الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى منكرا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين ، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، كان هؤلاء ( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ) أي : عن الإنفاق في سبيل الله ، ( نسوا الله ) أي : نسوا ذكر الله ، ( فنسيهم ) أي : عاملهم معاملة من نسيهم ، كقوله تعالى : ( وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) [ الجاثية : 34 ] ( إن المنافقين هم الفاسقون ) أي : الخارجون عن طريق الحق ، الداخلون في طريق الضلالة .
القول في تأويل قوله : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (المنافقون والمنافقات)، وهم الذين يظهرون للمؤمنين الإيمانَ بألسنتهم، ويُسِرُّون الكفرَ بالله ورسوله (25) =(بعضهم من بعض)، يقول: هم صنف واحد, وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان، واستبطانهم الكفر =(يأمرون) مَنْ قبل منهم =(بالمنكر), وهو الكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به وتكذيبه (26) =(وينهون عن المعروف)، يقول: وينهونهم عن الإيمان بالله ورسوله، وبما جاءهم به من عند الله (27) * * * وقوله: (ويقبضون أيديهم)، يقول: ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله، ويكفُّونها عن الصدقة, فيمنعون الذين فرضَ الله لهم في أموالهم ما فرَض من الزكاة حقوقَهم، كما:- 16923- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (ويقبضون أيديهم)، قال: لا يبسطونها بنفقة في حق.
16924- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
16925- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله.
16926- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.
16927- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ويقبضون أيديهم)، لا يبسطونها بخير.
16928- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ويقبضون أيديهم)، قال: يقبضون أيديهم عن كل خير.
* * * وأما قوله: (نسوا الله فنسيهم)، فإن معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره, فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته.
* * * وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " النسيان "، الترك، بشواهده, فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
(28) * * * وكان قتادة يقول في ذلك ما:- 16929- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, قتادة قوله: (نسوا الله فنسيهم)، نُسُوا من الخير, ولم ينسوا من الشرّ.
* * * قوله: (إن المنافقين هم الفاسقون)، يقول: إن الذين يخادعون المؤمنين بإظهارهم لهم بألسنتهم الإيمانَ بالله, وهم للكفر مستبطنون, (29) هم المفارقون طاعةَ الله، الخارجون عن الإيمان به وبرسوله.
(30) ------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير "النفاق" فيما سلف 1 : 234 ، 270 ، 273 ، 324 - 327 ، 346 - 363 ، 408 ، 409 ، 414 4 : 232 ، 233 8 : 513 9 : 7 .
(26) انظر تفسير "المنكر" فيما سلف 13 : 165 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(27) انظر تفسير "المعروف" فيما سلف 13 : 165 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(28) انظر تفسير "النسيان" فيما سلف 12 : 475، تعليق : 2، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير "النفاق" فيما سلف قريبا ص : 337 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(30) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف ص : 293 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون قوله تعالى ( المنافقون والمنافقات ) ابتداء .
( بعضهم ) ابتداء ثان .
ويجوز أن يكون [ ص: 125 ] بدلا ، ويكون الخبر ( من بعض ) .
ومعنى ( بعضهم من بعض ) أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدين .
وقال الزجاج ، هذا متصل بقوله : ( يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ) أي ليسوا من المؤمنين ، ولكن بعضهم من بعض .أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف .
وقبض أيديهم عبارة عن ترك الجهاد ، وفيما يجب عليهم من حق .
والنسيان : الترك هنا ، أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك .
وقيل : إنهم تركوا أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه .
وقال قتادة : " نسيهم " أي من الخير ، فأما من الشر فلم ينسهم .
والفسق : الخروج عن الطاعة والدين .
وقد تقدم .
يقول تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضا، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم. ثم ذكر وصف المنافقين العام، الذي لا يخرج منه صغير منهم ولا كبير، فقال: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} وهو الكفر والفسوق والعصيان. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} وهو الإيمان، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والآداب الحسنة. {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} عن الصدقة وطرق الإحسان، فوصفهم البخل. {نَسُوا اللَّهَ} فلا يذكرونه إلا قليلا، {فَنَسِيَهُمْ} من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار، خالدين فيها مخلدين. {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} حصر الفسق فيهم، لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم، إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد.
قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) أي : هم على دين واحد .
وقيل : أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق ، ( يأمرون بالمنكر ) بالشرك والمعصية ، ( وينهون عن المعروف ) أي عن الإيمان والطاعة ، ( ويقبضون أيديهم ) أي : يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير ، ( نسوا الله فنسيهم ) تركوا طاعة الله ، فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا ، ومن رحمته في الآخرة ، وتركهم في عذابه ، (إن المنافقين هم الفاسقون ) .
«المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض» أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد «يأمرون بالمنكر» الكفر والمعاصي «وينهَون عن المعروف» الإيمان والطاعة «ويقبضون أيديهم» من الإنفاق في الطاعة «نسوا الله» تركوا طاعته «فنسيهم» تركهم من لطفه «إن المنافقين هم الفاسقون».
المنافقون والمنافقات صنف واحد في إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، يأمرون بالكفر بالله ومعصية رسوله وينهون عن الإيمان والطاعة، ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله، نسوا الله فلا يذكرونه، فنسيهم من رحمته، فلم يوفقهم إلى خير.
إن المنافقين هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله.
ثم مضت السورة الكريمة بعذ ذلك فى تقرير حقيقة المنافقين ، وفى بيان جانب من صفاتهم ، والمصير السئ الذى ينتظرهم فقال - تعالى - : ( المنافقون والمنافقات .
.
.
عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .قال الإِمام الرازى : اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم فى تلك الأعمال المنكرة ، والأفعال الخبيثة فقال : ( المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ) أى : فى صفة النفاق ، وذلك كما يقول إنسان لآخر : أنت منى وأنا منك .
أى : أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة .
.وقوله : ( يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ) تفصيل لجانب من راذائلهم ، ومن مسالكهم الخبيثة .أى : يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع ، وستتقبحه العقول ، وينهونه عن كل أمر دعت إليه الأديان ، وأحبته القلوب السليمة .وقوله : ( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) كناية عن بخلهم وشحهم ، لأن الإِنسان السخى يبسط يده بالعطاء ، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ذلك .أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال فى وجوهه المشروعة .وقوله : ( نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ ) كناية عن رسوخهم فى الكفر ، وانغماسهم فى كل ما يبعدهم عن الله - تعالى - .والمقصود بالنسيان هنا لازمه ، وهو الترك والإِهمال؛ لأن حيقة النسيان ممحالة على الله - تعالى - ، كما أن النسيان الحقيقى لا يذم صاحبه عليه لعدم التكليف به .أى : تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته ، فتركهم - سبحانه - وحرمهم من هدايته ورحمته وفضله .وقوله : ( إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ ) تذييل قصد به المبالغة فى ذمهم .أى : إن المنافقون هم الكاملون فى الخروج عن طاعة الله ، وفى الانسلاخ عن فضائل الإِيمان ، ومكارم الأخلاق .
اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة، فقال: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ أي في صفة النفاق، كما يقول الإنسان: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه ولما ذكر هذا الكلام ذكر تفصيله فقال: ﴿ يَأْمُرُونَ بالمنكر ﴾ ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح، إلا أن الأعظم هاهنا تكذيب الرسول ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ﴾ ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن إلا أن الأعظم هاهنا الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقبضون أيديهم، قيل من كل خير، وقيل عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الإنفاق في الجهاد، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد، والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء.
فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده.
ثم قال: ﴿ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ ﴾ واعلم أن هذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذماً، لأن النسيان ليس في وسع البشر، وأيضاً فهو في حق الله تعالى محال فلابد من التأويل، وهو من وجهين: الأول: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على أوجه الكلام كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ الثاني: النسيان ضد الذكر، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله، ترك الله ذكرهم بالرحمة والإحسان، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم.
ثم قال: ﴿ إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون ﴾ أي هم الكاملون في الفسق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ [التوبة: 56] وتقرير قوله: ﴿ وَمَا هُم مّنكُمْ ﴾ [التوبة: 56] ثم وصفهم بما يدلّ على مضادة حالهم لحال المؤمنين ﴿ يَأْمُرُونَ بالمنكر ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ﴾ عن الإيمان والطاعات ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ شحا بالمبارّ والصدقات والإنفاق في سبيل الله ﴿ نَسُواْ الله ﴾ أغفلوا ذكره ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ فتركهم من رحمته وفضله ﴿ هُمُ الفاسقون ﴾ هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرّد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به المنافقين حين بالغ في ذمهم، وإذا كره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يقول كسلت، لأن المنافقين وصفوا بالكسل في قوله: ﴿ كسالى ﴾ [النساء: 142] فما ظنك بالفسق ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ مقدّرين الخلود ﴿ هِىَ حَسْبُهُمْ ﴾ دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شيء أبلغ منه، وأنه بحيث لا يزاد عليه، نعوذ بالله من سخطه وعذابه ﴿ وَلَعَنَهُمُ الله ﴾ وأهانهم من التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم أهل الجنة وألحقهم بالملائكة المكرمين ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ ولهم نوع من العذاب سوى الصلي بالنار، مقيم دائم كعذاب النار.
ويجوز أن يريد: ولهم عذاب مقيم معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن، خوفاً من المسلمين وما يحذرونه أبداً من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ مُتَشابِهَةٌ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ كَأبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ.
وقِيلَ إنَّهُ تَكْذِيبٌ لَهم في حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ ﴿ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ وَما هم مِنكُمْ ﴾ وما بَعْدَهُ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ عَنِ المَبارِّ، وقَبْضُ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ.
﴿ نَسُوا اللَّهَ ﴾ أغْفَلُوا ذِكْرَ اللَّهِ وتَرَكُوا طاعَتَهُ.
﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ فَتَرَكَهم مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ.
﴿ إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفُسُوقِ عَنْ دائِرَةِ الخَيْرِ.
﴿ وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ.
﴿ هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ عِقابًا وجَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ عَذابِها.
﴿ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وأهانَهم.
﴿ وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ لا يَنْقَطِعُ والمُرادُ بِهِ ما وُعِدُوهُ أوْ ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ.
<div class="verse-tafsir"
{المنافقون والمنافقات} الرجال المنافقون كانوا ثلثمائة والنساء
المنافقات مائة وسبيعن {بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} أي كأنهم نفس واحدة وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم فى قولهم ويحلفون بالله إنهم لمنكم وتقرير لقوله وما هم منكم ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال {يَأْمُرُونَ بالمنكر} بالكفر والعصيان {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف} عن الطاعة والإيمان {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} شحاً بالمبارّ والصدقات والإنفاق في سبيل الله {نسوا الله} تركوا امره أو غفلوا ذكره {فَنَسِيَهُمْ} فتركهم من رحمته وفضله {إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون} هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم
﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ مُتَشابِهُونَ في النِّفاقِ كَتَشابُهِ أبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ، والمُرادُ الِاتِّحادُ في الحَقِيقَةِ والصُّورَةِ كالماءِ والتُّرابِ، والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن قَبائِحِهِمْ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ والمُرادُ مِنها تَكْذِيبُ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ وإبْطالٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما هم مِنكُمْ ﴾ وما بَعْدُ مِن تَغايُرِ صِفاتِهِمْ وصِفاتِ المُؤْمِنِينَ كالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، و( مِن ) عَلى التَّقْرِيرَيْنِ اتِّصالِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» والتَّعَرُّضُ لِأحْوالِ الإناثِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عَراقَتَهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ﴾ أيْ بِالتَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ أيْ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأُخْرِجَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ مُنْكَرٍ ذُكِرَ في القُرْآنِ المُرادُ مِنهُ عِبادَةُ الأوْثانِ والشَّيْطانِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمُنْكَرِ والمَعْرُوفِ ما يَعُمُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مُفْصِحٌ عَنْ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ أوْ خَبَرٌ ثانٍ ﴿ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ عَنِ الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وقَبْضُ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ والبُخْلِ كَما أنَّ بَسْطَها كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ لِأنَّ مَن يُعْطِي يَمُدُّ يَدَهُ بِخِلافِ مَن يَمْنَعُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ يُمْسِكُونَ أيْدِيَهم عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو خِلافُ الشّائِعِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ﴿ نَسُوا اللَّهَ ﴾ النِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ الطّاعَةِ فالمُرادُ لَمْ يُطِيعُوهُ سُبْحانَهُ ( ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ) مَنَعَ لُطْفَهُ وفَضْلَهُ عَنْهم، والتَّعْبِيرُ بِالنِّسْيانِ لِلْمُشاكَلَةِ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفِسْقِ الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ والِانْسِلاخِ عَنْ كُلٍّ حَتّى كَأنَّهُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ، ومِن هُنا صَحَّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإلّا فَكَمْ فاسِقٌ سِواهم.
والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المُنافِقاتِ اكْتِفاءً بِقُرْبِ العَهْدِ، ومِثْلُهُ في نُكْتَةِ الإظْهارِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ فَهو مِن عَطْفِ المُغايِرِ، وقَدْ يَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ ﴿ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ، يعني: المنافقين من الرجال والمنافقات من النساء.
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يعني: بعضهم على دين بعض في السر.
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ، يعني: بالتكذيب بمحمد وبالشرك، وبما لا يرضي الله تعالى، ويقال: المنكر ما يخالف الكتاب والسنة.
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، يعني: عن التوحيد واتباع محمد .
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ، يعني: يمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله ويقال: كفوا عن الحق.
نَسُوا اللَّهَ، يقول: تركوا طاعة الله.
فَنَسِيَهُمْ، يعني: تركهم في النار، ويقال: تركهم في الحرمان والخذلان، كقوله تعالى: وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف: 186] .
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ، يعني: الخارجين عن طاعة الله تعالى، وكل منافق فاسق، وقد يكون فاسقاً ولا يكون منافقاً، ولا يكون منافقاً إلا وهو فاسق.
ثم قال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ، الوعد يكون بالخير، ويكون بالشر إذا قيد به، والوعيد لا يكون إلاّ بالشر، فقال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ، يعني: المنافقين الذين كانوا بالمدينة ومن كان على مذهبهم ويكون إلى يوم القيامة وَالْكُفَّارَ وهم أهل مكة ومن كان بمثل حالهم.
نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ، يعني: تكفيهم النار جزاءً لكفرهم، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني: طردهم الله من رحمته.
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ، يعني: دائم.
قوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني: صنيعكم مع نبيكم، كما صنع الأمم الخالية مع أنبيائهم عليهم السلام وقال الضحاك: يعني: لعن المنافقين، كما لعن الذين من قبلهم من الأمم الخالية.
ويقال: ولهم عذاب دائم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً، يعني: لم ينفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، فلا ينفعكم أموالكم ولا أولادكم أيضاً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، يعني: فانتفعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا.
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ، يقول: انتفعتم أنتم بنصيبكم من الآخرة في الدنيا، كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم الخالية، بِخَلاقِهِمْ أي بنصيبهم وَخُضْتُمْ في الباطل، كَالَّذِي خاضُوا ويقال: كذبتم الرسول كما كذبوا رسلهم.
أُولئِكَ، يعني: أهل هذه الصفة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: بطل ثواب أعمالهم فلا ثواب لهم لأنها كانت في غير إيمان.
وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، يعني: في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.
وقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:
المُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
وقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ...
الآية:
المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ.
انتهى.
والضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيباً وتنشيطاً لمبادرة ما به أَمَرَ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.
وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .
قال ع «٢» : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت!
سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.
ت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ» ، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة» ، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ وهو الإيمانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ.
ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.
وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا ﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمِ إبْراهِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ.
(والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ.
قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَتْهُمْ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأولادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ إخْبارٍ عنهم وحُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ.
فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يُرِيدُ: في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمُ: "الأُذُنانِ مِنَ الرَأْسِ" يُرِيدُونَ: في حُكْمِ المَسْحِ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّهُما مِنَ الرَأْسِ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ: "وَما هم مِنكُمْ" حَسُنَ هَذا الإخْبارُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ وعِبادَةُ غَيْرِ اللهِ، وسائِرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ وذَلِكَ بِسَبَبِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَبْضُ هو عَنِ الصَدَقَةِ وفِعْلِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ حِينَ تَرَكُوا نَبِيَّهُ وشِرْعَتِهِ فَتَرَكَهم حِينَ لَمْ يَهْدِهِمْ ولا كَفاهم عَذابَ النارِ، وإنَّما يُعَبَّرُ بِالنِسْيانِ عَنِ التَرْكِ مُبالَغَةً إذْ أبْلَغُ وُجُوهِ التُرْكِ الوَجْهُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ نِسْيانٌ، وعَلى هَذا يَجِيءُ ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ، ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا ﴾ ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ بِالفِسْقِ وهو فُسُوقُ الكُفْرِ المُقْتَضِي لِلْخُلُودِ في النارِ.
وكانَ قَتادَةُ يَقُولُ: "فَنَسِيَهُمْ" أيْ: مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يَنْسَهم مِنَ الشَرِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةُ، لَمّا قُيِّدَ الوَعْدُ بِالتَصْرِيحِ بِالشَرِّ صَحَّ ذَلِكَ وحَسُنَ وإنْ كانَتْ آيَةَ وعِيدٍ مَحْضٍ، والكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ: المُعْلِنُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ أيْ: كافِيَتُهم وكافِيَةُ جُرْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ نَكالًا وجَزاءً، فَلَوْ تَمَنّى أحَدٌ لَهم عَذابًا لَكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَسْبًا لَهم.
﴿ وَلَعَنَهُمُ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعَدَهم عن رَحْمَتِهِ، و ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يُخاطِبَ بِها المُنافِقِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، والمَعْنى: أنْتُمْ كالَّذِينِ، أو مَثَلُكم مَثَلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: وعْدٍا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"وَعَدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا قَلَقٌ، ثُمَّ قالَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَأُهْلِكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم.
والخَلاقُ: الحَظُّ مِنَ القَدْرِ والدِينِ وجَمِيعِ حالِ المَرْءِ، وخَلاقُ المَرْءِ: الشَيْءُ الَّذِي هو بِهِ خَلِيقٌ، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأورَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ : « "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذِراعٍ، حَتّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ"»، وما شاكَلَ هَذا الحَدِيثَ مِمّا يَقْتَضِي اتِّباعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وهو مَعْنًى لا يَلِيقُ بِالآيَةِ جِدًّا، إذْ هي مُخاطَبَةٌ لِمُنافِقِينَ كُفّارٍ أعْمالُهم حابِطَةٌ، والحَدِيثُ مُخاطَبَةٌ لِمُوَحِّدِينَ يَتَّبِعُونَ سَنَنَ مَن مَضى في أفْعالٍ دُنْيَوِيَّةٍ لا تُخْرِجُ عَنِ الدِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ أيْ: خَلَطْتُمْ كالَّذِي خَلَطُوا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في المائِعاتِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ، لِأنَّ التَصَرُّفَ في الحَقائِقِ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللهِ لَهُ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ"».
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "أُولَئِكَ" القَوْمُ الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ أيْضًا كَذَلِكَ يَعْتَرِيكم بِإعْراضِكم عَنِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "أُولَئِكَ" المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ، وحَبِطَ العَمَلُ وما جَرى مَجْراهُ يَحْبَطُ حَبَطًا إذا بَطَلَ بَعْدَ التَعَبِ، وحَبِطَ البَطْنُ حَبَطًا بِفَتْحِ الباءِ، وهو داءٌ في البَطْنِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"»، وقَوْلُهُ: في "الدُنْيا" مَعْناهُ: -إذا كانَ في المُنافِقِينَ-: ما يُصِيبُهم في الدُنْيا مِن مَقْتٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وفَسادِ أعْمالِهِمْ وفي الآخِرَةِ بِألّا تَنْفَعَ ولا يَقَعَ عَلَيْها جَزاءٌ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ بِـ "أُولَئِكَ" إلى المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ فَتَأمَّلْهُ.
<div class="verse-tafsir"
يظهر أن تكون هذه الآية احتراساً عن أن يظنّ المنافقون أنّ العفو المفروض لطائفة منهم هو عفو ينال فريقاً منهم باقين على نفاقهم، فعقب ذلك ببيان أنّ النفاق حالة واحدة وأنّ أصحابه سواء، ليعلم بذلك أن افتراق أحوالهم بين عفو وعذاب لا يكون إلاّ إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاءِ على النفاق، إلى ما أفادته الآية أيضاً من إيضاح بعض أحوال النفاق وآثاره الدالّة على استحقاق العذاب، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها: إمّا لأنّها كالبيان للطائفة المستحقّة العذاب، وإمّا أن تكون استئنافاً ابتدائياً في حكم الاعتراض كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ [التوبة: 69] وإمّا أن تكون اعتراضاً هي والتي بعدها بين الجملة المتقدمة وبين جملة ﴿ كالذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوة ﴾ [التوبة: 69] كما سيأتي هنالك.
وزيد في هذه الآية ذكر ﴿ المنافقات ﴾ تنصيصاً على تسوية الأحكام لجميع المتّصفين بالنفاق: ذكورهم وإناثهم، كيلا يخطر بالبال أن العفو يصادف نساءهم، والمؤاخذة خاصّة بذُكرَانِهم، ليعلم الناس أنّ لنساء المنافقين حظّا من مشاركة رجالهنّ في النفاق فيحذروهنّ.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ بعضهم من بعض ﴾ اتّصالية دالّة على معنى اتّصال شيء بشيء وهو تبعيض مجازي معناه الوصلة والولاية، ولم يطلق على ذلك اسم الولاية كما أطلق على اتّصال المؤمنين بعضهم ببعض في قوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ [التوبة: 71] لما سيأتي هنالك.
وقد شمل قوله: ﴿ بعضهم من بعض ﴾ جميع المنافقين والمنافقات، لأنّ كلّ فرد هو بعض من الجميع، فإذا كان كلّ بعض متّصلاً ببعض آخر، عُلم أنّهم سواء في الأحوال.
وجملة ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ مبيِّنة لمعنى الاتّصال والاستواءِ في الأحوال.
والمنكر: المعاصي لأنّها ينكرها الإسلام.
والمعروف: ضدّها، لأنّ الدين يعرفه، أي يرضاه، وقد تقدّما في قوله تعالى: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (104).
وقبض الأيدي: كناية عن الشحّ، وهو وصف ذمّ لدلالته على القسوة، لأنّ المراد الشحّ على الفقراء.
والنسيانُ منهم مستعار للإشراك بالله، أو للإعراض عن ابتغاء مرضاته وامتثاللِ ما أمر به، لأنّ الإهمال والإعراض يشبه نسيان المعرَض عنه.
ونسيان الله إيَّاهم مُشاكلة أي حرمانه إياهم ممّا أعدَّ للمؤمنين، لأنّ ذلك يشبه النسيان عند قسمة الحظوظ.
وجملة: إن المنافقين هم الفاسقون} فذلكة للتي قبلها فلذلك فصلت لأنّها كالبيان الجامع.
وصيغة القصر في ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ قصر ادّعائي للمبالغة لأنّهم لمّا بلغوا النهاية في الفسوق جعل غيرهم كمن ليس بفاسق.
والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿ إن المنافقين ﴾ لزيادة تقريرهم في الذهن لهذا الحكم.
ولتكون الجملة مستقلّة حتّى تكون كالمثل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَهم يَجْتَمِعُ مَعَ بَعْضٍ عَلى النِّفاقِ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم يَأْخُذُ نِفاقَهُ مِن بَعْضٍ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ.
﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ في المُنْكَرِ والمَعْرُوفِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنْكَرَ كُلُّ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ مِنَ الشِّرْكِ، والمَعْرُوفُ: كُلُّ ما عَرَفَهُ العَقْلُ مِنَ الخَيْرِ.
والثّانِي: أنَّ المَعْرُوفَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الإيمانُ، والمُنْكَرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كُلِّهِ الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: يَقْبِضُونَها عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: يَقْبِضُونَها عَنِ الجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والرّابِعُ: يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أيْ تَرَكُوا أمْرَهُ فَتَرَكَ رَحْمَتَهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الرِّجالِ ثَلاثَمِائَةٍ، ومِنَ النِّساءِ سَبْعِينَ ومِائَةَ امْرَأةٍ.
وَرَوى مَكْحُولٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ المُنافِقِ: فَقالَ: (إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ نَقَضَ، لاَ يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا ولا يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا هَجْرًا) .» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن حذيفة.
أنه سئل عن المنافق.
فقال: الذي يصف الإِسلام ولا يعمل به.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: النفاق نفاقان.
نفاق تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم فذاك كفر، ونفاق خطايا وذنوب فذاك يرجى لصاحبه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ قال: هو التكذيب.
قال: وهو أنكر المنكر ﴿ وينهون عن المعروف ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإِقرار بما أنزل الله وهو أعظم المعروف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله تعالى في القرآن فذكر المنكر عبادة الأوثان والشيطان.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ قال: لا يبسطونها بنفقة في حق الله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ قال: لا يبسطونها بخير ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ قال: نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ قال: تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ نسوا الله ﴾ قال: تركوا أمر الله ﴿ فنسيهم ﴾ تركهم من رحمته أن يعطيهم إيماناً وعملاً صالحاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الله لا ينسى من خلقه ولكن نسيهم من الخير يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نسوا في العذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ قال: صنيع الكفار كالكفار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿ كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ﴾ إلى قوله: ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جُحْر ضبٍّ لدخلتموه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بخلاقهم ﴾ قال: بدينهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: الخلاق الدين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ قال: بنصيبهم من الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ قال: لعبتم كالذي لعبوا.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذركم أن تحدثوا حدثاً في الإِسلام، وعلم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة فقال الله: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم...
﴾ الآية» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (أي على دين بعض) (١) قال أبو علي: (أي بعضهم يلابس بعضا، ويوالي بعضا، وليس المعنى على النسل (٢) (٣) وقال أبو إسحاق: (هذا يتلو قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ﴾ أي ليس المنافقون من المؤمنين) (٤) وقال غيره من أهل المعاني: (معنى ﴿ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق (٥) (٦) (٧) ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بالنفاق والتثبيط عن الجهاد في سبيل الله، والتكذيب برسول الله - -) (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ ، قال ابن عباس: (عن اتباع رسول الله - - (١١) (١٢) -) (١٣) -) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (عن النفقة في سبيل الله) (١٥) (١٦) (١٧) وقال قتادة: (لا يبسطونها بخير) (١٨) (١٩) وقال الزجاج: (أي: لا يصدقون ولا يزكون) (٢٠) والأصل في هذا أن (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [[انظر النسخة (ج) 2/ 61 ب وقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ : [قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الإمساك عن الرزق) وقال في رواية الوالبي: ليسوا يعنون بذلك أن يده موثقة، ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده) ..
قال الفراء: (أرادوا ممسكة عن الإنفات والإسباغ علينا).]].
وقوله تعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (تركوا ما أمرهم [به من] (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: العاصون الله (٣٠) (١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 467، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 508.
(٢) في (ح): (النسك)، وهو خطأ.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 172.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 379، والبغوي في "تفسيره" 4/ 71، دون تعيين القائل.
(٦) في (ح): (يقول الإنسان).
(٧) لم أجده عند أهل المعاني، وانظر معناه في: "تفسير الرازي" 16/ 126.
(٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1831 من رواية علي بن أبي طلحة بلفظ: التكذيب، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 197 من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه بلفظ: (بالكفر ومخالفة الرسول).
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.
(١١) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 197 بلفظ: (عن الإيمان وموافقة الرسول).
(١٢) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1832 من رواية علي بن أبي طلحة.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.
(١٤) لم أجد من أخرجه فيما بين يدي من المصادر.
(١٥) "زاد المسير" 3/ 467، و"تنوير المقباس" ص 197.
(١٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 379، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 467.
(١٧) رواه ابن جرير 10/ 174، وابن أبي حاتم 6/ 1832، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 233.
(١٨) رواه ابن جرير 14/ 338، وابن أبي حاتم 4/ 65 أ، وبنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/283.
(١٩) لم أجد من ذكره فيما بين يدي من المصادر.
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 460.
(٢١) ساقط من (ى).
(٢٢) ساقط من (ى).
(٢٣) في (ى): (عند).
(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٥) في (ى): (بطاعته).
(٢٦) رواه بنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1832 وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 458، ولفظ ابن أبي حاتم: (تركوا الله فتركهم من ثوابه وكرامته).
(٢٧) رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 458.
(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٩) انظر موضوع مزاوجة الكلام وتشابه الألفاظ مع اختلاف المعنى في: "تأويل مشكل إعراب القرآن" ص 277، و"الحجة للقراء السبعة" 1/ 315.
(٣٠) في (ى): (لله).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ كان رجل منهم اسمه مخشن تاب ومات شهيداً ﴿ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ نفي لأن يكونوا من المؤمنين ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ كناية عن البخل ﴿ نَسُواْ الله ﴾ أي غفلوا عن ذكره ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ تركهم من رحمته وفضله ﴿ وَعَدَ الله المنافقين ﴾ الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر ﴿ والكفار ﴾ يعنى المجاهرين بالكفر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.
الباقون: بالإضافة.
﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.
الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.
﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.
التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.
وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.
وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .
ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.
فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.
ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.
فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.
قال الجبائي: إنه ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.
والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.
وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.
وروي أنه كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله ترك أشياء معلومة مع أنه أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.
وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.
والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.
ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.
واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.
وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟
قال: لا والله بل مسكين.
وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.
وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.
الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.
قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.
وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.
وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.
يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.
واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟
والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.
وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.
عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.
قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.
ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.
والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.
قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.
وعن أبي حنيفة وأصحابه.
وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.
وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.
قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.
ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.
وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.
وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.
وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.
فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.
وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.
روى الأصم في تفسيره أنه لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.
وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.
الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.
قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.
الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.
قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.
ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ ولقوله : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .
الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.
والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.
الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.
وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.
وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.
واحتجوا عليه بأن الله ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.
وعن النبي "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.
الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.
أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.
لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.
فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.
وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.
وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.
وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.
وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.
وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!
وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.
ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.
وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.
وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.
وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.
وقال "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.
وأيضاً أراد الله أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.
ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.
فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.
وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.
وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.
قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.
وفسر إيذاءهم النبي بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.
ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.
ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.
ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.
والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.
وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.
ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.
ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.
ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.
وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.
والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.
والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.
ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.
وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.
قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.
ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.
قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.
والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.
قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟
وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.
قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.
عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.
ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.
فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.
ثم ذهب ليخبر رسول الله فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
والنبي يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟
ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.
وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.
فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.
قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.
ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".
ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.
واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.
والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.
ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.
وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.
﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.
وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.
قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ وأقله الواحد.
وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.
ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.
وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود.
ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.
ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.
وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.
ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.
وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.
﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.
وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.
وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.
ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.
ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.
فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.
ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.
﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟
وأجيب بأنه ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.
قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.
وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.
ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.
وقيل: أصله كالذين فحذف النون.
ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.
فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.
التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.
والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.
وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ .
ذكر [في] أهل الإيمان [أن] بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله: ﴿ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وقال في المنافقين: ﴿ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن لأهل الإيمان ديناً يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه، وأهل الكفر يدينون - أيضاً - بدين ويتناصرون به، ويعاون بعضهم بعضاً؛ فصار لكل واحد من الفريقين موالاة فيما بينهم: موالاة الدين.
وأما المنافقون: فإنه لا دين لهم يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا يناصر بعضهم بعضاً، ولا يعاون بعضهم بعضاً، ولا يجري بينهم التناصر والتعاون، فإنما هم عباد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة بينهم لما ذكرنا.
وفي قوله: ﴿ وَٱلْمُنَافِقَاتُ ﴾ دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر [أو كفر بالتقليد لآخر] أو نافق لا بتقليد - سواءٌ في استيجاب الإثم والتعذيب في ذلك والوعيد؛ لأن النساء هن أتباع وأهل تقليد للرجال، ثم سوى بينهم وبين النساء في الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ ، أي: ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله والخلاف له.
﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي: ينهون عما تعرفه العقول وتستحسنه، وهو التوحيد لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن، وفي المنكر يدخل فيه الشرك وكل معصية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ .
من الإنفاق في سبيل الخير، لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي جميع الطاعات، لكنه ذكر اليد؛ لما بالأيدي يعمل بها ويكتسب الخيرات والسيئات؛ كقوله: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، وذلك مما لم تقدمه الأيدي ولا كسبت؛ إنما ذلك كسب القلب، لكنه ذكر اليد؛ لما ذكرنا أنه باليد ما يقدم وبها يقبض في الشاهد، وجائز أن يكون ما ذكر من قبض اليد كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
قيل: جعلوا الله - عز وجل - كالشيء المنسي لا يذكرونه أبداً؛ فنسيهم، أي: جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمته لا ينالونها ويحتمل ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا نعم الله التي أنعمها عليهم فلم يشكروها؛ فنسيهم على المجازاة لذلك، وإن لم يكن نسيانا؛ كما سمي جزاء السيئة سيئة، وإن لم يكن الثاني سيئة؛ فعلى ذلك ذكر النسيان على مجازاة النسيان، وإن لم يحتمل النسيان.
والثالث: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي بسؤال المعونة والنصرة وسؤال التوفيق؛ فنسيهم الله، أي: لم ينصرهم ولم يوفقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .
فإن قيل: اسم النفاق أشر وأقبح من اسم الفسق؛ فما معنى ذكر الفسق لهم؟!
فهو - والله أعلم - لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين باللسان؛ فأخبر أنهم ليسوا على ما أظهروا، والله أعلم.
أو أن يكون اسم النفاق أشر وأقبح عند الناس من اسم الفسق؛ فيحتمل عندهم أن يكون اسم الفسق أكبر في القبح.
أو سماهم فاسقين؛ لما أن كل أهل الأديان يأنفون عن [النسبة إلى] الفسق والتسمية به.
أو أن يكونوا يعلمون في أنفسهم أنهم أهل نفاق، ولا يعرفون أنهم فسقة.
وأصل الفسق: هو الخروج عن أمر الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ .
كأن جهنم هي المكان الذي يعذبون فيه والنار فيه بها يعذبون.
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ .
أي: حسبهم جزاء لصنيعهم، يقول الرجل لآخر: حسبك كذا، أي: كفاك ذلك جزاء ذلك.
وقوله: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: اللعن: هو الطرد في اللغة، أي: طردهم عن رحمته.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ .
لا يفارقهم ألبتة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ﴾ .
أي: هؤلاء المنافقون والكفرة كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وبطشاً.
﴿ وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .
في الشاهد: إنما يدفع العذاب أو العقوبة لهذا، وبه يتناصرون بعضهم من بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك عن أنفسهم، فأنتم دونهم في القوة وما ذكر؛ كيف تقدرون على دفع ذلك، هذا قد قيل.
وقيل: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ : أي: صرتم بما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك بما اختاروا من الأعمال، وكل أنواع الخلاف لله، وتكذيب الرسل، وتعاطي ما لا يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم.
﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ﴾ .
قيل: انتفعوا بخلاقهم، أي: أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك الدنيا بدينهم.
وقيل: ﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ ﴾ أي بنصيبهم من الدنيا ولم يقدموا شيئاً للآخرة.
والخلاق: النصيب؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: لا نصيب لهم.
وقال أبو هريرة: الخلاق: الدين، وكذلك قال الحسن في قوله: ﴿ بِخَلاقِهِمْ ﴾ ، أي: بدينهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ .
أي: خضتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية.
قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ ، أي: لعبتم ﴿ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ ، أي: لعبوا بالتكذيب.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة؛ لأنها كانت في غير إيمان، فثواب الأعمال إنما يكون في الآخرة بالإيمان.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
خسراناً مبيناً، وبطلان أعمالهم في الدنيا لما يقبل واحد من الفريقين من المؤمنين والكفار صنيعهم؛ لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما، وما كانوا مع واحد من الفريقين؛ كقوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...
﴾ إلى أخره.
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ ، أي: قد أتاهم خبر الذين من قبلهم وما حلّ بهم وما انتقم الله منهم؛ بتكذيبهم الرسل وسعيهم في قتلهم وهلاكهم، وهم من جنس أنفسكم، وأشد قوة وبطشاً منكم، وأنتم تقلدونهم في ذلك، ثم حل بهم ما حل بتكذيبهم [الرسل] والخلاف لهم، فأنتم دونهم في كل شيء، وأقل منهم في القوة والبطش - أولى بذلك أن يصيبكم.
و[الثاني]: يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: يأتيهم نبأ الذين من قبلهم وما حل بهم؛ كقوله: ألم تر كذا، أي: سترى؛ فعلى ذلك هذا يحتمل، وهو حرف وعيد، يحذرهم ما حل بأولئك؛ ليمتنعوا عن مثل صنيعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ﴾ .
قال أهل التاويل: [هي] قربات لوط ..
مؤتفكات: أي منقلبات.
قال القتبي: ائتفكت، أي انقلبت.
وقال أبو عوسجة: المؤتفكات: هي من الإفك؛ وهو الصرف ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: يصرفون.
وقال بعضهم: المؤتفكات: المكذبات؛ ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ فكذبوهم فأهلكوا.
وهو من الانقلاب؛ كأنه أشبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ .
بتعذيبه إياهم، ولا يعذبهم وهم غير مستوجبين لذلك العذاب، ولكن هم ظلموا أنفسهم؛ حيث كذبوا رسله وردوا ما جاءوا به من البينات والبراهين.
<div class="verse-tafsir"
المنافقون رجالًا ونساءً متفقون في أحوال النفاق، وهم على النقيض من المؤمنين، فهم يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويبخلون بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل الله، تركوا الله أن يطيعوه، فتركهم الله من توفيقه، إن المنافقين هم الخارجون عن طاعة الله وطريق الحق إلى معصيته وطريق الضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.G906E"