الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٨ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وأخبر تعالى أن منهم ( من يتخذ ما ينفق ) أي : في سبيل الله ( مغرما ) أي : غرامة وخسارة ، ( ويتربص بكم الدوائر ) أي : ينتظر بكم الحوادث والآفات ، ( عليهم دائرة السوء ) أي : هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم ، ( والله سميع عليم ) أي : سميع لدعاء عباده ، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان .
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده =(مغرما)، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا =(ويتربص بكم الدوائر)، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (22) أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب, (23) وغلبة عدوٍّ لكم.
(24) يقول الله تعالى ذكره: (عليهم دائرة السوء)، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم, ونـزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون, ولا بكم =(والله سميع)، لدعاء الداعين =(عليم) بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه.
(25) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17094- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا, ويرون نفقتهم مغرمًا.
ألا تراه يقول: (ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء)؟
* * * واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين, بمعنى النعت لـ " الدائرة ", وإن كانت " الدائرة " مضافة إليه, كقولهم: " هو رجل السَّوْء ", " وامرؤ الصدق ", من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً.
(26) * * * وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ) ، بضم السين، كأنه جعله اسمًا, كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب.
ومن قال: " عليهم دائرة السُّوء " فضم, لم يقل: " هذا رجل السُّوء " بالضم, و " الرجل السُّوء ", (27) وقال الشاعر: (28) وكُـنْتُ كَـذِئْبِ السَّـوْءِ لَمَّـا رَأَى دَمًا بِصَاحِبِـه يَوْمًـا أحَـالَ عَـلَى الـدَّمِ (29) قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين, بمعنى: عليهم الدائرة التي تَسُوءهم سوءًا.
كما يقال: " هو رجل صِدْق "، على وجه النعت.
--------------------- الهوامش : (22) انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(23) في المطبوعة " ونفى محبوب " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي سيئة الكتابة .
(24) انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف 10 : 404 .
(25) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(26) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 449 ، 450 .
(27) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 450 .
(28) هو الفرزدق .
(29) ديوانه : 749 ، وطبقات فحول الشعراء : 306 ، والحيوان 5 : 319 ، 6 : 298 ، واللسان (حول) ، وغيرها كثير ، من أبيات لها خبر طويل .
وقوله : " أحال على الدم " ، أي : أقبل عليه .
والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا ، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله ، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله ، وترك الإنسان ( من كلام الجاحظ ) .
وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله : فَتًـى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ , إن رَأَى بِصَاحِبِــهِ يَوْمًـا دَمًـا فَهْـوَ آكِلُـهُ .
قوله تعالى ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم قوله تعالى ومن الأعراب من يتخذ ( من ) في موضع رفع بالابتداء .
ما ينفق مغرما مفعولان ; والتقدير ينفقه ، فحذفت الهاء لطول الاسم .
مغرما معناه غرما [ ص: 157 ] وخسرانا ; وأصله لزوم الشيء ; ومنه : إن عذابها كان غراما أي لازما ، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرما ولا يرجون عليه ثوابا .
ويتربص بكم الدوائر التربص الانتظار ; وقد تقدم .
( والدوائر ) جمع دائرة ، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية ، أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء الدخلة وخبث القلب .
عليهم دائرة السوء قرأه ابن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح ، وفتحها الباقون .
وأجمعوا على فتح السين في قوله : ما كان أبوك امرأ سوء .
والفرق بينهما أن السوء بالضم المكروه .
قال الأخفش : أي عليهم دائرة الهزيمة والشر .
وقال الفراء : أي عليهم دائرة العذاب والبلاء .
قالا : ولا يجوز امرأ سوء .
بالضم ; كما لا يقال : هو امرؤ عذاب ولا شر .
وحكي عن محمد بن يزيد قال : السوء بالفتح الرداءة .
قال سيبويه : مررت برجل صدق ، ومعناه برجل صلاح .
وليس من صدق اللسان ، ولو كان من صدق اللسان لما قلت : مررت بثوب صدق .
ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته ، وإنما معناه مررت برجل فساد .
وقال الفراء : السوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية .
قال غيره : والفعل منه ساء يسوء .
والسوء بالضم اسم لا مصدر ; وهو كقولك : عليهم دائرة البلاء والمكروه .
ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، وأشح فيها. فمنهم {مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ} من الزكاة والنفقة في سبيل اللّه وغير ذلك، {مَغْرَمًا} أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب فيها، ولا يريد بها وجه اللّه، ولا يكاد يؤديها إلا كرها. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس عليهم فعليهم دائرة السوء. وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، {وَاللَّهُ سميع عليم} يعلم نيات العباد، وما صدرت عنه الأعمال، من إخلاص وغيره.
( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) قال عطاء : لا يرجو على إعطائه ثوابا ، ولا يخاف على إمساكه عقابا ، إنما ينفق خوفا أو رياء والمغرم التزام ما لا يلزم .
( ويتربص ) وينتظر ( بكم الدوائر ) يعني : صروف الزمان ، التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر .
وقال يمان بن رئاب : يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون ، ( عليهم دائرة السوء ) عليهم يدور البلاء والحزن .
ولا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " دائرة السوء " هاهنا وفي سورة الفتح بضم السين ، معناه : الضر والبلاء والمكروه .
وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر .
وقيل : بالفتح الردة والفساد ، وبالضم الضر والمكروه .
( والله سميع عليم ) نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم .
ثم استثنى فقال :
«ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق» في سبيل الله «مَغرما» غرامة وخسرانا لأنه لا يرجو ثوابه بل ينفقه خوفا وهم بنو أسد وغطفان «ويتربص» ينتظر «بكم الدوائر» دوائر الزمان أن تنقلب عليكم فيتلخص «عليهم دائرة السُّوء» بالضم والفتح، أي يدور العذاب والهلاك عليهم لا عليكم «والله سميع» لأقوال عباده «عليم» بأفعالهم.
ومن الأعراب مَن يحتسب ما ينفق في سبيل الله غرامة وخسارة لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع عن نفسه عقابًا، وينتظر بكم الحوادث والآفات، ولكن السوء دائر عليهم لا بالمسلمين.
والله سميع لما يقولون عليم بنياتهم الفاسدة.
ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقى الاعراب فقال : ( وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ) .أى : ومن الاعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه فى سبيل الله غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا فى ثواب ، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين ، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين ولا حبا فى انتصار المؤمنين .قال الجمل : وقوله : ( وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ) " من " مبتدأ وهى موصولة أو موصوفة ، و " مغرما " .
مفعول ثان ، لأن " اتخذ " هنا بمعنى صير ، والمفعول الأول قوله : " ما ينفق " .والمغرم : الخسران ، مشتق من الغربم وهو الهلاك لأنه سببه ، وقيل أصله الملازمة ، ومنه الغريم للزومه من يطالبه .وقوله : ( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ) معطوف على ما قبله ، والتربص : الانتظار والترقب والدوائر : جمع دائرة .
وهو ما يحيط بالإِنسان من مصائب ونكبات ، كما تحيط الدائرة بالشئ الذى بداخلها .أى : أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة ، ينتظرون بكم - أيها المؤمنون - صروف الدهر ونوائبه التى تبدل حالكم من الخير إلى الشر ومن النصر إلى الهزيمة ، ومن الصحة إلى المرض والأسقام ، ومن الأمان والاطمئنان إلى القلب والاضطراب .
.وقوله : ( عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ) جملة معترضة ، جئ بها للدعاء عليهم .أى : عليهم لا عليكم - أيها المؤمنون - تدور دائرة السوء ، التى يتبدل بها حالهم إلى الهلاك والفساد .والسوء - بفتح السين - مصدر ساءه يسوءه سوءا ، إذا فعل به ما يكره ، والسوء - بالضم - اسم منه .
وقيل المفتوح بمعنى الذم ، والمضموم بمعنى العذاب والضرر .وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة ، كما فى قولهم : رجل صدق .وفى هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين ، لأنه - سبحانه - جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو منجاة من عذابها وضررها .وقوله : ( والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق .والله تعالى - " سميع " لكل ما يتفوهون به أقوال ، " عليم " بكل ما يظهرونه وما يبطنونه من أحوال ، وسيحاسبهم على ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة : وينزل بهم العقاب الذى يناسب جرائمهم .
.
اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال العلماء من أهل اللغة، يقال: رجل عربي.
إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب.
كما تقول مجوسي ويهودي، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع، فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي، بالألف إذا كان بدوياً، يطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي: فرح، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي، غضب له، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعراب، والذي يدل على الفرق وجوه: الأول: أنه عليه السلام قال: «حب العرب من الإيمان».
وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية.
والثاني: أنه لا يجوز أن يقال: للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب.
قال عليه السلام: «لا تؤمن امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً».
الثالث: قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة.
فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسماعيل وقيل: سموا بالعرب، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة يونان في أفئدتهم.
وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.
المسألة الثانية: من الناس من قال: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإن لم يوجد المعهود السابق، حمل على الاستغراق للضرورة.
قالوا: لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها، والألف واللام للتعريف، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعاً للإجمال.
قالوا إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ الأعراب ﴾ المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين: الحكم الأول: أنهم أشد كفراً ونفاقاً، والسبب فيه وجوه: الأول: أن أهل البدو يشبهون الوحوش.
والثاني: استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم، والثالث: أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فساداً.
والرابع: أن من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير، ولم يسمع خبره.
والخامس: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية.
الحكم الثاني: قوله: ﴿ وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ﴾ وقوله: ﴿ أجدر ﴾ أي أولى وأحق، وفي الآية حذف، والتقدير: وأجدر بأن لا يعلموا.
وقيل في تفسير حدود ما أنزل الله مقادير التكاليف والأحكام.
وقيل: مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمافي قلوب خلقه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما فرض من فرائضه.
ثم قال: ﴿ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ﴾ والمغرم مصدر كالغرامة، والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء ثوابه ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ يعني الموت والقتل، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول، ويظهر عليكم المشركون.
ثم إنه أعاده إليهم فقال: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ والدائرة يجوز أن تكون واحدة، ويجوز أن تكون صفة غالبة، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة، بحيث لا يكون له منها مخلص، وقوله: ﴿ السوء ﴾ قرئ بفتح السين وضمه.
قال الفراء: فتح السين هو الوجه، لأنه مصدر قولك: ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسماً، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء ﴾ ولا في قوله: ﴿ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء ﴾ وإلا لصار التقدير: ما كان أبوك امرأ عذاب، وظننتم ظن العذاب، ومعلوم أنه لا يجوز، وقال الأخفش وأبو عبيد: من فتح السين، فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء.
ثم يدخل الألف واللام.
فيقول: رجل السوء وأنشد الأخفش: وكنت كذئب السوء لما رأى دماً *** بصاحبه يوماً أحال على الدم ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك.
قال أبو علي الفارسي: لو لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه.
إذا عرفت هذا فنقول: المعنى يدور عليهم البلاء والحزن، فلا يرون في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم.
ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لقولهم: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَغْرَمًا ﴾ غرامة وخسراناً.
والغرامة: ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، لأنه لا ينفق إلاّ تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله عزّ وجلّ وابتغاء المثوبة عنده ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ دوائر الزمان: دوله وعقبه لتذهب غلبتكم عليه ليتخلص من إعطاء الصدقة ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ دعاء معترض، دعى عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله عزّ وجلّ: ﴿ قَالَتْ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [المائدة: 64] وقرئ ﴿ السُّوء ﴾ بالضم وهو العذاب، كما قيل له سيئة.
والسوء بالفتح، وهو ذمّ للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأنّ من دارت عليه ذامّ لها ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يضمرون.
وقيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم ﴿ قربات ﴾ مفعول ثان ليتخذ.
والمعنى: أنّ ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله ﴿ وصلوات الرسول ﴾ لأنّ الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله: «اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى» وقال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 103] فلما كان ما ينفق سبباً لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات ﴿ ألا إِنَّهَا ﴾ شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ﴾ وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدلّ هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها.
وقرئ: ﴿ قُربة ﴾ بضم الراء.
وقيل: هم عبد الله وذو البجادين ورهطه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأعْرابُ ﴾ أهْلُ البَدْوِ.
﴿ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ لِأهْلِ العِلْمِ وقِلَّةِ اسْتِماعِهِمْ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ.
﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا ﴾ وأحَقُّ بِأنْ لا يَعْلَمُوا.
﴿ حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ فَرائِضِها وسَنَتِها.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِعِلْمِ حالِ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئُهم ومُحْسِنُهم عِقابًا وثَوابًا.
﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ﴾ يَعُدُّ ﴿ ما يُنْفِقُ ﴾ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ.
﴿ مَغْرَمًا ﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا إذْ لا يَحْتَسِبُهُ قُرْبَةً عِنْدَ اللَّهِ ولا يَرْجُو عَلَيْهِ ثَوابًا وإنَّما يُنْفِقُ رِياءً أوْ تَقِيَّةً.
﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ دَوائِرَ الزَّمانِ ونُوَبَهُ لِيَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْكم فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإنْفاقِ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ أوِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ، والدّائِرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وسُمِّيَ بِهِ عَقَبَةُ الزَّمانِ، والسَّوْءِ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السَّوْءِ) هُنا.
وفي الفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ.
﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُونَ عِنْدَ الإنْفاقِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يُضْمِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} أي يتصدق {مَغْرَمًا} غرامة وخسراناً لأنه لا ينفق إلا تقيّة من المسلمين ورياء لا لوجه الله وابتغاء المثوبة عنده {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوآئر} أي دوائر الزمان وتبدل الأحوال بدور الأيام لتذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} أي عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقعوها في المسلمين السوء مكي وأبو عمرو وهو العذاب والسوء بالفتح ذم للدائرة كقولك رجل سوء في مقابلة قولك رجل صدق {والله سميع} ما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة {عَلِيمٌ} بما يضمرونه
﴿ ومِنَ الأعْرابِ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمُ الَّذِي نُعِتَ بِنَعْتِ بَعْضِ أفْرادِهِ وقِيلَ: مِنَ الفَرِيقِ المَذْكُورِ ﴿ مَن يَتَّخِذُ ﴾ أيْ يَعُدُّ ﴿ ما يُنْفِقُ ﴾ أيْ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَتَصَدَّقُ بِهِ كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ مَغْرَمًا ﴾ أيْ غَرامَةً وخُسْرانًا مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ وقِيلَ: مِنَ الغُرْمِ وهو نُزُولُ نائِبَةٍ بِالمالِ مِن غَيْرِ جِنايَةٍ، وأصْلُهُ مِنَ المُلازَمَةِ ومِنهُ قِيلَ لِكُلٍّ مِنَ المُتَدايِنَيْنِ غَرِيمٌ وإنَّما أعَدُّوهُ كَذَلِكَ لِأنَّهم لا يُنْفِقُونَهُ احْتِسابًا ورَجاءً لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ لَهم مَغْنَمًا وإنَّما يُنْفِقُونَهُ تَقِيَّةً ورِئاءَ النّاسِ فَيَكُونُ غَرامَةً مَحْضَةً وما في صِيغَةِ الِاتِّخاذِ مِن مَعْنى الِاخْتِيارِ والِانْتِفاعِ بِما يُتَّخَذُ إنَّما هو بِاعْتِبارِ غَرَضِ المُنْفِقِ مِنَ الرِّياءِ والتَّقِيَّةِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِ النَّفَقَةِ أعْنِي كَوْنَها غَرامَةً ﴿ ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ أيْ يَنْتَظِرُ بِكم نَوْبَ الدَّهْرِ ومَصائِبَهُ الَّتِي تُحِيطُ بِالمَرْءِ لِيَنْقَلِبَ بِها أمْرُكم ويَتَبَدَّلَ بِها حالُكم فَيَتَخَلَّصَ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ بِهِ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا ﴾ إلَخْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ إخْبارًا عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ والدّائِرَةُ اسْمٌ لِلنّائِبَةِ وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ عَلَيْها و ﴿ السَّوْءِ ﴾ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أيْضًا ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ ضَرَرٍ وشَرٍّ وقَدْ كانَ وصْفًا لِلدّائِرَةِ ثُمَّ أُضِيفَتْ إلَيْهِ فالإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ وقِيلَ: مَعْنى الدّائِرَةِ يَقْتَضِي مَعْنى السَّوْءِ فالإضافَةُ لِلْبَيانِ والتَّأْكِيدِ كَما قالُوا: شَمْسُ النَّهارِ ولِحْيا رَأْسِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السُّوءَ) هُنا وفي ثانِيَةٍ الفَتْحَ بِالضَّمِّ وهو حِينَئِذٍ اسْمٌ بِمَعْنى العَذابِ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ كالمَفْتُوحِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ الفَرّاءُ بَيْنَهُما: وقالَ أبُو البَقاءِ: السُّوءُ بِالضَّمِّ الضَّرَرُ وهو مَصْدَرٌ في الحَقِيقَةِ يُقالُ: سُؤْتُهُ سُوءًا ومَساءَةً ومَسائِيَّةً وبِالفَتْحِ الفَسادُ والرَّداءَةُ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِمَصْدَرِيَّةِ كُلٍّ مِنهُما في الحَقِيقَةِ كَما فَهِمَهُ الشِّهابُ مِن كَلامِهِ وقالَ مَكِّيٌّ: المَفْتُوحُ مَعْناهُ الفَسادُ والمَضْمُومُ مَعْناهُ الهَزِيمَةُ والضَّرَرُ وظاهِرُهُ كَما قِيلَ: إنَّهُما اسْمانِ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ بِمَقالاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ عِنْدَ الإنْفاقِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَتَرَبَّصُوا بِكُمُ الدَّوائِرَ، وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، يعني: أسد وغطفان وأعراب حاضري المدينة هم أشد في كفرهم ونفاقهم من غيرهم.
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا، يعني: أحرى وأولى وأحق أَلاَّ يَعْلَمُوا، حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، لأنهم كانوا أجهل وأقل علماً من غيرهم.
وقال الكلبي: يعني: لا يعلمون من الفرائض التي أنزل الله تعالى.
وقال مقاتل: هم أقلّ علماً بالسنن من غيرهم.
وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان زيد بن صوحان جالساً يحدث وقد أصيبت يده يوم نهاوند، فجاء أعرابي وقال: إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني.
فقال له زيد: أو ليس الشمال؟
قال الأعرابي: والله لا أدري الشّمال تقطع أو اليمين؟
فقال زيد: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، ويقال: أن لا يعلموا أحكام الله في كتابه.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم، حَكِيمٌ في أمرهم.
ونزل فيهم: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً، يعني: ما ينفق في الجهاد، يحسبه غرما ولا يحتسبه فيه الأجر، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ، يعني: ينتظر بكم الموت، يعني: محمدا خاصة.
وقال القتبي: الدوائر، دوائر الزمان ودوائر الزمان، صروفه التي تأتيه مرة بالخير ومرة بالشر.
يقول الله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، يعني: عاقبة السوء والهلاك.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو دائِرَةُ السَّوْءِ بضم السين، يعني: عاقبة المضرة والشر، وقرأ الباقون بالنصب.
يقال: رجل سوء، إذا كان خبيثاً.
وعن الفراء أنه قال: الفتح مصدر، والضم اسم.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميعا لمقالتهم، عليما بهلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ.
وقوله: إِنَّهُمْ رِجْسٌ: أي: نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنيويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، أي: مسكنهم.
وقوله: فَإِنْ تَرْضَوْا ...
إِلى آخر الآية: شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضا عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها.
وقوله سبحانه: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً: هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة، ونفاقهم أنجم، وأَجْدَرُ: معناه أحْرَى.
وقال ص: معناه/ أحقُّ، والحُدُودُ هنا: السّنن والأحكام.
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً ...
الآية نصٌّ في المنافقين منهم، و «الدوائر» : المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى:
ينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجل، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته ومن هذا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى.
ت: وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له رحمه اللَّه مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ [التوبة: ١٢٧] ، قال: يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبراً، أي: استوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: ٤] ، فانظره هناك.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قال قتادة: هذه ثنية اللَّه تعالى من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ ﴾ إذا خَرَجَ في الغَزْوِ، وقِيلَ: ما يَدْفَعُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ (مَغْرَمًا) لِأنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَغْرَمُ: هو الغُرْمُ والخُسْرُ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغُرْمُ: ما يَلْزَمُ أداؤُهُ، والغَرامُ: اللّازِمُ، وسُمِّيَ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ.
وقالَ غَيْرُهُ: الغُرْمُ: التِزامُ ما لا يَلْزَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ ﴾ أيْ: ويَنْتَظِرُ (بِكُمُ الدَّوائِرَ) أيْ: دَوائِرُ الزَّمانِ بِالمَكْرُوهِ؛ بِالمَوْتِ، أوِ القَتْلِ، أوِ الهَزِيمَةِ.
وقِيلَ: يُنْتَظَرُ مَوْتُ الرَّسُولِ ، وظُهُورُ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ السِّينِ.
وَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "السَّوْءِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في سُورَةِ (الفَتْحِ:٦)، والمَعْنى: عَلَيْهِمْ يَعُودُ ما يَنْتَظِرُونَهُ لَكَ مِنَ البَلاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: وفَتْحُ السِّينِ مِنَ السُّوءِ هو وجْهُ الكَلامِ.
فَمَن فَتَحَ، أرادَ المَصْدَرَ مِن: سُؤْتَهُ سُوءًا ومَساءَةً.
ومَن رَفَعَ السِّينَ، جَعَلَهُ اسْمًا، كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ البَلاءِ.
والعَذابِ ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ ولا في قَوْلِهِ: ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ لِأنَّهُ ضِدٌّ لِقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
ولَيْسَ لِلسُّوءِ هاهُنا مَعْنًى في عَذابٍ ولا بَلاءٍ فَيَضُمُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وصَلَواتِ الرَسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللهِ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا نَصٌّ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ومَعْنى "يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآياتِ أيْ: يَجْعَلُ مَقْصِدَهُ ولا يَنْوِي فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأصْلُ المَغْرَمِ الدَيْنُ، ومِنهُ تَعَوَّذَ رَسُولُ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ والمَأْثَمِ، ولَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ المَغْرَمِ فِيما يُؤَدِّيهِ الإنْسانُ مِمّا لا يَلْزَمُهُ بِحَقٍّ، وفي اللَفْظِ مَعْنى اللُزُومِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ أيْ: مَكْرُوهًا لازِمًا، و"الدَوائِرُ": المَصائِبُ الَّتِي لا مَخْلَصَ لِلْإنْسانِ مِنها فَهي تُحِيطُ بِهِ كَما تُحِيطُ الدائِرَةُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُشْتَقَّ مِن دَوْرِ الزَمانِ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُ بِكم ما تَأْتِي بِهِ الأيّامُ وتَدُورُ بِهِ.
ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ ، وكُلُّ ما كانَ بِلَفْظِ دُعاءٍ مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّما هو بِمَعْنى إيجابِ الشَيْءِ، لِأنَّ اللهَ لا يَدْعُو عَلى مَخْلُوقاتِهِ وهي في قَبْضَتِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ، ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ، فَهي كُلُّها أحْكامٌ تامَّةٌ تَضَمَّنَها خَبَرُهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "دائِرَةُ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عنهُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ بِخِلافٍ عنهُما: "دائِرَةُ السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ، واخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقِيلَ: الفَتْحُ المَصْدَرُ والضَمُّ الِاسْمُ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِما وهو اخْتِلافٌ يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والفَتْحُ في السِينِ يَقْتَضِي وصْفَ الدائِرَةِ بِأنَّها سَيِّئَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى "الدائِرَةِ" يَقْتَضِي مَعْنى "السَوْءِ" فَإنَّما هي إضافَةُ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، كَما قالُوا: "شَمْسُ النَهارِ" و"لَحْيا رَأْسِهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُقالُ: "رَجُلُ سَوْءٍ" إلّا بِفَتْحِ السِينِ، هَذا قَوْلُ أكْثَرِهِمْ، وقَدْ حُكِيَ: "رَجُلُ سُوءٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: وكُنْتُ كَذِئْبِ السُوءِ لَمّا رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَمِ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في فَتْحِ السِينِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: (هَذِهِ ثَنِيَّةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأعْرابِ)، و"يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا هي بِمَعْنى: يَجْعَلُهُ مَقْصِدًا، والمَعْنى: يَنْوِي بِنَفَقَتِهِ في سَبِيلِ اللهِ القُرْبَةَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِغْنامَ دُعاءِ الرَسُولِ ، فَفِي دُعائِهِ لَهم خَيْرُ الآخِرَةِ في النَجاةِ مِنَ النارِ، وخَيْرُ الدُنْيا في أرْزاقِهِمْ ومِنَحِ اللهِ لَهُمْ، فَـ "صَلَواتِ" -عَلى هَذا- عَطْفٌ عَلى "قُرُباتٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "ما يُنْفِقُ"، أيْ: ويَتَّخِذُ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ صَلَواتِ الرَسُولِ قُرْبَةً، والأُولى أبْيَنُ.
و"قُرُباتٍ" جَمْعُ قُرْبَةٍ أو قُرُبَةٍ بِسُكُونِ الراءِ وضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والصَلاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: الدُعاءُ إجْماعًا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الصَلاةُ مِنَ اللهِ رَحْمَةٌ، ومِنَ النَبِيِّ والمَلائِكَةِ دُعاءٌ، ومِنَ الناسِ عِبادَةٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفَقَةِ، وهَذا في انْعِطافِ "الصَلَواتِ" عَلى "القُرُباتِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلَواتِ، وهَذا في انْعِطافِهِ عَلى "ما يُنْفِقُ"، وقَرَأ نافِعٌ: "قُرُبَةً" بِضَمِّ الراءِ، واخْتُلِفَ عنهُ وعن عاصِمٍ والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ: "قُرْبَةً" بِسُكُونِ الراءِ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في "قُرُباتٍ"، ثُمَّ وعَدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ مُغَفَّلِ بْنِ مُقَرِّنٍ أنَّهُ قالَ: كُنّا عِشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "عَشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ" يُرِيدُ السِتَّةَ أولادَ مُقَرِّنٍ لِصُلْبِهِ أوِ السَبْعَةَ عَلى ما في الِاسْتِيعابِ مِن قَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وبَنِيهِمْ لِأنَّ هَذا هو الَّذِي في مَشْهُورِ دَواوِينِ أهْلِ العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا فريق من الأعراب يُظهر الإيمان ويُنفق في سبيل الله.
وإنما يفعلون ذلك تقية وخوفاً من الغزو أو حباً للمحمدة وسلوكاً في مسلك الجماعة، وهم يبطنون الكفر وينتظرون الفرصة التي تمكِّنهم من الانقلاب على أعقابهم.
وهؤلاء وإن كانوا من جملة منافقي الأعراب فتخصيصهم بالتقسيم هنا منظور فيه إلى ما اختصوا به من أحوال النفاق، لأن التقاسيم في المقامات الخَطابية والمجادلات تعتمد اختلافاً مَّا في أحوال المقسّم، ولا يُعبأ فيها بدخول القسم في قسِيمه.
فقوله: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو في التقسيم كقوله: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 99].
ومعنى ﴿ يتخذ ﴾ يَعُد ويجعل، لأن اتخذ من أخوات جعل.
والجعل يطلق بمعنى التغيير من حالة إلى حالة نحو جعلت الشقة برداً.
ويطلق بمعنى العد والحسبان نحو ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ [النحل: 91] فكذلك ﴿ يَتخذ ﴾ هنا.
والمَغرم: ما يدفع من المال قهراً وظُلماً، فهؤلاء الأعراب يؤتون الزكاة وينفقون في سبيل الله ويعُدون ذلك كالأتاوات المالية والرزايا يدفعونها تقية.
ومن هؤلاء من امتنعوا من إعطاء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قائلهم من طيء في زمن أبي بكر لما جاءهم الساعي لإحصاء زكاة الأنعام: فَقُولاَ لهذا المرءِ ذُو جاءَ ساعياً *** هَلُمَّ فإن المَشْرفيَّ الفرائض أي فرائض الزكاة هي السيف، أي يعطون الساعي ضربَ السيف بدلاً عن الزكاة.
والتربص: الانتظار.
والدوائر: جمع دائرة وهي تغير الحالة من استقامة إلى اختلال.
وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ في سورة العقود (52).
والباء للسببية كقوله تعالى: ﴿ نتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30] وجُعل المجرور بالباء ضمير المخاطبين على تقدير مضاف.
والتقدير: ويتربص بسبب حالتكم الدوائر عليكم لظهور أن الدوائر لا تكون سبباً لانتظارِ الانقلاب بل حالهم هي سبب تربصهم أن تنقلب عليهم الحال لأن حالتهم الحاضرة شديدة عليهم.
فالمعنى أنهم ينتظرون ضعفكم وهزيمتكم أو ينتظرون وفاة نبيكم فيظهرون ما هو كامن فيهم من الكفر.
وقد أنبأ الله بحالهم التي ظهرت عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل الردة من العرب.
وجملة: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ دعاء عليهم وتحقير، ولذلك فُصلت.
والدعاء من الله على خلقه: تكوين وتقدير مشوبٌ بإهانة لأنه لا يعجزه شيء فلا يحتاج إلى تمني ما يريده.
وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ في سورة البقرة (89).
وقد كانت على الأعراب دائرة السوء إذ قاتلهم المسلمون في خلافة أبي بكر عام الردة وهزموهم فرجعوا خائبين.
وإضافة دائرة } إلى ﴿ السوء ﴾ من الإضافة إلى الوصف اللازم كقولهم: عِشاءُ الآخِرة.
إذ الدائرة لا تكون إلا في السوء.
قال أبو علي الفارسي: لو لم تضف الدائرة إلى السوء عُرف منها معنى السوء لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه.
ونظيره إضافة السوء إلى ذئب في قول الفرزدق: فكنتَ كذئب السَّوء حين رأى دَماً *** بصاحبه يوماً أحال على الدم إذ الذئب متمحض للسوء إذ لا خير فيه للناس.
والسَّوء بفتح السين المصدر، وبضمها الاسم.
وقد قرأ الجمهور بفتح السين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما بضم السين.
والمعنى واحد.
وجملة: ﴿ والله سميع عليم ﴾ تذييل، أي سميع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد، عليم بما يبطنونه ويقصدون إخفاءه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الكُفْرُ والنِّفاقُ فِيهِمْ أكْثَرَ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِقِلَّةِ تِلاوَتِهِمُ القُرْآنَ وسَماعِهِمُ السُّنَنَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ والنِّفاقَ فِيهِمْ أشَدُّ وأغْلَظُ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِأنَّهم أجْفى طِباعًا وأغْلَظَ قُلُوبًا.
﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ومَعْنى أجْدَرُ أيْ أقْرَبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِدارِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ مَسْكَنِيِ المُتَجاوِرِينَ.
وَفي المُرادِ بِحُدُودِ اللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: فُرُوضُ العِباداتِ المَشْرُوعَةِ.
الثّانِي: الوَعْدُ والوَعِيدُ في مُخالَفَةِ الرَّسُولِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَدْفَعُ مِنَ الصَّدَقاتِ.
الثّانِي: ما يُنْفِقُ في الجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ مَغْرَمًا، والمَغْرَمُ التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ أيْ لازِمًا، قالَ الشّاعِرُ: فَما لَكَ مَسْلُوبُ العَزاءِ كَأنَّما تَرى هَجْرَ لَيْلى مَغْرَمًا أنْتَ غارِمُهُ ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ جَمْعُ دائِرَةٍ وهي انْقِلابُ النِّعْمَةِ إلى ضِدِّها، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدَّوْرِ ويُحْتَمَلُ تَرَبُّصُهُمُ الدَّوائِرَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في إعْلانِ الكُفْرِ والعِصْيانِ.
والثّانِي: في انْتِهازِ الفُرْصَةِ بِالِانْتِقامِ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ رَدٌّ لِما أضْمَرُوا وجَزاءٌ لِما مَكَرُوا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هم بَنُو مُقْرِنٍ مِن مُزَيْنَةَ.
﴿ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها تَقْرِبَةٌ مِن طاعَةِ اللَّهِ ورِضاهُ.
الثّانِي: أنَّ ثَوابَها مَذْخُورٌ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَصارَتْ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِغْفارُهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: دُعاؤُهُ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى إيمانِهِمْ ونَفَقَتِهِمْ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.
الثّانِي: إلى صَلَواتِ الرَّسُولِ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ يعني أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي ما يعطي من صدقات ماله كرهاً ﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ الهلكات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب، الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا، ويرون نفقاتهم مغرماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ يعد ما ينفق في سبيل الله غرامة يغرمها ﴿ ويتربص ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم الهلاك.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا ﴾ الآية، المغرم مصدر كالغرم، ومعنى الغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية (١) ﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ يعني: يتخذ ما ينفق في الجهاد والغزو مغرمًا، قال ابن عباس: (يريد: لا يرجو له ثوابًا، ولا يخاف على إمساكه عقابًا) (٢) وقوله تعالي: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ﴾ الدوائر (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ (٧) قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ﴾ يعني الموت أو القتل (٨) (٩) (١٠) وقال يمان: (أي ينتظر أن تقلب الأمور عليكم، فيموت الرسول ويظهر (١١) (١٢) ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ الدائرة هاهنا: يجوز أن تكون [واحدة الدوائر، وتكون صفة غالبة، ويجوز أن تكون] (١٣) (١٤) وقوله: ﴿ السَّوْءِ ﴾ قرئ بفتح السين وضمه (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ﴾ ولا في قوله: ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ لأنه ضد لقولك: هذا رجل صدق، وثوب صدق، فليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم) (١٨) وقال الأخفش وأبو عبيد: (من فتح السين فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء، ثم تدخل الألف واللام فتقول: رجل السوء، وأنشد الأخفش: وكنت كذئب السوء لما رأى دمًا ...
بصاحبه يوما أحال (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال أبو علي الفارسي: (الدائرة لو لم تضف إلى السوء] (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال يمان: (عليهم يدور النبلاء والحزن فلا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوؤهم) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: سميع لقولهم عليم بنياتهم) (٣٢) (١) في (ح): (خيانة).
(٢) رواه الثعلبي 6/ 138 ب، والبغوي 4/ 86.
(٣) ساقط من (ح).
(٤) في (م): (من).
(٥) ما بين القوسين ساقط من (م).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٧) انظر: النسخة (ح) 2/ 57 ب وقد قال في هذا الموضع: (الدائرة: من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة، قال عبد الله بن مسلم: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، ويعنون الجدب فلا تميروننا).
(٨) "تنوير المقباس" ص 202 بنحوه.
(٩) "معاني القرآن" 1/ 449.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.
(١١) في (ح): (ويذهب)، وهو خطأ.
(١٢) ذكره بنحوه الثعلبي 6/ 138 ب، والبغوي 4/ 86 (١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 207.
(١٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، وباقي العشرة بفتحها.
انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 355، و"تقريب النشر" ص 121.
(١٦) كررت في (خ).
(١٧) ذكر هذه المصادر ابن منظور في "لسان العرب" (سوأ)، وزاد: سوءا -بضم السين- وسواء وسواءة وسواية ومساية ومساء.
(١٨) "معاني القرآن" 1/ 450.
(١٩) في (ح): (أخاك).
(٢٠) البيت للفرزدق، انظر: ديوانه 2/ 187، و"طبقات فحول الشعراء" 1/ 362، و"كتاب الحيوان" 6/ 298.
وقوله: أحال على الدم: قال الجاحظ: (الذئبان ربما أقبلا على الإنسان إقبالًا واحداً، وهما سواء على عداوته، والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمي فمزقه وأكله، وترك الإنسان).
انظر: "كتاب الحيوان" 6/ 298.
(٢١) انظر: قول الأخفش في كتاب "معاني القرآن"، له 1/ 363، وقول أبي عبيد في "تفسير الرازي" 16/ 167، وقد دمج المؤلف قول الأخفش في قول أبي عبيد.
(٢٢) قوله: وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء، ليس في كتاب "معاني القرآن" وهو في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 209.
(٢٣) يعني: الأخفش.
(٢٤) عبارة الأخفش: (وقد قرئت (دائرة السوء) وذا ضعيف) أهـ.
فالإشارة تعود إلى القراءة بضم السين لا إلى قول القائل: رجل السوء، كما يوهم صنيع أبي علي الفارسي الذي نقل المؤلف عبارته علمًا أن هذا القول ضعيف أيضاً عند الأخفش كما في التعليق التالي، والجدير بالتنبيه أن القراءة بضم السين قراءة سبعية فلا يصح الطعن فيها.
(٢٥) ضُبطت في كتاب "معاني القرآن" بفتح السين، ولعل الصواب الضم، قال ابن بري: قد أجاز الأخفش أن يقال: (رجل السوء، ورجل سَوء، فتح السين فيهما، ولم يجوز رجل سُوء، بضم السين لأن السوء اسم للضر وسوء الحال، وإنما يضاف إلى المصدر السابق: الذي هو فعله، كما يقال: رجل الضرب والطعن، فيقوم مقام قولك: رجلٌ ضراب وطعان، فلهذا جاز أن يقال: رجل السوء، بالفتح، ولم يجز أن يقال: هذا رجل السوء، بالضم).
"لسان العرب" (سوأ) 4/ 2160.
(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٢٧) "كتاب معاني القرآن" 1/ 364 وبقية عبارته: الآن هذا يفسر به الخير والشر).
وقد جعلت المحققة اسم الإشارة (هذا) بين علامتي تنصيص مما زاد في غموض العبارة، واسم الإشارة يعود إلى الدائرة.
(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٢٩) قال المؤلف في "الوسيط" 2/ 519: السوء بالفتح: الرداءة والفساد، وبالضم: الضرر والمكروه.
(٣٠) أهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 207، 208، وقد اختصر المؤلف عبارته وتصرف فيها.
(٣١) ذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 86.
(٣٢) "تنوير المقباس" ص 202 بنحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ هم أهل البوادي من العرب ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله ﴾ يعني أنهم أحق أن لا يعلموا الشرائع لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم ﴿ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقل المغرم الذي ليس بحق عليه ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ أي ينتظر بكم مصائب الدنيا ﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ﴾ خبر أو دعاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.
الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.
الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.
الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.
الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.
﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.
﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.
﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.
فكأنه فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.
وعن مجاهد: نفر من غفار.
ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.
الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.
والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.
فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.
ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.
روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.
وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.
ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.
ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.
وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.
ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.
قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.
وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.
فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.
ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.
قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.
قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .
قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.
فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.
وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.
فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.
وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.
و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.
﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.
﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.
ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟
فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله على قلوبهم.
قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ قال هناك ﴿ وطبع ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.
ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.
أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.
وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.
﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.
وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.
وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.
وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.
ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.
والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.
وقال مقاتل: قال رسول الله حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.
ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.
المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.
ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله ساخطاً عليهم؟.
ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.
قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.
فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.
قال : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.
وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.
وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.
سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟
فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!
وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.
وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.
ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.
وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.
﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.
ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".
قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.
﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.
قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.
ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.
والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.
ثم إنه شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.
قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله فكان قائده والله أعلم.
التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.
﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.
﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.
﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.
﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ [يحتمل هذا وجهين: يحتمل: طائفة من الأعراب أشد كفراً ونفاقاً] وهو أن رسول الله دعا كفار المدينة ومنافقيها، فأيأس عن إيمانهم بقوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...
﴾ الآية، فلما أيس عن إيمان هؤلاء، أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، فأخبر أنهم أشدّ كفراً ونفاقاً من أهل المدينة.
ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشدّ - أي: الكفار منهم وأهل النفاق - كفراً ونفاقاً من أهل الأمصار والمدائن، فهو لوجهين: أحدهما: أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة ورأفة، وأهل مودة، وأما الأعراب وأهل البادية فكانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهؤلاء أقسى قلوباً وأضيق صدوراً وأهل المدن والأمصار [ألين قلوباً وأوسع صدوراً، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد وأبطأ إجابة.
والثاني: أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار] بذلك ما روي عن نبي الله قال: "لا يؤمنكم أعرابي" ، وفي بعضها: "لا يؤمن أعرابي مهاجراً" ، وفي بعض الأخبار: "من بدا جفا" ؛ وذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا الآداب، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل، والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا، كانوا أشد إنكاراً وتكذيباً من غيرهم، وهو ما ذكر: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ ، وصفهم بالجهل، وبالجهل يكون التكذيب، وبالعلم يكون التصديق، وهو ما ذكرنا.
وأجدر وأخلق وأحرى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
قال بعضهم: هم أقل علماً بالسنن.
وقيل: بالفرائض.
ويقال: الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته.
وأصله: أنهم أهل جهل بجميع الأوامر، والمناهي، وجميع الآداب، وما لا يحل وما يحل.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .
أي: على علم بما يكون منهم خلقهم.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ .
حيث وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته، لو تدبروا فيه ونظروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ .
أي: كان لا ينفق حسبة.
وقال بعضهم: ينفق ولا يراه حقّاً، إنما يراه غرماً يلحقه، وغرما يغرمه.
وأصله: أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوته أيديهم لله ليس لهم، [لم] يعدوا ذلك غرماً وتبعه [لحقتهم، ولكن لما لم يروا لله في أموالهم حقّاً ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة لا لهم عدوا ذلك غرماً وتبعة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
قيل: الدوائر: هو انقلاب الأمر، وهو من الدوران.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ﴾ : ما قال بعضهم: موت محمد.
وقيل: دوائر الزمان وحوادثها.
﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أي: عليهم انقلاب الأمر وعليهم ما تربصوا على المؤمنين.
وقوله: ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ : لما قال، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما أسروا وأضمروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
ذكر في الآية أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ليعلم أن قوله: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ كان في طائفة مشار إليها، لا كل الأعراب؛ لأنه ذكر - هاهنا - أن منهم من ينفق ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وذكر في الآية الأولى أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، أي: لا يراه حقّاً واجباً، ولكن غرما يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقّاً لله واجباً في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم عند الله، وأولئك يرونه غرماً لحقهم، لا قربة.
ثم في الآية خوف دخول المؤمنين في وعيد هذه الآية، الذين لا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون، وخوف لحوق النفاق؛ لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، فمن ترك أداءه إنما يتركه؛ لأنه لا يرى ذلك حقّاً؛ لأنه لو رأى ذلك حقّاً واجباً لأداه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقناً بالبعث لأنفق وجعل ذلك قربة له عند الله؛ لأنّ المؤمن إنما ينفق ويعمل للعاقبة، فإذا ترك ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية، ولحوق اسم النفاق به، وإن كنا لا نشهد عليه بذلك.
وقوله: ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .
قال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول؛ لأنهم إذا أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله باستغفار الرسول ودعائه.
وقال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما أنفقوا قربة عند الله، وصلوات الرسول طمأنينة لهم وبراءة من النفاق؛ لأن الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق، فإذا دعا لهؤلاء وصلى عليهم كان ذلك طمأنينة لقلوبهم، وعلماً لهم بالبراءة من النفاق؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ ، أي: تسكن قلوبهم بصلاة الرسول وتطمئن بأنهم ليسوا من أهل النفاق، وأنهم برآء من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ﴾ .
ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أخبر - هاهنا - أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ذلك، وهاهنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون ويطلبون بذلك قربة عند الله أنها قربة لهم.
ثم وعدهم الجنة بقوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، أي: جنته، سمى جنته رحمة؛ لما برحمته يدخلون، لا استيجاباً لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلاً.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ : حيث لم يؤاخذهم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
ومن سكان البادية المنافقين من يعتقد أن ما ينفقه من مال في سبيل الله خسران وغرامة؛ لتوهمه أنَّه لا يؤجر إن أنفق، ولا يعاقبه الله إن أمسك، ولكنه مع هذا ينفق أحيانًا رياءً وتقية، وينتظر أن ينزل بكم -أيها المؤمنون- شر فيتخلص منكم، بل جعل الله ما يتمنونه أن يقع على المؤمنين من الشر ودوران الزمان بما لا تحمد عقباه واقعًا عليهم هم لا على المؤمنين، والله سميع لما يقولونه، عليم بما يضمرونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.E4YxW"