الآية ٦٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦٦ من سورة التوبة

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) أي : بهذا المقال الذي استهزأتم به ( إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ) أي : لا يعفى عن جميعكم ، ولا بد من عذاب بعضكم ، ( بأنهم كانوا مجرمين ) أي : مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الذين وصفت لك صفتهم: (لا تعتذروا)، بالباطل, فتقولوا: (كنا نخوض ونلعب) =(قد كفرتم)، يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به (18) =(بعد إيمانكم)، يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به =(إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة).

(19) * * * وذكر أنه عُنِي: بـ " الطائفة "، في هذا الموضع، رجلٌ واحد.

(20) وكان ابن إسحاق يقول فيما:- 16919- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذي عُفِي عنه، فيما بلغني مَخْشِيّ بن حُمَيِّر الأشجعي، (21) حليف بني سلمة, وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.

(22) 16920- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حبان, عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: (إن نعف عن طائفة منكم)، قال: " طائفة "، رجل.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: (إن نعف عن طائفة منكم)، بإنكاره ما أنكر عليكم من قبل الكفر =(نعذب طائفة)، بكفره واستهزائه بآيات الله ورسوله.

* ذكر من قال ذلك: 16922- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال بعضهم: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث, يسير مجانبًا لهم, (23) فنـزلت: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة)، فسُمِّي " طائفةً" وهو واحدٌ.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك.

إن تتب طائفة منكم فيعفو الله عنه, يعذب الله طائفة منكم بترك التوبة.

* * * وأما قوله: (إنهم كانوا مجرمين)، فإن معناه: نعذب طائفة منهم باكتسابهم الجرم, وهو الكفر بالله, وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(24) --------------------- الهوامش : (18) في المخطوطة : " يقول : لحم الحق " ، وهي لا تقرأ ، والذي في المطبوعة مقارب للصواب ، فتركته على حاله .

(19) انظر تفسير "العفو" فيما سلف من فهارس اللغة (عفا).

(20) انظر تفسير "الطائفة" فيما سلف 13 : 398، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(21) في سيرة ابن هشام في هذا الموضع "مخشن بن حمير" ، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الاختلاف فيما سلف من سيرته، ابن هشام 4 : 168 .

ولكني أثبت ما في المخطوطة.

(22) الأثر : 16919 - سيرة ابن هشام 4 : 195 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16910.

(23) في المطبوعة : "فيسير"، بالفاء، أثبت ما في المخطوطة.

(24) انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف 13 : 408 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين [ ص: 124 ] قوله تعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم على جهة التوبيخ ، كأنه يقول : لا تفعلوا ما لا ينفع ، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب .

واعتذر بمعنى أعذر ، أي صار ذا عذر .

قال لبيد :ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذروالاعتذار : محو أثر الموجدة ، يقال : اعتذرت المنازل درست .

والاعتذار الدروس .

قال الشاعر :أم كنت تعرف آيات فقد جعلت أطلال إلفك بالودكاء تعتذروقال ابن الأعرابي : أصله القطع .

واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة .

ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان .

ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها .إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين قيل : كانوا ثلاثة نفر ، هزئ اثنان وضحك واحد ، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم .

والطائفة الجماعة ، ويقال للواحد على معنى نفس طائفة .

وقال ابن الأنباري : يطلق لفظ الجمع على الواحد ، كقولك : خرج فلان على البغال .

قال : ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا ، والهاء للمبالغة .

واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال .

فقيل : مخشي بن حمير ، قاله ابن إسحاق .

وقال ابن هشام : ويقال فيه ابن مخشي .

وقال خليفة بن خياط في تاريخه : اسمه مخاشن بن حمير .

وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن بن خمير .

وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة ، وكان تاب وسمي عبد الرحمن ، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره .

واختلف هل كان منافقا أو مسلما .

فقيل : كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا .

وقيل : كان مسلما ، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ فإن الاستهزاء باللّه وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم اللّه، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة‏.‏ ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة، والرسول لا يزيدهم على قوله ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ وقوله ‏{‏إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ‏}‏ لتوبتهم واستغفارهم وندمهم، ‏{‏نُعَذِّبْ طَائِفَةً‏}‏ منكم ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ بسبب أنهم ‏{‏كَانُوا مُجْرِمِينَ‏}‏ مقيمين على كفرهم ونفاقهم‏.‏ وفي هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة، خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه، ويستهزئ به وبآياته ورسوله، فإن اللّه تعالى يظهرها ويفضح صاحبها، ويعاقبه أشد العقوبة‏.‏ وأن من استهزأ بشيء من كتاب اللّه أو سنة رسوله الثابتة عنه، أو سخر بذلك، أو تنقصه، أو استهزأ بالرسول أو تنقصه، فإنه كافر باللّه العظيم، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب، وإن كان عظيمًا‏.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) فإن قيل : كيف قال : كفرتم بعد إيمانكم ، وهم لم يكونوا مؤمنين؟

قيل : معناه : أظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإيمان .

( إن نعف عن طائفة منكم ) أي : نتب على طائفة منكم ، وأراد بالطائفة واحدا ، ( نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) بالاستهزاء .

قرأ عاصم : " نعف " بالنون وفتحها وضم الفاء ، " نعذب " بالنون وكسر الذال ، ( طائفة ) نصب .

وقرأ الآخرون : " يعف " بالياء وضمها وفتح الفاء ، ( تعذب ) بالتاء وفتح الذال ، " طائف " رفع على غير تسمية الفاعل .

وقال محمد بن إسحاق : الذي عفا عنه رجل واحد ، هو مخشي بن حمير الأشجعي ، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض ، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع ، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه ، وقال : اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أعنى بها تقشعر الجلود منها ، وتجب منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت ، فأصيب يوم اليمامة ، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تعتذروا» عنه «قد كفرتم بعد إيمانكم» أي ظهر كفركم بعد إظهار الإيمان «إن يُعْفَ» بالياء مبنيا للمفعول والنون مبنيا للفاعل «عن طائفة منكم» بإخلاصها وتوبتها كجحش بن حمير «تُعَذَّبْ» بالتاء والنون «طائفةٌٌ بأنهم كانوا مجرمين» مصرّين على النفاق والاستهزاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تعتذروا -معشر المنافقين- فلا جدوى مِن اعتذاركم، قد كفرتم بهذا المقال الذي استهزأتم به، إن نعف عن جماعة منكم طلبت العفو وأخلصت في توبتها، نعذب جماعة أخرى بسبب إجرامهم بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - سبحانه - : ( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) تأكيد لإِبطال ما أظهروه من معاذير .والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذئب ، مأخوذ من قولهم : اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت ، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره : قبل له على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضاً - لا تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة ، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) أى : قد ظهر كفركم وثبت ، بعد إظهاركم الإِيمان على سبيل المخادعة ، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياتة ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن الاستهزاء بالدين .

كما يقول الإِمام الرازى .

يعد من باب الكفر ، إذا أنه يدل على الاستخفاف ، والأساس الأول فى الإِيمان تعظيم الله - تعالى - بأقصى الإِمكان ، والجمع بينهما محال .وقوله - تعالى - : ( إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) بيان لمظهر من مظاهر عدله - سبحانه - ورحمته .أى : ( إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ) - أيها المنافقون - بسبب توبتهم وإقلاعهم عن النفاق ، ( نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ) أخرى منكم بسبب إصرارهم على النفاق واستمرارهم فى طريق الفسوق والعصيان .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها :ما جاء عن زيد بن أسلم : " أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك فى غزوة تبوك : ما رأى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً ، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء!!

فقال له عوف : كذبت ، ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب عوف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبره ، فوجد القرآن قد سبقه .قال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه - أى إلى المنافق - متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ، فيقول له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " " .وعن قتادة قال : " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير فى غزوته إلى تبوك ، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها!!

هيهات هيهات .فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال نبى الله - صلى الله عليه وسلم - " أحسبوا على الركب " فأتاهم فقال لهم .

قلتم كذا ، قلتم كذا .

فقالوا : " يا نبى الله إنما كنا نخوض ونلعب " فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون .وقال ابن اسحاق : " كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت .

.

ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له " مخشى بن حمير " يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك - فقال بعضهم - أتحسبون جلاد بنى الأصفر - أيى الروم - كقتال العرب بعضهم؟

والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال ، إرجافا وترهيباً للمؤمنين .فقال مخضى بن حمير : والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة ، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لماقتلكم هذه .وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - لعمار بن ياسر - أدرك القوم فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا وكذا .

فانطلق إليهم عمار؛ فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه .فقال وديعة بن ثابت ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على راحلته - يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .فقال مخشى بن حمير : يا رسول الله - قعد بى اسمى واسم أبى ، فكان الذى عفى عنه فى هذه الاية مخشى بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيداً ، لا يعلم مكانه .

فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر " .هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، وهى توضح ما كان عليه المنافقون من كذب فى المقال ، وجبن عن مواجهة الحقائق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول الآية أموراً: الأول: روى ابن عمر أن رجلاً من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوباً ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال واحد من الصحابة: كذبت ولأنت منافق، ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه.

فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وكان قد ركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ولا يلتفت إليه وما يزيده عليه.

الثاني: قال الحسن وقتادة: لما سار الرسول إلى تبوك قال المنافقون بينهم أتراه يظهر على الشأن ويأخذ حصونها وقصورها هيهات، هيهات، فعند رجوعه دعاهم وقال: أنتم القائلون بكذا وكذا فقالوا: ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وإنما كنا نخوض ونلعب.

الثالث: روى أن المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم سألوا عما كانوا يصنعون وعن سبب تخلفهم، فقالوا هذا القول.

الرابع: حكينا عن أبي مسلم أنه قال في تفسير قوله: ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء، فبين تعالى في هذه الآية أنه إذا قيل لهم لم فعلتم ذلك؟

قالوا: لم نقل ذلك على سبيل الطعن، بل لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.

الخامس: اعلم أنه لا حاجة في معرفة هذه الآية إلى هذه الروايات فإنها تدل على أنهم ذكروا كلاماً فاسداً على سبيل الطعن والاستهزاء، فلما أخبرهم الرسول بأنهم قالوا ذلك خافوا واعتذروا عنه بأنا إنما قلنا ذلك على وجه اللعب لا على سبيل الجد وذلك قولهم إنما كنا نخوض ونلعب أي ما قلنا ذلك إلا لأجل اللعب، وهذا يدل على أن كلمة إنما تفيد الحصر إذ لو لم يكن ذلك لم يلزم من كونهم لاعبين أن لا يكونوا مستهزئين فحينئذ لا يتم هذا العذر.

والجواب: قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع من الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: أنا كنا نخوض ونلعب في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسول بقوله: ﴿ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: فرق بين قولك أتستهزئ بالله، وبين قولك أبالله تستهزئ، فالأول يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني: يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول هب أنك قد تقدم على الاستهزاء ولكن كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ  ﴾ والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنة محلاً للغول.

المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله، ومعلوم أن الاستهزاء بالله محال.

فلابد له من تأويل وفيه وجوه: الأول: المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى.

الثاني: يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله، فإن أسماء الله قد يستهزئ الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها.

قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى  ﴾ فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله.

وقال: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَئِهِ  ﴾ فلا يمتنع أن يقال: ﴿ أبالله ﴾ ويراد: أبذكر الله.

الثالث: لعل المنافقين لما قالوا: كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها.

قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك وينصره عليهم، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلاماً مشعراً بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال والمُلْحِدَة، فكان المراد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وءاياته ﴾ فالمراد بها القرآن، وسائر ما يدل على الدين.

وقوله: ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ معلوم، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين: القول الأول: أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست.

يقال: مررت بمنزل معتذر، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه.

لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه.

والقول الثاني: حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت، فالعذر لما كان سبباً لقطع اللوم سمي عذراً، قال الواحدي: والقولان متقاربان، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان.

المسألة الثانية: أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفراً، والعقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز، فثبت أن قولهم: ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ ما كان عذراً حقيقياً في الإقدام على ذلك الاستهزاء، فلما لم يكن ذلك عذراً في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام الباطل واجب.

فقال: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ ﴾ أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ يدل على أحكام.

الحكم الأول: أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرٌ بالله.

وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال.

الحكم الثاني: أنه يدل على بطلان قول من يقول، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب.

الحكم الثالث: يدل على أن قولهم الذي صدر منهم كفر في الحقيقة، وإن كانوا منافقين من قبل وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالاً فحالاً.

الحكم الرابع: يدل على أن الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين.

ولقائل أن يقول: القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك؟

قلنا: قال الحسن: المراد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه، وقال آخرون: ظهر كفركم للمؤمنين بعد أن كنتم عندهم مسلمين، والقولان متقاربان.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم ﴿ إِن نُعَذِّبْ ﴾ بالنون وكسر الذال، وطائفة بالنصب والمعنى أنه تعالى حكى عن نفسه أنه يقول إن يعف عن طائفة يعذب طائفة والباقون بالياء وضمها، وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله، إن يعف عن طائفة بالتذكير، وتعذب طائفة بالتأنيث، وحكى صاحب الكشاف عن مجاهد، إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث، ثم قال: والوجه التذكير لأن المسند إليه الظرف كما تقول سير بالدابة، ولا تقول سيرت بالدابة، وأما تأويل قراءته فهو أن مجاهداً لعله ذهب إلى أن المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة فأنت كذلك، وهو غريب والجيد القراءة العامة إن يعف عن طائفة بالتذكير وتعذب طائفة بالتأنيث.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون، أن الطائفتين كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك واحد، فالطائفة الأولى الضاحك، والثانية الهازيان، وقال المفسرون: لما كان ذنب الضاحك أخف لا جرم عفا الله عنه، وذنب الهازيين أغلظ، فلا جرم ما عفا الله عنهما، قال القاضي: هذا بعيد لأنه تعالى حكم على الطائفتين بالكفر، وأنه تعالى لا يعفو عن الكافر إلا بعد التوبة والرجوع إلى الإسلام، وأيضاً لا يعذب الكافر إلا بعد إصراره على الكفر، أما لو تاب عنه ورجع إلى الإسلام فإنه لا يعذبه، فلما ذكر الله تعالى أنه يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا إلى الإسلام، وأن الطائفة التي أخبر أنه يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الإسلام، ولعل ذلك الواحد لما لم يبالغ في الطعن ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره، ثم إنه تعالى وفقه للإيمان والخروج عن الكفر، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل، فليجتهد في التقليل فإنه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل.

المسألة الثالثة: قالوا: ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة، فوجب أن تكون إحدى الطائفتين إنساناً واحداً.

قال الزجاج: والطائفة في اللغة أصلها الجماعة، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين  ﴾ وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وفي جواز تسمية الشخص الواحد بالطائفة وجوه: الأول: أن من اختار مذهباً ونصره فإنه لا يزال يكون ذاباً عنه ناصراً له، فكأنه بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب، فلا يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب.

الثاني: قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود.

الثالث: لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفاً، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة، ثم إنه تعالى علل كونه معذباً للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين.

واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر، فقد اشتركتا في الجرم، والتعذيب يختص بإحدى الطائفتين، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز، وأيضاً التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله: ﴿ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ يدل على صدور الجرم عنهم في الزمان الماضي، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة المتقدمة لا يجوز، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون.

واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ وأقوى من جرم الطائفة الأولى، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ، وأيضاً ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل، فأوجب التعذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا، فقالوا: يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر ﴿ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم، وبأنه موجود منهم، حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء، حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ ﴾ لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ قد ظهر كفركم باستهزائكم ﴿ بَعْدَ إيمانكم ﴾ بعد إظهاركم الإيمان ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ ﴾ بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين منه.

أو أن نعف عن طائفة منكم لم يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستهزؤوا فلم نعذبهم في العاجل نعذب في العاجل طائفة بأنهم كانوا مجرمين مؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مستهزئين.

وقرأ مجاهد: إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث، والوجه التذكير: لأنّ المسند إليه الظرف، كما تقول: سير بالدابة.

ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك وهو غريب، والجيد قراءة العامّة: إن يعف عن طائفة، بالتذكير.

وتعذب طائفة، بالتأنيث.

وقرئ: إن يعف عن طائفة يعذب طائفة، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجلّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ لا تَشْتَغِلُوا بِاعْتِذاراتِكم فَإنَّها مَعْلُومَةُ الكَذِبِ.

﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ قَدْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ  والطَّعْنِ فِيهِ.

﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ.

﴿ إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، أوْ لِتَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ.

(تُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ) مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ أوْ مُقْدِمِينَ عَلى الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِالنُّونِ فِيهِما.

وقُرِئَ بِالياءِ وبِناءِ الفاعِلِ فِيهِما وهو اللَّهُ « وإنْ تُعْفَ» بِالتّاءِ والبِناءِ عَلى المَفْعُولِ ذَهابًا إلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَ تَعْتَذِرُواْ} لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم {قَدْ كَفَرْتُمْ} قد أظهرتم كفركم باستهزائكم {بَعْدَ إيمانكم} بعد إظهاركم الإيمان {إن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ} بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق {نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} مصرين على النفاق غير تائبين منه أَن يُعفَ تُعَذّبَ طَائِفَةٌ غير عاصم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ أيْ لا تَشْتَغِلُوا بِالِاعْتِذارِ وتَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ أصْلِهِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإنَّما نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ ما يَزْعُمُونَهُ مَعْلُومُ الكَذِبِ بَيِّنُ البُطْلانِ والِاعْتِذارُ قِيلَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ أثَرِ الذَّنْبِ مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرْتُ المَنازِلَ إذا دَرَسَتْ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ وانْدِراسِهِ.

وقِيلَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ ولِلْبَكارَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُقْطَعُ بِالِافْتِراعِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، والقَوْلانِ مَنقُولانِ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وهُما عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مُتَقارِبانِ ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والطَّعْنُ فِيهِ ﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ أيْ: إظْهارِكُمُ الإيمانَ وهَذا وما قَبْلَهُ لِأنَّ القَوْمَ مُنافِقُونَ فَأصْلُ الكُفْرِ في باطِنِهِمْ ولا إيمانَ في نَفْسِ الأمْرِ لَهم.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ ولا خِلافَ بَيْنِ الأئِمَّةِ في ذَلِكَ ﴿ إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ المُنافِقِينَ أوْ لِتَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْذِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ مِنهم، والعَفْوُ في ذَلِكَ عَنْ عُقُوبَةِ الدُّنْيا العاجِلَةِ ﴿ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ وهم غَيْرُ التّائِبِينَ أوْ مُباشِرِينَ لَهُ وهم غَيْرُ المُجْتَنِبِينَ.

أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ مِن خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ: كانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيَّ فَتَسَمّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَقْتَلُهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُعْلَمْ مَقْتَلُهُ ولا قاتِلُهُ ولَمْ يُرَ لَهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ عَنْ نِفاقِهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ وتَجُبُ مِنها القُلُوبُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ لا يَقُولُ أحَدٌ أنا غَسَّلْتُ أنا كَفَّنْتُ أنا دَفَنْتُ فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ واسْتُجِيبَ دُعاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الطّائِفَةَ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إلّا الألْفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الطّائِفَةُ الواحِدُ والنَّفَرُ، وقُرِئَ ( يَعْفُ ) و( يُعَذِّبُ ) بِالياءِ وبِناءِ الفاعِلِ فِيهِما وهو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ ( إنْ تَعْفُ ) و( يُعَذَّبْ ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الفِعْلَ الأوَّلَ مُسْنَدٌ فِيها إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ومِثْلُهُ يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ ولا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ إذا كانَ المَجْرُورُ مُؤَنَّثًا، فَيُقالُ: سَيْرٌ عَلى الدّابَّةِ ولا يُقالُ سَيَّرْتُ عَلَيْها، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَيْلِ مَعَ المَعْنى والرِّعايَةِ لَهُ، فَلِذا أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ المَجْرُورِ إذْ مَعْنى ( تَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ ) تُرْحَمُ طائِفَةٌ وهو مِن غَرائِبِ العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: لَوْ قِيلَ بِالمُشاكَلَةِ لَمْ يَبْعُدْ، وقِيلَ: إنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ الذُّنُوبِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُعْفَ هي أيْ الذُّنُوبُ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَشْكَلَ الشَّرْطِيَّةَ مِن حَيْثُ هي بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( ﴿ نُعَذِّبْ طائِفَةً ﴾ ) جَوابًا لِلشَّرْطِ السّابِقِ ومِن شَرْطِ الشَّرْطِ، والجَزاءُ الِاتِّصالُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ في الجُمْلَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ ونَقَلَهُ عَنْهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في ذَيْلِ الفَتاوِي وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ أحَدًا نَبَّهَ عَلى الجَوابِ عَنْهُ لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ، وتَكَلَّمَ بَعْدَ أنْ ساقَ الخَبَرَ بِما لا يَخْلُو عَنْ غُمُوضٍ، ولَقَدْ ذَكَرْتُ السُّؤالَ وأنا في عُنْفُوانِ الشَّبابِ مَعَ جَوابِهِ لِلْعَلّامَةِ المَذْكُورِ لَدى شَيْخٍ مِن أهْلِ العِلْمِ قَدْ حَلَبَ الدَّهْرُ أشْطُرَهُ وطَلَبْتُ مِنهُ حَلَّ ذَلِكَ فَأعْرَضَ عَنْ تَقْرِيرِ الجَوابِ الَّذِي في الذَّيْلِ، وأظُنُّ أنَّ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِهِ، وشَمَّرَ الذَّيْلَ وكَشَفَ عَنْ ساقٍ لِلْجَوابِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ فَقالَ: إنِ الشَّرْطِيَّةُ اتِّفاقِيَّةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: إنْ كانَ الإنْسانُ ناطِقًا فالحِمارُ ناهِقٌ، وشَرَعَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

وأجابَ مَوْلانا سَرِيُّ الدِّينِ: بِأنَّ الجَزاءَ مَحْذُوفٌ مُسَبَّبٌ عَنِ المَذْكُورِ أيْ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْتَرُوا أوْ فَلا يَفْتَرُوا فَلا بُدَّ مِن تَعْذِيبِ طائِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ هَذا التَّقْدِيرُ لا يُفِيدُ سَبَبِيَّةَ مَضْمُونِ الشَّرْطِ لِمَضْمُونِ الجَزاءِ، قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلى سَبَبِيَّتِهِ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ أوْ سَبَبِيَّتِهِ لِلْأمْرِ بِعَدَمِ الِاغْتِرارِ قِياسًا عَلى الأخْبارِ، وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ في ذَلِكَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ ) مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في حاشِيَةِ الكَشّافِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يخالف الله ورسوله ويقال: يخاف أمر الله وأمر رسوله، يعني: أمر الله تعالى في الفرائض، وأمر رسوله في السنن وفيما بين.

وقال الأخفش: يُحادِدِ اللَّهَ يعني: يعادي الله ورسوله، فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.

قرأ بعضهم فَأَنَّ لَهُ بالكسر على معنى الاستئناف، وقرأ العامة بالنصب على معنى البناء.

خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ، يعني: العذاب الشديد.

قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ قال الزجاج، قوله: يَحْذَرُ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: ليحذر المنافقون، ويقال: على وجه الخبر يحذر يعني: يخشى المنافقون.

وذلك أن بعضهم قال: لو أني جلدت مائة جلدة، أحب إلي من أن ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزل: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ يعني: سورة براءة تنبئهم بِما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق.

وكانت سورة البراءة: تسمى الفاضحة.

قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، يعني: مظهر ما تَحْذَرُونَ يعني: تخافون من إظهار النفاق.

ثم قال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وذلك أن رسول الله  حين رجع من تبوك، وبين يديه هؤلاء الأربعة يسيرون ويقولون: إن محمداً يقول إنّه نزل في إخواننا الذين تخلفوا بالمدينة كذا وكذا، وهم يضحكون ويستهزئون، فأتاه جبريل فأخبره بذلك، فبعث إليهم النبي  عمار بن ياسر فقال له: «اذْهَبْ إلَى أُوْلَئِكَ واسألهم عمّا يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ» ؟

وأخبره أنهم يستهزئون بالقرآن، وأنه إذا أتاهم وسألهم يقولون: إنّما كنا نخوض ونلعب.

فلما جاء إليهم عمار بن ياسر قال لهم: ما تقولون؟

قالوا: إنّا كنا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا ونضحك بيننا.

فقال عمار: صدق الله، وبلغ رسوله هكذا أخبرني رسول الله  أنكم تقولون ذلك، غضب الله عليكم هلكتم هلكتم، فجاؤوا واعتذروا.

فنزل: قُلْ أَبِاللَّهِ، يعني: قل لهم يا محمد: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ.

وقال قتادة: إذا رأيا العبد، يقول الله انظروا إلى عبدي يستهزئ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ فجاؤوا إلى النبيّ  واعتذروا، فنزل قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، يعني: كفرتم في السر بعد إيمانكم في العلانية.

ويقال: قد أقمتم على كفركم الأول في السر بعد إيمانكم مع إقراركم بالعلانية بالإيمان.

إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، وكان فيهم مخلص واحد، ولم يقل معهم شيئاً، ولكن ضحك معهم فقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وكان فيهم واحد مخلص ولم يقل معهم بشيء، ولكن ضحك معهم وقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وهو المؤمن المخلص، نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني: المنافقين، وقال القتبي: قد يذكر الجماعة ويراد به الواحد كقوله إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ وإنما كان رجلا واحدا وكقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وأراد به النبيّ  .

ويقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وهم المخلصون نُعَذِّبْ طائِفَةً وهم المنافقون بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ يعني: مذنبين كافرين في السر.

قرأ عاصم إِنْ نَعْفُ بالنون نُعَذِّبْ بالنون وكسر الذال طائِفَةٍ بالنصب، وقرأ الباقون إن يعف بالياء والضم تُعَذِّبَ التاء ونصب الذال طائِفَةٍ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.

وقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:

المُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.

كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)

وقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،

أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ...

الآية:

المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ.

انتهى.

والضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيباً وتنشيطاً لمبادرة ما به أَمَرَ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.

وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .

قال ع «٢» : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت!

سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.

ت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ» ، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة» ، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿ إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿ نُعَذِّبْ طائِفَةً ﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ  وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ؛ فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ  : "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ  قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" .

بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هاهُنا ثَلاثَةٌ؛ فاسْتَهْزَأ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ.

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ ما سَمِعَ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أسْماءَ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الضّاحِكَ اسْمُهُ الجَهِيرُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَخْشِيُّ بْنُ خَمِيرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الطّائِفَةُ: الواحِدُ فَما فَوْقَهُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الطّائِفَةِ في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: طائِفَةٌ، يُرادُ بِهِ: نَفْسَ طائِفَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا أُرِيدَ بِالطّائِفَةِ الواحِدَ، كانَ أصْلُها طائِفًا، عَلى مِثالِ: قائِمٍ وقاعِدٍ، فَتَدْخُلُ الهاءُ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما يُقالُ: رِوايَةٌ، عَلامَةٌ، نَسّابَةٌ.

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما فَرَغَ مِن تَنْزِيلِ (بَراءَةَ) حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا يَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عن طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةٍ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى:" يَحْذَرُ" خَبْرٌ عن حالِ قُلُوبِهِمْ، وحَذَرُهم إنَّما هو أنْ تُتْلى سُورَةٌ، ومُعْتَقَدُهم -هَلْ تَنْزِلُ أمْ لا- لَيْسَ بِنَصٍّ في الآيَةِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ، فَإنْ حُمِلَ عَلى مُقْتَضى نِفاقِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ فَوَجْهٌ بَيِّنٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّهم يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ وهم يُنافِقُونَ مَعَ ذَلِكَ فَهَذا كُفْرٌ وعِنادٌ.

وقالَ الزَجّاجُ وبَعْضُ مِن ذَهَبَ إلى التَحَرُّزِ مِن هَذا الِاحْتِمالِ: مَعْنى "يَحْذَرُ": الأمْرُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "لِيَحْذَرْ".

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وجَماعَةٌ مَعَهُ: "أنْ تَنْزِلَ"، ساكِنَةَ النُونِ خَفِيفَةَ الزايِ، وقَرَأ بِفَتْحِ النُونِ مُشَدَّدَةَ الزايِ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وعِيسى: و"أنْ" مِن قَوْلِهِ: "أنْ تُنَزَّلَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "يَحْذَرُ" عامِلٌ فَهي مَفْعُولُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: "حَذِرَ" إنَّما هي مِن هَيْئاتِ النَفْسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى، مِثْلُ "فَزِعَ"، وإنَّما التَقْدِيرُ: "يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَهْزِئُوا ﴾ لَفْظُهُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَهْدِيدُ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن أنَّهُ يَخْرُجُ لَهم إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما يَحْذَرُونَهُ، وفَعَلَ ذَلِكَ تَبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ التَوْبَةِ فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: «كانَ المُنافِقُونَ إذا عابُوا رَسُولَ اللهِ  وذَكَرُوا شَيْئًا مِن أمْرِهِ قالُوا: "لَعَلَّ اللهَ لا يُفْشِي سِرَّنا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي كُفْرَ العِنادِ الَّذِي قُلْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ -عَلى ما ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ- في ودِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَعَ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشامِ ويَأْخُذَ حُصُونَ بَنِي الأصْفَرِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ.

فَوَقَفَهم رَسُولُ اللهِ  عَلى ذَلِكَ، وقالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، يُرِيدُونَ: كُنّا غَيْرَ مُجِدِّينَ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ «أنَّ قَوْمًا مِنهم تَقَدَّمُوا النَبِيَّ  ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّكم واللهِ غَدًا في الحِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، إلى نَحْوِ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَقالَ النَبِيُّ  : "أدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا، وأخْبِرْهم بِما قالُوا"، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ أنَّ ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ المَذْكُورَ قالَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ: ما رَأيْتُ كَقُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبُ بُطُونًا ولا أكْثَرُ كَذِبًا ولا أجْبَنُ عِنْدَ اللِقاءِ، فَعَنَّفَهم رَسُولُ اللهِ  عَلى هَذِهِ المَقالَةِ فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَقْرِيرِهِمْ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وفي ضِمْنِ هَذا التَقْرِيرِ وعِيدٌ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ ودِيعَةَ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللهِ  يُماشِيها تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، والنَبِيُّ يَقُولُ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ؟»، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ كانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "لا تَعْتَذِرُوا" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَفْعَلُوا ما لا يَنْفَعُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: قُلْ لَهُمْ: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ الَّذِي زَعَمْتُمُوهُ ونَطَقْتُمْ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ عن طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ -فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ- رَجُلًا واحِدًا، قِيلَ اسْمُهُ مِخْشَنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ، ومُقاتِلٌ: مَخْشِيُّ، وقالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ في تارِيخِهِ: مُخاشِنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُخاشِنُ الحِمْيَرِيُّ، وذَكَرَ جَمِيعُهم أنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ، وكانَ قَدْ تابَ وتَسَمّى عَبْدَ الرَحْمَنِ، فَدَعا اللهَ أنْ يُسْتَشْهَدَ، ويُجْهَلَ أمْرُهُ فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ، ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ، وذَكَرَ أيْضًا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، ولَمْ يُتْقِنِ القِصَّةَ.

وكانَ مَخْشِيٌّ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، فَقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللهُ عنهُ في كِلا الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ أوجَبَ العَذابَ لِباقِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا ما تَقَدَّمَ.

وَقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ سِوى عاصِمٍ: "إنْ يُعْفَ عن طائِفَةٍ" بِالياءِ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ يَعْفُ اللهُ، "يُعَذِّبْ" اللهُ، "طائِفَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "إنْ نَعْفُ" بِالنُونِ "نُعَذِّبْ" بِنُونِ الجَمِيعِ أيْضًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تُعْفَ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُنُوبُ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ .

لمّا كان قولهم: ﴿ إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ [التوبة: 65] اعتذاراً عن مناجاتهم، أي إظهاراً للعذر الذي تناجَوا من أجله، وأنّه ما يحتاجه المتعَب: من الارتياح إلى المزح والحديثثِ في غير الجدّ، فلمّا كشف الله أمر استهزائهم، أردفه بإظهار قلّة جدوى اعتذارهم إذ قد تلبّسوا بما هو أشنع وأكبر ممّا اعتذروا عنه، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان.

فإن الله لمّا أظهر نفاقهم.

كان ما يصدر عنهم من الاستهزاء أهون فجملة ﴿ لا تعتذروا ﴾ من جملة القول الذي أمر الرسول أن يقوله، وهي ارتقاء في توبيخهم، فهي متضمّنة توكيداً لمضمون جملة ﴿ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ﴾ [التوبة: 65]، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأنّهم تلبّسوا بما هو أشدّ وهو الكفر، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها، على أنّ شأن الجمل الواقعة في مقام التوبيخ أن تقطع ولا تعطف لأنّ التوبيخ يقتضي التعْداد، فتقع الجمل الموبَّخ بها موقع الأعداد المحسوبة نحو واحد، اثنان، فالمعنى لا حاجة بكم للإعتذار عن التناجي فإنّكم قد عُرفتم بما هو أعظم وأشنع.

والنهي مستعمل في التسوية وعدم الجدوى.

وجملة: ﴿ قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ في موضع العلّة من جملة: ﴿ لا تعتذروا ﴾ تعليلاً للنهي المستعمل في التسوية وعدم الجدوى.

وقوله: ﴿ قد كفرتم ﴾ يدلّ على وقوع الكفر في الماضي، أي قبل الاستهزاء، وذلك أنّه قد عُرف كفرهم من قبل.

والمراد بإسناد الإيمان إليهم: إظهارُ الإيمان، وإلاّ فَهُم لم يؤمنوا إيماناً صادقاً.

والمراد بإيمانهم: إظهارهم الإيمان، لا وقوع حقيقته.

وقد أنبأ عن ذلك إضافة الإيمان إلى ضميرهم دون تعريف الإيمان باللام المفيدة للحقيقة، أي بعد إيمان هو من شأنكم، وهذا تعريض بأنّه الإيمان الصوري غير الحقّ ونظيره قوله تعالى الآتي ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ [التوبة: 74] وهذا من لطائف القرآن.

﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ .

جاءت هذه الجملة على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالتبشير للراغب في التوبة تذكيراً له بإمكان تدارك حاله.

ولمّا كان حال المنافقين عجيباً كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة، فأنبأهم أنّ طائفة منهم قد يُعفى عنها إذا طلبت سبب العفو: بإخلاص الإيمان، وأنّ طائفة تَبْقى في حالة العذاب، والمقام دالّ على أنّ ذلك لا يكون عبثاً ولا ترجيحاً بدون مُرجّح، فما هو إلاّ أنّ طائفة مرجّوة الإيمان، فيغفر عمّا قدّمته من النفاق، وأخرى تصرّ على النفاق حتّى الموت، فتصير إلى العذاب.

والآيات الواردة بعد هذه تزيد ما دلَّ عليه المقام وضوحاً من قوله: ﴿ نسوا الله فنسيهم إلى قوله عذاب مقيم ﴾ [التوبة: 67، 68].

وقوله بعد ذلك: ﴿ فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولّوا يعذّبهم الله عذاباً أليما في الدنيا والآخرة ﴾ [التوبة: 74].

وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية، وذكر المفسّرون من هذه الطائفة مخشيَّا بن حُمَيِّر الأشجعي لمّا سمع هذه الآية تاب من النفاق، وحسن إسلامه، فعدّ من الصحابة، وقد جاهد يوم اليمامة واستشهد فيه، وقد قيل: إنّه المقصود «بالطائفة» دون غيره فيكون من باب إطلاق لفظ الجماعة على الواحد في مقام الإخفاء والتعمية كقوله صلى الله عليه وسلم " مَا بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله " وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة بقية من المنافقين وكان عمر بن الخطاب في خلافته يتوسّمهم.

والباء في ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ للسببية، والمجرم الكافر.

وقرأ الجمهور ﴿ يُعفَ وتُعذبْ ﴾ ببناء الفعلين إلى النائب، وقرأه عاصم بالبناء للفاعل وبنون العظمة في الفعلين ونصب ﴿ طائفة ﴾ الثاني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَهم يَجْتَمِعُ مَعَ بَعْضٍ عَلى النِّفاقِ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم يَأْخُذُ نِفاقَهُ مِن بَعْضٍ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ.

﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ في المُنْكَرِ والمَعْرُوفِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنْكَرَ كُلُّ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ مِنَ الشِّرْكِ، والمَعْرُوفُ: كُلُّ ما عَرَفَهُ العَقْلُ مِنَ الخَيْرِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْرُوفَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الإيمانُ، والمُنْكَرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: يَقْبِضُونَها عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: يَقْبِضُونَها عَنِ الجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ  ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والرّابِعُ: يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أيْ تَرَكُوا أمْرَهُ فَتَرَكَ رَحْمَتَهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الرِّجالِ ثَلاثَمِائَةٍ، ومِنَ النِّساءِ سَبْعِينَ ومِائَةَ امْرَأةٍ.

وَرَوى مَكْحُولٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ صِفَةِ المُنافِقِ: فَقالَ: (إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ نَقَضَ، لاَ يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا ولا يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا هَجْرًا) .» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم في الحلية عن شريح بن عبيد رضي الله عنه.

أن رجلاً قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقماً إذا أكلتم؟

فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه شيئاً، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقاله بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب.

فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: «قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.

!

فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق.

لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن،.

قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقاً يحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال: «رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام النبي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكيه، وهو يقول: يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ قال: قال رجل من المنافقين يحدثنا محمد: أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه بالغيب؟.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟

هيهات هيهات...

!

فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبي صلى الله عليه وسلم احسبوا عليَّ هؤلاء الركب.

فأتاهم فقال: قلتم كذا قلتم كذا.

قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهما ما تسمعون» .

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره وأناس من المنافقين يسيرون أمامه، فقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فلنحن أشر من الحمير.

فأنزل الله تعالى ما قالوا، فأرسل إليهم.

ما كنتم تقولون؟

فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال» قال محشي بن حمير: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى قد قلتم كذا وكذا، فأدركهم فقال لهم.

فجاءوا يعتذرون، فأنزل الله: ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم ﴾ الآية.

فكان الذي عفا الله عنه محشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمقتله.

فقتل باليمامة لا يعلم مقتله، ولا من قتله، ولا يرى له أثر ولا عين» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بني عمرو بن عوف، فيهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لهم يقال له محشي بن حمير، كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟

والله لكأنا بكم غداً تقادون في الحبال.

قال محشي بن حمير: لوددت أني أقاضي.

فذكر الحديث مثل الذي قبله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود.

نحوه.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزأوا بالله وبرسوله وبالقرآن، قال: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم يقال له يزيد بن وديعة، فنزلت ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ فسمي طائفة وهو واحد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ قال: الطائفة الرجل والنفر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الطائفة الواحد إلى الألف.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: الطائفة رجل فصاعداً.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ يعني أنه إن عفى بعضهم فليس بتارك الآخرين أن يعذبهم ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: كان فيمن تخلف بالمدينة من المنافقين وداعة بن ثابت أحد بني عمرو بن عوف، فقيل له: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: الخوض واللعب.

فأنزل الله فيه وفي أصحابه ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ إلى قوله: ﴿ مجرمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا ﴾ ، قال المفضل بن سلمة: (معنى الاعتذار هو أثر الموجدة، من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست) (١) قد كنت تعرف آيات فقد جَعَلت ...

أطلال إلفك بالودكاء تعتذر (٢) وأخذ الاعتذار من هذا؛ لأن من اعتذر شاب اعتذاره بكذب (٣) وقال ابن الأعرابي: (اعتذرت إليه: هو قطع ما في قلبه) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (تأويله: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان) (٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ﴾ ، قال المفسرون: (الطائفتان كانوا ثلاثة نفر هزيء اثنان وضحك واحد على ما بينا) (١٠) ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، أقلها واحد (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: (الطائفة في اللغة: أصلها الجماعة؛ لأنها المقدار الذي يطيف بالشيء، وقد يجوز أن يقال (١٣) (١٤) وقال ابن الأنباري: (العرب توقع الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول (١٥) ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ  ﴾ يعني نعيم بن مسعود.

قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا فتدخل الهاء للمبالغة) (١٦) وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس قال: (الطائفة: الواحد فما فوقه) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) اهـ.

كلام المفضل، انظر: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.

(٢) البيت لابن أحمر كما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368، و"لسان العرب" 5/ 2859، و (ودك) 10/ 509.

والودكاء: موضع، أو رملة.

انظر: "لسان العرب"، الموضع السابق الأخير.

والشاعر يذكر شيخوخته وزوال شبابه، إذ يقول في بيت سابق: بان الشباب وأفنى ضعفه العمر ...

لله درك، أي العيش تنتظر يقول: عشت ضعف عمر رجل، فما معنى البقاء والانتظار، ثم إن الآيات والعلامات في بقايا وأطلال المكان الذي كنت آلفه قد بدأت تندرس وتزول.

(٣) في (ح): (بكدر)، وأتبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر).

(٤) اهـ.

كلام ابن الأعرابي، انظر: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.

(٥) انظر قوله في: "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2368.

(٦) الخفض للجارية: كالختان للغلام.

"لسان العرب" (خفض).

(٧) في "لسان العرب" (فرع) 6/ 3395: افترع البكر: افتضها، والفرعة: دمها، وقيل له: افتراع لأنه أول جماعها.

(٨) ساقط من (ح).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459، وقول الزجاج هذا بناء على أنهم كانوا كفارًا منافقين قبل هذا القول، لكن لفظ الآية أعم بما ذكره الزجاج، فالاستهزاء بالله أو رسوله أو شيء بما جاء به الإسلام يعد باب من أبواب الكفر الأكبر؛ لأنه يدل على الاستخفاف والاستصغار، وأساس الإيمان تعظيم الله تعالى وما يمت إليه بسبب بأقصى ما يمكن.

(١٠) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 173، و"الدر المنثور" 3/ 456 - 457.

(١١) رواه ابن جرير 18/ 69 (ط.

الحلبي) وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والبغوي في "تفسيره" 6/ 8، وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في "الدر المنثور" 3/ 457.

(١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والبغوي 6/ 8 (١٣) في (ى): (تكون)، وهو خطأ.

(١٤) "معاني القرآن واعرابه" 2/ 460.

(١٥) ساقط من (ح).

(١٦) انظر: "زاد المسير" 3/ 466 مختصرًا.

(١٧) "معاني القرآن" 2/ 245 وسنده واهٍ؛ إذ هو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

(١٨) رواه بمعناه عبد الرزاق في"تفسيره" 1/ 2/ 282، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 456، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 364.

(١٩) في السيرة النبوية: مخشن، وقد أشار ابن هشام في موضع سابق 4/ 524 إلى الاختلاف في اسمه، وأثبت ابن حجر في "الإصابة" 3/ 391 ما ذكره المؤلف، ولم يشر إلى الخلاف، بل إن ابن جرير رواه في "تفسيره" 10/ 173 عن ابن إسحاق بلفظ المؤلف، وهذا يدل على أنه الراجح في اسمه.

(٢٠) هو: مخشي بن حُمير -مصغرًا- الأشجعي، كان ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ فكان ممن عفي عنه، فقال يا رسول الله: غير اسمي واسم أبي، فسماه عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا ربه أن يقتل شهيداً حيث لا يعلم به، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر.

انظر: "السيرة النبوية" 4/ 209، و"الإصابة" 3/ 391.

(٢١) في (ح): (نكر).

(٢٢) "السيرة النبوية" 4/ 209.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ كان رجل منهم اسمه مخشن تاب ومات شهيداً ﴿ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ نفي لأن يكونوا من المؤمنين ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ كناية عن البخل ﴿ نَسُواْ الله ﴾ أي غفلوا عن ذكره ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ تركهم من رحمته وفضله ﴿ وَعَدَ الله المنافقين ﴾ الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر ﴿ والكفار ﴾ يعنى المجاهرين بالكفر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.

الباقون: بالإضافة.

﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.

الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.

﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.

التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول  في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله  مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.

وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه  قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.

وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .

ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.

فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.

ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.

فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.

قال الجبائي: إنه  ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.

والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.

وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه  أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله  ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة  ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.

وروي أنه  كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله  ترك أشياء معلومة مع أنه  أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.

وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة  ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.

والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.

ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله  ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم  ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.

واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.

وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه  جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟

قال: لا والله بل مسكين.

وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.

وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.

الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.

قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.

وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله  أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.

وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.

يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.

واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟

والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.

وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.

الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.

عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله  يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.

قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.

ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.

والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي  يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.

قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.

وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.

وعن أبي حنيفة وأصحابه.

وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.

وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.

قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.

ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.

وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.

وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.

وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.

فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.

وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.

روى الأصم في تفسيره أنه  لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.

وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.

الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.

قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.

وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.

الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.

قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.

ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ ولقوله  : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .

الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.

والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم  ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.

الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.

وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.

وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.

واحتجوا عليه بأن الله  ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.

وعن النبي  "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه  ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.

الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.

أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.

لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.

فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.

وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.

وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.

وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.

وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.

وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!

وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.

ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.

وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.

وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.

وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.

وقال  "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن  يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.

وأيضاً أراد الله  أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.

ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله  على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي  ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.

فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي  "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.

وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي  وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي  فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.

وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.

قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.

وفسر إيذاءهم النبي  بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.

ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه  أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.

ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.

ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.

والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.

وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.

ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.

ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.

ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله  بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.

وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي  طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.

والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.

والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.

ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.

وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.

قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.

ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.

قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله  ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.

والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.

قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟

وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.

قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.

عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.

ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.

فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.

ثم ذهب ليخبر رسول الله  فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله  إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله  والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.

والنبي  يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟

ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.

وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله  يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.

فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.

قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.

ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي  وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".

ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.

واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.

والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.

ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.

وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.

﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.

وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.

قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال  ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  ﴾ وأقله الواحد.

وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.

ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.

وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال  ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود.

ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.

ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.

وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.

ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.

وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.

﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.

وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.

وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.

ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.

ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.

فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.

ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.

﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟

وأجيب بأنه  ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر  هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.

قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.

وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.

ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.

وقيل: أصله كالذين فحذف النون.

ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.

فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.

التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله  "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً  ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.

والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.

وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه.

ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .

قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع [من كل أحد يعتذر إليه ويقبل، وكذلك كان  يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع] منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ويقبل عذرنا؛ قال الله -  -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي: الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون [عليه]، وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟

يخبر عن سفههم.

قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئاً، أو حدثه حديثاً، صدقه واستمع منه، وكذلك كان رسول الله  يصدق كل من قال له شيئاً أو حدثه حديثاً، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن أولئك.

وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافيء من آذاه، ولا يجازيه؛ قال الله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته.

﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم.

ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين، وما استكتموه منه من الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، والإيمان له من خبره وحديثه.

وقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ .

كان  رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا.

﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

في الآخرة، بقية من الآية الأولى.

وقوله: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ .

جعل الله الغارم موضعاً للصدقة، وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه لحقه؛ [و]على ذلك روي في الخبر عن نبي الله  قال: "إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع" وفي بعض الأخبار: "إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، [أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني]" وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلاً سألهم شيئاً فقالوا: إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع.

هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر.

فإن قيل: في الخبر: "أو غرم مفظع"، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.

مسألة: قوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله موضعاً للصدقة، وإن كان غنيّاً في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له" وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو [فقير] تصدق عليه فأهداها لغني" وقد يكون الرجل غنيّاً بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجاً إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله" على من كان غنيّاً في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.

ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه.

فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيّاً قبل ذلك لم ينقص، فهذا - والله أعلم - يحتمل.

وابن السبيل - أيضاً - ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى أرض.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - في تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ  ﴾ : هو المسافر.

وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيّاً في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة.

روي عن الحسن بن علي -  ما - قال: قال رسول الله  : "للسائل حق وإن جاء على فرس" وعن أبي هريرة عن النبي  : "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "لا يسأل عبدٌ - أو قال: أحد - مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشاً وكدوحاً في وجهه قيل: يا رسول الله، وماذا يغنيه؟

أو ما أغناه؟

قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب" وفي بعض الأخبار يقول: "من سأل وله أربعون درهماً فقد ألحف" وعن علي وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً، أو عوضها من الذهب.

وعن عمر كذلك.

وعن ابن عباس قال: "[سأل] رجل رسول الله  : إن لي أربعين درهماً، أمستكثر أنا؟

قال: نعم" وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" وفي بعض الأخبار: [ولا] "لقوي مكتسب".

وإنما يحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" على الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها.

ألا ترى أن النبي  قال: "إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث" ، فذكر إحداها: "أو فقر مدقع"، فذلك يبيح لذي المرة السوى أن يقبل.

ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله  قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما" ، فلو كان حراماً عليهما ما أعطاهما الحرام، ولكن ذلك على الزجر عن المسألة.

وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله  صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل [هو]، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمني، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها [إلا] في حال الضرورة، لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه.

ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله  يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم.

فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله  : "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ .

بما حلفوا عليه.

ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - فقالوا: قد عيرنا بما نزل فيكم فحتى متى؟!

فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ﴾ : ما كان الذي بلغكم، ﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ : بما حلفوا، ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ ﴾ : منكم يا معشر الأنصار، ﴿ أَن يُرْضُوهُ ﴾ : حيث اطلع [على ما] حلفوا وهم كذبة، ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يقول: ولكن ليسوا بمصدقين.

والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال [الله]: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقيقة [ولكن] ليسوا بمؤمنين.

وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلاً من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله، فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت" فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر.

ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبداً وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، [و] فيه وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته  ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع على ما أسرّوا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه.

والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون.

والثالث: تنبيهاً للمؤمنين وتعليماً لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلباً لإرضاء بعضهم بعضاً، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه مرضاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ .

ذكره نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: ﴿ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ولم يقل: [أحق] أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله  م، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم الرسول بينهم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ من المؤمنين.

ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة [الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة] رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

[و]في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق فإن له نار جهنم.

وقوله: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل: يعاند الله.

وقيل: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ : يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد.

ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم عاندوا [وقصدوا] الخلاف والمحادة له مع علمهم.

والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا.

والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ورسوله مراراً على ما أسروا وكتموا.

ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ .

فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

ذكر السؤال، ولم يبين عمّ يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟

فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وقيل بغير ذلك.

وقيل: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ﴾ ، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟

فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.

وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيهاً للمؤمنين وتحذيراً لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَبِٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ...

 ﴾ الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيماً لهم وإكراماً.

وقوله: ﴿ وَآيَاتِهِ ﴾ يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، فاستهزءوابتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ الآية.

{ ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً  ﴾ ، [هم] لم يتخذوا آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.

وقوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.

ويحتمل: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ ﴾ ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.

وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ : أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ الطائفة التي يتوب [الله] عليهم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك.

وقيل: على الوعيد والتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟!

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا تعتذروا بهذه الأعذار الكاذبة، فقد أظهرتم الكفر باستهزائكم بعد أن كنتم تضمرونه، إن نتجاوز عن فريق منكم لتركه النفاق وتوبته منه وإخلاصه لله، نعذب فريقًا منكم لإصرارهم على النفاق وعدم توبتهم منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.AJBKz"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله