الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦٥ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 108 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال رجل من المنافقين : ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا ، وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عند اللقاء .
فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته ، فقال : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .
فقال : ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) إلى قوله : ( مجرمين ) وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متعلق بنسعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال عبد الله بن وهب : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلسك ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء ، أرغب بطونا ، ولا أكذب ألسنا ، ولا أجبن عند اللقاء .
فقال رجل في المسجد : كذبت ، ولكنك منافق .
لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن .
قال عبد الله بن عمر : وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة وهو يقول : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) .
وقد رواه الليث ، عن هشام بن سعد ، بنحو من هذا .
وقال ابن إسحاق : وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت ، أخو بني أمية بن زيد ، من بني عمرو بن عوف ، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له : مخشن بن حمير يشيرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ؟
والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال ، إرجافا وترهيبا للمؤمنين ، فقال مخشن بن حمير : والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر : أدرك القوم ، فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا وكذا .
فانطلق إليهمعمار ، فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، فقال وديعة بن ثابت ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على راحلته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب ، [ فأنزل الله - عز وجل - : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) ] فقال مخشن بن حمير : يا رسول الله ، قعد بي اسمي واسم أبي .
فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه ، فقتل يوم اليمامة ، فلم يوجد له أثر .
وقال قتادة : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) قال : فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه ، فقالوا : يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها .
هيهات هيهات .
فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالوا ، فقال : علي بهؤلاء النفر .
فدعاهم ، فقال : قلتم كذا وكذا .
فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب .
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية : كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول : اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها ، تقشعر منها الجلود ، وتجب منها القلوب ، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك ، لا يقول أحد : أنا غسلت ، أنا كفنت ، أنا دفنت ، قال : فأصيب يوم اليمامة ، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره .
القول في تأويل قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) قال أبو جعفر: يقول تعالى جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت، يا محمد، هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب, ليقولن لك: إنما قلنا ذلك لعبًا, وكنا نخوض في حديثٍ لعبًا وهزؤًا!
(8) يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون؟
وكان ابن إسحاق يقول: الذي قال هذه المقالة: كما:- 16910- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذي قال هذه المقالة فيما بلغني، وديعة بن ثابت, أخو بني أمية بن زيد، من بني عمرو بن عوف.
(9) * * * 16911- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثني هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم: أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء أرغبُنا بطونًا وأكذبُنا ألسنةً، وأجبُننا عند اللقاء !
فقال له عوف: كذبت, ولكنك منافق!
لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم !
فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره, فوجد القرآن قد سبقه = قال زيد (10) قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبُهُ الحجارة, (11) يقول: (إنما كنا نخوض ونلعب) !
فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن)؟
ما يزيده.
(12) 16912- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء!
فقال رجل في المجلس: كذبتَ, ولكنك منافق !
لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونـزل القرآن.
قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تَنْكُبه الحجارة, وهو يقول: " يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب!", ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ .
(13) 16913- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب, عن عكرمة في قوله: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، إلى قوله: (بأنهم كانوا مجرمين)، قال: فكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: " اللهم إني أسمع آية أنا أعْنَى بها, تقشعرُّ منها الجلود, وتَجِبُ منها القلوب, (14) اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك, لا يقول أحدٌ: أنا غسَّلت, أنا كفَّنت, أنا دفنت " ، قال: فأصيب يوم اليمامة, فما من أحدٍ من المسلمين إلا وُجد غيره.
16914- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، الآية, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك, وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا: " يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها!
هيهات هيهات " !
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " احبسوا عليَّ الرَّكْب !
(15) فأتاهم فقال: قلتم كذا، قلتم كذا.
قالوا: " يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب "، فأنـزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون.
16915- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ورَكْب من المنافقين يسيرون بين يديه, فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصورَ الروم وحصونها !
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا, فقال: عليّ بهؤلاء النفر !
فدعاهم فقال: قلتم كذا وكذا!
فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب!
16916- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا, وأكذبنا ألسنة, وأجبننا عند اللقاء !
فرُفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته, فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم, إنما كنا نخوض ونلعب !
فقال: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون )، إلى قوله: (مجرمين)، وإن رجليه لتنسفان الحجارة, (16) وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو متعلق بنِسْعَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(17) 16917- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إنما كنا نخوض ونلعب)، قال: قال رجل من المنافقين: " يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، في يوم كذا وكذا!
وما يدريه ما الغيب؟" .
16918- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه.
----------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير "الخوض" فيما سلف 11 : 529، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
= وتفسير "اللعب" فيما سلف 11 : 529 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.
= وتفسير "الاستهزاء" فيما سلف 11 : 262 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(9) الأثر : 16910 - سيرة ابن هشام 4 : 195، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16899.
(10) في المطبوعة والمخطوطة: "فقال زيد"، بالفاء، والسياق يقتضي إسقاطها.
(11) "الحقب" (بفتحتين): حبل يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله، لئلا يؤذيه التصدير، أو يجتذبه التصدير فيقدمه.
و "نكبته الحجارة"، لثمت الحجارة رجله وظفره، أي نالته وآذته وأصابته.
(12) الأثر : 16911 - "هشام بن سعد المدني"، ثقة، متكلم في ، مضى برقم : 5490 ، 11704 ، 12821.
" زيد بن أسلم العدوي" الفقيه ، روى عن عبد الله بن عمر ، روى له جماعة ، مضى مرارًا كثيرة وسيأتي الخبر الذي يليه، من طريق ابن وهب، عنه.
وهذا إسناد صحيح.
(13) الأثر : 16912 - مكرر الأثر السالف، وهو صحيح الإسناد.
(14) "وجب قلبه يجب وجيبًا"، خفق واضطرب.
وكان في المطبوعة: "وتجل" باللام، كأنه يعني من "الوجل"، ولكنه لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة.
(15) في المطبوعة: "على هؤلاء الركب" ، زاد "هؤلاء" لغير طائل.
(16) في المطبوعة: "ليسفعان بالحجارة" ، غير ما كان في المخطوطة مسيئًا في فعله، والصواب ما في المخطوطة.
"نسفت الناقة الحجارة والتراب في عدوها تنسفه نسفًا"، إذا أطارته، وكذلك يقال في الإنسان إذا اشتد عدوه.
(17) "النسعة" (بكسر فسكون) : سير مضفور يجعل زمامًا للبعير، وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير.
ويقال للبطان والحقب: "النسعان".
قوله تعالى : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون فيه ثلاث مسائل :الأولى : هذه الآية نزلت في غزوة تبوك .
قال الطبري وغيره عن قتادة : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا : انظروا ، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر!
فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدثون به ، فقال : احبسوا علي الركب - ثم أتاهم فقال - قلتم كذا وكذا .
فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب يريدون كنا غير مجدين .
وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال : رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب .
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون .
وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي بن سلول .
وكذا ذكر القشيري عن ابن عمر .
قال ابن عطية : وذلك خطأ ؛ لأنه لم يشهد تبوك .
قال القشيري : وقيل إنما قال عليه السلام هذا لوديعة بن ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك .
والخوض : الدخول في الماء ، ثم استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى .الثانية : قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا ، وهو كيفما كان كفر ، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة .
فإن التحقيق أخو [ ص: 123 ] العلم والحق ، والهزل أخو الباطل والجهل .
قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .الثالثة : واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال : لا يلزم مطلقا .
يلزم مطلقا .
التفرقة بين البيع وغيره .
فيلزم في النكاح والطلاق ، وهو قول الشافعي في الطلاق قولا واحدا .
ولا يلزم في البيع .
قال مالك في كتاب محمد : يلزم نكاح الهازل .
وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية : لا يلزم .
وقال علي بن زياد : يفسخ قبل وبعد .
وللشافعي في بيع الهازل قولان .
وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان .
وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء .
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم ، وإن اختلفا غلب الجد الهزل .
وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة .
قال الترمذي : حديث حسن غريب ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم .قلت : كذا في الحديث " والرجعة " وفي موطإ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ثلاث ليس فيهم لعب النكاح والطلاق والعتق .
وكذا روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء ، كلهم قال : ثلاث لا لعب فيهن ولا رجوع فيهن واللاعب فيهن جاد النكاح والطلاق والعتق وعن سعيد بن المسيب عن عمر قال : أربع جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور وعن الضحاك قال : ثلاث لا لعب فيهن ، النكاح والطلاق والنذور .
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم، يقول طائفة منهم في غزوة تبوك {ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ـ يعنون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ـ أرغب بطونا، [وأكذب ألسنا] وأجبن عند اللقاء} ونحو ذلك. ولما بلغهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قد علم بكلامهم، جاءوا يعتذرون إليه ويقولون: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي: نتكلم بكلام لا قصد لنا به، ولا قصدنا الطعن والعيب. قال اللّه تعالى ـ مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك ـ : {قُلْ} لهم {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ).
قوله تعالى : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) الآية ، وسبب نزول هذه الآية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين ، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ، والثالث يضحك .
قيل : كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك!
وقيل كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن ، وإنما هو قوله وكلامه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ؛ فقال : احبسوا علي الركب ، فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا ، فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب ، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب .
قال عمر فلقد رأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ، ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه .
قوله تعالى : ( قل ) أي : قل يا محمد ( أبالله وآياته ) كتابه ، ( ورسوله كنتم تستهزئون ) .
«ولئن» لام قسم «سألتهم» عن استهزائهم بك وبالقرآن وهم سائرون معك إلى تبوك «ليقولن» معتذرين «إنما كنا نخوض ونلعب» في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك «قل» لهم «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون».
ولئن سألتهم -أيها النبي- عما قالوا من القَدْح في حقك وحق أصحابك لَيَقولُنَّ: إنما كنا نتحدث بكلام لا قصد لنا به، قل لهم -أيها النبي-: أبالله عز وجل وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟
وأسند الإِخراج إلى الله - تعالى - للإِشارة إلى أنه - سبحانه - يخرج ما يحذرونه إخراجاً لا مزيد عليه من الكشف والوضوح ، حتى يحترس منهم المؤمنون ، ولا يغرتوا بأقوالهم المعسولة .وقوله : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ .
.
.
) بيان للون آخر من معاذيرهم الكاذبة ، وجبنهم عن مواجهة الحقائق .وأصل الخوض - كما يقول الآلوسى - الدخول فى مائع مثل الماء والطين ، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى .أى : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم الإِسلام ليقولن لك على سبيل الاعتذار ، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل الممازحة والمداعبة لا على سبيل الجد .وقوله : ( قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ) إبطال لحجتهم ، وقطع لمعاذيرهم ، وتبكيت لهم على جهلهم وسوء أخلاقهم .أى : قل لهم يا محمد - على سبيل التوبيخ والتجهيل - ألم تجدوا ما تستهزئون به فى مزاحكم ولعبكم - كما تزعمون - سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذى جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟فالاستفهام للانكار والتوبيخ ، ودفع ما تذرعوا به من معاذيرهم واهية .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول الآية أموراً: الأول: روى ابن عمر أن رجلاً من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوباً ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال واحد من الصحابة: كذبت ولأنت منافق، ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه.
فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وكان قد ركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ولا يلتفت إليه وما يزيده عليه.
الثاني: قال الحسن وقتادة: لما سار الرسول إلى تبوك قال المنافقون بينهم أتراه يظهر على الشأن ويأخذ حصونها وقصورها هيهات، هيهات، فعند رجوعه دعاهم وقال: أنتم القائلون بكذا وكذا فقالوا: ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وإنما كنا نخوض ونلعب.
الثالث: روى أن المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم سألوا عما كانوا يصنعون وعن سبب تخلفهم، فقالوا هذا القول.
الرابع: حكينا عن أبي مسلم أنه قال في تفسير قوله: ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء، فبين تعالى في هذه الآية أنه إذا قيل لهم لم فعلتم ذلك؟
قالوا: لم نقل ذلك على سبيل الطعن، بل لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.
الخامس: اعلم أنه لا حاجة في معرفة هذه الآية إلى هذه الروايات فإنها تدل على أنهم ذكروا كلاماً فاسداً على سبيل الطعن والاستهزاء، فلما أخبرهم الرسول بأنهم قالوا ذلك خافوا واعتذروا عنه بأنا إنما قلنا ذلك على وجه اللعب لا على سبيل الجد وذلك قولهم إنما كنا نخوض ونلعب أي ما قلنا ذلك إلا لأجل اللعب، وهذا يدل على أن كلمة إنما تفيد الحصر إذ لو لم يكن ذلك لم يلزم من كونهم لاعبين أن لا يكونوا مستهزئين فحينئذ لا يتم هذا العذر.
والجواب: قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع من الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: أنا كنا نخوض ونلعب في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسول بقوله: ﴿ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: فرق بين قولك أتستهزئ بالله، وبين قولك أبالله تستهزئ، فالأول يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني: يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول هب أنك قد تقدم على الاستهزاء ولكن كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنة محلاً للغول.
المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله، ومعلوم أن الاستهزاء بالله محال.
فلابد له من تأويل وفيه وجوه: الأول: المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى.
الثاني: يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله، فإن أسماء الله قد يستهزئ الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها.
قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى ﴾ فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله.
وقال: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَئِهِ ﴾ فلا يمتنع أن يقال: ﴿ أبالله ﴾ ويراد: أبذكر الله.
الثالث: لعل المنافقين لما قالوا: كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها.
قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك وينصره عليهم، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلاماً مشعراً بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال والمُلْحِدَة، فكان المراد ذلك.
وأما قوله: ﴿ وءاياته ﴾ فالمراد بها القرآن، وسائر ما يدل على الدين.
وقوله: ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾ معلوم، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء.
ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين: القول الأول: أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست.
يقال: مررت بمنزل معتذر، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه.
لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه.
والقول الثاني: حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت، فالعذر لما كان سبباً لقطع اللوم سمي عذراً، قال الواحدي: والقولان متقاربان، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان.
المسألة الثانية: أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفراً، والعقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز، فثبت أن قولهم: ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ ما كان عذراً حقيقياً في الإقدام على ذلك الاستهزاء، فلما لم يكن ذلك عذراً في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام الباطل واجب.
فقال: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ ﴾ أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ يدل على أحكام.
الحكم الأول: أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرٌ بالله.
وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال.
الحكم الثاني: أنه يدل على بطلان قول من يقول، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب.
الحكم الثالث: يدل على أن قولهم الذي صدر منهم كفر في الحقيقة، وإن كانوا منافقين من قبل وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالاً فحالاً.
الحكم الرابع: يدل على أن الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين.
ولقائل أن يقول: القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك؟
قلنا: قال الحسن: المراد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه، وقال آخرون: ظهر كفركم للمؤمنين بعد أن كنتم عندهم مسلمين، والقولان متقاربان.
ثم قال تعالى: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم ﴿ إِن نُعَذِّبْ ﴾ بالنون وكسر الذال، وطائفة بالنصب والمعنى أنه تعالى حكى عن نفسه أنه يقول إن يعف عن طائفة يعذب طائفة والباقون بالياء وضمها، وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله، إن يعف عن طائفة بالتذكير، وتعذب طائفة بالتأنيث، وحكى صاحب الكشاف عن مجاهد، إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث، ثم قال: والوجه التذكير لأن المسند إليه الظرف كما تقول سير بالدابة، ولا تقول سيرت بالدابة، وأما تأويل قراءته فهو أن مجاهداً لعله ذهب إلى أن المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة فأنت كذلك، وهو غريب والجيد القراءة العامة إن يعف عن طائفة بالتذكير وتعذب طائفة بالتأنيث.
المسألة الثانية: ذكر المفسرون، أن الطائفتين كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك واحد، فالطائفة الأولى الضاحك، والثانية الهازيان، وقال المفسرون: لما كان ذنب الضاحك أخف لا جرم عفا الله عنه، وذنب الهازيين أغلظ، فلا جرم ما عفا الله عنهما، قال القاضي: هذا بعيد لأنه تعالى حكم على الطائفتين بالكفر، وأنه تعالى لا يعفو عن الكافر إلا بعد التوبة والرجوع إلى الإسلام، وأيضاً لا يعذب الكافر إلا بعد إصراره على الكفر، أما لو تاب عنه ورجع إلى الإسلام فإنه لا يعذبه، فلما ذكر الله تعالى أنه يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا إلى الإسلام، وأن الطائفة التي أخبر أنه يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الإسلام، ولعل ذلك الواحد لما لم يبالغ في الطعن ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره، ثم إنه تعالى وفقه للإيمان والخروج عن الكفر، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل، فليجتهد في التقليل فإنه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل.
المسألة الثالثة: قالوا: ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة، فوجب أن تكون إحدى الطائفتين إنساناً واحداً.
قال الزجاج: والطائفة في اللغة أصلها الجماعة، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين ﴾ وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وفي جواز تسمية الشخص الواحد بالطائفة وجوه: الأول: أن من اختار مذهباً ونصره فإنه لا يزال يكون ذاباً عنه ناصراً له، فكأنه بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب، فلا يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب.
الثاني: قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود.
الثالث: لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفاً، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة، ثم إنه تعالى علل كونه معذباً للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين.
واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر، فقد اشتركتا في الجرم، والتعذيب يختص بإحدى الطائفتين، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز، وأيضاً التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله: ﴿ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ يدل على صدور الجرم عنهم في الزمان الماضي، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة المتقدمة لا يجوز، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون.
واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ وأقوى من جرم الطائفة الأولى، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ، وأيضاً ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل، فأوجب التعذيب.
<div class="verse-tafsir"
بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا، فقالوا: يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر ﴿ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم، وبأنه موجود منهم، حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء، حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ ﴾ لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ قد ظهر كفركم باستهزائكم ﴿ بَعْدَ إيمانكم ﴾ بعد إظهاركم الإيمان ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ ﴾ بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين منه.
أو أن نعف عن طائفة منكم لم يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستهزؤوا فلم نعذبهم في العاجل نعذب في العاجل طائفة بأنهم كانوا مجرمين مؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مستهزئين.
وقرأ مجاهد: إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث، والوجه التذكير: لأنّ المسند إليه الظرف، كما تقول: سير بالدابة.
ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك وهو غريب، والجيد قراءة العامّة: إن يعف عن طائفة، بالتذكير.
وتعذب طائفة، بالتأنيث.
وقرئ: إن يعف عن طائفة يعذب طائفة، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجلّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ.
﴿ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ ﴾ وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلْمُنافِقِينَ فَإنَّ النّازِلَ فِيهِمْ كالنّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْرُوءٌ ومُحْتَجٌّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرَدُّدِهِمْ أيْضًا في كُفْرِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَتٍّ في أمْرِ الرَّسُولِ بِشَيْءٍ.
وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ.
وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَهُ فِيما بَيْنَهُمُ اسْتِهْزاءً لِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ﴾ مُبْرِزٌ أوْ مُظْهِرٌ.
ما تَحْذَرُونَ أيْ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ فِيكم، أوْ ما تَحْذَرُونَ إظْهارَهُ مِن مُساوِيكم.
﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ﴾ رُوِيَ: «أنَّ رَكْبَ المُنافِقِينَ مَرُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَهُ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ فَدَعاهم فَقالَ: « قُلْتُمْ كَذا وكَذا» فَقالُوا لا واللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ وأمْرِ أصْحابِكَ ولَكِنْ كُنّا في شَيْءٍ مِمّا يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبِ لِيُقَصِّرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ السَّفَرَ.» ﴿ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ تَوْبِيخًا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِمَن لا يَصِحُّ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ، وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ولا تَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمُ الكاذِبِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا أنظرونا إلى الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فقال احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبى االله لا والله ماكنا
التوبة (٦٥ _ ٦٨)
في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك ولكن كنا فى شيء مما يخوضن فيه الركب ليقصر مضنا على بعض السفر أي ولئن سألتهم وقلت لهم لم قلتم ذلك لقالوا إنما كنا نخوض ونلعب {قل} يا محمد {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون} لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم وبأنه موجود فيهم حتى وبخوا بإخطائهم موقع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير وذلك إنما يستقيم بعد ثبوت الاستهزاء
﴿ ولَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ عَمّا قالُوهُ ﴿ لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَتِهِ إلى تَبُوكَ إذْ نَظَرَ إلى أُناسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: احْبِسُوا عَلى هَؤُلاءِ الرَّكْبِ فَأتاهم فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا؟
قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَنَزَلَتْ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ لا أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُ الرَّجُلَ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ والحِجارَةُ تُنْكِيهِ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.
ورَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ » وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وهَلْ أنْكَرُوا ما قالُوهُ واعْتَذَرُوا بِهَذا العُذْرِ الباطِلِ أوْ لَمْ يُنْكِرُوهُ وقالُوا ما قالُوا فِيهِ خِلافٌ والإمامُ عَلى الثّانِي وهو أوْفَقُ بِظاهِرِ النَّظْمِ الجَلِيلِ.
وأصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِثْلِ الماءِ والطِّينِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وإيذاءٌ، وأرادُوا إنَّما نَلْعَبُ ونَتَلَهّى لِتَقْصُرَ مَسافَةُ السَّفَرِ بِالحَدِيثِ، والمُداعَبَةُ كَما يَفْعَلُ الرَّكْبُ ذَلِكَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنّا عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وأوْلى المُتَعَلِّقَ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ واقِعٌ لا مَحالَةَ لَكِنَّ الخِطابَ في المُسْتَهْزَأِ بِهِ، أيْ قُلْ لَهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اعْتِذارِهِمْ ناعِيًا عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ: قَدِ اسْتَهْزَأْتُمْ بِمَن لا يَصِحُّ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ وأخْطَأْتُمْ مَواقِعَ فِعْلِكُمُ الشَّنِيعِ الَّذِي طالَما ارْتَكَبْتُمُوهُ، ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُمُ السّابِقَ في سَبَبِ النُّزُولِ مُتَضَمِّنٌ لِلِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يخالف الله ورسوله ويقال: يخاف أمر الله وأمر رسوله، يعني: أمر الله تعالى في الفرائض، وأمر رسوله في السنن وفيما بين.
وقال الأخفش: يُحادِدِ اللَّهَ يعني: يعادي الله ورسوله، فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
قرأ بعضهم فَأَنَّ لَهُ بالكسر على معنى الاستئناف، وقرأ العامة بالنصب على معنى البناء.
خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ، يعني: العذاب الشديد.
قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ قال الزجاج، قوله: يَحْذَرُ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: ليحذر المنافقون، ويقال: على وجه الخبر يحذر يعني: يخشى المنافقون.
وذلك أن بعضهم قال: لو أني جلدت مائة جلدة، أحب إلي من أن ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزل: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ يعني: سورة براءة تنبئهم بِما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق.
وكانت سورة البراءة: تسمى الفاضحة.
قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، يعني: مظهر ما تَحْذَرُونَ يعني: تخافون من إظهار النفاق.
ثم قال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وذلك أن رسول الله حين رجع من تبوك، وبين يديه هؤلاء الأربعة يسيرون ويقولون: إن محمداً يقول إنّه نزل في إخواننا الذين تخلفوا بالمدينة كذا وكذا، وهم يضحكون ويستهزئون، فأتاه جبريل فأخبره بذلك، فبعث إليهم النبي عمار بن ياسر فقال له: «اذْهَبْ إلَى أُوْلَئِكَ واسألهم عمّا يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ» ؟
وأخبره أنهم يستهزئون بالقرآن، وأنه إذا أتاهم وسألهم يقولون: إنّما كنا نخوض ونلعب.
فلما جاء إليهم عمار بن ياسر قال لهم: ما تقولون؟
قالوا: إنّا كنا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا ونضحك بيننا.
فقال عمار: صدق الله، وبلغ رسوله هكذا أخبرني رسول الله أنكم تقولون ذلك، غضب الله عليكم هلكتم هلكتم، فجاؤوا واعتذروا.
فنزل: قُلْ أَبِاللَّهِ، يعني: قل لهم يا محمد: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ.
وقال قتادة: إذا رأيا العبد، يقول الله انظروا إلى عبدي يستهزئ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ فجاؤوا إلى النبيّ واعتذروا، فنزل قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، يعني: كفرتم في السر بعد إيمانكم في العلانية.
ويقال: قد أقمتم على كفركم الأول في السر بعد إيمانكم مع إقراركم بالعلانية بالإيمان.
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، وكان فيهم مخلص واحد، ولم يقل معهم شيئاً، ولكن ضحك معهم فقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وكان فيهم واحد مخلص ولم يقل معهم بشيء، ولكن ضحك معهم وقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وهو المؤمن المخلص، نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني: المنافقين، وقال القتبي: قد يذكر الجماعة ويراد به الواحد كقوله إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ وإنما كان رجلا واحدا وكقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وأراد به النبيّ .
ويقال: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ وهم المخلصون نُعَذِّبْ طائِفَةً وهم المنافقون بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ يعني: مذنبين كافرين في السر.
قرأ عاصم إِنْ نَعْفُ بالنون نُعَذِّبْ بالنون وكسر الذال طائِفَةٍ بالنصب، وقرأ الباقون إن يعف بالياء والضم تُعَذِّبَ التاء ونصب الذال طائِفَةٍ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.
وقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:
المُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
وقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ...
الآية:
المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ.
انتهى.
والضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيباً وتنشيطاً لمبادرة ما به أَمَرَ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.
وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .
قال ع «٢» : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت!
سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.
ت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ» ، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة» ، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿ إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿ نُعَذِّبْ طائِفَةً ﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ : "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" .
بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هاهُنا ثَلاثَةٌ؛ فاسْتَهْزَأ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ ما سَمِعَ.
وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أسْماءَ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الضّاحِكَ اسْمُهُ الجَهِيرُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَخْشِيُّ بْنُ خَمِيرٍ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الطّائِفَةُ: الواحِدُ فَما فَوْقَهُ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الطّائِفَةِ في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: طائِفَةٌ، يُرادُ بِهِ: نَفْسَ طائِفَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا أُرِيدَ بِالطّائِفَةِ الواحِدَ، كانَ أصْلُها طائِفًا، عَلى مِثالِ: قائِمٍ وقاعِدٍ، فَتَدْخُلُ الهاءُ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما يُقالُ: رِوايَةٌ، عَلامَةٌ، نَسّابَةٌ.
قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما فَرَغَ مِن تَنْزِيلِ (بَراءَةَ) حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا يَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عن طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةٍ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى:" يَحْذَرُ" خَبْرٌ عن حالِ قُلُوبِهِمْ، وحَذَرُهم إنَّما هو أنْ تُتْلى سُورَةٌ، ومُعْتَقَدُهم -هَلْ تَنْزِلُ أمْ لا- لَيْسَ بِنَصٍّ في الآيَةِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ، فَإنْ حُمِلَ عَلى مُقْتَضى نِفاقِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ فَوَجْهٌ بَيِّنٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّهم يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ وهم يُنافِقُونَ مَعَ ذَلِكَ فَهَذا كُفْرٌ وعِنادٌ.
وقالَ الزَجّاجُ وبَعْضُ مِن ذَهَبَ إلى التَحَرُّزِ مِن هَذا الِاحْتِمالِ: مَعْنى "يَحْذَرُ": الأمْرُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "لِيَحْذَرْ".
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وجَماعَةٌ مَعَهُ: "أنْ تَنْزِلَ"، ساكِنَةَ النُونِ خَفِيفَةَ الزايِ، وقَرَأ بِفَتْحِ النُونِ مُشَدَّدَةَ الزايِ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وعِيسى: و"أنْ" مِن قَوْلِهِ: "أنْ تُنَزَّلَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "يَحْذَرُ" عامِلٌ فَهي مَفْعُولُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: "حَذِرَ" إنَّما هي مِن هَيْئاتِ النَفْسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى، مِثْلُ "فَزِعَ"، وإنَّما التَقْدِيرُ: "يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَهْزِئُوا ﴾ لَفْظُهُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَهْدِيدُ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن أنَّهُ يَخْرُجُ لَهم إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما يَحْذَرُونَهُ، وفَعَلَ ذَلِكَ تَبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ التَوْبَةِ فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: «كانَ المُنافِقُونَ إذا عابُوا رَسُولَ اللهِ وذَكَرُوا شَيْئًا مِن أمْرِهِ قالُوا: "لَعَلَّ اللهَ لا يُفْشِي سِرَّنا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي كُفْرَ العِنادِ الَّذِي قُلْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ -عَلى ما ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ- في ودِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَعَ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشامِ ويَأْخُذَ حُصُونَ بَنِي الأصْفَرِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ.
فَوَقَفَهم رَسُولُ اللهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، يُرِيدُونَ: كُنّا غَيْرَ مُجِدِّينَ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ «أنَّ قَوْمًا مِنهم تَقَدَّمُوا النَبِيَّ ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّكم واللهِ غَدًا في الحِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، إلى نَحْوِ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَقالَ النَبِيُّ : "أدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا، وأخْبِرْهم بِما قالُوا"، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ أنَّ ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ المَذْكُورَ قالَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ: ما رَأيْتُ كَقُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبُ بُطُونًا ولا أكْثَرُ كَذِبًا ولا أجْبَنُ عِنْدَ اللِقاءِ، فَعَنَّفَهم رَسُولُ اللهِ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَقْرِيرِهِمْ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وفي ضِمْنِ هَذا التَقْرِيرِ وعِيدٌ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ ودِيعَةَ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللهِ يُماشِيها تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، والنَبِيُّ يَقُولُ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ؟»، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ كانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "لا تَعْتَذِرُوا" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَفْعَلُوا ما لا يَنْفَعُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: قُلْ لَهُمْ: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ الَّذِي زَعَمْتُمُوهُ ونَطَقْتُمْ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ عن طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ -فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ- رَجُلًا واحِدًا، قِيلَ اسْمُهُ مِخْشَنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ، ومُقاتِلٌ: مَخْشِيُّ، وقالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ في تارِيخِهِ: مُخاشِنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُخاشِنُ الحِمْيَرِيُّ، وذَكَرَ جَمِيعُهم أنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ، وكانَ قَدْ تابَ وتَسَمّى عَبْدَ الرَحْمَنِ، فَدَعا اللهَ أنْ يُسْتَشْهَدَ، ويُجْهَلَ أمْرُهُ فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ، ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ، وذَكَرَ أيْضًا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، ولَمْ يُتْقِنِ القِصَّةَ.
وكانَ مَخْشِيٌّ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، فَقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللهُ عنهُ في كِلا الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ أوجَبَ العَذابَ لِباقِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا ما تَقَدَّمَ.
وَقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ سِوى عاصِمٍ: "إنْ يُعْفَ عن طائِفَةٍ" بِالياءِ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ يَعْفُ اللهُ، "يُعَذِّبْ" اللهُ، "طائِفَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "إنْ نَعْفُ" بِالنُونِ "نُعَذِّبْ" بِنُونِ الجَمِيعِ أيْضًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تُعْفَ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُنُوبُ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أنّها معطوفة على جملة: ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ﴾ [التوبة: 62] أو على جملة ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ [التوبة: 61]، فيكون المراد بجملة: ﴿ يحلفون بالله لكم ﴾ [التوبة: 62] أنّهم يحلفون إن لم تسألهم.
فالحلف الصادر منهم حلف على الأعمّ من براءتهم من النفاق والطعن، وجواب السؤال عن أمور خاصّة يُتهمون بها جواب يراد منه أنّ ما صدر منهم ليس من جنس ما يُتّهمون به، فإذا سئلوا عن حديث يجري بينهم يستراب منهم أجابوا بأنّه خوض ولعب، يريدون أنّه استجمام للراحة بين أتعاب السفر لما يحتاجه الكادُّ عملاً شاقّاً من الراحة بالمزح واللعب.
وروي أنّ المقصود من هذه الآية: أنّ ركباً من المنافقين الذين خرجوا في غزوة تبوك نفاقاً، منهم: وديعةُ بن ثابت العَوْفي، ومخشي بن حُمَيِّر الأشجعي، حليف بني سَلِمة، وقفوا على عَقَبَة في الطريق ينظرون جيش المسلمين فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح حصون الشام هيهات هيهات فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن مناجاتهم فأجابوا «إنّما كنّا نخوض ونلعب».
وعندي أنّ هذا لا يتّجه لأنّ صيغة الشرط مستقبلة فالآية نزلت فيما هو أعمّ، ممّا يسألون عنه في المستقبل، إخباراً بما سيجيبون، فهم يسألون عمّا يتحدّثون في مجالسهم ونواديهم، التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ﴾ [البقرة: 14] لأنّهم كانوا كثيري الإنفراد عن مجالس المسلمين.
وحذف متعلّق السؤال لظهوره من قرينة قوله: ﴿ إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ .
والتقدير: ولئن سألتهم عن حديثهم في خلواتهم، أعلم الله رسوله بذلك وفيه شيء من دلائل النبوءة.
ويجوز أن تكون الآية قد نزلت قبل أن يسألهم الرسول، وأنّه لمَّا سألهم بعدها أجابوا بما أخبرت به الآية.
والقصر للتعيين: أي ما تحدثْنا إلاّ في خوض ولعب دون ما ظننته بنا من الطعن والأذى.
والخوض: تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ في سورة الأنعام (68).
واللعب تقدّم في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ في الأنعام (32)، ولمّا كان اللعب يشمل الاستهزاء بالغير جاء الجواب عن اعتذارهم بقوله: كنتم تستهزءون } فلمّا كان اعتذارهم مبهماً ردّ عليهم ذلك إذ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم جواب الموقن بحالهم بعد أن أعلمه بما سيعتذرون به فقال لهم ﴿ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ﴾ ، على نحو قوله تعالى: ﴿ فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ﴾ [الإسراء: 51].
والاستفهام إنكاري توبيخي.
وتقديم المعمول وهو ﴿ أبالله ﴾ على فعله العامل فيه لقصد قصر التعيين لأنّهم لما أتوا في اعتذارهم بصيغة قصر تعيين جيء في الردّ عليهم بصيغة قصر تعيين لإبطال مغالطتهم في الجواب، فاعلمهم بأنّ لعبهم الذي اعترفوا به ما كان إلاّ استهزاء بالله وآياته ورسوله لا بغير أولئك، فقصْر الاستهزاء على تعلّقه بمن ذكر اقتضى أنّ الاستهزاء واقع لا محالة لأنّ القصر قيد في الخبر الفعلي، فيقتضي وقوعَ الفعل، على ما قرّره عبد القاهر في معنى القصر الواقع في قول القائل: أنَا سعيتُ في حاجتك وأنّه يؤكّد بنحو: وحدي، أوْ لا غيري، وأنّه يقتضي وقوع الفعل فلا يقال: ما أنا قلت هذا ولا غيري، أي ولا يقال: أنا سعيت في حاجتك وغيري، وكذلك هنا لا يصحّ أن يفهم أبالله كنتم تستهزِئون أم لَمْ تكونوا مستهزئين.
والاستهزاء بالله وبآياته إلزام لهم: لأنّهم استهزأوا برسوله وبدينه، فلزمهم الاستهزاء بالذي أرسله بآيات صدقه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَهم يَجْتَمِعُ مَعَ بَعْضٍ عَلى النِّفاقِ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم يَأْخُذُ نِفاقَهُ مِن بَعْضٍ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ.
﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ في المُنْكَرِ والمَعْرُوفِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنْكَرَ كُلُّ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ مِنَ الشِّرْكِ، والمَعْرُوفُ: كُلُّ ما عَرَفَهُ العَقْلُ مِنَ الخَيْرِ.
والثّانِي: أنَّ المَعْرُوفَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الإيمانُ، والمُنْكَرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: يَقْبِضُونَها عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: يَقْبِضُونَها عَنِ الجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والرّابِعُ: يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أيْ تَرَكُوا أمْرَهُ فَتَرَكَ رَحْمَتَهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الرِّجالِ ثَلاثَمِائَةٍ، ومِنَ النِّساءِ سَبْعِينَ ومِائَةَ امْرَأةٍ.
وَرَوى مَكْحُولٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ المُنافِقِ: فَقالَ: (إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ نَقَضَ، لاَ يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا ولا يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا هَجْرًا) .» <div class="verse-tafsir"
أخرج أبو نعيم في الحلية عن شريح بن عبيد رضي الله عنه.
أن رجلاً قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقماً إذا أكلتم؟
فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه شيئاً، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقاله بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب.
فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: «قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
!
فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق.
لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن،.
قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقاً يحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال: «رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام النبي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكيه، وهو يقول: يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ قال: قال رجل من المنافقين يحدثنا محمد: أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه بالغيب؟.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟
هيهات هيهات...
!
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبي صلى الله عليه وسلم احسبوا عليَّ هؤلاء الركب.
فأتاهم فقال: قلتم كذا قلتم كذا.
قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهما ما تسمعون» .
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره وأناس من المنافقين يسيرون أمامه، فقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فلنحن أشر من الحمير.
فأنزل الله تعالى ما قالوا، فأرسل إليهم.
ما كنتم تقولون؟
فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال» قال محشي بن حمير: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى قد قلتم كذا وكذا، فأدركهم فقال لهم.
فجاءوا يعتذرون، فأنزل الله: ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم ﴾ الآية.
فكان الذي عفا الله عنه محشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمقتله.
فقتل باليمامة لا يعلم مقتله، ولا من قتله، ولا يرى له أثر ولا عين» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بني عمرو بن عوف، فيهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لهم يقال له محشي بن حمير، كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟
والله لكأنا بكم غداً تقادون في الحبال.
قال محشي بن حمير: لوددت أني أقاضي.
فذكر الحديث مثل الذي قبله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود.
نحوه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزأوا بالله وبرسوله وبالقرآن، قال: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم يقال له يزيد بن وديعة، فنزلت ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ فسمي طائفة وهو واحد» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ قال: الطائفة الرجل والنفر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الطائفة الواحد إلى الألف.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: الطائفة رجل فصاعداً.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ يعني أنه إن عفى بعضهم فليس بتارك الآخرين أن يعذبهم ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: كان فيمن تخلف بالمدينة من المنافقين وداعة بن ثابت أحد بني عمرو بن عوف، فقيل له: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: الخوض واللعب.
فأنزل الله فيه وفي أصحابه ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ إلى قوله: ﴿ مجرمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ﴾ ، قال ابن عمر، وزيد بن أسلم والقرظي: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله - - والمؤمنين، فقال له عوف بن مالك (١) (٢) -، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - - وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله - -، إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني انظر إليه متعلقًا بنسعة (٣) وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو (٤) يقول: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه (٥) وقال قتادة والحسن: "إن المنافقين قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ﴾ ، قال الزجاج: (عما كانوا فيه من الاستهزاء) (١٠) وقال غيره: هذا سؤال تأنيب كقولك للإنسان: لم فعلت هذا القبيح (١١) ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ وأصل الخوض الدخول في مائع، مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار في كل دخول فيه تلويث وأذى، فمعنى ﴿ نَخُوضُ ﴾ : أي: في الباطل من الكلام كما يخوض الركب يقطعون به الطريق، ﴿ وَنَلْعَبُ ﴾ ، فأجابهم الرسول ﴿ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حدوده وفرائضه ﴿ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .
وذكر الكلبي ومقاتل بن سليمان وغيرهما في سبب نزول هذه الآية غير ما ذكرنا أولاً، وهو أنهم قالوا: كان رسول الله - - راجعًا من غزوة تبوك في مسيره، وثلاثة نفر (١٢) ] (١٣) -، فقال رسول الله - - للمؤمنين: "أتدرون ما يتحدث به هؤلاء النفر الثلاثة (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وقيل: إنه شهد الفتح، وكانت معه راية أشجع، توفي سنة 73 هـ.
انظر: "الكاشف" 2/ 101، و"الإصابة" 3/ 182، و"تقريب التهذيب" ص 433 (5217).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٣) النسع: سير عريض، تشد به الرحال، والقطعة منه نسعة، وسمي نسعًا لطوله "القاموس المحيط"، فصل النون، باب: العين ص 766.
(٤) ساقط من (م).
(٥) ذكره عنهم بنحو هذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" 6/ 123 ب، ورواه عنهم ابن جرير بألفاظ مختلفة.
انظر: "تفسيره" 10/ 172 - 173، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1829 - 1830.
(٦) ساقط من (ح).
(٧) ساقط من (ى).
(٨) في (ح): (قاله).
(٩) ذكره عنهما بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 378، ورواه عن قتادة مطولًا ابن جرير 10/ 172، وابن أبي حاتم 6/ 1830، والثعلبي 6/ 124 أ.
(١٠) لم يذكر الزجاج هذا القول عند تفسير هذه الآية في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 459.
(١١) لم أعثر فيما بين يدي من المصادر على هذا القول.
(١٢) في "تفسير مقاتل": النفر الأربعة، وقد جاء في السيرة النبوية 4/ 209 تسمية اثنين منهما هما وديعة بن ثابت، ومخشي بن حمير.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٤) في (ح): (الثلاثة النفر).
(١٥) من (م).
(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٧) في (ى): (صدق رسول الله).
(١٨) "تفسير مقاتل" 131 أبنحوه، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 464 عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه عن الكلبي مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 282، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 456، وروى بعضه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1830 عن كعب بن مالك، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 209.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ يعني المنافقين ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فهما جملتان حذف الضمير من الثانية لدلالة الأولى عليها، وقيل: إنما وحد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحد ﴿ مَن يُحَادِدِ الله ﴾ يعني من يعادي ويخالف ﴿ فَأَنَّ لَهُ ﴾ إن هنا مكررة تأكيداً للأولى، وقيل: بدل منها، وقيل التقدير فواجب أن له، فهي في موضع خبر مبتدأ محذوف ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني في شأنهم سورة على النبي صلى الله عليه وسلم، والضمائر في عليهم وتنبئهم وقلوبهم تعود على المنافقين، وقال الزمخشري: إن الضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر ﴿ قُلِ استهزءوا ﴾ تهديد ﴿ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ صنع ذلك بهم في هذه السورة، لأنها فضحتهم ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ نزلت في وديعة بن ثابت بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام هيهات هيهات، فسأله عن ذلك فقال: إنما كنا نخوض ونلعب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.
الباقون: بالإضافة.
﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.
الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.
﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.
التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.
وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.
وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .
ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.
فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.
ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.
فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.
قال الجبائي: إنه ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.
والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.
وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.
وروي أنه كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله ترك أشياء معلومة مع أنه أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.
وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.
والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.
ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.
واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.
وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟
قال: لا والله بل مسكين.
وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.
وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.
الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.
قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.
وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.
وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.
يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.
واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟
والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.
وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.
عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.
قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.
ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.
والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.
قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.
وعن أبي حنيفة وأصحابه.
وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.
وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.
قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.
ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.
وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.
وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.
وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.
فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.
وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.
روى الأصم في تفسيره أنه لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.
وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.
الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.
قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.
الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.
قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.
ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ ولقوله : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .
الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.
والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.
الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.
وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.
وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.
واحتجوا عليه بأن الله ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.
وعن النبي "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.
الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.
أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.
لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.
فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.
وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.
وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.
وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.
وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.
وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!
وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.
ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.
وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.
وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.
وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.
وقال "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.
وأيضاً أراد الله أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.
ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.
فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.
وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.
وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.
قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.
وفسر إيذاءهم النبي بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.
ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.
ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.
ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.
والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.
وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.
ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.
ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.
ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.
وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.
والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.
والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.
ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.
وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.
قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.
ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.
قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.
والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.
قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟
وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.
قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.
عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.
ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.
فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.
ثم ذهب ليخبر رسول الله فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
والنبي يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟
ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.
وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.
فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.
قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.
ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".
ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.
واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.
والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.
ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.
وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.
﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.
وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.
قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ وأقله الواحد.
وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.
ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.
وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود.
ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.
ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.
وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.
ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.
وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.
﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.
وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.
وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.
ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.
ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.
فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.
ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.
﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟
وأجيب بأنه ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.
قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.
وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.
ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.
وقيل: أصله كالذين فحذف النون.
ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.
فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.
التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.
والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.
وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه.
ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .
قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع [من كل أحد يعتذر إليه ويقبل، وكذلك كان يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع] منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ويقبل عذرنا؛ قال الله - -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي: الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون [عليه]، وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟
يخبر عن سفههم.
قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئاً، أو حدثه حديثاً، صدقه واستمع منه، وكذلك كان رسول الله يصدق كل من قال له شيئاً أو حدثه حديثاً، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن أولئك.
وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافيء من آذاه، ولا يجازيه؛ قال الله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته.
﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم.
ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين، وما استكتموه منه من الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، والإيمان له من خبره وحديثه.
وقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ .
كان رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا.
﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
في الآخرة، بقية من الآية الأولى.
وقوله: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ .
جعل الله الغارم موضعاً للصدقة، وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه لحقه؛ [و]على ذلك روي في الخبر عن نبي الله قال: "إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع" وفي بعض الأخبار: "إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، [أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني]" وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلاً سألهم شيئاً فقالوا: إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع.
هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر.
فإن قيل: في الخبر: "أو غرم مفظع"، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.
مسألة: قوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله موضعاً للصدقة، وإن كان غنيّاً في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له" وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو [فقير] تصدق عليه فأهداها لغني" وقد يكون الرجل غنيّاً بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجاً إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله" على من كان غنيّاً في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.
ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه.
فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيّاً قبل ذلك لم ينقص، فهذا - والله أعلم - يحتمل.
وابن السبيل - أيضاً - ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى أرض.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ : هو المسافر.
وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيّاً في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة.
روي عن الحسن بن علي - ما - قال: قال رسول الله : "للسائل حق وإن جاء على فرس" وعن أبي هريرة عن النبي : "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "لا يسأل عبدٌ - أو قال: أحد - مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشاً وكدوحاً في وجهه قيل: يا رسول الله، وماذا يغنيه؟
أو ما أغناه؟
قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب" وفي بعض الأخبار يقول: "من سأل وله أربعون درهماً فقد ألحف" وعن علي وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً، أو عوضها من الذهب.
وعن عمر كذلك.
وعن ابن عباس قال: "[سأل] رجل رسول الله : إن لي أربعين درهماً، أمستكثر أنا؟
قال: نعم" وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" وفي بعض الأخبار: [ولا] "لقوي مكتسب".
وإنما يحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" على الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها.
ألا ترى أن النبي قال: "إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث" ، فذكر إحداها: "أو فقر مدقع"، فذلك يبيح لذي المرة السوى أن يقبل.
ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما" ، فلو كان حراماً عليهما ما أعطاهما الحرام، ولكن ذلك على الزجر عن المسألة.
وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل [هو]، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمني، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها [إلا] في حال الضرورة، لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه.
ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم.
فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله : "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ .
بما حلفوا عليه.
ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - فقالوا: قد عيرنا بما نزل فيكم فحتى متى؟!
فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ﴾ : ما كان الذي بلغكم، ﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ : بما حلفوا، ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ ﴾ : منكم يا معشر الأنصار، ﴿ أَن يُرْضُوهُ ﴾ : حيث اطلع [على ما] حلفوا وهم كذبة، ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يقول: ولكن ليسوا بمصدقين.
والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال [الله]: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقيقة [ولكن] ليسوا بمؤمنين.
وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلاً من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله، فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت" فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر.
ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبداً وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، [و] فيه وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع على ما أسرّوا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه.
والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون.
والثالث: تنبيهاً للمؤمنين وتعليماً لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلباً لإرضاء بعضهم بعضاً، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه مرضاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ .
ذكره نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: ﴿ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ولم يقل: [أحق] أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله م، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم الرسول بينهم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ من المؤمنين.
ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة [الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة] رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
[و]في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق فإن له نار جهنم.
وقوله: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل: يعاند الله.
وقيل: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ : يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم عاندوا [وقصدوا] الخلاف والمحادة له مع علمهم.
والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
يحتمل وجهين: الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا.
والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ورسوله مراراً على ما أسروا وكتموا.
ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ .
فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
ذكر السؤال، ولم يبين عمّ يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟
فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
وقيل بغير ذلك.
وقيل: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ﴾ ، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟
فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.
وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيهاً للمؤمنين وتحذيراً لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.
وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ أَبِٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيماً لهم وإكراماً.
وقوله: ﴿ وَآيَاتِهِ ﴾ يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، فاستهزءوابتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ﴾ الآية.
{ ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً ﴾ ، [هم] لم يتخذوا آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .
أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.
وقوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .
يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.
ويحتمل: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ ﴾ ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.
وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ الطائفة التي يتوب [الله] عليهم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك.
وقيل: على الوعيد والتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟!
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولئن سألت -أيها الرسول- المنافقين عما قالوا من الطعن وسب المؤمنين بعد إخبار الله لك به ليقولنّ: كنا في حديث نمزح فيه ولم نكن جادين، قل -أيها الرسول-: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.pZGeJ"