الآية ٩٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٢ من سورة التوبة

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال مجاهد في قوله : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) نزلت في بني مقرن من مزينة .

وقال محمد بن كعب : كانوا سبعة نفر ، من بني عمرو بن عوف : سالم بن عمير ، ومن بني واقف : هرمي بن عمرو ، ومن بني مازن بن النجار : عبد الرحمن بن كعب - ويكنى أبا ليلى - ومن بني المعلى : [ سلمان بن صخر ، ومن بني حارثة : عبد الرحمن بن يزيد أبو عبلة ، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه ] ، ومن بني سلمة : عمرو بن عنمة وعبد الله بن عمرو المزني .

وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك : ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون - وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ، من بني عمرو بن عوف : سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، أخو بني مازن بن النجار ، وعمرو بن الحمام بن الجموح ، أخو بني سلمة ، وعبد الله بن المغفل المزني ؛ وبعض الناس يقول : بل هو عبد الله بن عمرو المزني ، وهرمي بن عبد الله ، أخو بني واقف ، وعرباض بن سارية الفزاري ، فاستحملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا أهل حاجة ، فقال : لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمر بن الأودي ، حدثنا وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد خلفتم بالمدينة أقواما ، ما أنفقتم من نفقة ، ولا قطعتم واديا ، ولا نلتم من عدو نيلا إلا وقد شركوكم في الأجر ، ثم قرأ : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) الآية .

وأصل هذا الحديث في الصحيحين من حديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ، ولا سرتم [ مسيرا ] إلا وهم معكم .

قالوا : وهم بالمدينة ؟

قال : نعم ، حبسهم العذر .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ، ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر ، حبسهم المرض .

ورواه مسلم ، وابن ماجه ، من طرق ، عن الأعمش ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضًا على النفر الذين إذا ما جاءوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد, قلت لهم: لا أجد حَمُولةً أحملكم عليها =(تولوا)، يقول: أدبروا عنك, (25) =(وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا)، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، (26) ويتحمَّلون به للجهادِ في سبيل الله.

* * * وذكر بعضهم: أن هذه الآية نـزلت في نفر من مزينة.

* ذكر من قال ذلك: 17080- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه)، قال: هم من مزينة.

17081- حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مزينة.

17082- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قراءةً، عن مجاهد في قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، إلى قوله: (حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون)، قال: هم بنو مقرِّن.

من مزينة.

17083- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، قال: هم بنو مقرِّن من مزينة.

17084-......

قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن عروة, عن ابن مغفل المزني, وكان أحد النفر الذين أنـزلت فيهم: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية.

17085- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا)، قال: منهم ابن مقرِّن = وقال سفيان: قال الناس: منهم عرباض بن سارية.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في عِرْباض بن سارية.

* ذكر من قال ذلك: 17086- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو عاصم, عن ثور بن يزيد, عن خالد بن معدان, عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا دخلنا على عرباض بن سارية, وهو الذي أنـزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية.

(27) 17087- حدثني المثنى قال، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا ثور, عن خالد, عن عبد الرحمن بن عمرو, وحجر بن حجر بنحوه.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في نفر سبعة، من قبائل شتى.

* ذكر من قال ذلك: 17088- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب وغيره قال: جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه, فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه)!

فأنـزل الله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية.

قال: هم سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير = ومن بني واقف: هرمي بن عمرو (28) = ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب, يكنى أبا ليلى = ومن بني المعلى: سلمان بن صخر = ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة, وهو الذي تصدق بعرضِه فقبله الله منه = ومن بني سَلِمة: عمرو بن غنمة, وعبد الله بن عمرو المزني.

17089- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، إلى قوله: (حزنًا)، وهم البكاؤون، كانوا سبعة.

(29) ------------------------ الهوامش : (25) انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).

(26) انظر تفسير " تفيض من الدمع " فيما سلف 10 : 507 (27) الأثر : 17086 - " عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب .

و " حجر بن حجر الكلاعي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب .

(28) في المطبوعة والمخطوطة : " حرمي بن عمرو " ، والصواب " هرمي " بالهاء ، انظر ترجمته في الإصابة .

(29) الأثر : 17089 - سيرة ابن هشام 4 : 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17077 ، وليس فيه في هذا الموضع قوله : " وهم سبعة " .

وأما عدتهم عند ابن إسحاق فقد ذكرها ابن هشام في سيرته 4 : 161 ، وقال : " وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم " ، ثم عددهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِروي أن الآية نزلت في عرباض بن سارية .وقيل : نزلت في عائذ بن عمرو .وقيل : نزلت في بني مقرن - وعلى هذا جمهور المفسرين - وكانوا سبعة إخوة , كلهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم , وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم , وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان وسابع لم يسم بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم - فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة - في هذه المكرمة غيرهم .وقد قيل : إنهم شهدوا الخندق كلهم .وقيل : نزلت في سبعة نفر من بطون شتى , وهم البكاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ليحملهم , فلم يجد ما يحملهم عليه ; ف " تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون " فسموا البكائين .وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف وعلبة بن زيد أخو بني حارثة .وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بني مازن بن النجار .وعمرو بن الحمام من بني سلمة .وعبد الله بن المغفل المزني , وقيل : بل هو عبد الله بن عمرو المزني .وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف , وعرباض بن سارية الفزاري , هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر له .وفيهم اختلاف .قال القشيري : معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري , وسالم بن عمير , وثعلبة بن غنمة , وعبد الله بن مغفل وآخر .قالوا : يا نبي الله , قد ندبتنا للخروج معك , فاحملنا على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة نغز معك .فقال : " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا وهم يبكون .وقال ابن عباس : سألوه أن يحملهم على الدواب , وكان الرجل يحتاج إلى بعيرين , بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق .وقال الحسن : نزلت في أبي موسى وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه , ووافق ذلك منه غضبا فقال : " والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا يبكون ; فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذودا .فقال أبو موسى : ألست حلفت يا رسول الله ؟

فقال : ( إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ) .قلت : وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم بلفظه ومعناه .وفي مسلم : فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى ..

.) الحديث .وفي آخره : ( فانطلقوا فإنما حملكم الله ) .وقال الحسن أيضا وبكر بن عبد الله : نزلت في عبد الله بن مغفل المزني , أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله .قال الجرجاني : التقدير أي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد .فهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو , والجواب " تولوا " .تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَالجملة في موضع نصب على الحال ." حزنا " مصدر ." ألا يجدوا " نصب بأن .وقال النحاس : قال الفراء يجوز أن لا يجدون ; يجعل لا بمعنى ليس .وهو عند البصريين بمعنى أنهم لا يجدون .والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا يجب عليه .وقال علماؤنا : إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على العادة لأن حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد .والله أعلم .في قوله تعالى : " وأعينهم تفيض من الدمع " ما يستدل به على قرائن الأحوال .ثم منها ما يفيد العلم الضروري , ومنها ما يحتمل الترديد .فالأول كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسلقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور ; فيعلم أنه قد مات .وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام ; قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف عليه السلام : " وجاءوا أباهم عشاء يبكون " [ يوسف : 16 ] .وهم الكاذبون ; قال الله تعالى مخبرا عنهم : " وجاءوا على قميصه بدم كذب " [ يوسف : 18 ] .ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها .وقال الشاعر : إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى وسيأتي هذا المعنى في " يوسف " مستوفى إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ‏}‏ فلم يصادفوا عندك شيئا ‏{‏قُلْتَ‏}‏ لهم معتذرا‏:‏ ‏{‏لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ‏}‏ فإنهم عاجزون باذلون لأنفسهم، وقد صدر منهم من الحزن والمشقة ما ذكره اللّه عنهم‏.‏ فهؤلاء لا حرج عليهم، وإذا سقط الحرج عنهم، عاد الأمر إلى أصله، وهو أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سَعْيٌ فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر، فإنه ينزل منزلة الفاعل التام‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) معناه : أنه لا سبيل على الأولين ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة نفر سموا البكائين : معقل بن يسار ، وصخر ابن خنساء ، وعبد الله بن كعب الأنصاري ، وعلبة بن زيد الأنصاري ، وسالم بن عمير ، وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل المزني ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا .

واختلفوا في قوله : ( لتحملهم ) قال ابن عباس : سألوه أن يحملهم على الدواب .

وقيل سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة ، ليغزوا معه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا أجد ما أحملكم عليه " تولوا ، وهم يبكون ، فذلك قوله تعالى : ( تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم» معك إلى الغزو وهم سبعة من الأنصار وقيل بنو مقرن «قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه» حال «تولَّوا» جواب إذا أي انصرفوا «وأعينهم تفيض» تسيل «من» للبيان «الدمع حزنا» لأجل «ألا يجدوا ما ينفقون» في الجهاد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذلك لا إثم على الذين إذا ما جاؤوك يطلبون أن تعينهم بحملهم إلى الجهاد قلت لهم: لا أجد ما أحملكم عليه من الدوابِّ، فانصرفوا عنك، وقد فاضت أعينهم دَمعًا أسفًا على ما فاتهم من شرف الجهاد وثوابه؛ لأنهم لم يجدوا ما ينفقون، وما يحملهم لو خرجوا للجهاد في سبيل الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ .

.

) معطوف على ما قبله ، من عطف الخاص على العام ، اعتناء بشأنهم ، وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر ، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله قبل ذلك ( لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ) .أى : لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين يجدون ما ينفقون ، إذا ما تخلفوا عن الجهاد ، وكذلك لا حرج ولا إثم - أيضاً - على فقراء المؤمنين ، الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل التى يركبونها لكى يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل قلت لهم يا محمد " لا أجد ما أحملكم عليه " .وفى هذا التعبير ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه ، وأفتش عليه فلا أجده ، ولو وجدته لقدمته إليكم .وقوله : ( تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ) بيان للآثار التى ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل : لكى يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك .أى : أن هؤلاء المؤمنين الفقراء ، عندما اعتذرت لهم بقولك : " لا أجد ما أحملكم عليه " انصرفوا من مجلسك ، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذى ينفقونه فى مطالب الجاهد ، ولا الرواحل التى يركبونها فى حال سفرهم إلى تبوك .فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة فى الجهاد ، وللألم الشديدة للحرمان من نعمة أدائه .وبمثل هذه الروح ارتفعت راية الإِسلام ، وعزت كلمته ، وانتشرت دعوته .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين ما يأتى : 1- أن التكاليف الإِسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج ، ومن مظاهر ذلك : أن الجهاد .

وهو ذروة سنام الإِسلام ، قد أعفى الله - تعالى - منه الضعفاء والمرضى والذين يجدون وسائله ومتطلباته .قال الإِمام القرطبى : قوله تعالى : ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ) هذه الآية أصل فى سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن شئ مسقط عنه ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال .

ونظير هذه الآية قوله .

تعالى : ( لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) وقوله : ( لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ ) 2- أنه متى وجدت النية الصادقة فى فعل الخير .

حصل الثواب وإن لم يكن هناك عمل ، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعى ، بشرهم النبى صلى الله عليه وسلم بأنهم مشاركون لمن خرج فى الأجر .قال الإِمام ابن كثير : فى الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً .

ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم قالوا : وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر " .وروى الإِمام أحمد عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولقد خلفتم بالمدينة رجالا ، ما قطعتم وادياً ، ولا سلكتم طريقاً ، إلا شاركوكم فى الأجر ، حبسهم المرض " .3- أن الصحابة - رضى الله عنهم - ضربوا أربوع الأمثال فى الحرص على الجهاد والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة فى القتال .

." فهذا عبد الله بن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل اللواء .

وهذا عمرو ابن الجموح - وكان أعرج - يخرج من مقدمة الجيوش فيقول له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله قد عذرك " فيقول : " والله لأحقرن بعرجتى هذه الجنة " - أى لأتركن آثار أقدامى فيها .ومن كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين معتمدا عليهما من شدة ضعفه ومع ذلك يقف فى صفوف المجاهدين .وبهذه القلوب السليمة ، والغزائم القوية والنفوس القوية والنفوس النقية التى خالط الإِيمان شغافها .

.

ارتفعت كلمة الحق ، وعزت كلمة الإِسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط، وهم أقسام: القسم الأول: الصحيح في بدنه، الضعيف مثل الشيوخ.

ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء.

والدليل عليه: أنه عطف عليهم المرضى، والمعطوف مباين للمعطوف عليه، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم، لم يتميزوا عن المرضى.

وأما المرضى: فيدخل فيهم أصحاب العمى، والعرج، والزمانة، وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة.

والقسم الثالث: الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه.

أما من مال نفسه، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه، فإن لم تحصل هذه القدرة، صار كلاً ووبالاً على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال: لا حرج على هؤلاء، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة.

إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لايجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة.

ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً وهو قوله: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه؟

فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى، لأن هذه الآية نزلت فيهم، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان، ورأس أبواب الإحسان ورئيسها، هو قول: لا إله إلا الله، وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها، كان من المسلمين.

وقوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ يقتضي نفي جميع المسلمين، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل، إلا لدليل منفصل، والأصل في ماله حرمة الأخذ، إلا لدليل منفصل، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف، إلا لدليل منفصل، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلاً معتبراً في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص، في واقعة خاصة، قضينا بذلك النص الخاص تقديماً للخاص على العام، وإلا فهذا النص كاف في تقرير البراءة الأصلية، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس.

قال: لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة، وعدم الإلزام والتكليف، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص، كان إثباتها بالقياس عبثاً.

والثاني أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص وأنه لا يجوز، لما ثبت أن النص أقوى من القياس.

قالوا: وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة، معلومة، ملخصة، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحداً من عماله إلى سياسة بلدة، فقال له: أيها الرجل تكليفي عليك، وعلى أهل تلك المملكة، كذا وكذا، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلاً، ثم قال: وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل، كان هذا تنصيصاً منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالاً، لأن باب النفي لا نهاية له، بل كفاه في النفي أن يقول: ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت، فكذا هاهنا أنه تعالى لما قال: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف، أو أقل أو أكثر، كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة، ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ويكون قوله: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ حقاً، ويصير قوله: ﴿ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ حقاً، ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلاً، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله، وبين كونهم محسنين، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل، ذكر قسماً رابعاً من المعذورين، فقال: ﴿ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لآ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ألاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾ .

فإن قيل: أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله: ﴿ وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ فما الفائدة في إعادته؟

قلنا: الذين لا يجدون ما ينفقون، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لم يجدوا المركوب، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً: الأول: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بنو مقرن، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال عليه السلام: «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون، والثاني: قال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضباً، فقال عليه السلام: «والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم ذوداً خير الذود، فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟

فقال: «أما أني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين».

والرواية الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام: «لا أجد ما أحملكم عليه» لأن الشقة بعيدة.

والرجل يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده.

قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ﴾ كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الضعفاء ﴾ الهرمى والزمنى.

والذين لا يجدون: الفقراء.

وقيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة.

والنصح لله ورسوله: الإيمان بهما، وطاعتهما في السرّ والعلن، وتوليهما، والحبّ والبغض فيهما كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه ﴿ عَلَى المحسنين ﴾ على المعذورين الناصحين، ومعنى: لا سبيل عليهم: لا جناح عليهم.

ولا طريق للعاتب عليهم ﴿ قُلْتَ لاَ أَجِدُ ﴾ حال من الكاف في ﴿ أَتَوْكَ ﴾ وقد قبله مضمرة، كما قيل في قوله: ﴿ أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ [النساء: 90] أي إذا ما أتوك قائلاً لا أجد ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ ولقد حصر الله المعذورين في التخلف الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها.

وقيل: (المستحملون) أبو موسى الأشعري وأصحابه.

وقيل: البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع ﴾ كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأنّ العين جعلت كأن كلها دمع فائض، و (من) للبيان كقولك: أفديك من رجل، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز ﴿ أَلاَّ يَجِدُواْ ﴾ لئلا يجدوا.

ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو حزناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ.

﴿ حَرَجٌ ﴾ إثْمٌ في التَّأخُّرِ.

﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ، أوْ بِما قَدَرُوا عَلَيْهِ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَعُودُ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِالصَّلاحِ ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ وإنَّما وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ غَيْرَ مُعاتَبِينَ لِذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لَهم أوْ لِلْمُسِيءِ فَكَيْفَ لِلْمُحْسِنِ.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى الضُّعَفاءِ أوْ عَلى المُحْسِنِينَ، وهُمُ البَكّاؤُونَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غُنْمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  وقالُوا: قَدْ نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ.

وَقِيلَ هم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ وسُوِيدٌ والنُّعْمانُ.

وقِيلَ أبُو مُوسى وأصْحابُهُ.

﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في ﴿ أتَوْكَ ﴾ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿ تَوَلَّوْا ﴾ جَوابُ إذا.

﴿ وَأعْيُنُهم تَفِيضُ ﴾ تَسِيلُ.

﴿ مِنَ الدَّمْعِ ﴾ أيْ دَمْعًا فَإنَّ مِن لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا.

﴿ حَزَنًا ﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.

﴿ ألا يَجِدُوا ﴾ لِئَلّا يَجِدُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ حَزَنًا ﴾ أوْ بِـ ﴿ تَفِيضُ ﴾ .

﴿ ما يُنْفِقُونَ ﴾ في مَغْزاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} لتعطيهم الحمولة {قُلْتَ} حال من الكاف في أتوك وقد قبله مضمرة أي إذا ما أتوك قائلاً {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} هو جواب إذا {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع} أي تسيل كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من تفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض ومن للبيان كقولك أفديك من رجل ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز ويجوز أن يكون قُلْتَ لاَ أَجِدُ استئنافاً كأنه قيل إذا ما أتوك لتحملهم تولوا فقيل مالهم تولوا باكين فقيل قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض {حَزَناً} مفعول له {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} لئلا يجدوا ما ينفقون ومحله نصب على أنه مفعول له وناصبة حَزَناً والمستحملون أبو موسى الأشعرى وأصحابه أو البكاءون وهم ستة نفر من الأنصار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ أيِ: الفُقَراءِ العاجِزِينَ عَنْ أُهْبَةِ السَّفَرِ والجِهادِ قِيلَ هم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وبَنُو عُذْرَةَ ( ﴿ حَرَجٌ ﴾ ) أيْ: ذَنْبٌ في التَّخَلُّفِ وأصْلُهُ الضِّيقُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ ﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ظاهِرًا وباطِنًا كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ فالنُّصْحُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ، وقَدْ يُرادُ بِنُصْحِهِمُ المَذْكُورِ بَذْلُ جُهْدِهِمْ لِنَفْعِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِأنْ يَتَعَهَّدُوا أُمُورَهم وأهْلَهم وإيصالَ خَبَرِهِمْ إلَيْهِمْ ولا يَكُونُوا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُشِيعُونَ الأراجِيفَ إذا تَخَلَّفُوا، وأصْلُ النُّصْحِ في اللُّغَةِ الخُلُوصُ يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وفي النِّهايَةِ النَّصِيحَةُ يُعَبَّرُ بِها عَنْ جُمْلَةٍ هي إرادَةُ الخَيْرِ لِلْمَنصُوحِ لَهُ ولَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَجْمَعُهُ غَيْرُها، والعامِلُ في الظَّرْفِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ مَعْنى الكَلامِ أيْ لا يَخْرُجُونَ حِينَئِذٍ.

﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: ما عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فالإحْسانُ النُّصْحُ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمُ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ ووَصْفًا لَهم بِهَذا العُنْوانِ الجَلِيلِ، وزِيدَتْ ( مِن ) لِلتَّأْكِيدِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِ سَبْكٍ وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ لِأنَّ مَعْناهُ لا سَبِيلَ لِعاتِبٍ عَلَيْهِمْ أيْ لا يَمُرُّ بِهِمُ العاتِبُ ولا يَجُوزُ في أرْضِهِمْ، فَما أبْعَدَ العِتابَ عَنْهم وهو جارٍ مَجْرى المَثَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم و( المُحْسِنِينَ ) عَلى عُمُومِهِ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ لِأنَّهُ ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ سَبِيلٌ وهم مِن جُمْلَتِهِمْ، قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قاتِلَ البَهِيمَةِ الصّائِلَةِ لا يَضْمَنُها ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤَيِّدٌ لِمَضْمُونِ ما ذُكِرَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ عاجِزٌ مُحْتاجٌ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو مِن تَفْرِيطٍ ما، فَلا يُقالُ: إنَّهُ نَفى عَنْهُمُ الإثْمَ أوَّلًا، فَما الِاحْتِياجُ إلى المَغْفِرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلذَّنْبِ فَإنْ أُرِيدَ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ دَخَلُوا بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ في المُسِيءِ.

﴿ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ ) كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّما السَّبِيلُ ﴾ إلَخْ، وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ وجَعْلِهِمْ كَأنَّهم لِتَمَيُّزِهِمْ جِنْسٌ آخَرُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( الضُّعَفاءِ ) وهم كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ البَكّاءُونَ، وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي حارِثٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ أخُو بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجَمُوحِ أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ المُزَنِيُّ، وهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أخُو بَنِي واقِفٍ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ الفَزارِيُّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْتَحْمَلُوهُ وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ، فَقالَ لَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ لِلْغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَكِنْ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلَغَنِي «أنَّ ابْنَ يامِينَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النَّضْرِيَّ لَقِيَ أبا لَيْلى وابْنَ مَعْقِلٍ وهم يَبْكِيانِ فَقالَ: ما يُبْكِيكُما؟

قالا: جِئْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَحْمِلَنا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ ما يَحْمِلُنا عَلَيْهِ، ولَيْسَ عِنْدَنا ما نَتَقَوّى بِهِ عَلى الخُرُوجِ مَعَهُ، فَأعْطاهُما ناضِحًا لَهُ فارْتَحَلا وزَوَّدَهُما شَيْئًا مِن تَمْرٍ فَخَرَجا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الباقِينَ أُعِينُوا عَلى الخُرُوجِ فَخَرَجُوا، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ، وسُوَيْدٌ، والنُّعْمانُ، وقِيلَ: هم أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ مِن أهْلِ اليَمَنِ وقِيلَ وقِيلَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم طَلَبُوا ما يَرْكَبُونَ مِنَ الدَّوابِّ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ قالَ: «حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِن جُهَيْنَةَ قالُوا: أدْرَكْنا الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحِمْلانِ فَقالُوا: ما سَألْناهُ إلّا الحِمْلانِ عَلى النِّعالِ»، ومِثْلَ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أنَّهُ قالَ: ما سَألُوهُ الدَّوابَّ ما سَألُوهُ إلّا النِّعالَ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: احْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُو مَعَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ، ومَن مالَ إلى الظّاهِرِ المُؤَيَّدِ بِما رُوِيَ عَنِ الحِبْرِ قالَ: تَجُوزُ بِالخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ عَنْ ذِي الخُفِّ والحافِرِ فَكَأنَّهم قالُوا: احْمِلْنا عَلى ما يَتَيَسَّرُ أوِ المُرادُ احْمِلْنا ولَوْ عَلى نِعالِنا وأخْفافِنا مُبالَغَةً في القَناعَةِ ومَحَبَّةً لِلذَّهابِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ الخَبَرَيْنِ السّابِقَيْنِ يَبْعُدُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمِ الأخْبارُ المُخالِفَةُ لِظاهِرِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيها عَلى مَن لَهُ اطِّلاعٌ عَلى مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ ومُغايِرَةِ هَذا الصِّنْفِ بِناءًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن أنَّهم واجِدُونَ لِما عَدا المَرْكَبِ لِلَّذِينِ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ إذا كانَ المُرادُ بِهِمُ الفُقَراءَ الفاقِدِينَ لِلزّادِ والمَرْكَبِ وغَيْرِهِ ظاهِرَةً وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ إذا أُرِيدَ بِمَن لا يَجِدُ النَّفَقَةَ مَن عَدِمَ شَيْئًا لا يُطِيقُ السَّفَرَ لِفَقْدِهِ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الإمامُ واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، واخْتُلِفَ في جَوابِ ( إذا ) فاخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ ( ﴿ قُلْتَ ﴾ ) إلَخْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ ) إلَخْ مُسْتَأْنِفًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وقِيلَ: هو الجَوابُ و( قُلْتَ ) مُسْتَأْنِفٌ أوْ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، أيْ وقُلْتَ أوْ فَقُلْتَ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( ﴿ أتَوْكَ ﴾ ) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الكافِ في ( ﴿ أتَوْكَ ﴾ ) وقَدْ- مُضْمَرَةٌ كَما في ﴿ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وزَمانُ الإتْيانِ يُعْتَبَرُ واسِعًا كَيَوْمِهِ وشَهْرِهِ فَيَكُونُ مَعَ التَّوَلِّي في زَمانٍ واحِدٍ ويَكْفِي تَسَبُّبُهُ لَهُ وإنِ اخْتَلَفَ زَمانُهُما كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ في قَوْلِكَ: إذا جِئْتَنِي اليَوْمَ أكْرَمْتُكَ غَدًا أيْ كانَ مَجِيئُكَ سَبَبًا لِإكْرامِكَ غَدًا؛ وفي إيثارِ ﴿ لا أجِدُ ﴾ عَلى لَيْسَ عِنْدِي مِن تَلْطِيفِ الكَلامِ وتَطْيِيبِ قُلُوبِ السّائِلِينَ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَطْلُبُ ما يَسْألُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَلا يَجِدُهُ، وذَلِكَ هو اللّائِقُ بِمَن هو بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ ) والفَيْضُ انْصِبابٌ عَنِ امْتِلاءٍ وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الِامْتِلاءِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والدَّمْعُ الماءُ المَخْصُوصُ ويَجُوزُ إبْقاءُ الفَيْضِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَكُونُ إسْنادُهُ إلى العَيْنِ مَجازًا كَجَرى النَّهْرُ، والدَّمْعُ مَصْدَرُ دَمَعَتِ العَيْنُ دَمْعًا و( مِن ) لِلْأجْلِ والسَّبَبِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّمْيِيزَ الَّذِي أصْلُهُ فاعِلٌ لا يَجُوزُ جَرُّهُ بِمِن وأيْضًا لا يُجِيزُ تَعْرِيفَ التَّمْيِيزِ إلّا الكُوفِيُّونَ، وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: عَزَّ مِن قائِلٍ وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ كَفى إجازَةُ الكُوفِيِّينَ، وذَكَرَ القُطْبُ أنَّ أصْلَ الكَلامِ أعْيُنُهم يَفِيضُ دَمْعُها ثُمَّ أعْيُنُهم تَفِيضُ دَمْعًا وهو أبْلَغُ لِإسْنادِ الفِعْلِ إلى غَيْرِ الفاعِلِ وجَعْلِهِ تَمْيِيزًا سُلُوكًا لِطَرِيقِ التَّبْيِينِ بَعْدَ الإبْهامِ، ولِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّها دَمْعٌ فائِضٌ ثُمَّ ﴿ أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾ أبْلَغُ مِمّا قَبْلَهُ بِواسِطَةِ مِنَ التَّجْرِيدِيَّةِ فَإنَّهُ جَعَلَ أعْيُنَهم فائِضَةً ثُمَّ جَرَّدَ الأعْيُنَ الفائِضَةَ مِنَ الدَّمْعِ بِاعْتِبارِ الفَيْضِ، وتُعُقِّبُ بِأنَّ ( مِن ) هُنا لِلْبَيانِ لِما قَدْ أُبْهِمَ مِمّا قَدْ يُبَيَّنُ بِمُجَرَّدِ التَّمْيِيزِ لِأنَّ مَعْنى تُفِيضُ العَيْنُ يَفِيضُ شَيْءٌ مِن أشْياءِ العَيْنِ كَما أنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: طابَ زَيْدٌ طابَ شَيْءٌ مِن أشْياءِ زَيْدٍ والتَّمْيِيزُ رَفَعَ إبْهامَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَكَذا مِنَ الدَّمْعِ فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، وحَدِيثُ التَّجْرِيدِ لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُ الكَلامِ في المائِدَةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ فَتَذَكَّرْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ حَزَنًا ﴾ ) نُصِبَ عَلى العِلِّيَّةِ والحُزْنُ يَسْتَنِدُ إلى العَيْنِ كالفَيْضِ فَلا يُقالُ: كَيْفَ ذاكَ وفاعِلُ الفَيْضِ مُغايِرٌ لِفاعِلِ الحُزْنِ ومَعَ مُغايَرَةِ الفاعِلِ لا نَصْبَ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ نَظَرًا إلى المَعْنى إذْ حاصِلُهُ تَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ حَزَنًا وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿ تَفِيضُ ﴾ ) أيْ: حَزِينَةً وعَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ دالٍّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ لا تَحْزَنْ حُزْنًا والجُمْلَةُ حالٌ أيْضًا مِنَ الضَّمِيرِ المُشارِ إلَيْهِ وقَدْ يَكُونُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ عَلى احْتِمالاتٍ بِتَوَلَّوْا أيْ تَوَلَّوْا لِلْحَزَنِ أوْ حَزِنِينَ أوْ يَحْزَنُونَ حُزْنًا ﴿ ألا يَجِدُوا ﴾ عَلى حَذْفِ اللّامِ، وحَذْفُ الجارِّ في مِثْلِ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِحَزَنًا كَيْفَما كانَ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهِ إذا كانَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ لا يَعْمَلُ ولَعَلَّ مَن قالَ بِالأوَّلِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَقُولُ: يُتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِتَفِيضُ وقِيلَ: وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ ( ﴿ حَزَنًا ﴾ ) عِلَّةً لَهُ وإلّا فَلا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِفِعْلٍ واحِدٍ مَفْعُولانِ لِأجْلِهِ، والإبْدالُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ لِئَلّا يَجِدُوا ﴿ ما يُنْفِقُونَ ﴾ في شِراءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الخُرُوجِ مَعَكَ إذا لَمْ يَجِدُوهُ عِنْدَكَ وهَذا بِحَسَبِ الظّاهِرِ يُؤَيِّدُ كَوْنَ هَذا الصِّنْفِ مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ، قرأ ابن عباس الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهكذا قرأ الحضرمي، وقراءة العامة الْمُعَذِّرُونَ بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف يعني: الذين أعذروا وجاءوا بالعذر، ومن قرأ بالتشديد يعني: المعتذرين الذين إلا أن التاء أدغمت في الذال لقرب المخرجين: ويعني: المعذرين الذين يعتذرون، كان لهم عذر أو لم يكن لهم، وهذا قول الزجاج.

وروي عن ابن عباس  أنه قال: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهم المخلصون، أصحاب العذر وقال: لعن الله المُعْذِّرِين بالتشديد، لأن المعذَّرين هم الذين يعتلُّون بلا علة، ويعتذرون بلا عذر.

لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التخلف، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

فمن قرأ بالتشديد يكون هذا نعتاً لهم، ومن قرأ بالتخفيف يكون صنفين، ويكون معناه: وجاء الذين لهم العذر، وسألوا العذر، وقعد الذين لا عذر لهم وهم الذين كذبوا الله وَرَسُولَهُ في السر.

ثم بيّن أمر الفريقين فقال: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، وهم الذين تخلفوا بغير عذر.

وبيّن حال الذين قعدوا بالعذر، فقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، يعني: على الزّمن والشيخ الكبير، وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ في الجهاد حَرَجٌ، يعني: لا إثم عليهم.

إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية.

مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، يعني: ليس على الموحدين المطيعين من حرج، إذا تخلفوا بالعذر.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم بتخلفهم، رَحِيمٌ بهم.

قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ، يعني: ولا حرج على الذين.

إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ على الجهاد.

روى أسباط، عن السدي أنه قال: أقبل رجلان من الأنصار أحدهما عبد الله بن الأزرق، والآخر أبو ليلى، فسألاه أن يحملهما، قُلْتَ لاَ أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ.

فبكيا حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا ينفقون وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: أتاه سبعة نفر من أصحابه، سالم بن عمير، وحزن بن عمرو، وعبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، وسليمان بن صخر، وعتبة بن زيد، وعمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني يستحملونه، فقال رسول الله  : «لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» .

تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، يعني: تسيل مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ في الخروج إلى الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ: تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطَّوْلُ في هذه الآية المالُ قاله ابن عباس وغيره «١» ، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ، و «القاعدون» : الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة، والْخَوالِفِ: النساءُ جَمْعُ خالفةٍ هذا قول جمهور المفسِّرين.

وقال أبو جعفر النَّحَّاس: يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه: خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة:

الخوالفُ: جمعُ خَالِفٍ كفَارِسٍ وَفَوَارِس.

وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: أي: لا يفهمون، والْخَيْراتُ: جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء.

وقوله سبحانه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: أَعَدَّ: معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ...

الآية: قال ابن عبَّاس وغيره:

هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة «٢» ، وأصل اللفظة: «المُعْتَذِرُونَ» ، فقلبت التاءُ ذالاً وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه: بل الذين جاؤوا كفرةٌ «٣» ، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ.

قال ص: والمعنى: تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، وكَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،

أي: في إيمانهم.

انتهى.

وقوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ...

الآية/ قوله: مِنْهُمْ يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق: المعذِّرون: نَفَرٌ من بني غِفَارٍ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.

وقوله جلَّت عظمته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ...

الآية: يقولُ:

ليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ والحَرَجُ: الإِثم.

وقوله: إِذا نَصَحُوا: يريد: بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهراً، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: أي: من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقرأ ابنُ عبَّاس «١» : «وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم» ، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوة لخلافه المصحف، واختلف في من المرادُ بقوله: الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ: فقالتْ فرقة: نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ: ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعةً.

وقيل: نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ قاله قتادة «٢» ، وقيل: في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي «٣» .

قاله ابن عباس «٤» .

وقوله عَزَّ وجلَّ: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل: في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل: نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ.

والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ.

والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ.

وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ.

وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ.

قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ.

وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ.

وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ.

وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ حَزَنًا ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾ يَقُولُ تَعالى: لَيْسَ عَلى أهْلِ الأعْذارِ الصَحِيحَةِ مِن ضَعْفِ أبْدانٍ أو مَرَضٍ أو زَمانَةٍ أو عَدَمِ نَفَقَةٍ إثْمٌ، والحَرَجُ: الإثْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا نَصَحُوا ﴾ يُرِيدُ: بِنِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وجَهْرًا، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نَصَحُوا اللهَ ورَسُولَهُ" بِغَيْرِ لامٍ وبِنَصْبِ الهاءِ المَكْتُوبَةِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ الآيَةُ، في لائِمَةٍ تُناطُ بِهِمْ أو تَذْنِيبٍ أو عُقُوبَةٍ، ثُمَّ أكَّدَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "واللهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ أشْبَهُ مِنهُ عَلى جِهَةِ التِلاوَةِ لِخِلافِهِ المُصْحَفَ.

واخْتُلِفَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ .

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَنُو مُقَرِّنٍ سِتَّةُ إخْوَةٍ صَحِبُوا النَبِيَّ  ، ولَيْسَ في الصَحابَةِ سِتَّةُ إخْوَةٍ غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةً.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ ﴾ الآيَةُ، اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَقِيلَ: نَزَلَتْ في عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وقِيلَ: في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وقِيلَ: في أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ورَهْطِهِ، وقِيلَ: في بَنِي مُقَرِّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن بُطُونٍ شَتّى، فَهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وحَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو مِن بَنِي واقِفٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَحْمَنِ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَجّارِ، وسُلَيْمانُ بْنُ صَخْرٍ مِن بَنِي المُعَلّى، وأبُو رَعِيلَةَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ مِن بَنِي حارِثَةَ، وهو الَّذِي تَصَدَّقُ بِعِرْضِهِ فَقَبِلَ اللهُ مِنهُ، وعَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وعائِدُ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، قالَ هَذا كُلَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَكّاؤُونَ هم بَنُو بَكْرٍ مِن مُزَيْنَةَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "لِتَحْمِلَهُمْ" أيْ عَلى ظَهْرٍ يُرْكَبُ ويُحْمَلُ عَلَيْهِ الأثاثُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما اسْتَحْمَلُوهُ النِعالَ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وهَذا بَعِيدٌ شاذٌّ.

والعامِلُ في "إذا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "قُلْتَ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَقْطُوعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "تَوَلَّوْا" ويَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَقُلْتَ، أو يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ بِمَنزِلَةِ: وجَدُوكَ في هَذِهِ الحالِ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ وإيجازٌ ولا بُدَّ، يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى ما اخْتُصِرَ مِنهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ في "النَظْمِ" لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قُلْتَ" في حُكْمِ المَعْطُوفِ تَقْدِيرُهُ: وقُلْتَ، و"حَزَنًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ مَعْقِلُ بْنُ هارُونَ: "لِنَحْمِلَهُمْ" بِنُونِ الجَماعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ الضعفاء والمرضى ﴾ [التوبة: 91] وإعادة حرف النفي بعد العاطف للنكتة المتقدّمة هنالك.

والحَمل يطلق على إعطاء ما يُحمل عليه، أي إذا أتوك لتعطيهم الحُمولة، أي ما يركبونه ويحملون عليه سلاحهم ومُؤَنهم من الإبل.

وجملة: ﴿ فلت لا أجد ﴾ إلخ إمّا حال من ضمير المخاطب في ﴿ أتوك ﴾ وإمّا بدل اشتمال من فعل ﴿ أتوك ﴾ لأن إتيانهم لأجل الحمل يشتمل على إجابة، وعلى منع.

وجملة ﴿ تولوا ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ والمجموع صلة الذين.

والتولّي الرجوع.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم ﴾ [البقرة: 142] وقوله: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ﴾ في سورة البقرة (205).

والفيض والفيضان: خروج الماء ونحوه من قراره ووعائه، ويسند إلى المائع حقيقة.

وكثيراً ما يسند إلى وعاء المائع، فيقال: فاض الوادي، وفاض الإناء.

ومنه فاضت العين دمعاً وهو أبلغ من فاض دمعها، لأنّ العين جعلت كأنّها كلّها دمع فائض، فقوله: تفيض من الدمع} جرى على هذا الأسلوب.

و ﴿ من ﴾ لبيان ما منه الفيض.

والمجرور بها في معنى التمييز.

وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ في سورة المائدة (83).

وحَزَناً } نصب على المفعول لأجله، و ﴿ أن لا يجدوا ما يُنفقون ﴾ مجرور بلام جرّ محذوف أي حزنوا لأنهم لا يجدون ما ينفقون.

والآية نزلت في نفر من الأنصار سبعة وقيل: فيهم من غير الأنصار واختلف أيضاً في أسمائهم بما لا حاجة إلى ذكره ولُقّبوا بالبكّائين لأنّهم بكَوا لمّا لم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحُملان حزناً على حرمانهم من الجهاد.

وقيل: نزلت في أبي موسى الأشعري ورهط من الأشعريين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يستحملونه فلم يجد لهم حمولة وصادفوا ساعة غضب من النبي صلى الله عليه وسلم فحلف أن لا يحملهم ثم جاءه نهب إبل فدعاهم وحملهم وقالوا: استغفلْنا رسولَ الله يمينَه لا نفلح أبداً، فرجعوا وأخبروه فقال: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم وإنّي والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلاّ كفَّرت عن يميني وفعلتُ الذي هو خير» والظاهر أنّ هؤلاء غير المعنيين في هذه الآية لأنّ الأشعريين قد حملهم النبي عليه الصلاة والسلام وعن مجاهد أنّهم بنو مقرّن من مزينة، وهم الذين قيل: إنّه نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 99] الآية.

الجزء الحادي عشر <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِحَقٍّ اعْتَذَرُوا بِهِ فَعُذِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأْوِيلُ قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالتَّخْفِيفِ.

والثّانِي: هُمُ المُقَصِّرُونَ المُعْتَذِرُونَ بِالكَذِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها بِالتَّشْدِيدِ، لِأنَّهُ إذا خُفِّفَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُذْرِ، وإذا شُدِّدَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعْذِيرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العُذْرَ حَقٌّ والعَذِيرَ كَذِبٌ.

وَقِيلَ إنَّهم بَنُو أسَدٍ وغَطَفانُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ الآيَةَ.

وَفي الضُّعَفاءِ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّغارُ لِضَعْفِ أبْدانِهِمْ.

الثّانِي: المَجانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ.

الثّالِثُ: العُمْيانُ لِضَعْفِ بَصَرِهِمْ.

كَما قِيلَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في شُعَيْبٍ ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا  ﴾ أيْ ضَرِيرًا.

﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

الثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الذَّرارِيِّ والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ راجِعًا إلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضُّعَفاءِ.

والمَرْضى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.

وَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ راجِعًا إلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ خاصَّةً.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُغَفَّلٍ.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم زادًا لِأنَّهم طَلَبُوا ما يَتَزَوَّدُونَ بِهِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم نِعالًا لِأنَّهم طَلَبُوا النِّعالَ، قالَهُ الحَسَنُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ في هَذِهِ الغَزاةِ وهي تَبُوكُ « (أكْثِرُوا مِنَ النِّعالِ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ راكِبًا ما كانَ مُنْتَعِلًا)» .

وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي المُطاعٍ.

والثّانِي: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْرَقِ وأبِي لَيْلى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: في بَنِي مُقَرَّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: في سَبْعَةٍ مِن قَبائِلَ شَتّى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسُ: في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، ولا نلتم من عدوّ نيلاً، إلا وقد شركوكم في الأجر، ثم قرأ ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن معقل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا؟

فقال «والله ما أجد ما أحملكم عليه.

فتولوا ولهم بكاء وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملاً.

فأنزل الله عذرهم ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن معقل قال: إني لمن الرهط الذين ذكر الله ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال «لا أجد ما أحملكم عليه، فأنزل الله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...

﴾ الآية.

قال: وهم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقن حرميّ بن عمرو، ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بني المعلي سلمان بن صخر، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة، وعبد الله بن عمرو المزني» .

وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن حارثة قال: الذين استحملوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه سبعة نفر.

علية بن زيد الحارثي، وعمر بن غنم الساعدي، وعمرو بن هرمي الرافعي، وأبو ليلى المزني، وسالم بن عمرو العمري، وسلمة بن صخر الزرقي، وعبد الله بن عمرو المزني.

وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك...

﴾ الآية.

قال: منهم سالم بن عمير أحد بني عمرو بن عوف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قال: أتينا العرباض بن سارية، وكان من الذين أنزل الله فيهم ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم سبعة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: والله إني أحد النفر الذين أنزل الله فيهم ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن يسار وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم «أن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم.

من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني حارثة عتبة بن زيد، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمرو بن عمرو بن جهام بن الجموح، ومن بني واقف هرمي بن عمرو، ومن بني مزينة عبد الله بن معقل، ومن بني فزارة عرباض بن سارية، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة؟

قال: لا أجد ما أحملكم عليه» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله: ﴿ إذا ما أتوك لتحملهم...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وبكر بن عبد الله المزني في هذه الآية ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ قالا: نزلت في عبد الله بن معقل من مزينة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليحمله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة.

أن أبا شريح الكعبي كان من الذين قال الله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ قال: الماء والزاد.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان.

فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم في قوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: استحملوه النعال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ ، قال المفسرون: (نزلت هذه الآية في البكائين) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال مجاهد (٧) (٨) (٩) (١٠)  - أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة ليغزوا، فقال النبي -  -: "لا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا وهم يبكون) (١١)  -: "لا أجد ما أحملكم عليه" (١٢) وقال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله  يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبًا فقال: "والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا يبكون، فدعاهم رسول الله -  - وأعطاهم ذودًا (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ ﴾ \[قال صاحب "النظم": (جاء قوله: ﴿ قُلْتَ لَا أَجِدُ ﴾ مجيء الخبر لقوله: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ ﴾ وليس بخبر، وإنما هو منسوق على ما قبله، وتأويله: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد ما أحملكم عليه\] (١٩) ﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ﴾ ومعناه جرت أعينهم من (٢٠) (٢١) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 212 - 213، والثعلبي 6/ 137 ب، والبغوي 4/ 84.

(٢) رواه ابن جرير 10/ 212، وابن أبي حاتم 6/ 1863، لكن من غير ذكر العدد.

(٣) "تفسيره" 133 ب.

(٤) هو القرظي، وانظر قوله في: "تفسير ابن جرير" 10/ 213.

(٥) انظر: "السيرة النبوية" 4/ 172، و"تفسير ابن جرير" 10/ 213.

(٦) هناك خلاف في أسمائهم، وقد روى ابن جرير في "تفسيره" 10/ 213 عن محمد بن كعب وغيره أنهم سبعة نفر وهم: سالم بن عمير، وهرمي بن عمرو، وعبد الرحمن== ابن كعب، وسلمان بن صخر، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن غنمة، وعبد الله ابن عمرو المزني.

واتفق معه ابن إسحاق في أربعة أسماءهم: سالم بن عمير، وعبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن معمرو، واختلف معه في الباقين فذكر بدلاً منهم: عُلبة بن زيد، وعمرو بن حمام بن الجموح، وعرباض بن سارية.

انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 172.

(٧) في (ى): (محمد).

(٨) هو: معقل بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عمرة، صحابي أعرابي، ثم سكن الكوفة، انظر: "الاستيعاب" 3/ 484، و"الإصابة" 3/ 447.

(٩) هو: سويد بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عدي، صحابي مشهور، روى عن النبي -  - وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن.

انظر: " الاستيعاب" 2/ 239، و"تهذيب التهذيب" 2/ 136، و"الإصابة" 2/ 100.

(١٠) هو: النعمان بن مقرن المزني، أبو حكيم، أو أبو عمرو، صاحب رسول الله -  -، أسند إليه لواء قومه يوم فتح مكة، ثم ولاه عمر قيادة الجيش الذي فتح نهاوند، واستشهد يومئذٍ سنة 21 هـ.

وكان -  - شجاعًا مجاب الدعوة.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 67 - 69، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 256، و"الإصابة" 3/ 565.

(١١) رواه مختصرًا ابن جرير 10/ 212، وابن أبي حاتم 6/ 1863، والثعلبي 6/ 138 أ.

(١٢) "معالم التنزيل" 4/ 84، و"زاد المسير" 3/ 486.

(١٣) الذود: القطيع من الإبل ما بين الثلاثة إلى التسع، وقيل: أكثر من ذلك.

انظر: "لسان العرب" (ذود) 3/ 1525.

(١٤) غر الذرى: قال النووي في "شرح صحيح مسلم" 11/ 109: (أما الذرى: فبضم الذال وكسرها، وفتح الراء المخففة: جمع ذروة، بكسر الذال وضمها، وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وأما الغر: فهي البيض، ..

ومعناه: أمر لنا بإبل بيض الأسنمة).

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٧) في (ى): (يمينًا).

(١٨) رواه بنحوه البخاري في عدة مواضع في "صحيحه" (6621)، منها كتاب الإيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، ومسلم (1649)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا ..

الخ، والنسائي في "سننه"، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث 7/ 9، وابن ماجه (1207)، كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، ولم يذكره أحد من هؤلاء عن الحسن، ولا ذكروا بكاء الأشعريين ولا نزول الآية فيهم، وذكره عز الحسن الرازي في "تفسيره" 16/ 162، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 228.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٠) في (م): (عن).

(٢١) ساقط من (ى).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾ هذا رفع للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو.

وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء وهذا بعيد ﴿ وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ قيل: نزلت في بني مقرن وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني ﴿ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ ﴾ يعني: بنيانهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم ﴿ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ قيل: هم بنو مقرن وقيل ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتى، وهم البكاؤون ومعنى لتحملهم على الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت ﴿ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ ﴾ أو تولوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.

الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.

الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.

الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.

الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.

﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.

﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.

فكأنه  فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.

وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.

وعن مجاهد: نفر من غفار.

ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.

الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.

والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله  : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.

فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.

ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه  ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.

روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.

﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.

وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.

ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.

ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.

وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.

ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.

قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.

وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.

فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.

ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.

قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.

قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .

قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.

فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.

وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.

فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.

وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.

و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.

﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.

﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.

ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟

فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله  على قلوبهم.

قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة  ﴾ قال هناك ﴿ وطبع  ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.

ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.

أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.

وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.

﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.

وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.

وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.

وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.

ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى  عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.

والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.

وقال مقاتل: قال رسول الله  حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.

ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.

المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.

ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله  ساخطاً عليهم؟.

ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.

قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.

فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.

قال  : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل  نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.

وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.

وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.

سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟

فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!

وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال  : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.

وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.

ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.

وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.

﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.

ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم  ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".

قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.

﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.

قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.

ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.

والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.

ثم إنه  شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.

قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله  فكان قائده والله أعلم.

التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.

﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.

﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.

﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول  ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.

﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: المعذرون هم الذين يستأذنون في القعود ولا عذر لهم في ذلك.

وقال الكلبي: المعذرون هم الذين لهم عذر وبهم علة.

وبعضهم قال: المعذرون: هم المعتدون.

[و] روي عن ابن عباس -  - أنه قرأ "المعذرون" بالتخفيف، وقال: لعن الله المعذِّرين؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد: الذي لا عذر له؛ لذلك لعن المعذِّر.

قال أبو معاذ: وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر، وهو قولهم: قد أعذر من أنذر.

وقال أبو عوسجة: - المعذر بالتشديد -: الذي لا يناصح، إنما يريد أن يعذر، ويقال: عذرت في الأمر: إذا لم تبالغ فيه؛ وأعذرت في الأمر، أي: بالغت فيه.

وقال القتبي: المعذرون - بالتشديد -: هم الذين لا يجدون [ما ينفقون]، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه؛ يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: جددت.

ثم قال بعض أهل التأويل: دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين: صنف كانوا يستأذنون [في] القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ .

دلّ قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ على أن من أهل النفاق من قد آمن، وأن من تاب يقبل ذلك منه؛ لأنه قال: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ولم يقل: سيصيبهم عذاب أليم.

وقال بعضهم: المعذرون - بالتخفيف -: هم المؤمنون الذين لهم عذر في التخلف، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق: إن كان الخروج لهم أوفق يخرجون، وإن كان القعود أوفق يقعدون؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ الآية.

فإن قيل: كيف احتمل أن تكون آية واحدة في فريقين مختلفين، إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهم عذر، وإذا قرئ بالتشديد فهي في الذين لا عذر لهم؟

قيل: تصير على اختلاف القراءة كآيتين في حالتين ووقتين مختلفين، إن كان تأويل المعذر بالتشديد هو الذي يعتذر ولا عذر له، والمعذر - بالتخفيف - هو الذي له عذر.

أو كان تأويل إحدى القراءتين على ضد الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى، وإلا لا يحتمل أن تكون القراءتان جميعاً في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ و ﴿ رَبَّنَا ﴾ بالرفع ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ أحدهما: على الدعاء، والآخر: على الإيجاب، هما آيتان صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ .

لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون، لكان المفهوم من قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ ﴾ المرضى والذي لا يجد ما ينفق.

وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف، وكل ما لا يجد ما ينفق.

وفي كل حرف من هذه الحروف ما يفهم منه معنى الآخر، فلما ذكر دل أن المراد من ذكر الضعفاء الزمنى؛ من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ  ﴾ ، فتكون الآيتان واحدة؛ أعني: معناهما واحد.

وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء حظر دخول غير المذكور في حكم المذكور إذا كان في معناه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه ليس فيما ذكر رسول الله عدد في الربا بقوله: "والحنطة بالحنطة، والذهب بالذهب، والفضل ربا" على أنه لا لمعنى ورد، ولا يدخل فيه ما لم يذكر؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض، والأعمى، والأعرج، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار، ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر؛ فعلى ذلك خبر الربا.

ثم جعل العمى والعرج والمرض وعدم النفقة ونحوه عذراً في ترك الخروج، ولم يجعل شدة الحر وبعد المسافة ونحوه عذراً بقوله: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً  ﴾ .

وأصله - والله أعلم -: أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذراً في ترك الخروج؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك عذراً في التخلف عن الخروج للجهاد، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، فصار ذلك عذراً لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد.

والثاني: أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذراً في التخلف، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً  ﴾ ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله، هان عليه الخروج وسهل، فارتفع ذلك؛ فلذلك صار أحدهما عذراً والآخر لا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

قيل: لم يخدعوا أحداً في دينه، ولم يغشوه في دنياه.

وقيل: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم يتركوا طاعته.

[وقوله: ﴿ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار عن النبي  قال: "لولا أن أشق على أمتي - أو قال: على المؤمنين - وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها" ؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا [ما] يحمل عليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا إثم كذلك على المتخلفين عنك الذين إن جاؤوك -أيها الرسول- يطلبون ما تحملهم عليه من الدواب وقلتَ لهم: لا أجد ما أحملكم عليه من الدواب؛ أدبروا عنك وأعينهم تسيل من الدمع أسفًا على أنهم لم يجدوا ما ينفقون من عند أنفسهم أو من عندك.

<div class="verse-tafsir" id="91.nNMr2"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله