» أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم و « مُتَدَخَّلًا» و « مُنْدَخَلًا» مَن تَدَخَّلَ وانْدَخَلَ ﴿ لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ.

﴿ وَهم يَجْمَحُونَ ﴾ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجُمُوحِ.

وقُرِئَ « يَجْمَزُونَ» ومِنهُ الجَمازَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} لمن جملة المسلمين {وَمَا هُم مّنكُمْ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ أيْ في الدِّينِ والمُرادُ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ مِثْلَكم ( ﴿ وما هم مِنكُمْ ﴾ ) في ذَلِكَ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ ( ﴿ ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ) أيْ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُوا بِالمُشْرِكِينَ، فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وأصْلُ الفَرَقِ انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ، قِيلَ: وهو مِن مُفارَقَةِ الأمْنِ إلى حالِ الخَوْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ، يعني: إنهم مؤمنون على دينكم في السر، وهم كاذبون بذلك القول.

وَما هُمْ مِنْكُمْ، يعني: ليسوا على دينكم في السر، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يعني: يخبثون فأظهروا الإيمان وأسرُّوا النفاق.

قوله تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً، يعني: حرزا يلجئون إليه أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا، يعني: الغيران في الجبل.

وقال القتبي: كل شيء غرت فيه فغبت فهو مغارة.

أَوْ مُدَّخَلًا، يعني: سرباً في الأرض، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ يعني: ذهبوا إليه وتركوك.

وَهُمْ يَجْمَحُونَ، يعني: يسرعون في المشي.

ومنه قيل: فرس جموح، إذا ذهب في عدوه فلم يثنه شيء ويقال: الجمح مشي بين مشيتين، وهو من لغات اليمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الفَخْر «١» : قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جمح الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردّه اللجام، انتهى.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)

وقوله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ...

الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ومنه قولُ الشاعر: [البسيط]

إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ...

وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ «٢»

ومنه قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإيجازه.

إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)

وقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ...

الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون «٣» ، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط،

وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين.

ت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ «١» عن الأعرج «٢» عن أبي هريرة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» «٣» ، انتهى.

وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ، و(يُفَرِّقُونَ) بِمَعْنى يَخافُونَ.

فَأمّا المَلْجَأُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَلْجَأُ واللَّجَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ.

والمَغاراتُ: جَمْعُ مَغارَةٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أوْ مَغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أغَرْتُ وغُرْتُ: إذا دَخَلَتَ الغَوْرَ.

وأصْلُ مُدَّخَلٍ: مُدْتَخِلٌ، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الدّالِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، والتّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفُّ.

وقَرَأ أُبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أوْ مُتَدَخِّلًا" بِرَفْعِ المِيمِ، وبِتاءٍ ودالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُشَدَّدَةَ الخاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "مُنْدَخَلًا" بِنُونٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وسُكُونِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن دَخَلَ يَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ ومَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن أدْخَلْتُهُ مَدْخَلًا، قالَ الشّاعِرُ: الحَمْدُ لَلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا وَمَعْنى مُدَّخَلٍ: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ (لَوَلَّوْا) إلَيْهِ، أيْ: إلى أحَدِ هَذِهِ الأشْياءَ ( وهم يَجْمَحُونَ) أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ فِيهِ وُجُوهَهم شَيْءٌ.

يُقالُ: جَمَحَ وطَمَحَ: إذا أسْرَعَ ولَمْ يَرُدَّ وجْهَهُ شَيْءٌ؛ ومِنهُ قِيلَ: فَرَسٌ جَمُوحٌ لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: وما مَنَعَهُمُ اللهُ مِن أنْ تُقْبَلَ إلّا لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ، فَـ "أنْ" الأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَصَبَها الفِعْلُ حِينَ زالَ الخافِضُ، و"أنَّ" الثانِيَةُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهُمُ اللهُ قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا لِأجْلِ كُفْرِهِمْ، فالأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهم قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهُمْ، فالثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فاعِلَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أنْ يُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عنهُ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقَتُهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وإفْرادِ النَفَقَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، "أنْ يُقْبَلَ مِنهم صَدَقاتُهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهُمْ" بِالنُونِ ونَصْبِ النَفَقَةِ.

وَ"كُسالى": جَمْعٌ "كَسْلانَ"، و"كَسْلانُ" إذا كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلى" لا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وإنْ كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلانَةٍ" فَهو يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم "لا يُنْفِقُونَ إلّا عَلى كَراهِيَةٍ" إذْ لا يَقْصِدُونَ بِها وجْهَ اللهِ ولا مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا فَقْدُ المالِ وهو مِن مَكارِهِهِمْ لا مَحالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ الآيَةُ، حَقَّرَ هَذا اللَفْظُ شَأْنَ المُنافِقِينَ وعَلَّلَ إعْطاءَ اللهِ لَهُمُ الأمْوالَ والأولادَ بِإرادَتِهِ تَعْذِيبَهم بِها، واخْتُلِفَ في وجْهِ التَعْذِيبِ، فَقالَ قَتادَةُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فالمَعْنى: "فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم في الحَياةِ الدُنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبِهم بِها في الآخِرَةِ"، وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَكاةِ والنَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِها" عائِدٌ -فِي هَذا القَوْلِ- عَلى الأمْوالِ فَقَطْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُنْيا، ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها، وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ يَسْتَغْرِقُ قَوْلَ الحَسَنِ، فَإنَّ قَوْلَ الحَسَنِ يَتَقَوّى تَخْصِيصُهُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَزايا، وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِلَّةِ والغَلَبَةِ بِأوامِرِ الشَرِيعَةِ لَهم.

قَوْلُهُ: ﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وتَزْهَقَ أنْفُسُهم مِن شِدَّةِ التَعْذِيبِ الَّذِي يَنالُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم كافِرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في الدِينِ والشَرِيعَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم -عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَعْيِينِ- أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما هم يَفْزَعُونَ مِنهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ، والفَرَقُ: الخَوْفُ، والفَرُوقَةُ: الجَبانُ، وفي المَثَلِ: "وَفَرَقٌ خَيْرٌ مِن حُبَّيْنِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من أخبار أهل النفاق.

وضمائر الجمع عائدة إليهم، قصد منها إبطال ما يموّهون به على المسلمين من تأكيد كونهم مؤمنين بالقَسم على أنّهم من المؤمنين.

فمعنى: ﴿ إنهم لمنكم ﴾ أي بعض من المخاطبين ولمّا كان المخاطبون مؤمنين، كانَ التبعيض على اعتبار اتّصافهم بالإيمان، بقرينة القَسَم لأنّهم توجّسوا شكّ المؤمنين في أنّهم مثلهم.

والفَرَق: الخوف الشديد.

واختيار صيغة المضارع في قوله: ﴿ ويحلفون ﴾ وقوله: ﴿ يفرقون ﴾ للدلالة على التجدّد وأنّ ذلك دأبهم.

ومقتضى الاستدراك: أن يكون المستدرك أنّهم ليسوا منكم، أي كافرون، فحُذف المستدرك استغناء بأداة الإستدراك، وذُكر ما هو كالجواب عن ظاهر حالهم من الإيمان بأنّه تظاهر باطل وبأنّ الذي دعاهم إلى التظاهر بالإيمان في حال كفرهم: هم أنّهم يفرَقون من المؤمنين، فحصل إيجاز بديع في الكلام إذ استغني بالمذكور عن جملتين محذوفتين.

وحذف متعلّق ﴿ يفرقون ﴾ لظهوره، أي يخافون من عداوة المسلمين لهم وقتالهم إياهم أو إخراجهم، كما قال تعالى: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً ﴾ [الأحزاب: 60، 61].

وقوله: ﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ﴾ [هود: 46] وقول مساور بن هند في ذمّ بني أسد: زَعَمتُم أنَّ إخوتكم قُريش *** لهم إلْفٌ وليس لكم إلاف أولئك أومِنُوا جُوعاً وخوفاً *** وقد جَاعَتْ بنو أسد وخافوا فيكون توجيهاً بالثناء على المؤمنين، وربما كانت الآية المذكورة عقبها أوفق بهذا المعنى.

وفي هذه الآية دلالة على أنّ اختلاف الخُلق مانع من المواصلة والموافقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والثّانِي: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِما فَرَضَهُ مِنَ الزَّكاةِ في أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُنافِقِينَ.

وَهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: لِيُعَذِّبَهم بِمَصائِبِهِمْ في أمْوالِهِمْ أوْلادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لِيُعَذِّبَهم بِبَنِي أوْلادِهِمْ وغَنِيمَةِ أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والخامِسُ: يُعَذِّبُهم بِجَمْعِها وحِفْظِها وحُبِّها والبُخْلِ بِها والحُزْنِ عَلَيْها، وكُلُّ هَذا عَذابٌ.

﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ تَهْلِكُ بِشِدَّةٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ  ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ ﴾ الآيَةَ، أمّا المَلْجَأُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحِرْزُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحِصْنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: المَوْضِعُ الحَرِيزُ مِنَ الجَبَلِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والرّابِعُ: المَهْرَبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَمَعانِي هَذِهِ كُلِّها مُتَقارِبَةٌ.

وَأمّا المَغاراتُ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الغَيَرانُ في الجِبالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَدْخَلُ السّاتِرُ لِمَن دَخَلَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَأمّا المُدَّخَلُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السِّرْبُ في الأرْضِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ المَدْخَلُ الضَّيِّقُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ بِشِدَّةٍ.

﴿ لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ يَعْنِي هَرَبًا مِنَ القِتالِ وخِذْلانًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ وَهم يَجْمَحُونَ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، قالَ مُهَلْهَلٌ: ؎ لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمْ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحْسابِهِمْ خَمَدُوا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويحلفون بالله إنهم لمنكم...

﴾ الآية.

قال: إنما يحلفون بالله تقية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لو يجدون ملجأ...

﴾ الآية.

قال: الملجأ الحرز في الجبال، والغارات الغيران في الجبال، والمدخل السرب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لو يجدون ملجأً أو مغارات أو مدخلاً ﴾ يقول: محرزاً لهم يفرون إليه منكم ﴿ لولوا إليه ﴾ قال: لفروا إليه منكم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يجمحون ﴾ قال: يسرعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: أي يحلفون بالله أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمنون فأكذبهم الله بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ ﴾ (١) (٢) (٣) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454 بنحوه.

(٢) "تنوير المقباس" ص 196 بمعناه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم، ويحتمل أن يكون إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل الله ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ قيل: العذاب في الدنيا بالمصائب، وقيل: ما ألزموا من أداء الزكاة ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون ﴾ إخبار بأنهم يموتون على الكفر ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ أي من المؤمنين ﴿ يَفْرَقُونَ ﴾ يخافون ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ أي ما يلجأ إليه من المواضع ﴿ أَوْ مغارات ﴾ هي الغيران في الجبال ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ وزنه مفتعل من الدخول ومعناه نفق أو سرب في الأرض ﴿ يَجْمَحُونَ ﴾ أي يسارعون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ .

في الباطن في الدين؛ لأنهم كانوا معهم في الظاهر.

وقال: ﴿ وَمَا هُم مِّنكُمْ ﴾ : في الباطن في الدين.

﴿ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ، أي: يخافون القتل، فيظهرون الموافقة لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ .

قيل: لو وجدوا حرزاً ﴿ أَوْ مَغَارَاتٍ ﴾ يعني: الغيران في الجبال، ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ أي: سرباً في الأرض في الجبال - ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: رجعوا إليه ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ ، أي: يسعون.

وعن بن عباس: قال: الملجأ: الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، والمدخل: السرب.

قال أبو عوسجة: المغارات مثل الملجأ، وهو شيء يتحصنون فيه، ﴿ مُدَّخَلاً ﴾ : هو موضع يدخلونه أيضاً: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي: يسرعون، يقال: جمحت الدابة، تجمح جماحاً، فهو جامح، وهو من الإسراع، وكذلك قال القتبي.

وقال أبو معاذ: الجموح: الراكب رأسه وهواه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ لو يجدون ناساً يدخلون بينهم، ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ : دونكم.

وأصله: أنهم لو وجدوا مأمناً يأمنون ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: لصاروا إليه مسرعين، ولا يظهرون لكم الإيمان، ولكن ليس لهم ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقسم المنافقون لكم -أيها المؤمنون- كاذبين: إنهم لمن جملتكم، وهم ليسوا منكم في بواطنهم، وإن أظهروا أنهم منكم، لكنهم قوم يخافون أن يحل بهم ما حل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون الإسلام تقية.

<div class="verse-tafsir" id="91.LyQz8"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله