الآية ٧٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧٤ من سورة التوبة

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 147 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) قال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي ، وذلك أنه اقتتل رجلان : جهني وأنصاري ، فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصروا أخاكم ؟

والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : " سمن كلبك يأكلك " ، وقال : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) [ المنافقون : 8 ] فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فسأله ، فجعل يحلف بالله ما قاله ، فأنزل الله فيه هذه الآية .

وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة قال : فحدثنا عبد الله بن الفضل ، أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول : حزنت على من أصيب بالحرة من قومي ، فكتب إلي زيد بن أرقم - وبلغه شدة حزني - يذكر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار - وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار - قال ابن الفضل : فسأل أنسا بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم ، فقال : هو الذي يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوفى الله له بأذنه .

وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب - : لئن كان هذا صادقا فنحن شر من الحمير ، فقال زيد بن أرقم : فهو والله صادق ، ولأنت شر من الحمار .

ثم رفع ذلك إلى رسول الله ، فجحده القائل ، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد - يعني قوله : ( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية .

رواه البخاري في صحيحه ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة .

إلى قوله : هذا الذي أوفى الله له بأذنه ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة ، وقد رواه محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة بإسناده ثم قال : قال ابن شهاب .

فذكر ما بعده عن موسى ، عن ابن شهاب .

والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق ، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية ، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها ، والله أعلم .

[ حاشية ] قال " الأموي " في مغازيه : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن جده قال : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذني قومي فقالوا : إنك امرؤ شاعر ، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض العلة ، ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه .

وذكر الحديث بطوله إلى أن قال : وكان ممن تخلف من المنافقين ، ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجلاس بن سويد بن الصامت ، وكان على أم عمير بن سعد ، وكان عمير في حجره ، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين ، قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير [ قال ] فسمعها عمير بن سعد فقال : والله - يا جلاس - إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي بلاء ، وأعزهم علي أن يصله شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني ، ولإحداهما أهون علي من الأخرى .

فمشى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما قال الجلاس .

فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ، ولقد كذب علي .

فأنزل الله - عز وجل - فيه : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) إلى آخر الآية .

فوقفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها .

فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ، ونزع فأحسن النزوع هكذا جاء هذا مدرجا في الحديث متصلا به ، وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه ، لا من كلام كعب بن مالك .

وقال عروة بن الزبير : نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت ، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء ، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها .

فقال مصعب : أما والله - يا عدو الله - لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قلت : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخفت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة ، أو أن أخلط بخطيئته ، فقلت : يا رسول الله ، أقبلت أنا والجلاس من قباء ، فقال كذا وكذا ، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك .

قال : فدعا الجلاس فقال : يا جلاس ، أقلت الذي قاله مصعب ؟

فحلف ، فأنزل الله : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) الآية .

وقال محمد بن إسحاق : كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد بن الصامت ، فرفعها عليه رجل كان في حجره ، يقال له : عمير بن سعيد ، فأنكرها ، فحلف بالله ما قالها : فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع ، وحسنت توبته ، فيما بلغني .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني الشيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه .

فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟

فانطلق الرجل فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم ، فأنزل الله - عز وجل - : ( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية .

وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " من حديث محمد بن إسحاق ، عن الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن [ أبي ] البختري ، عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقود به ، وعمار يسوق الناقة - أو أنا : أسوقه ، وعمار يقوده - حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها ، قال : فأنبهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ بهم ] فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل عرفتم القوم ؟

قلنا : لا يا رسول الله ، قد كانوا متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب .

قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟

قلنا : لا .

قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة ، فيلقوه منها .

قلنا : يا رسول الله ، أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟

قال : لا ، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى [ إذا ] أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة .

قلنا : يا رسول الله ، وما الدبيلة ؟

قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك .

وقال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا يزيد ، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ العقبة فلا يأخذها أحد .

فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوده حذيفة ويسوقه عمار ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ، وأقبل عمار - رضي الله عنه - يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة : قد ، قد .

حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ فلما هبط ] نزل ورجع عمار ، فقال : يا عمار ، هل عرفت القوم ؟

فقال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون .

قال : هل تدري ما أرادوا ؟

قال : الله ورسوله أعلم .

قال : أرادوا أن ينفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيطرحوه .

قال : فسار عمار رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟

قال : أربعة عشر .

فقال : إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر .

قال : فعذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ثلاثة قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله ، وما علمنا ما أراد القوم .

فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

وهكذا روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير نحو هذا ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي ، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة ، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون ، وهم متلثمون ، فأرادوا سلوك العقبة ، فأطلع الله على مرادهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر حذيفة فرجع إليهم ، فضرب وجوه رواحلهم ، ففزعوا ورجعوا مقبوحين ، وأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة وعمارا بأسمائهم ، وما كانوا هموا به من الفتك به ، صلوات الله وسلامه عليه ، وأمرهما أن يكتما عليهم .

وكذلك روى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، إلا أنه سمى جماعة منهم ، فالله أعلم .

وكذا قد حكي في معجم الطبراني ، قاله البيهقي .

ويشهد لهذه القصة بالصحة ، ما رواه مسلم : حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا أبو أحمد الكوفي ، حدثنا الوليد بن جميع ، حدثنا أبو الطفيل قال : كان [ بين ] رجل من أهل العقبة [ وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك بالله ، كم كان أصحاب العقبة ] قال : فقال له القوم : أخبره إذ سألك .

قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثة قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا علمنا بما أراد القوم .

وقد كان في حرة فمشى ، فقال : إن الماء قليل ، فلا يسبقني إليه أحد ، فوجد قوما قد سبقوه ، فلعنهم يومئذ .

وما رواه مسلم أيضا ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيس بن عباد ، عن عمار بن ياسر قال : أخبرني حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : في أصحابي اثنا عشر منافقا ، لا يدخلون الجنة ، ولا يجدون ريحها حتى يلج [ الجمل ] في سم الخياط : ثمانية تكفيكهم الدبيلة : سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم .

ولهذا كان حذيفة يقال له : " صاحب السر ، الذي لا يعلمه غيره " أي : من تعيين جماعة من المنافقين ، وهم هؤلاء ، قد أطلعه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره ، والله أعلم .

وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة ، ثم روى عن علي بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكار أنه قال : هم معتب بن قشير ، ووديعة بن ثابت ، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف ، والحارث بن يزيد الطائي ، وأوس بن قيظي ، والحارث بن سويد ، وسعد بن زرارة وقيس بن فهد ، وسويد وداعس من بني الحبلي ، وقيس بن عمرو بن سهل ، وزيد بن اللصيت ، وسلالة بن الحمام ، وهما من بني قينقاع ، أظهرا الإسلام .

وقوله : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) أي : وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سفارته ، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به ، كما قال ، عليه السلام للأنصار : ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟

وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟

وعالة فأغناكم الله بي ؟

كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .

وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] وكما قال - عليه السلام - ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله .

ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال : ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ) أي : وإن يستمروا على طريقهم ( يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ) أي : بالقتل والهم والغم ، ( والآخرة ) أي : بالعذاب والنكال والهوان والصغار ، ( وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) أي : وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم ، ولا يحصل لهم خيرا ، ولا يدفع عنهم شرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي نـزلت فيه هذه الآية, والقول الذي كان قاله, الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله.

فقال بعضهم: الذي نـزلت فيه هذه الآية: الجُلاس بن سويد بن الصامت.

* * * وكان القولُ الذي قاله، ما:- 16967- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نـزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت, قال: " إن كان ما جاء به محمد حقًّا, لنحن أشرُّ من الحُمُر!"، (7) فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله, لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت, فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك !

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس, فقال: " يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟

فحلف ما قال, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمُّوا بما لم ينالوا وما نَقَموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).

16968- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية الضرير, عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نـزلت هذه الآية: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، في الجلاس بن سويد بن الصامت, أقبل هو وابن امرأته مُصْعَب من قُباء, فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا لنحن أشرُّ من حُمُرنا هذه التي نحن عليها !

(8) فقال مصعب: أما والله، يا عدو الله، لأخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلتَ !

فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم, وخشيت أن ينـزل فيَّ القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخْلَط [بخطيئته], (9) قلت: يا رسول الله، (10) أقبلت أنا والجلاس من قباء, فقال كذا وكذا, ولولا مخافة أن أُخْلَط بخطيئته، (11) أو تصيبني قارعة، ما أخبرتك.

قال: فدعا الجلاس فقال له: يا جلاس، أقلت الذي قال مصعب؟

قال: فحلف, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، الآية.

16969- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذي قال تلك المقالة، فيما بلغني، الجلاس بن سويد بن الصامت, فرفعها عنه رجلٌ كان في حجره، يقال له " عمير بن سعيد ", (12) فأنكرها, (13) فحلف بالله ما قالها.

فلما نـزل فيه القرآن، تاب ونـزع وحسنت، توبته فيما بلغني.

(14) 16970- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كلمة الكفر)، قال أحدهم: " لئن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شر من الحمير "!

فقال له رجل من المؤمنين: إن ما قال لحقٌّ، ولأنت شر من حمار!

قال: فهمَّ المنافقون بقتله, فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).

16971- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.

16972-......

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

16973- حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلّ شجرة, فقال: إنه سيأتيكم إنسانٌ فينظر إليكم بعيني شيطان, فإذا جاء فلا تكلموه.

فلم يلبث أن طلَع رجل أزرقُ, (15) فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟

فانطلق الرجل فجاء بأصحابه, فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، حتى تجاوَز عنهم, فأنـزل الله: (يحلفون بالله ما قالوا)، ثم نعتهم جميعًا, إلى آخر الآية.

(16) وقال آخرون: بل نـزلت في عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول: قالوا: والكلمة التي قالها ما:- 16974- حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يحلفون بالله ما قالوا)، إلى قوله: (من وليّ ولا نصير)، قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار, وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ, فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم, فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: " سمِّن كلبك يأكلك "، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [سورة المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله, فجعل يحلف بالله ما قاله, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر).

16975- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نـزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنّهم يحلفون بالله كذبًا على كلمة كُفْر تكلموا بها أنهم لم يقولوها.

وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة: أن الجلاس قاله = وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول، والقول ما ذكر قتادة عنه أنه قال.

ولا علم لنا بأيّ ذلك من أيٍّ, (17) إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة، ويُتوصَّل به إلى يقين العلم به, وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل, فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم).

* * * وأما قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان همَّ بذلك، وما الشيء الذي كان هم به.

[فقال بعضهم: هو رجل من المنافقين, وكان الذي همَّ به]، قتلَ ابن امرأته الذي سمع منه ما قال، (18) وخشي أن يفشيه عليه.

* ذكر من قال ذلك: 16976- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: همَّ المنافق بقتله = يعني قتل المؤمن الذي قال له: " أنت شر من الحمار "!

فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).

16977- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله.

(19) * * * وقال آخرون: كان الذي همَّ، رجلا من قريش = والذي همّ به، قتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 16978- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شبل, عن جابر, عن مجاهد في قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، قال: رجل من قريش، همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال له: " الأسود ".

* * * وقال آخرون: الذي همّ، عبد الله بن أبي ابن سلول, وكان همُّه الذي لم ينله، قوله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، [سورة المنافقون: 8]، من قول قتادة وقد ذكرناه.

(20) * * * وقوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر، كان فقيرًا فأغناه الله بأن قُتِل له مولًى, فأعطاه رسول الله ديتَه.

فلما قال ما قال, قال الله تعالى: (وما نقموا)، يقول: ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا, (21) =(إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).

* ذكر من قال ذلك: 16979- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، وكان الجلاس قُتِل له مولًى، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته, فاستغنى, فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).

16980-......

قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عكرمة قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثنى عشر ألفًا في مولى لبني عديّ بن كعب, وفيه أنـزلت هذه الآية: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).

16981- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: كانت لعبد الله بن أبيٍّ ديةٌ, فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم له.

16982- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن سفيان قال، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة: أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلا من الأنصار, فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية اثنى عشر ألفا, وفيه أنـزلت: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من عكرمة = يعني: الدية اثني عشر ألفًا.

16983- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا محمد بن سنان العَوَقيّ قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, مولى ابن عباس, عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفًا.

فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: بأخذ الديِّة.

(22) * * * وأما قوله: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، يقول تعالى ذكره: فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قِيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه, يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك، خيرًا لهم من النفاق (23) =(وإن يتولوا)، يقول: وإن يدبروا عن التوبة، فيأتوها ويصرُّوا على كفرهم، (24) =(يعذبهم الله عذابًا أليمًا)، يقول: يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا, إما بالقتل, وإما بعاجل خزي لهم فيها, ويعذبهم في الآخرة بالنار.

(25) * * * وقوله: (وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير)، يقول: وما لهؤلاء المنافقين إن عذبهم الله عاجل الدنيا =(من ولي)، يواليه على منعه من عقاب الله (26) =(ولا نصير) ينصره من الله فينقذه من عقابه.

(27) وقد كانوا أهل عز ومنعة بعشائرهم وقومهم، يمتنعون بهم من أرادهم بسوء, فأخبر جل ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم, لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه، إن احتاجوا إلى نصرهم.

* * * وذكر أن الذي نـزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق.

* ذكر من قال ذلك: 16984- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، قال: قال الجلاس: قد استثنى الله لي التوبة, فأنا أتوب.

فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

16985- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، الآية, فقال الجلاس: يا رسول الله، إني أرى الله قد استثنى لي التوبة, فأنا أتوب!

فتابَ, فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.

-------------------- الهوامش : (7) انظر استعمال " أشر " ، فيما سلف في الأثرين رقم : 5080 ، 11723 .

وكان في المطبوعة : " الحمير " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8) في المطبوعة : " حميرنا " بالإفراد وأثبت ما في المخطوطة.

(9) في المطبوعة والمخطوطة : " أخلط " ، ليس فيها ذكر الخطيئة واستظهرتها من باقي الخبر ، ومن تفسير ابن كثير .

(10) في المطبوعة : " يا رسول أقبلت " ، وهو من الطباعة.

(11) في المطبوعة : " أن أؤاخذ بخطيئته " ، غير ما في المخطوطة ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب ، وهو موافق لما في تفسير ابن كثير 4 : 204 ، 205.

(12) في المخطوطة والمطبوعة : " سعيد " ، والذي في سيرة ابن هشام ، " سعد " ، ولكني تركت ما في المخطوطة ، لأني وجدت الحافظ ابن حجر في الإصابة ، ذكر هذا الاختلاف ، فأخشى أن تكون هذه رواية أبي جعفر في سيرة ابن إسحاق.

(13) في المطبوعة: "فأنكر"، أثبت ما في المخطوطة، موافقا لابن هشام.

(14) الأثر : 16969 - سيرة ابن هشام 4 : 196، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16919.

(15) إذا قيل: "رجل أزرق"، فإنما يعنون زرقة العين، وقد عدد الجاحظ في الحيوان 5 : 330 ، " الزرق من العرب " ، وكانت العرب تتشاءم بالأزرق ، وتعده لئيما .

وانظر طبقات فحول الشعراء : 111 ، في قول مزرد ، في قاتل عمر رضي الله عنه : وَمَـا كُـنْتُ أَخْشَـى أَنْ تَكُـونَ وَفَاتُهُ بِكَـفَّيْ سَـبَنْتَى أَزْرَقِ العَيْـنِ مُطْـرِقِ (16) الأثر : 16973 - " أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري " ، أبو أيوب البغدادي ، شيخ الطبري .

قال ابن أبو حاتم : " كتبنا عنه بالرملة، وذكرته لأبي فعرفه ، وقال : كان صدروقًا " .

مترجم في ابن أبي حاتم 1 1 241 ، وتاريخ بغداد 7 : 9 ، 10 .

و " عبد الله بن رجاء بن عمرو " ، أبو عمرو الغداني .

كان حسن الحديث عن إسرائيل .

وهو ثقة .

مترجم في التهذيب .

وهذا إسناد صحيح .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 258 ، وزاد نسبته إلى الطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(17) في المطبوعة والمخطوطة: "بأن ذلك من ي"، وهو لا معنى له ، وصوابه ما أثبت ، كما نبهت عليه مرارًا انظر ما سلف : 13 : 260 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(18) كان في المخطوطة : " .

.

.

وما الشيء الذي كان هم به قيل ابن امرأته ، وجعلها في المطبوعة : " .

.

.

هم به أقتل ابن امرأته ، وعلق عليه فقال : " في العبارة سقط ، ولعل الأصل : فقال بعضهم : كان الذي هم الجلاس بن سويد ، والشيء الذي كان هم به قتل ابن امرأته إلخ ، تأمل".

والصواب ، إن شاء الله ، ما أثبت بين القوسين، لأن الخبر التالي من خبر مجاهد ، ولم يبين فيه اسم المنافق ، كما لم يبينه في رقم : 16970 ، وما بعده، فالصواب الجيد، أن يكون اسم المنافق مبهما في ترجمة سياق الأخبار، كدأب أبي جعفر في تراجم فصول تفسيره.

(19) في المطبوعة: "عن مجاهد، به"، وفي المخطوطة ، قطع فلم يذكر شيئًا، فأقررت ما درج على مثله أبو جعفر.

(20) انظر ما سلف رقم : 16974 .

(21) انظر تفسير " نقم " 10 : 433 13 : 35 .

(22) الأثر : 16983 - " صالح بن مسمار السلمي المروزي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 224 .

و " محمد بن سنان الباهلي العوقي " ، أبو بكر البصري ، ثقة مترجم في التهذيب ، والكبير 1 1 109 وابن أبي حاتم 3 2 279 .

و " محمد بن مسلم الطائفي " ، ثقة ، يضعف ، مضى برقم : 447 ، 3473 ، 4491 .

وهذا الخبر ، لم يذكره أبو جعفر في باب الديات من تفسيره ، انظر ما سلف رقم : 10143 ، في ج 9 : 50 .

(23) انظر تفسير "التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (توب).

(24) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).

(25) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

(26) انظر تفسير "الولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).

(27) انظر تفسير "النصير" فيما سلف من فهارس اللغة (نصر).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصيرفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ، ووديعة بن ثابت ; وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير .

فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق ; وإنك لشر من حمار .

وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب .

وحلف عامر لقد قال ، وقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا ، فنزلت .

وقيل : إن الذي سمعه عاصم بن عدي .

وقيل حذيفة .

وقيل : بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بن سعد ; فيما قال ابن إسحاق .

وقال غيره : اسمه مصعب .

فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره ; ففيه نزل : وهموا بما لم ينالوا .

قال مجاهد : وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله ، ثم لم يفعل ، عجز عن ذلك .

قال ، ذلك هي الإشارة بقوله وهموا بما لم ينالوا .

وقيل : إنها نزلت في عبد الله بن أبي ، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فعلا [ ص: 131 ] الغفاري الجهني .

فقال ابن أبي : يا بني الأوس والخزرج ، انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله ; قاله قتادة .

وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين ; قاله الحسن .

ابن العربي : وهو الصحيح ; لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم ، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي .الثانية : قوله تعالى ولقد قالوا كلمة الكفر قال النقاش : تكذيبهم بما وعد الله من الفتح .

وقيل : كلمة الكفر قول الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير .

وقول عبد الله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

قال القشيري : كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام .وكفروا بعد إسلامهم أي بعد الحكم بإسلامهم .

فدل هذا على أن المنافقين كفار ، وفي قوله تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا دليل قاطع .ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ; وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة .

قال إسحاق بن راهويه : ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع ; لأنهم بأجمعهم قالوا : من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة ، ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان ، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك .الثالثة : قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك ، وكانوا اثني عشر رجلا .

قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم .

فقلت : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟

فقال : أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة .

قيل : يا رسول الله وما الدبيلة ؟

قال : شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه .

فكان كذلك .

خرجه مسلم بمعناه .

وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه .

وقد تقدم قول مجاهد في هذا .[ ص: 132 ] الرابعة : قوله تعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله أي ليس ينقمون شيئا ; كما قال النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائبويقال : نقم ينقم ، ونقم ينقم ; قال الشاعر في الكسر :ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبواوقال زهير :يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقمينشد بكسر القاف وفتحها .

قال الشعبي : كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا .

ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا .

ويقال : إن القتيل كان مولى الجلاس .

وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم .

وهذا المثل مشهور : اتق شر من أحسنت إليه .

قال القشيري أبو نصر : قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه ؟

قال نعم ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله .الخامسة : قوله تعالى فإن يتوبوا يك خيرا لهم روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب .

فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان ; وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق .

وقد اختلف في ذلك العلماء ; فقال الشافعي : تقبل توبته .

وقال مالك : توبة الزنديق لا تعرف ; لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر ، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله .

وكذلك يفعل الآن في كل حين ، يقول : أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر ; فإذا عثر عليه وقال : تبت ، لم يتغير حاله عما كان عليه .

فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته ; وهو المراد بالآية .

والله أعلم .السادسة : قوله تعالى وإن يتولوا أي يعرضوا عن الإيمان والتوبةيعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار وما لهم في الأرض من ولي أي مانع يمنعهم ولا نصير أي معين .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ‏}‏ أي‏:‏ إذا قالوا قولا كقول من قال منهم ‏{‏ليخرجن الأعز منها الأذل‏}‏ والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول‏.‏ فإذا بلغهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا‏.‏ قال تعالى مكذبا لهم ‏{‏وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ‏}‏ فإسلامهم السابق ـ وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر ـ فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر‏.‏ ‏{‏وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا‏}‏ وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك، فقص اللّه عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم‏.‏ ‏{‏و‏}‏ الحال أنهم ‏{‏مَا نَقَمُوا‏}‏ وعابوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه‏؟‏‏\"‏ فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية‏.‏ ثم عرض عليهم التوبة فقال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ‏}‏ لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة‏.‏ ‏{‏وَإِنْ يَتَوَلَّوْا‏}‏ عن التوبة والإنابة ‏{‏يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير‏.‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ‏}‏ يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب ‏{‏وَلَا نَصِيرٍ‏}‏ يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يحلفون بالله ما قالوا ) قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال : " إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه " ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " علام تشتمني أنت وأصحابك " ؟

فانطلق الرجل ، فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ، ما قالوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية .

وقال الكلبي : نزلت في الجلاس بن سويد ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك ، فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم ، فقال جلاس : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير .

فسمعه عامر بن قيس ، فقال : أجل إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس ، فقال الجلاس : كذب علي يا رسول الله ، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر ، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ، ولقد كذب علي عامر ، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون : آمين .

فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية ، حتى بلغ : ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) فقام الجلاس فقال : يا رسول الله أسمع الله عز وجل قد عرض علي التوبة ، صدق عامر بن قيس فيما قاله ، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه ، فقبل رسول الله ذلك منه وحسنت توبته .

قوله تعالى : ( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) أي : أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام .

وقيل : هي سب النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : كلمة الكفر قول الجلاس : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير .

وقيل : كلمة الكفر قولهم " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ، ( المنافقين - 8 ) وستأتي تلك القصة في موضعها في سورة المنافقين ( وهموا بما لم ينالوا ) قال مجاهد : هم المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم : لنحن شر من الحمير ، لكي لا يفشيه .

وقيل : هم اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء جبريل عليه السلام وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأرسل حذيفة لذلك .

وقال السدي : قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا ، فلم يصلوا إليه .

( وما نقموا ) وما كرهوا وما أنكروا منهم ، ( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) وذلك أن مولى الجلاس قتل ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم فاستغنى .

وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم .

( فإن يتوبوا ) من نفاقهم وكفرهم ( يك خيرا لهم وإن يتولوا ) يعرضوا عن الإيمان ، ( يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ) بالخزي ، ( والآخرة ) أي : وفي الآخرة بالنار ، ( وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يحلفون» أي المنافقون «بالله ما قالوا» ما بلغك عنهم من السب «ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم» أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام «وهمَّوا بما لم ينالوا» من الفتك بالنبي ليلة العقبة عند عوده من تبوك وهم بضعة عشر رجلا فضرب عمار بن ياسر وجوه الرواحل لما غشوه فردوا «وما نقموا» أنكروا «إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله» بالغنائم بعد شدة حاجتهم المعنى: لم ينلهم منه إلا هذا وليس مما ينقم «فإن يتوبوا» عن النفاق ويؤمنوا بك «يكُ خيرا لهم وإن يتولوْا» عن الإيمان «يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا» بالقتل «والآخرة» بالنار «ومالهم في الأرض من ولي» يحفظهم منه «ولا نصير» يمنعهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يحلف المنافقون بالله أنهم ما قالوا شيئًا يسيء إلى الرسول وإلى المسلمين، إنهم لكاذبون؛ فلقد قالوا كلمة الكفر وارتدوا بها عن الإسلام وحاولوا الإضرار برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم الله من ذلك، وما وجد المنافقون شيئًا يعيبونه، وينتقدونه، إلا أن الله -تعالى- تفضل عليهم، فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة، فإن يرجع هؤلاء الكفار إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم منقذ ينقذهم ولا ناصر يدفع عنهم سوء العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المنافقون من كذب وفجور ، ومن خيانة وغدر ، وفتح أمامهم باب التوبة ، وأنذرهم بالعذاب الأليم إذا ما استمروا فى نفاقهم فقال - سبحانه - : ( يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ .

.

.

) .ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه ابن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال : " نزلت هذه الآية : ( يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ ) .

الآية فى الجلاس بن سويد بن الصامت .

أقبل هو ابن امرأته مصعب من قباء .

فال الجلاس : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر من حمرنا هذه التى نحن عليها!!فقال مصعب : أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قلت : قال مصعب : فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وخشيت أن ينزل فى القرآن أو تصيبنى قارعة .

.

فقلت يا رسول الله : أقبلت أنا والجلاس من قباء .

فقال كذا وكذا ، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبنى قارعة ما أخبرتك .قال مصعب : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجلاس فقال له : أقلت الذى قال مصعب؟

فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك .

فأنزل الله الآية " .وأخرج ابن اسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال : لما نزل القرآن وفيه ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد : والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير .

فسمعه عمير بن عسد فقال : والله لا جلاس إنك لأحب الناس إلى .

وأحسنهم عندى أثراً .

ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ، ولئن سكت عنها هلكت ، ولإِحداهما أشد عن الأخرى .فمشى عمير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - الجلاس عما قاله عمير ، فحلف بالله ما قال ذلك ، وزعم أن عميرا كذب عليه فنزلت هذه الآية .وقال الإِمام أحمد : " حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبى الطفيل .

قال : لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أمر مناديه فنادى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ طريق العقبة - وهو مكان مرتفع ضيق - فلا يأخذها أحد .قال : فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقود ركابه حذيفة ويسوقه عمار ، إذا أقيل رهط ملثمون على الرواحل ، فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة : " قد ، قد " .

أى حسبك حسبك .

حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع عمار .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا عمار " هل عرفت القوم "؟

فقال : لقد عرفت عام الرواحل والقوم متلثمون .

قال : " هل تدرى ما أرادوا "؟

قال : الله ورسوله اعلم .

قال : " أرادوا أن ينفورا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - راحلته فيطرحوه " " .هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية وهى تكشف عن كذب المنافقين وغدرهم .وقوله .

سبحانه : ( يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ .

.

.

) استئناف مسوق لبيان جانب مما صدر عنهم من جرائم تستدعى جهادهم والإِغلاظ عليهم .أى : يحلف هؤلاء المنافقون بالله كذاب وزورا أنهم ما قالوا هذا القول القبيح الذى بلغك عنهم يا محمد .والحق أنهم قد قالوا " كلمة الكفر " وهى تشمل كل ما نطقوا به من اقوال يقصدون بها إيذاءه - صلى الله عليه وسلم - ، كقولهم : " هو أذن " وقولهم .

" لئن كان ما جاء به حقا فنحن أشر من حمرنا .

.

" وغير ذلك من الكلمات القبيحة التى نطقوا بها .وأنهم قد ( وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ) أى : أظهروا الكفر بعد إظهاره الإِسلام .وأنهم قد ( وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ) أى : حاولوا إلحاق الأذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم لم يستطيعوا ذلك ، لأن الله - تعالى - عصمة من شرورهم .وقوله : ( وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) توبيخ لهم على جحودهم وكنودهم ومقابتلهم الحسنة بالسيئة .ومعنى : نقموا : كرهوا وعابوا وأنكروا ، يقال نقم منه الشئ إذا أنكره ، وكرهه وعابه ، وكذا إذا عاقبه عليه .أى : وما أنكر هؤلاء المنافون من أمر الإِسلام شيئا ، إلا أنهم بسببه أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التى كانوا لا يجدونها قبل حللو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بنيهم .وهذه الجملة الكريمة جاءت على الأسلوب الذى يسميه علماء البلاغة : تأكيد المدح بما يشه الذم .قال الجمل : كأنه قال - سبحانه - ليس له - صلى الله عليه وسلم - صفة تكره وتعاب ، سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم ، إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة ، وهذه ليست صفة ذم - بل هى صفة مدح - فحينذ ليس له صفة تذم أصلا .وشبيه بهذا الاسلوب قول الشاعر يمدح قوما بالشجاعة والإِقدامولا عيب فيم غير أن سيوفهم ...

بهن فلول من قراع الكتاتبثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال : ( فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا والآخرة .

.

.

) .أى : فإن يتب هؤلاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم وأفعالهم ، يكن المتاب خيرا لهم فى دنياهم وآخرتهم .

" وإن يتلوا " ويعرضوا علن الحق : ويتسمروا فى ضلالهم ( يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا والآخرة ) .أما عذاب الدنيا فمن مظاهره : حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنين على أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق ، وشعورهم بالضعف أمام قوة المسلمين ، وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ومعاقبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم ..وأما عذاب الآخرة ، فهو أشد وأبقى ، بسبب إصرارهم على النفاق ، وإعراضهم عن دعوة الحق .وقوله : ( وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) تذييل قصد به تيئيسهم من كل معين أو ناصر .أى : أن هؤلاء المنافقين ليس لهم أحد فى الأرض يدفع عنهم عذاب الله ، أو يحميهم من عقابه ، لأن عقابه الله لن يدفعه دافع إلا هو فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن يتوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية تدل على أن أقواماً من المنافقين، قالوا كلمات فاسدة، ثم لما قيل لهم إنكم ذكرتم هذه الكلمات خافوا، وحلفوا أنهم ما قالوا، والمفسرون ذكروا في أسباب النزول وجوهاً: الأول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين.

فقال الجلاس بن سويد: والله لئن كان ما يقوله محمد في إخواننا الذين خلفناهم في المدينة حقاً مع أنهم أشرافنا، فنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمداً صادق، وأنت شر من الحمار.

وبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحضر الجلاس، فحلف بالله أنه ما قال، فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فنزلت هذه الآية.

فقال الجلاس: لقد ذكر الله التوبة في هذه الآية، ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر، فتاب الجلاس، وحسنت توبته.

الثاني: روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم.

فسمع زيد بن أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول، فهم عمر بقتل عبد الله بن أبي، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل، فنزلت هذه الآية.

الثالث: روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار، فظهر الغفاري على الجهيني، فنادى عبد الله بن أبي: يا بني الأوس انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك.

فذكروه للرسول عليه السلام، فأنكر عبد الله، وجعل يحلف.

قال القاضي: يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع وذلك لأن قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر ﴾ إلى آخر الآية كلها صيغ الجموع، وحمل صيغة الجمع على الواحد، خلاف الأصل.

فإن قيل: لعل ذلك الواحد.

قال في محفل ورضي به الباقون.

قلنا: هذا أيضاً خلاف الظاهر لأن إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل، ثم قال: بلى الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي: أن المنافقين هموا بقتله عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر آخذاً بالخطام على راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمون.

فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا.

والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب والتصنع في ادعاء الرسالة، وذلك هو قول كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج.

فأما قوله: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ﴾ فلقائل أن يقول: إنهم أسلموا، فكيف يليق بهم هذا الكلام؟

والجواب من وجهين: الأول: المراد من الإسلام السلم الذي هو نقيض الحرب، لأنهم لما نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وجنحوا إليه، فإذا جاهروا بالحرب، وجب حربهم.

والثاني: أنهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام.

وأما قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول، والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلوا إلى مقصودهم.

وأما قوله: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن في هذا الفضل وجهين: الأول: أن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله.

والثاني: روي أنه قتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى.

البحث الثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ تنبيه على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه، وهذا كقول الشاعر: ما نقموا من بني أمية إلا *** أنهم يحلمون إن غضبوا وكقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي ليس فيهم عيب، ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ والمراد استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم، وليس في الظاهر إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير، فأما أنهم تابوا فليس في الآية، وقد ذكرنا ما قالوه في توبة الجلاس.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَتَوَلَّوْا ﴾ أي عن التوبة ﴿ يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدنيا والأخرة ﴾ أما عذاب الآخرة، فمعلوم.

وأما العذاب في الدنيا، فقيل: المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب، فيحل قتالهم وقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم.

وقيل بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.

وقيل: المراد عذاب القبر ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ يعني أن عذاب الله إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم، منهم الجلاس بن سويد.

فقال الجُلاَس: والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا، فنحن شرّ من الحمير.

فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل، والله إنّ محمداً لصادق وأنت شرّ من الحمار.

وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع عامر يده فقال: اللَّهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق فنزلت ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ ﴾ فقال الجلاس: يا رسول الله، لقد عرض الله عليّ التوبة.

والله لقد قلته وصدق عامر، فتاب الجلاس وحسنت توبته ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ﴾ وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند مرجعه من تبوك: تواثق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا.

وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر لردّه على الجلاس.

وقيل: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبيّ وإن لم يرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴿ وَمَا نَقَمُواْ ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله ﴾ وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ ﴾ هي الآية التي تاب عندها الجلاس ﴿ فِى الدنيا والاخرة ﴾ بالقتل والنار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ ﴾ بِالسَّيْفِ.

﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ بِإلْزامِ الحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ.

﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ في ذَلِكَ ولا تُحابِهِمْ.

﴿ وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ مَصِيرُهم.

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ  أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَعِيبُ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِإخْوانِنا حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فاسْتَحْضَرَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.» ﴿ وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ وأظْهَرُوا الكَفْرَ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ.

﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ مِن فَتْكِ الرَّسُولِ، وهو أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم تَوافَقُوا عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذْ تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ فَقالَ إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ فَهَرَبُوا، أوْ إخْراجُهُ وإخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ أوْ بِأنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ  .

﴿ وَما نَقَمُوا ﴾ وما أنْكَرُوا أوْ ما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم.

﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَهم رَسُولُ اللَّهِ  أثْرَوْا بِالغَنائِمِ وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أوِ العِلَلِ.

﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وهو الَّذِي حَمَلَ الجُلاسَ عَلى التَّوْبَةِ والضَّمِيرُ في ﴿ يَكُ ﴾ لِلتَّوْبِ.

﴿ وَإنْ يَتَوَلَّوْا ﴾ بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ.

﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ.

﴿ وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم الجلاس ابن سويد فقال والله لئن كان ما يقول محمدا حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا فنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس أجل والله إن محمداً صادق وأنت شر من الحمار وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامر يده فقال اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق

الصادق وتكذيب الكاذب فنزل {يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر} يعني إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير أو هي استهزاؤهم فقال الجلاس يا رسول الله والله لقد قلته وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم} وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} من قتل محمد عليه السلام أو قتل عامر لرده على الجلاس وقيل أرادوا أن يتوجوا ابن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما نقموا} وما انكروا

التوبة (٧٤ _ ٧٧)

{وما نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} وذلك أنهم حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فآثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى {فَإِن يَتُوبُواْ} عن النفاق {يك} الثواب {خَيْراً لَّهُمْ} وهي الآية التي تاب عندها الجلاس {وَإِن يَتَوَلَّوْا} يصروا على النفاق {يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والأخرة} بالقتل والنار {وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} ينجيهم من العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ الجَرائِمِ المُوجِبَةِ لِما مَرَّ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْدِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارَ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ انْصُرُوا أخاكُمْ، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ  وحاشاهُ مِمّا يَقُولُ هَذا المُنافِقُ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَهُ فَنَزَلَتْ» .

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ قالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَهُما عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكُنِي ولَإحْداهُما أشُدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ولَقَدْ كَذَبَ عَلِيَّ عُمَيْرٌ فَنَزَلَتْ».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُذُنِ عُمَيْرٍ قالَ: وفَتْ أُذُنُكَ يا غُلامُ وصَدَقَكَ رَبُّكَ وكانَ يَدْعُو حِينَ حَلَفَ الجُلاسُ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ وتَكْذِيبَ الكاذِبِ»، وأخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ الجُلاسَ تابَ بَعْدَ نُزُولِها وقُبِلَ مِنهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ العَيْنَيْنِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟

فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى ما قالُوا حَتّى تَجاوَزَ عَنْهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، وإسْنادُ الحَلِفِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَقِيلَ: لِأنَّهم رَضُوا بِذَلِكَ واتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهو مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ، أوْ لِأنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ لِرِضاهم بِهِ كَأنَّهم فَعَلُوهُ ولا حاجَةَ إلى عُمُومِ المَجازِ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقِ والمَجازِ جائِزٌ في المَجازِ العَقْلِيِّ ولَيْسَ مَحَلًّا لِخِلافٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في ( يَحْلِفُونَ ) عَلى سائِرِ الرِّواياتِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ وهو قائِمٌ مَقامَ القَسَمِ، و ﴿ ما قالُوا ﴾ جَوابُهُ ﴿ ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ ﴾ هِيَ ما حُكِيَ مِن قَوْلِهِمْ: واللَّهِ ما مَثَلُنا إلَخْ، أوْ واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا إلَخْ، أوِ الشَّتْمُ الَّذِي وبَّخَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها اعْتِراضٌ ﴿ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ أظْهَرُوا ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ وإلّا فَكُفْرُهُمُ الباطِنُ كانَ ثابِتًا قَبْلُ والإسْلامُ الحَقِيقِيُّ لا وُجُودَ لَهُ ﴿ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ مِنَ الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «كُنْتُ آخِذًا بِخِطامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقُودُ بِهِ وعَمّارٌ يَسُوقُ، أوْ أنا أسُوقُ وعَمّارٌ يَقُودُ، حَتّى إذا كُنّا بِالعَقَبَةِ فَإذا أنا بِاثْنَيْ عَشَرَ راكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوا فِيها فَأنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ عَرَفْتُمُ القَوْمَ؟

قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ كانُوا مُتَلَثِّمِينَ، ولَكِنْ قَدْ عَرَفْنا الرِّكابَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ ما أرادُوا؟

قُلْنا: لا، قالَ: أرادُوا أنْ يُزِلُّوا رَسُولَ اللَّهِ  في العَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنها، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلا تَبْعَثُ إلى عَشائِرِهِمْ حَتّى يَبْعَثَ لَكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صاحِبِهِمْ قالَ: أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ العَرَبُ عَنّا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قاتَلَ بِقَوْمٍ حَتّى إذا أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهم، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الدُّبَيْلَةُ؟

قالَ: شِهابٌ مِن نارٍ يَقَعُ عَلى نِياطِ قَلْبِ أحَدِهِمْ فَيَهْلَكُ» وكانُوا كُلُّهم كَما أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنَ الأنْصارِ أوْ مِن حُلَفائِهِمْ لَيْسَ فِيهِمْ قُرَشِيٌّ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ثَمانِيَةً مِنهم مِن قُرَيْشٍ وأرْبَعَةً مِنَ العَرَبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وقَدْ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ مِن رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ أسْماءَهم وعَدَّ مِنهُمُ الجُلاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ رِوايَةُ أنَّهُ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخَبَرِ «هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ إخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ المارُّ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ وعَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهم أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ ويَجْعَلُوهُ حَكَمًا ورَئِيسًا بَيْنَهم وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أرادُوا أنْ يَقْتُلُوا عُمَيْرًا لِرَدِّهِ عَلى الجُلاسِ كَما مَرَّ.

﴿ وما نَقَمُوا ﴾ أيْ: ما كَرِهُوا وعابُوا شَيْئًا ﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما نَقَمُوا الإيمانِ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِإغْناءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا مِن أعَمِّ العِلَلِ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ما نَقَمَ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وهُوَ مُتَّصِلٌ عَلى ادِّعاءِ دُخُولِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُفَرَّغَ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا، وفِيهِ تَهَكُّمٌ وتَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِخِلافِهِ كَقَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ البَيْتَ، وأصْلُ النِّقْمَةِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإنْكارُ بِاللِّسانِ والعُقُوبَةُ، والأمْرُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَيَحْتاجُ إلى ارْتِكابِ المَجازِ بِأنْ يُرادَ وِجْدانُ ما يُورِثُ النِّقْمَةَ ويَقْتَضِيهِ، وضَمِيرُ ( أغْناهم ) لِلْمُنافِقِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وكانَ إغْناؤُهم بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى قُتِلَ وقَدْ غُلِبَ عَلى دِيَتِهِ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَأخَذَها واسْتَغْنى، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الدِّيَةَ كانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وزِيادَةَ الألْفَيْنِ كانَتْ عَلى عادَتِهِمْ في الزِّيادَةِ عَلى الدِّيَةِ تَكَرُّمًا، وكانُوا يُسَمُّونَها شَنَقًا كَما في الصِّحاحِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ جُلاسٌ تَحَمَّلَ حَمالَةً أوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأدّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما نَقَمُوا ﴾ الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّ الإغْناءَ عَلى الأوَّلِ أظْهَرُ، وقِيلَ: كانَ إغْناؤُهم بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الغَنائِمِ فَقَدْ كانُوا كَما قالَ الكَلْبِيُّ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُثْرُوا بِها، والضَّمِيرُ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَضَمِّنًا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِالحَسَدِ كَما أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَضَمِّنٌ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَرْكِ الشُّكْرِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ فَضْلِهِ لا يَخْفى وجْهُهُ ﴿ فَإنْ يَتُوبُوا ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ ( ﴿ يَكُ ﴾ ) أيِ: التَّوْبُ، وقِيلَ: أيِ التَّوْبَةُ، ويُغْتَفَرُ مِثْلُ ذَلِكَ في المَصادِرِ.

وقَدْ يُقالُ: التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ) أيْ في الدّارَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ كانَتْ سَبَبًا لِتَوْبَتِهِ وحُسْنِ إسْلامِهِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ وكَرَمًا ﴿ وإنْ يَتَوَلَّوْا ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ عَنْ إخْلاصِ الإيمانِ أوْ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْبَةِ.

﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا ﴾ بِمَتاعِبِ النِّفاقِ وسُوءِ الذِّكْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِعَذابِ الدُّنْيا عَذابُ القَبْرِ أوْ ما يُشاهِدُونَهُ عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القَتْلُ ونَحْوُهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُقْتَلُونَ إنْ أظْهَرُوا الكُفْرَ بِناءًا عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ مَظِنَّةُ الإظْهارِ فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهم لا يُقْتَلُونَ وأنَّ الجِهادَ في حَقِّهِمْ غَيْرُ ما هو المُتَبادَرُ.

( ﴿ والآخِرَةِ ﴾ ) وعَذابُهم فِيها بِالنّارِ وغَيْرِها مِن أفانِينِ العِقابِ ﴿ وما لَهم في الأرْضِ ﴾ أيْ في الدُّنْيا، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلتَّعْمِيمِ أيْ ما لَهم في جَمِيعِ بِقاعِها وسائِرِ أقْطارِها ﴿ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ يُنْقِذُهم مِنَ العَذابِ بِالشَّفاعَةِ أوِ المُدافَعَةِ، وخَصَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا ولِيَّ ولا نُصَيْرَ لَهم في الآخِرَةِ قَطْعًا فَلا حاجَةَ لِنَفْيِهِ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلى سائِرِ الأحْبابِ حَيْثُ آذَنَهُ بِالعَفْوِ قَبْلَ العِتابِ، ولَوْ قالَ لَهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم عَفا اللَّهُ عَنْكَ لَذابَ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالماضِي المُشِيرِ إلى سَبْقِ الِاصْطِفاءِ لِئَلّا يُوحِشَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِانْتِظارُ ويَشْتَغِلُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ بِاسْتِمْطارِ العَفْوِ مِن سَحابِ ذَلِكَ الوَعْدِ المِدْرارِ، وانْظُرْ كَمْ بَيْنَ عِتابِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِحَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإذْنِ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وبَيْنَ رَدِّهِ تَعالى عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ الفَرْقُ وهو لَعَمْرِي غَيْرُ خَفِيٍّ بَيْنَ مَقامِ الحَبِيبِ ورُتْبَةِ الصَّفِيِّ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُحِبَّ يَعْتَذِرُ عَنْ حَبِيبِهِ ولا يُنْقِصُهُ عِنْدَهُ كَلامُ مُعِيبِهِ، وأنْشَدَ: ما حَطَّكَ الواشُونَ عَنْ رُتْبَةٍ كَلّا وما ضَرَّكَ مُغْتابُ كَأنَّهم أثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابُوا وقالَ الآخَرُ: فِي وجْهِهِ شافِعٌ يَمْحُو إساءَتَهُ ∗∗∗ عَنِ القُلُوبِ ويَأْتِي بِالمَعاذِيرِ وقالَ: وإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ بِخَبَرِ خَيْرٍ طارَ إلَيْهِ وأتاهُ ولَوْ مَشْيًا عَلى رَأْسِهِ ويَدَيْهِ ولا يَفْتَحُ فِيهِ فاهٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وهَلْ يَسْتَأْذِنُ في شُرْبِ الماءِ ظَمْآنُ؟

وقالَ الواسِطِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَأْذُونٌ في سائِرِ أحْوالِهِ إنْ قامَ قامَ بِإذْنٍ وإنْ قَعَدَ قَعَدَ بِإذْنٍ، وإنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عِبادًا بِهِ يَقُومُونَ وبِهِ يَقْعُدُونَ، ومِن شَأْنِ المَحَبَّةِ امْتِثالُ أمْرِ المَحْبُوبِ كَيْفَما كانَ: لَوْ قالَ تِيهًا قِفْ عَلى جَمْرِ الغَضى ∗∗∗ لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلًا ولَمْ أتَوَقَّفِ ﴿ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ إلَخْ أيْ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ المُنافِقُونَ رَجاءَ أنْ لا تَأْذَنَ لَهم بِالخُرُوجِ فَيَسْتَرِيحُوا مِن نَصَبِ الجِهادِ ﴿ ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ فَقَدْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ مِنكَ الهَوى أُرْشِدْتَ لِلْحِيَلِ ( ﴿ ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ) إشارَةً إلى خِذْلانِهِمْ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ لِأنَّ الأخْلاقَ السَّيِّئَةَ والأعْمالَ القَبِيحَةَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ وهي النّارُ بِعَيْنِها، غايَةَ الأمْرِ أنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وسَتَظْهَرُ في النَّشْأةِ الأُخْرى بِالصُّورَةِ الأُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ﴾ ) فِيهِ إشارَةٌ إلى حِرْمانِهِمْ لَذَّةَ طَعْمِ العُبُودِيَّةِ واحْتِجابِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ جَمالِ مَعْبُودِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ المُصَلِّيَ يُناجِي رَبَّهُ وأنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ العَبْدِ إلى مَوْلاهُ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: مَن لَمْ يَعْرِفِ الآمِرَ قامَ إلى الأمْرِ عَلى حَدِّ الكَسَلِ، ومَن عَرَفَ الآمِرَ قامَ إلى الأمْرِ عَلى حَدِّ الِاسْتِغْنامِ والِاسْتِرْواحِ، ولِذا «كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِبِلالٍ: أرِحْنا يا بِلالُ،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَحْسِنُوا ما مَعَ أهْلِ الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والزِّينَةِ فَيَحْتَجِبُوا بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِ الآخِرَةِ ورُؤْيَتِها، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ النّاظِرَ إلى الدُّنْيا بِعَيْنِ الِاسْتِحْسانِ مِن حَيْثُ الشَّهْوَةِ والنَّفْسِ والهَوى يَسْقُطُ في ساعَتِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ أسْرارِ المَلَكُوتِ وأنْوارِ الجَبَرُوتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ إلَخْ فِيهِ إرْشادٌ إلى آدابِ الصّادِقِينَ والعارِفِينَ والمُرِيدِينَ، وعَلامَةُ الرّاضِي النَّشاطُ بِما اسْتَقْبَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالبَلاءِ، فَكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ.

رُؤى أعْمى أقْطَعُ مَطْرُوحٌ عَلى التُّرابِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى ويَشْكُرُهُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: وعِزَّتِهِ وجَلالِهِ لَوْ قَطَّعَنِي إرْبًا إرْبًا ما ازْدَدْتُ لَهُ إلّا حُبًّا، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: أنا راضٍ بِالَّذِي تَرْضَوْنَهُ ∗∗∗ لَكُمُ المِنَّةُ عَفْوًا وانْتِقامًا ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَسَّمَ جَوائِزَ فَضْلِهِ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ مِن عِبادِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ﴾ إلَخْ، والفُقَراءُ في قَوْلٍ المُتَجَرِّدُونَ بِقُلُوبِهِمْ وأبْدانِهِمْ عَنِ الكَوْنَيْنِ ( ﴿ والمَساكِينِ ﴾ ) هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا إلى جَمالِ الأُنْسِ ونُورِ القُدْسِ حاضِرِينَ في العُبُودِيَّةِ بِنُفُوسِهِمْ غائِبِينَ في أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ بِقُلُوبِهِمْ فَمَن رَآهم ظَنَّهم بِلا قُلُوبٍ ولَمْ يَدَرِ أنَّها تَسْرَحُ في رِياضِ جَمالِ المَحْبُوبِ، وأنْشَدَ: مَساكِينُ أهْلِ العِشْقِ ضاعَتْ قُلُوبُهُمُ ∗∗∗ فَهم أنْفَسٌ عاشُوا بِغَيْرِ قُلُوبِ ( ﴿ والعامِلِينَ ﴾ ) هم أهْلُ التَّمْكِينِ مِنَ العارِفِينَ وأهْلِ الِاسْتِقامَةَ مِنَ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ وقَعُوا في نُورِ البَقاءِ فَأوْرَثَهُمُ البَسْطَ والِانْبِساطَ، فَيَأْخُذُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ويُعْطُونَ لَهُ، وهم خُزّانُ خَزائِنِ جُودِهِ المُنْفِقُونَ عَلى أوْلِيائِهِ، قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِغَيْرِهِ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى ( ﴿ والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ ) هُمُ المُرِيدُونَ السّالِكُونَ طَرِيقَ مَحَبَّتِهِ تَعالى بِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وصَفاءِ نِيّاتِهِمْ وبَذَلُوا مُهَجَهم في سُوقِ شَوْقِهِ وهم عِنْدَ الأقْوِياءِ ضُعَفاءُ الأحْوالِ ﴿ وفِي الرِّقابِ ﴾ هُمُ الَّذِينَ رُهِنَتْ قُلُوبُهم بِلَذَّةِ مُحِبَّةِ اللَّهِ تَعالى وبَقِيَتْ نُفُوسُهم في المُجاهَدَةِ في طَرِيقِهِ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْلُغُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى الشُّهُودِ، فَتارَةً تَراهم في لُجَجِ بَحْرِ الإرادَةِ، وأُخْرى في سَواحِلِ بَحْرِ القُرْبِ، وطَوْرًا هَدَفُ سِهامِ القَهْرِ، ومَرَّةً مَشْرِقُ أنْوارِ اللُّطْفِ ولا يَصِلُونَ إلى الحَقِيقَةِ ما دامَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ المُجاهَدَةِ، والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ والأحْرارُ ما وراءَ ذَلِكَ، وقَلِيلٌ ما هم: أتَمَنّى عَلى الزَّمانِ مُحالًا ∗∗∗ أنْ تَرى مُقْلَتايَ طَلْعَةَ حُرٍّ ( ﴿ والغارِمِينَ ﴾ ) هُمُ الَّذِينَ ما قَضَوْا حُقُوقَ مَعارِفِهِمْ في العُبُودِيَّةِ وما أدْرَكُوا في إيقانِهِمْ حَقائِقَ الرُّبُوبِيَّةِ، والمَعْرِفَةُ غَرِيمٌ لا يَقْضِي دَيْنَهُ ( ﴿ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) هُمُ المُحارِبُونَ نُفُوسَهم بِالمُجاهِداتِ والمُرابِطُونَ بِقُلُوبِهِمْ في شُهُودِ الغَيْبِ لِكَشْفِ المُشاهَداتِ ( ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ) هُمُ المُسافِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ في بَوادِي الأزَلِ وبِأرْواحِهِمْ في قِفارِ الأبَدِ وبِعُقُولِهِمْ في طُرُقِ الآياتِ وبِنُفُوسِهِمْ في طَلَبِ أهْلِ الوِلاياتِ ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ عَلى أهْلِ الإيمانِ أنْ يُعْطُوا هَؤُلاءِ الأصْنافَ مِن مالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِدَفْعِ احْتِياجِهِمُ الطَّبِيعِيِّ ( ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ ) بِأحْوالِ هَؤُلاءِ وغَيْبَتِهِمْ عَنِ الدُّنْيا ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) حَيْثُ أوْجَبَ لَهم ما أوْجَبَ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ هَذِهِ الأصْنافَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ ولا أرى التَّفاسِيرَ بِأسْرِها مُتَكَفِّلَةً بِالجَمْعِ والمَنعِ ﴿ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ ﴾ عابُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ مِنَ العَيْبِ بِسَلامَةِ القَلْبِ وسُرْعَةِ القَبُولِ والتَّصْدِيقِ لِما يَسْمَعُ، فَصَدَّقَهم جَلَّ شَأْنُهُ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قُلْ ) هو ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ أيْ هو كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْرِ، وهَذا مِن غايَةِ المَدْحِ فَإنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ الخَيْرِيَّةَ تَتَأثَّرُ بِما يُناسِبُها، أيْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يَنْفَعُكم وما فِيهِ صَلاحُكم دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ إلَخْ، وقَدْ غَرَّهم -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَتّى قالُوا ما قالُوا- كَرَمُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يُشافِهْهم بِرَدِّ ما يَقُولُونَ رَحْمَةً مِنهم بِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العاقِلِ فَقالَ: الفَطِنُ المُتَغافِلُ وأنْشَدَ: وإذا الكَرِيمُ أتَيْتَهُ بِخَدِيعَةٍ ∗∗∗ فَرَأيْتَهُ فِيما تَرُومُ يُسارِعُ فاعْلَمْ بِأنَّكَ لَمْ تُخادِعْ جاهِلًا ∗∗∗ إنَّ الكَرِيمَ لِفَضْلِهِ مُتَخادِعُ ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ: هم مُتَشابِهُونَ في القُبْحِ والرَّداءَةِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ أيْ يَبْخَلُونَ أوْ يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ أوْ لا يَنْصُرُونَ المُؤْمِنِينَ أوْ لا يَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ ويَرْفَعُونَ أيْدِيَهم في الدَّعَواتِ ﴿ نَسُوا اللَّهَ ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ ( فَنَسِيَهم ) مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ ﴿ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ بِالسَّوِيِّ ( ﴿ وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ ) هي جَنّاتُ النُّفُوسِ ﴿ ومَساكِنَ طَيِّبَةً ﴾ مَقاماتِ أرْبابِ التَّوَكُّلِ في جَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَنّاتِ الصِّفاتِ ( ذَلِكَ ) أيِ: الرِّضْوانُ ﴿ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ لِكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وشَدَّةِ قُرْبِهِمْ ولا بَأْسَ بِإبْقاءِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ ويَكُونُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَساكِنَ طَيِّبَةً ﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤْيَةِ، فَإنَّ المُحِبَّ لا تَطِيبُ لَهُ الدّارُ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِ: أجِيرانُنا ما أوْحَشَ الدّارَ بَعْدَكم ∗∗∗ إذا غِبْتُمْ عَنْها ونَحْنُ حُضُورُ ولِكَوْنِ الرِّضْوانِ هو المَدارَ لِكُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ والمُناطُ لِكُلِّ شَرَفٍ وسِيادَةٍ كانَ أكْبَرَ مِن هاتَيْكَ الحَنّاتِ والمَساكِنِ.

إذا كُنْتَ عَنِّي يا مُنى القَلْبِ راضِيًا ∗∗∗ أرى كُلَّ مَن في الكَوْنِ لِي يَتَبَسَّمُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضْوانَهُ وأنْ يُسْكِنَنا جِنانَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ، الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالقول الشديد.

قال ابن مسعود: قوله: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ قال: «جاهد بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، فالقهم بوجه عبوس» وعن الحسن قال: جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والْمُنافِقِينَ بالحدود، يعني: أقم عليهم حدود الله.

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، يعني: اشدد عليهم، يعني: على الفريقين جميعاً في المنطق.

ثم بيَّن مرجعهم جميعاً في الآخرة وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، يعني: مصيرهم ومآبهم إلى جهنم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه.

ثم بيّن خبثهم وسوء معاملتهم وفعالهم، فقال الله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وذلك أن النبيّ  خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسماهم رجساً، فقال الجلاس بن سويد: لئن كان محمد صادقاً فيما يقول، لنحن شر من الحمير، فسمع عامر بن قيس، فقال: والله إن محمداً لصادق، ولأنتم شر من الحمير.

فلما رجعوا إلى رسول الله  ، أتاه عامر بن قيس فأخبره.

فقال الجلاس: بل كذب عليّ، وأمرهما أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس وحلف، ثم قام عامر بن قيس وحلف أنه قد قاله، وما كذبت عليه، ثم رفع يديه فقال: «اللهم انزل على نبيك  وبيِّن الصادق منا» فقال رسول الله  والمسلمون «آمِين» فنزل جبريل قبل أن يتفرقوا بهذه الآية يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، يقول: كفروا في السر قبل إقرارهم في العلانية وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، يعني: أرادوا قتل عامر بن قيس.

ويقال: قتل النبيّ  ، وذلك أنهم اجتمعوا ذات ليلة في مضيق جبل ليقتلوه إذا مرّ بهم، فدفعهم الله عنه ويقال: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وهو قول عبد الله بن أبي سلول لأصحابه: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [المنافقون: 8] .

وقال: سَمِّن كلبك يأكلك، يعني: سلطناهم على أنفسنا فنزل: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وقال مقاتل: كان المنافقون أصحاب العقبة هموا ليلاً بقتل النبي  بالعقبة في غزوة تبوك، فنزل: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وهكذا قال الضحاك.

ثم قال تعالى: وَما نَقَمُوا، يقول: وما عابوا وما طعنوا على محمد  .

إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ وذلك أن النبيّ  قدم المدينة وكان أهل المدينة في شدة من عيشهم، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم النبيّ  المدينة استغنوا، فذلك قوله: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.

ثم قال الله تعالى: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ، يعني: إن تابوا من الشرك والنفاق يكون خيراً لهم من الإقامة عليه.

وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يقول: أبوا عن التوبة، يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: في الدنيا بإظهار حالهم، وفي الآخرة في نار جهنم.

وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، يعني: مانع يمنعهم من العذاب.

وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، تاب الجلاس بن سويد وحسنت توبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى المُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ القُوَّةِ مَا يَأَتِي عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ» «١» ، وأما قوله سبحانه: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ففي الحديث الصحيح أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا استقروا فِي الجَنَّةِ: «هَلْ رَضِيتُمْ؟!

فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لاَ نرضى، يا ربنا؟

فيقول: إني سأعطيكم أفضل مِنْ هَذَا كُلِّهِ، رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدا ...

» «٢» الحديث، وقوله: أَكْبَرُ: يريد: أَكْبَرُ من جميعِ ما تقدَّم، ومعنى الآيةِ والحديث مُتَّفِقٌ، وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إِلى قلوبهم برضْوَانِ اللَّهِ مِن اللَّذَّة والسُّرور ما هو أَلَذُّ عندهم وأقرُّ لأَعينهم من كل شيء أصابُوه من لَذَّة الجَنَّة، قال الإِمام «٣» الفَخْر: وإِنما كان الرضوان أَكْبَرَ لأَنه عند العارفين نَعِيمٌ رُوحَانِيٌّ، وهو أشرفُ من النعيم الجِسْمَانيِّ.

انتهى.

انظره في أوائل «آل عمران» .

قال ع «٤» : ويظهر أن يكون قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ إِشارةً إِلى منازل المقرَّبين الشاربين مِنْ تسنيمٍ، والذين يَرَوْنَ كما يُرَى النَّجْمُ الغَابِرُ في الأُفُق، وجميعُ من في الجنة رَاضٍ، والمنازل مختلفةٌ، وفضل الله متّسع، والْفَوْزُ: النجاةُ والخَلاَصُ، ومن أُدْخِلَ الجنة فقد فاز، والمقرَّبونَ هم في الفوز العظيم، والعبارةُ عندي ب «سرور وكمالٍ» أجوَدُ من العبارة عنها ب «لذة» ، واللَّذَّة أيضاً مستعملة في هذا.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ: أي: بالسيف والْمُنافِقِينَ، أي:

باللسان والتعنيفِ والاكفهرار في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم.

قال الحَسَن: وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ أَنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ: خشن الجانب، فهو ضدّ قوله تعالى:

وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] ، وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا ...

الآية، نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رجل آخر، فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر: هي مقالته هذه لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد: وقوله: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا: يعني: أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقال قتادة: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ

[المنافقون: ٨] ، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له.

ت: وزاد ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» قولاً ثالثاً أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين قاله الحسن، وهو الصحيحُ/ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى.

وحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال: سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ: أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ؟

قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْماً أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ...

الآية، إِلى قوله: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ: الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى.

قال ع «٢» : وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة ب كَلِمَةَ الْكُفْرِ إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ «سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ» «٣» .

قال قتادة: والإِشارة ب هَمُّوا إِلى قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ «٤» [المنافقون:

٨] .

وقال الحَسَنُ: هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما لم ينالوا «٥» ، وقال تعالَى: بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، ولم يقل: «بعد إِيمانهم» لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم.

وقوله سبحانه: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ ...

الآية: كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ذَكَرَ المُنافِقِينَ فَعابَهُمْ؛ فَقالَ الجَلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: إنْ كانَ ما يَقُولُ عَلى إخْوانِنا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ.

فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: واللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ، ولْأنْتَمُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ وأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ، فَأتى الجُلّاسُ فَقالَ: ما قَلْتُ شَيْئًا، فَحَلَفا عِنْدَ المِنبَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ.

والثّانِي: «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، لَيُخْرِجْنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: «أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَلَوْا سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ  وأصْحابَهُ، وطَعَنُوا في الدِّينِ؛ فَنَقَلَ حُذَيْفَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  بَعْضَ ذَلِكَ، فَحَلَفُوا ما قالُوا شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا كَلِمَةُ الكُفْرِ، فَهي سَبُّهم رَسُولَ اللَّهِ  ، وطَعْنُهم في الدِّينِ.

وفي سَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: والَّذِي هم رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: الأسْوَدُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، هَمُّوا بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ وقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

لَأنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، هَمَّ المُنافِقُ بِقَتْلِهِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم قالُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ: إذا قَدِمْنا المَدِينَةَ، عَقَدْنا عَلى رَأْسِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ تاجًا نُباهِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ  ؛ فَلَمْ يَنالُوا ما هَمُّوا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ يَنْقِمُونَ شَيْئًا، ولا يَتَعَرَّفُونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الصُّنْعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ما نَقَمَ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا ∗∗∗ وَأنَّهم سادَةُ المُلُوكِ ولا ∗∗∗ تُصْلِحُ إلّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ وَهَذا لَيْسَ مِمّا يَنْقِمُ، وإنَّما أرادَ أنَّ النّاسَ لا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، وكَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ  المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِن مَعاشِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ، غَنِمُوا، وصارَتْ لَهُمُ الأمْوالُ.

فَعَلى هَذا، يَكُونُ الكَلامُ عامّا.

وقالَ قَتادَةُ: هَذا في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ.

وقالَ عُرْوَةُ: هو الجَلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، قُتِلَ لَهُ مَوْلًى، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِدِيَتِهِ، فاسْتَغْنى؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ قالَ الجَلّاسُ: أنا أتُوبُ إلى اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَوَلَّوْا ﴾ أيْ: يُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما تَوَلّى عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ، وفي الآَخِرَةِ بِالنّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ قَوْلُهُ: "جاهِدْ" مَأْخُوذٌ مِن بُلُوغِ الجَهْدِ، وهي مَقْصُودٌ بِها المُكافَحَةُ والمُخالَفَةُ، وتَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ المُجاهِدِ، فَجِهادُ الكافِرِ المُعْلِنِ بِالسَيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِ المُتَسَتِّرِ بِاللِسانِ والتَعْنِيفِ، والِاكْفِهْرارِ في وجْهِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ألا تَرى أنَّ مِن ألْفاظِ الشَرْعِ قَوْلَهُ  : « "والمُجاهِدٌ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللهِ"»، فَجِهادُ النَفْسِ إنَّما هو مُصابَرَتُها بِاتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ الشَهَواتِ، فَهَذا الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنّا نَجْلِبُ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ نَصًّا لِتَكُونَ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، قالَ الزَجّاجُ (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ في ذَلِكَ بِألْفاظِ ابْنِ مَسْعُودٍ ): أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِالسَيْفِ، وأُبِيحَ لَهُ فِيها قَتْلُ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنْ قَدَرَ وإلّا فَبِاللِسانِ، وإلّا فَبِالقَلْبِ والِاكْفِهْرارِ في الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَتْلُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَجْلِيحِ، ومَن جَلَحَ خَرَجَ عن رُتْبَةِ النِفاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِاللِسانِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَ: وأكْثَرُ ما كانَتِ الحُدُودُ يَوْمَئِذٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَرْكِ النَبِيِّ  المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجَلِّحِينَ، بَلْ كانَ كُلُّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ إذا وقَفَ ادَّعى الإسْلامَ، فَكانَ في تَرْكِهِمْ إبْقاءٌ وحِياطَةٌ لِلْإسْلامِ، ومَخافَةٌ أنْ تَنْفِرَ العَرَبُ إذا سَمِعَتْ أنَّ مُحَمَّدًا  يَقْتُلُ مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ، وقَدْ أوعَبْتُ هَذا المَعْنى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَذْهَبُ الطَبَرِيِّ أنَّ النَبِيَّ  كانَ يَعْرِفُهم ويَسْتُرُهم.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ فَلَفْظَةٌ عامَّةٌ تَتَصَرَّفُ في الأفْعالِ والأقْوالِ واللَحَظاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ النِسْوَةِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ  ، ومَعْنى الغِلَظِ: خُشُونَةُ الجانِبِ، فَهي ضِدُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ثُمَّ خَبَّرَتِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في عَقِبِ الأمْرِ بِإخْبارِهِ أنَّهم في جَهَنَّمَ، والمَعْنى: هم أهْلٌ لِجَمِيعِ ما أُمِرْتَ أنْ تَفْعَلَ بِهِمْ، والمَأْوى: حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوِيدِ بْنِ الصامِتِ، وذَلِكَ كَأنَّهُ كانَ يَأْتِي مِن قُباءٍ ومَعَهُ ابْنُ امْرَأتِهِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ -فِيما قالَ ابْنُ إسْحاقَ - وقالَ عُرْوَةُ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وهُما عَلى حِمارَيْنِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ سَمّى قَوْمًا مِمَّنِ اتَّهَمَهم بِالنِفاقِ، وقالَ: "إنَّهم رِجْسٌ"، فَقالَ الجُلاسُ لِلَّذِي كانَ يَسِيرُ مَعَهُ: واللهِ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى مُحَمَّدٌ إلّا كُبَراؤُنا وسادَتُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِن حُمُرِنا هَذِهِ، فَقالَ لَهُ رَبِيبُهُ أوِ الرَجُلُ الآخَرُ: واللهِ إنَّهُ لَحَقٌّ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِن حِمارِكَ، ثُمَّ خَشِيَ الرَجُلُ مِن أنْ يَلْحَقَهُ في دِينِهِ دَرْكٌ، فَخَرَجَ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  بِالقِصَّةِ، فَأرْسَلَ النَبِيُّ  في أثَرِ الجُلاسِ فَقَرَّرَهُ فَحَلَفَ بِاللهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والإشارَةُ بِـ كَلِمَةِ الكُفْرِ إلى قَوْلِهِ: "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، لِأنَّ التَكْذِيبَ في قُوَّةِ هَذا الكَلامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ الجُلاسُ لَمّا قالَ لَهُ صاحِبُهُ: "إنِّي سَأُخْبِرُ رَسُولَ اللهِ  بِقَوْلِكَ هَذا"، هَمَّ بِقَتْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ عَجْزًا عن ذَلِكَ، فَإلى هَذا هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ «أنَّ سِنانَ بْنَ وبَرَةَ الأنْصارِيَّ والجَهْجاهَ الغِفارِيَّ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَثارُوا، فَصاحَ جَهْجاهُ بِالأنْصارِ وصاحَ سِنانٌ بِالمُهاجِرِينَ، فَثارَ الناسُ فَهَدَنَ رَسُولُ اللهِ  ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ  فَوَقَفَهُ فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لَهُ،» والإشارَةُ بِـكَلِمَةِ الكُفْرِ إلى تَمْثِيلِهِ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، قالَ قَتادَةُ: والإشارَةُ بِـ "هَمُّوا" إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ  ﴾ .

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ المُنافِقُونَ مِن إظْهارِ الشِرْكِ ومُكابَرَةِ النَبِيِّ  بِما لَمْ يَنالُوا، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ مَعْناهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ  أنْفَذَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ دِيَةً كانَتْ قَدْ تَعَطَّلَتْ لَهُ، ذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّها كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ فِيمَن نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في "نَقَمُوا" في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَرَأها أبُو حَيَوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِكَسْرِ القافِ، وهي لُغَةٌ، وقَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، كَما قالَ النابِغَةُ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم...

بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَكَأنَّ الكَلامَ: وما نَقَمُوا إلّا ما حَقُّهُ أنْ يُشْكَرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ : إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللهِ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُناسِبُ الآيَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الجُلاسَ هو الَّذِي هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ  ، وَهَذا يُشْبِهُ الآيَةَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قَوِيِّ السَنَدِ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ رَسُولُ اللهِ  في إغْنائِهِمْ مِن حَيْثُ كَثُرَتْ أمْوالُهم مِنَ الغَنائِمِ، فَرَسُولُ اللهِ  سَبَبٌ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِلْأنْصارِ: « "كُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللهُ بِي"»، ثُمَّ فَتَحَ عَزَّ وجَلَّ لَهم بابَ التَوْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ ولُطْفًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ الجُلاسَ تابَ مِنَ النِفاقِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَ لِي بابَ التَوْبَةِ" فاعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، والعَذابُ الألِيمُ اللاحِقُ بِهِمْ في الدُنْيا هو المَقْتُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نقموا إِلاَ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

لمّا كان معظم ما أخِذ على المنافقين هو كلماتٍ دالّةً على الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من دلائل الكفر وكانوا إذا نُقِل ذلك عنهم تنصّلوا منه بالأيمان الكاذبة، عُقّبت آية الأمر بجهادهم بالتنبيه على أنّ ما يتنصّلون به تنصلٌ كاذب وأن لا ثِقة بحَلفهم، وعلى إثبات أنّهم قالوا ما هو صريح في كفرهم.

فجملة ﴿ يحلفون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً يثيره الأمر بجهادهم مع مشاهدة ظاهر أحوالهم من التنصّل ممّا نقل عنهم، إن اعتبر المقصود من الجملة تكذيبهم فِي حلفهم.

وقد تكون الجملة في محلّ التعليل للأمر بالجهاد إن اعتبر المقصود منها قوله: ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وما بعده، وأن ذلك إنّما أخَّر للاهتمام بتكذيب أيمانهم ابتداء، وأتِي بالمقصود في صورة جملة حاليَّة.

ومعلوم أنّ القيد هو المقصود من الكلام المقيَّد.

ويرجّح هذا أنّ معظم ما في الجملة هو شواهد كفرهم ونقضِهم عهد الإسلام، إذ لو كان المقصود خصوص تكذيبهم فيما حلفوا لاقتُصر على إثبات مقابله وهو ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ ، ولم يكن لما بعده مزيد اتّصال به.

وأيّاً ما كان فالجملة مستحقّة الفصل دون العطف.

ومفعول ما قالوا محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ .

وأكَّد صدور كلمة الكفر منهم، في مقابلة تأكيدهم نفي صدورها، بصيغة القَسم ليكون تكذيب قولهم مساوياً لقولهم في التأكيد.

وكلمةُ الكفر الكلام الدالّ عليه، وأصل الكلمة اللفظ الواحد الذي يتركّب منه ومن مثله الكلام المفيد، وتطلق الكلمة على الكلام إذا كان كلاماً جامعاً موجَزاً كما في قوله تعالى: ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 8] وفي الحديث: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل» فكلمة الكفر جنس لكلّ كلام فيه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم كما أطلقت كلمة الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله.

فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها، ما هي إلاّ أفرادٌ من هذا الجنس كما دلّ عليه إسناد القول إلى ضمير جماعةِ المنافقين.

فعن قتادة: لا عِلْمَ لنا بأنّ ذلك من أيّ إذ كان لا خبر يوجب الحجّة ونتوصّل به إلى العلم.

وقيل: المراد كلمة صدرت من بعض المنافقين تدلّ على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فعن عروة بن الزبير، ومجاهد، وابن إسحاق أنّ الجُلاَسَ بضم الجيم وتخفيف اللام بنَ سُويد بننِ الصامت قال: لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها، فأخبَر عنه ربيبُه النبي فدعاه النبي وسأله عن مقالته، فحلف بالله ما قال ذلك، وقيل: بل نزلت في عبد الله بن أُبي بن سَلُول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله: ﴿ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنّ الأعز منها الأذلّ ﴾ [المنافقون: 8] فسعى به رجل من المسلمين فأرسل إليه رسول الله فسأله فجعل يحلف بالله ما قال ذلك.

فعلى هذه الروايات يكون إسناد القول إلى ضمير جمععٍ كناية عن إخفاء اسم القائل كما يقال ما بال أقوام يفعلون كذا.

وقد فعله واحد، أو باعتبار قوللِ واحدٍ وسماع البقية فجُعلوا مشاركين في التبعة كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنّما قتله واحد من القبيلة، وعلى فرض صحّة وقوع كلمة من واحد معيّن فذلك لا يقتضي أنّه لم يشاركه فيها غيره لأنّهم كانوا يتآمرون على ما يختلقونه.

وكان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه وأصحابه ويشاركونه فيه.

وأمّا إسناد الكفر إلى الجمع في قوله: ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ فكذلك.

ومعنى ﴿ بعد إسلامهم ﴾ بعد أن أظهروا الإسلام في الصورة، ولذلك أضيف الإسلام إليهم كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ [التوبة: 66].

والهَمّ: نيَّة الفعل سواء فُعل أم لم يفعل.

ونوال الشيء حصوله، أي همّوا بشيء لم يحصّلوه والذي همّوا به هو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك تواثقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يترصّدوا له في عَقبة بالطريق تحتها واددٍ فإذا اعتلاها ليْلاً يدفعونه عن راحلته إلى الوادي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً وقد أخذَ عَمَّار بن يَاسِر بخطام راحلته يقودها.

وكان حذيفة بن اليمان يسوقها فأحس حذيفة بهم فصاح بهم فهربوا.

وجملة: ﴿ وما نقموا ﴾ عطف على ﴿ ولقد قالوا ﴾ أي والحال أنّهم ما ينقمون على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على دخول الإسلاممِ المدينةَ شيئاً يدعوهم إلى ما يصنعونه من آثار الكراهية والعداوة.

والنقْم الامتعاض من الشيء واستنكاره وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا ﴾ في سورة الأعراف (126).

وقوله: إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} استثناء تهكّمي.

وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النابغة: ولا عيبَ فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهِنَّ فُلُول من قِراع الكتائب ونكتته أنّ المتكلّم يظهر كأنّه يبحث عن شيء ينقض حكمَه الخبري ونحوَه فيذكر شيئاً هو من مؤكدات الحكم للإشارة إلى أنّه استقصى فلم يجد ما ينقضه.

وإنّما أغناهم الله ورسوله بما جلبه حلول النبي عليه الصلاة والسلام بينهم من أسباب الرزق بكثرة عمل المهاجرين وبوفرة الغنائم في الغزوات وبالأمْن الذي أدخله الإسلام فيهم إذ جعل المؤمنين إخوة فانتفت الضغائن بينهم والثارات، وقد كان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء وكانت بينهم حروبٌ تفانَوا فيها قُبيل الهجرة وهي حروب بعاث.

والفضل: الزيادة في البذل والسخاء.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية.

وفي جعل الإغناء من الفضل كنايةٌ عن وفرة الشيء المغنَى به لأنّ ذا الفضللِ يعطي الجَزل.

وعطف الرسول على اسم الجلالة في فعل الإغناء لأنّه السبب الظاهر المباشر.

(74) ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والاخرة وَمَا لَهُمْ فِى الارض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

التفريع على قوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ [التوبة: 73] على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس فلمّا أمر بجهادهم والغِلظة عليهم وتوعّدهم بالمصير إلى النار، فرّع على ذلك الإخبارَ بأنّ التوبة مفتوحة لهم وأنَّ تدارك أمرهم في مكنتهم، لأنّ المقصود من الأمر بجهادهم قطع شافة مضرّتهم أو أن يصلح حالهم.

والتوبة هي إخلاصهم الأيمانَ.

والضمير يعود إلى الكفّار والمنافقين، والضمير في ﴿ يك ﴾ عائد إلى مصدر ﴿ يتوبوا ﴾ وهو التوبُ.

والتولّي: الإعراض والمراد به الإعراض عن التوبة.

والعذاب في الدنيا عذاب الجهاد والأسر، وفي الآخرة عذاب النار.

وجيء بفعل ﴿ يك ﴾ في جواب الشرط دون أن يقال فإن يتوبوا فهو خيرٌ لهم لتأكيد وقوع الخَيْر عند التوبة، والإيماءِ إلى أنّه لا يحصل الخير إلاّ عند التوبة لأنّ فعل التكوين مؤذن بذلك.

وحَذف نون «يكن» للتخفيف لأنّها لسكونها تهيّأت للحذف وحسَّنه وقوع حركة بعدها والحركة ثقيلة فلذلك شاع حذف هذه النون في كلامهم كقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ في سورة النساء (40).

وجملة: وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } عطف على جملة ﴿ يعذبهم الله ﴾ الخ فتكون جواباً ثانياً للشرط، ولا يريبك أنّها جملة اسمية لا تصلح لمباشرة أداة الشرط بدون فاء رابطة.

لأنّه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في المتبوعات فإنّ حرف العطف كاف في ربط الجملة تبعاً للجملة المعطوف عليها.

والمعنى أنّهم إن تولّوا لم يجدوا من ينصرهم مِن القبائل إذ لم يبق من العرب من لم يدخل في الإسلام إلاّ من لا يعبأ بهم عَدداً وعُدداً، والمراد نفي الولي النافع كما هو مفهوم الولي وأمّا من لا ينفع فهو حبيب وودود وليس بالولي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ فَبِالسَّيْفِ وأمّا جِهادُ المُنافِقِينَ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جِهادُهم بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ وقَلْبِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ في وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: جِهادُهم بِاللِّسانِ، وجِهادُ الكَفّارِ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ جِهادَ الكُفّارِ بِالسَّيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَكانُوا أكْثَرَ مَن يُصِيبُ الحُدُودَ.

﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْجِيلُ الِانْتِقامِ مِنهم.

والثّانِي: ألّا يُصَدِّقَ لَهم قَوْلًا، ولا يَبِرَّ لَهم قَسَمًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الجِلاسُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ الصّامِتِ، قالَ: إنْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، ثُمَّ حَلَفَ أنَّهُ ما قالَ، وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ.

قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ ﴾ يَعْنِي ما أنْكَرُوهُ مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ تَحْقِيقًا لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما أنْكَرُوهُ وقِيلَ بَلْ هو قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ.

﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ.

والثّانِي: جَرى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الكُفْرِ بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإيمانِ.

﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم هَمُّوا بِما قالُوهُ ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال: «لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير.

فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليَّ وأحسنهم عندي أشراً وأعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني، ولأحدهما أشد عليَّ من الأخرى.

فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال، فأتى الجلاس فجعل يحلف بالله ما قال، ولقد كذب على عمير فأنزل الله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان الجلاس بن سويد بن الصامت ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقال: لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير.

فرفع عمير بن سعد مقالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلف الجلاس بالله لقد كذب عليَّ وما قلت.

فأنزل الله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ﴾ الآية.

فزعموا أنه تاب، وحسنت توبته» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «سمع زيد بن أرقم رضي الله عنه رجلاً من المنافقين يقول- والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب-: إن كان هذا صادقاً لنحن شر من الحمير.

فقال زيد رضي الله عنه: هو- والله- صادق ولأنت أشر من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجحد القائل، فأنزل الله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا...

﴾ الآية.

فكانت الآية في تصديق زيد» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه.

فلم يلبثوا إلا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: «ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك.

والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة» أن رجلاً من الأنصار يقال له الجلاس بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك «والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير.

فسمعه غلام يقال له عمير بن سعد وكان ربيبه فقال له: أي عم، تب إلى الله.

وجاء الغلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجعل يحلف ويقول: والله ما قلت يا رسول الله.

فقال الغلام: بلى، والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن النبي فقال: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ إلى قوله: ﴿ فإن يتوبوا يك خيراً لهم ﴾ فقال: قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب، فقبل ذلك منه، وقتل له قتيل في الإِسلام فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك وكان همَّ أن يلحق بالمشركين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام: وعت أذنك» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: لما نزل القرآن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن عمير فقال: «وعت أذنك يا غلام وصدقك ربك» .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: قال رجل من المنافقين: لئن كان محمد صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير.

فقال له زيد بن أرقم رضي الله عنهما: إن محمداً صادق ولأنت شر من الحمار.

فكان فيما بينهما في ذلك كلام، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأتاه الآخر فحلف بالله ما قال، فنزلت ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن أرقم «وعت أذناك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: قال أحدهم: إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير.

فقال رجل من المؤمنين: فوالله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار.

فهمَّ بقتله المنافق، فذلك همهم بما لم ينالوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ﴾ قال: «هم الذين أرادوا أن يدفعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه في بعض أسفاره، فجعلوا يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم وذلك ليلاً قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فسمع حذيفة رضي الله عنه وهو يسوق النبي صلى الله عليه وسلم وكان قائده تلك الليلة عمار، وسائقه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فسمع حذيفة وقع اخفاف الابل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين: فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فأمسكوا.

ومضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل منزله الذي أراد، فلما أصبح أرسل إليهم كلهم فقال: أردتم كذا وكذا؟

فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي سألهم عنه، فذلك قوله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ قال: همَّ رجل يقال له الأسود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال: «رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مَكَرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فمشيا معه شيئاً، فأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها.

فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة رضي الله عنه غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون لا يشعرون إنما ذلك فعل المسافر، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي الله عنه وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة رضي الله عنه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامشِ أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أحداً؟

قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأنهم وما أرادوا؟

قالوا: لا والله يا رسول الله...

!

قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها.

قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟

قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما، وقال: اكتماهم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن إسحاق نحوه وزاد بعد قوله لحذيفة «هل عرفت من القوم أحدا» فقال: لا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فلما أصبح سماهم له: عبد الله بن أبي سعد، وسعد بن أبي سرح، وأبا حاصر الأعرابي، وعامراً، وأبا عامر، والجلاس بن سويد بن صامت، ومجمع بن حارثة، ومليحاً التيمي، وحصين بن نمير، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، ومرة بن ربيع.

فهم اثنا عشر رجلاً حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وذلك قوله عز وجل ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ وكان أبو عامر رأسهم، وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة» .

وأخرج ابن سعد عن نافع بن جبير بن مطعم قال: لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين الذين تحسوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي الله عنه، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي، وكلهم من الأنصار ومن حلفائهم.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل عرفتم القوم؟

قلنا لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب.

قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة.

هل تدرون ما أرادوا؟

قلنا: لا.

قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها.

قلنا يا رسول الله، ألا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟

قال: لا، إني أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهمَّ ارمهم بالدبيلة.

قلنا يا رسول الله، وما الدبيلة؟

قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ قال: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ قال: هموا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه.

أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلاً من الأنصار، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً، وفيه نزلت ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ديته اثني عشر ألفاً، وذلك قوله: ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ قال: بأخذهم الدية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ قال: كانت له دية قد غلب عليها فأخرجها له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: كان جلاس يحمل حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: ثم دعاهم إلى التوبة فقال: ﴿ فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة ﴾ فاما عذاب الدنيا فالقتل، وأما عذاب الآخرة فالنار.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان قوماً قد هموا بهم سوءاً وأرادوا أمراً فليقوموا فليستغفروا فلم يقم أحد ثلاث مرار، فقال: قم يا فلان قم يا فلان.

فقالوا: نستغفر الله تعالى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لانا دعوتكم إلى التوبة والله أسرع إليكم بها وأنا أطيب لكم نفساً بالاستغفار أخرجوا» .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: احفظ عني كل شيء في القرآن ﴿ وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ﴾ فهي للمشركين، فأما المؤمنون فما أكثر شفعاءهم وأنصارهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾ الآية، نزلت حين بلغ النبي -  - أن المنافقين يسيؤون فيه القول ويطعنون فيه، وفي الدين والقرآن، فأنكر ذلك عليهم فحلفوا ما قالوا فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾ (١) (٢) ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ  ﴾ فسعي بها إلى النبي -  -، فدعاهم فحلفوا ما قالوا) (٣) (٤)  -) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾ ، قال ابن عباس ومجاهد: (هم المنافقون بقتل المؤمن الذي أنكر عليهم طعنهم في الرسول (٦) (٧) (٨) (٩)  ليلاً ويغتالوه فأعلمه الله ذلك فأمر من نحاهم عن طريقه وسماهم رجلاً رجلاً، وكانوا خمسة عشر رجلاً) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد (١٢) (١٣) (١٤) وقال الكلبي: (كانوا قبل قدوم النبي -  -، في ضنك من عيشهم لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله -  -، استغنوا بالغنائم) (١٥) ﴿ نَقَمُوا ﴾ عند قوله: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا  ﴾ (١٦) قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغني أن نقموه فهذا معنى قوله: ﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ ﴾ (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ما نقموا من بني أمية إلا ...

أنهم يحلمون إن غضبوا] (٢١) وهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: إن الناس لا ينقمون عليهم (٢٢) (٢٣) أي ليس فيهم عيب) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ، قال الكلبي: (لما نزلت هذه الآية قام (٢٥) (٢٦)  -، فقال: أسمع الله قد عرض علي التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه بما قلته فقبل رسول الله -  - توبته) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا ﴾ أي يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: ([يريد كما تولى ابن أبي) (٢٨) ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا ﴾ بالقتل، قال الزجاج] (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ الْآخِرَةِ ﴾ : بالنار، ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ ، قال عطاء: (يريد لا يتولاهم أحد من الأنصار) (٣٢) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 185، والثعلبي 6/ 127 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 256.

(٢) ساقطة من (ي).

(٣) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 186، وابن أبي حاتم 6/ 1842 - 1843، والثعلبي 6/ 12 ب.

(٤) قوله: (وكان هذا في غزوة تبوك) ليس من كلام قتادة وفيه نظر؛ لأن القائل: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) عبد الله بن أُبي كما في "صحيح البخاري" (3518)، كتاب: المناقب، باب: ما ينهى عن دعوى الجاهلية، و"صحيح مسلم" (2772)، كتاب: صفات المنافقين، وقد بين الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 547 أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وكذلك ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" 3/ 334 - 336 ثم إن أبيا كان ممن تخلف عن غزوة تبوك، كما في المصدر السابق 4/ 407 - 208.

(٥) رواه الثعلي في "تفسيره" 6/ 12 ب، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1843 - 1844.

(٦) ذكره عن ابن عباس -  - ابن الجوزي 3/ 470، ورواه الثعلبي 6/ 128 أعن الكلبي، كما رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 10/ 187، وابن أبي حاتم 6/ 1854، والثعلبي 6/ 12 ب، والبغوي 4/ 75.

(٧) ساقط من (ى): والقائل ابن عباس كما في تفسير الثعلبي وابن الجوزي، ولم يصح عنه لأنه من رواية الكلبي.

(٨) هكذا رواه الكلبي عن ابن عباس، وقد روى ابن أبي حاتم 6/ 1843، 70/ أعن ابن عباس، وكعب بن مالك أن المؤمن هو: عمير بن سعد، وكذلك أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن عروة، كما في "الدر المنثور" 4/ 464، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 208، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 2/ 256: == (عامر بن قيس الأنصاري، ابن عم الجلاس بن سويد، ذكره موسى بن عقبة في "المغازي"، وأنه أحد من سمع الجلاس بن سويد يقول: إن كان ما يقول محمد حقًا لنحن شر من الحمر، فبلغ ذلك النبي -  - فحلف الجلاس ما قال ذلك، فنزلت ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾ الآية، وكذلك ذكره أبو الأسود عن عروة، ونقله الثعلبي عن قتادة والسدي، والقصة مشهورة لعمير بن سعد).

وعمير بن سعد هو: عمير بن سعد بن عبيد الأوسي الأنصاري، كان يتيمًا في حجر الجلاس بن سويد، وشهد فتوح الشام، وكان يعجب عمر بن الخطاب، ويسميه نسيج وحده، وولاه حمص، فقام بعمله خير قيام مع الزهد والورع، وتوفي في خلافة عمر وقيل غير ذلك.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 103، و"الإصابة" 3/ 32.

(٩) رواه بمعناه الثعلبي 6/ 12 ب.

(١٠) رواه الثعلبي 6/ 12 ب، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.

(١٢) في"تهذيب اللغة" (عقد) 3/ 2512.

العقد: كل ما يعتقده الإنسان من العقار فهو عقدة له.

وفي "القاموس المحيط" فصل العين، باب: الدال ص300: العقدة: الولاية على البلد، ج: كصرد، والضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكًا.

(١٣) العين: الدينار والذهب.

انظر: "القاموس المحيط" (عين) ص 1218، و"لسان العرب" (عين) 6/ 3198.

(١٤) ذكره المؤلف فى "الوسيط" 2/ 512 (١٥) رواه الثعلبي 6/ 129 أ، والبغوي 4/ 75، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512، وابن الجوزي 3/ 472، والقرطبي 8/ 208.

(١٦) انظر: النسخة (ح) 2/ 40 أوقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ﴾ يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ ومعنى نقمت: بالغت في كراهة الشيء، فمعنى (تنقمون) أي تكرهون وتنكرون).

(١٧) "البرهان" للحوفي 11/ 245 بمعناه.

(١٨) في (ح): (ذو النعمة).

(١٩) في (ى): (شرًّا).

(٢٠) في (ح): (لصنيع)، وما في (ى) موافق لما في "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة، والصنع: مصدر قولك: صنع إليه معروفًا وجميلًا.

انظر: "اللسان" (صنع).

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) والبيت لابن قيس الرقيات.

(٢٢) في (ح): (عليه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير غريب القرآن".

(٢٣) انظر: "ديوان النابغة الذبياني" ص 44، و"إصلاح المنطق" ص 29، و"خزانة الأدب" 3/ 327.

(٢٤) "تفسير غريب القرآن" ص 198.

(٢٥) في (ى): (قال).

(٢٦) هو: جلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته، وكان زوج أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فسمعه يقول: لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فبلغ عمير رسول الله -  -، ونزل في الجلاس قرآن، ثم تاب وأحسن لعمير.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 330، و"الإصابة" 1/ 241.

(٢٧) رواه الثعلبي 6/ 128 أ، والبغوي 4/ 74.

(٢٨) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 472، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 512.

(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٠) في (م): (لأنه).

وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(٣١) اهـ.

كلام الزجاج، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462، وعذاب الله في الدنيا أشمل من القتل، ولعل مراد الزجاج أن المنافق إذا أظهر كفره جاز قتله.

(٣٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512 عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ نزلت في الجلاس بن سويد، فإنه قال: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأه عليه فحلف انه ما قاله ﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر ﴾ يعني ما تقدم من قول الجلاس؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ﴾ لم يقل بعد إيمانهم، لأنهم كانوا يقولون بألسنتهم آمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ هم الجلاس بقتل من بلغ تلك الكلمة عنه، وقيل: هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ سلول، وكلمة الكفر التي قالها قوله: سمن كلبك يأكلك، وهمه بما لم يناله قوله: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ﴾ [المنافقون: 8] ﴿ وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أغناهم الله ﴾ أي ما عابوا إلا الغني الذي كان حقه أن يشكروا عليه، وذلك في الجلاس أو في عبد الله بن أبيّ ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ ﴾ فتح الله لهم باب التوبة فتاب الجلاس وحسن حاله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.

﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.

﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.

وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.

﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.

﴿ أليم ﴾ ه.

التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.

فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.

وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.

والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله  قلبها عليهم.

ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.

ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.

﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.

ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض  ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.

وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله  اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.

وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله  بذلك.

ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.

ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون  ﴾ .

ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.

ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.

والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.

ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.

وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله  فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .

وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.

وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.

وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.

وسائر الجنات حولها.

وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.

فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.

وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.

وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب  ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.

ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.

وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.

إلا أن يغلب الاسم على بعضها.

﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.

وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.

في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟

فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.

وضعف بأن النسق يأباه.

وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟

والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.

وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.

واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.

واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله  كونه منافقاً.

قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله  إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله  وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله  فقال رسول الله  : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟

فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله  ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل  ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله  فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.

ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.

أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله  عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.

وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم  ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله  .

﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله  المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.

وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله  بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.

وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.

وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.

ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله  : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.

ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.

فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.

فقال رسول الله  : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.

ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله  فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ فبعث رسول الله  رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.

مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.

فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله  فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.

فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.

قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.

فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.

فانطلقا حتى أتيا النبي  فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله  رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.

فخرج ثعلبة حتى أتى النبي  فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.

فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله  : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.

فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله  ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله  وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.

فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟

فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله  .

وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.

قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.

وقال المحققون.

إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه  قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.

والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.

وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.

والمصدق المعطي لا السائل كقوله  ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين  ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.

ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.

ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.

ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.

وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.

إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.

فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.

قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.

وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.

وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله  فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله  يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.

وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.

وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.

سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟

ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.

قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.

ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله  "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله  إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله  فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.

ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.

ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب  ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون  ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟

فتوقف الحسن في مذهبه.

قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.

قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  ﴾ .

ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.

والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.

والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً  ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه  يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!

عن ابن عباس أن رسول الله  خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله  مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.

فقال رسول الله  : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.

وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.

وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله  بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله  ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.

والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.

والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.

وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.

وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.

وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم  ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.

وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.

وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.

التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .

﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يحتمل الأمر بالجهاد الفريقين جميعاً جهاداً بالسيف.

ويحتمل: مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعاً.

ويحتمل - أيضاً -: الأمر بالمجاهدة الكفار، يجاهدهم بالسيف، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود.

فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعاً بالسيف، فهو - والله أعلم - في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين، وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم؛ فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ويقاتلون به، وهو كقوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ  ﴾ الآية، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون إينما وجدوا، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون عليه، فأطلع الله رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء، فيقول - والله أعلم -: جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك.

وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج، فهو  قد حاج الفريقين جميعاً بالحجج، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين.

ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصّة، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد، وإقامة الحدود التي ذكرنا، والتعزير إذا ارتكبوا شيئاً مما يجب فيه الحد أو التعزير - والله أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.

[وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق.] وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: الآية نزلت في شأن رجل منافق قال يوماً: والله أعلم، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير.

فسمع ذلك غلام وهو ربيب ذلك القائل، فقال له: تب إلى الله.

وجاء الغلام إلى النبي  ، فأخبره، فأرسل إليه النبي  ، فأتاه، فجعل يحلف: ما قال ذلك؛ فنزلت الآية فيه: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...

﴾ .

لكن غير هذا كان أشبه؛ لأن الآية: ﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ وقول الرجل: لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير - هذا القول نفسه ليس هو كلام كفر؛ إنما كلامُ ذمٍّ، ذمَّ به نفسه في الآية ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ ﴾ فهو قول جماعة.

وقيل: نزل في شأن عبد الله بن أبي، قال أصحابه: فوالله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: "سمِّنْ كلبك يأكلك"، وقال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ  ﴾ ، فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله.

ولكن يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ...

﴾ الآية [التوبة: 65].

كانوا يستهزءون بالله وبآياته وبرسوله، والاستهزاء بذلك كفر، أو أن قالوا قول كفر لم يبين الله لنا ذلك فلا أنهم قالوا كذا؛ لما ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة.

وقوله: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ : يحتمل: كفروا بعد ما أسلموا إسلام تقيَّة.

ويحتمل قوله بعد ما أظهروا الإسلام، أي: رجعوا عما أظهروا من الإسلام.

وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد؛ لأنه قال: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً  ﴾ ؛ فدل أن الإسلام والإيمان واحد.

وقوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ .

قيل: هموا بقتل رسول الله  والمكر به، فلم ينالوا ما هموا به.

وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أسروا ما هموا به، ثم أخبر عن ذلك وهو غيب، دل أنه بالله علم ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك، فقبل منه ذلك، وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله  فأعطاه ديته، فاستغنى بذلك.

قال ابن عباس: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : كان رسول الله  يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات، يقول: ما نقموا ما أعطاهم رسول الله  من الغنيمة والصدقة.

وقوله: ﴿ نَقَمُوۤاْ ﴾ ، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره -: نقموا، أي: طعنوا، فيه لغتان: نقِموا - بالخفض - ونقَموا - بالنصب - يقال: نقِم ينقَم، ونقَم ينقِم - بكسر القاف - فهو - والله أعلم - يقول: ما طعنوا [مني] رسول الله  وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم الله؛ لأنهم لو كانوا أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء، ولكن طعنوا فيه لما أغناهم الله.

ويحتمل قوله: ﴿ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام وتبسط إليهم حتى قالوا: إنه أذن يقبل العذر، فذلك الذي حملهم على الطعن.

وقوله: ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيه أن المنافق تقبل منه التوبة.

﴿ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ بما ذكرنا في الدنيا: الأمر بالجهاد والقتل والخوف، هذا التعذيب في الدنيا، والتعذيب في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ قد ذكرنا هذا في غير موضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يحلف المنافقون بالله كاذبين: ما قالوا ما بلغك عنهم من السب لك والعيب لدينك، ولقد قالوا ما بلغك عنهم مما يكفِّرهم، وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإيمان، ولقد هَمُّوا بما لم يظفروا به من الفتك بالنبي  ، وما أنكروا شيئًا إلا شيئًا لا يُنْكَر، وهو أن الله تفضل عليهم بإغنائهم من الغنائم التي منّ بها على نبيه، فإن يتوبوا إلى الله من نفاقهم تكن توبتهم منه خيرًا لهم من البقاء عليه، وإن يتولوا عن التوبة إلى الله يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا بالقتل والأسر، ويعذبهم عذابًا موجعًا في الآخرة بالنار، وليس لهم ولي يتولاهم فينقذهم من العذاب، ولا ناصر يدفع عنهم العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.7beaj"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد