الإسلام > القرآن > سور > سورة 93 الضحى > الآية ١٠ من سورة الضحى
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 20 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠ من سورة الضحى من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( وأما السائل فلا تنهر ) أي : وكما كنت ضالا فهداك الله ، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد .
قال ابن إسحاق : ( وأما السائل فلا تنهر ) أي : فلا تكن جبارا ، ولا متكبرا ، ولا فحاشا ، ولا فظا على الضعفاء من عباد الله .
وقال قتادة : يعني رد المسكين برحمة ولين .
وقوله: ( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) يقول: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته .
قوله تعالى : وأما السائل فلا تنهر أي لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول .
ولكن رده ببذل يسير ، أو رد جميل ، واذكر فقرك قاله قتادة وغيره .
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يمنعن أحدكم السائل ، وأن يعطيه إذا سأل ، ولو رأى في يده قلبين من ذهب .
وقال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السؤال : يحملون زادنا إلى الآخرة .
وقال إبراهيم النخعي : السائل بريد الآخرة ، يجيء إلى باب أحدكم فيقول : هل تبعثون إلى أهليكم بشيء .
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل ، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن ، ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله .
وقيل : المراد بالسائل هنا ، الذي يسأل عن الدين أي فلا تنهره بالغلظة والجفوة ، وأجبه برفق ولين قالهسفيان .
قال ابن العربي : وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم ، على الكفاية كإعطاء سائل البر سواء .
وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث ، ويبسط رداءه لهم ، ويقول : مرحبا بأحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حديث أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا .
وفي رواية يأتيكم رجال من قبل المشرق .
.
.
فذكره .
واليتيم والسائل منصوبان بالفعل الذي بعده وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء ، والتقدير : مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ، ولا [ ص: 90 ] تنهر السائل .
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها : قلت يا رب اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، وسخرت مع داود الجبال يسبحن ، وأعطيت فلانا كذا فقال - عز وجل - : ألم أجدك يتيما فآويتك ؟
ألم أجدك ضالا فهديتك ؟
ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟
ألم أشرح لك صدرك ؟
ألم أوتك ما لم أوت أحدا قبلك : خواتيم سورة البقرة ، ألم أتخذك خليلا ، كما اتخذت إبراهيم خليلا ؟
قلت بلى يا رب " .
{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف [وإحسان].
وهذا يدخل فيه السائل للمال، والسائل للعلم، ولهذا كان المعلم مأمورًا بحسن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه، فإن في ذلك معونة له على مقصده، وإكرامًا لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد.
( وأما السائل فلا تنهر ) قال المفسرون : يريد السائل على الباب ، يقول : لا تنهره لا تزجره إذا سألك ، فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا ، يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره .
وقال قتادة : رد السائل برحمة ولين .
قال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة .
وقال إبراهيم : السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول : هل توجهون إلى أهليكم بشيء ؟
وروي عن الحسن في قوله : " أما السائل فلا تنهر " ، قال : طالب العلم .
«وأما السائل فلا تنهر» تزجره لفقره.
فأما اليتيم فلا تُسِئْ معاملته، وأما السائل فلا تزجره، بل أطعمه، واقض حاجته، وأما بنعمة ربك التي أسبغها عليك فتحدث بها.
وقوله - سبحانه - : ( وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ) معطوف على ما قبله .
أى : وكما أننا قد هديناك بعد حيرة .
.
فاشكر نعمنا على ذلك ، بأن تفتح صدرك للسائل الذى يسألك العون ، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم .
فالمراد بالسائل ، ما يشمل كل سائل عن مال ، أو عن علم ، أو عن غير ذلك من شئون الحياة .قال القرطبى : قوله : ( وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ) أى : لا تزجره ، فهو نهى عن إغلاظ القول .
.
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل .
.
"وفى حديث أبى هارون العبدى قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدرى يقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله قال : " إن الناس لكم تبع ، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا .
.
"
يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، وفي المراد من السائل قولان: أحدهما: وهو اختيار الحسن أن المراد منه من يسأل العلم ونظيره من وجه: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ﴾ وحينئذ يحصل الترتيب، لأنه تعالى قال له أولاً: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ ﴾ ثم اعتبر هذا الترتيب، فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية حق من يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه والقول الثاني: أن المراد مطلق السائل ولقد عاتب الله رسوله في القرآن في شأن الفقراء في ثلاثة مواضع أحدها: أنه كان جالساً وحوله صناديد قريش، إذ جاء ابن أم مكتوم الضرير، فتخطى رقاب الناس حتى جلس بين يديه، وقال: علمني مما علمك الله، فشق ذلك عليه فعبس وجهه فنزل ﴿ عَبَسَ وتولى ﴾ ، والثاني: حين قالت له قريش: لو جعلت لنا مجلساً وللفقراء مجلساً آخر فهم أن يفعل ذلك فنزل قوله: ﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ والثالث: كان جالساً فجاءه عثمان بعذق من ثمر فوضعه بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب، فقال: رحم الله عبداً يرحمنا، فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك، وأراد أن يأكله النبي عليه السلام فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث مرات، وكان يعطيه النبي عليه السلام إلى أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أسائل أنت أم بائع؟» فنزل: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عدّد عليه نعمه وأياديه، وأنه لم يخله منها من أوّل تربيه وابتداء نشئه، ترشيحاً لما أراد به؛ ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلاّ الحسنى وزيادة الخير والكرامة: ولا يضيق صدره ولا يقل صبره.
و ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ ﴾ من الوجود الذي بمعنى العلم: والمنصوبان مفعولاً وجد.
والمعنى: ألم تكن يتيماً، وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمّه، وهو ابن ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، وعطّفه الله عليه فأحسن تربيته.
ومن بدع التفاسير: أنه من قولهم: (درّة يتيمة) وأن المعنى: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك.
وقرئ: ﴿ فآوى ﴾ وهو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه.
سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة وإما من أوى له: إذا رحمه ﴿ ضَآلاًّ ﴾ معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع، كقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب ﴾ [الشورى: 52] .
وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب.
وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب.
وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، فهداك: فعرفك القرآن والشرائع.
أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك.
ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه كان على خلوّهم عن العلوم السمعية، فنعم؛ وإن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم، فمعاذ الله؛ والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْء ﴾ [يوسف: 38] وكفى بالنبي نقيصه عند الكفار أن يسبق له كفر ﴿ عَآئِلاً ﴾ فقيراً.
وقرئ: ﴿ عيلاً ﴾ كما قرئ: سيحات.
وعديماً ﴿ فأغنى ﴾ فأغناك بمال خديجة.
أو بما أفاء عليك من الغنائم.
قال عليه الصلاة السلام: «جعل رزقي تحت ظلّ رمحي» وقيل: قنعك وأغنى قلبك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ تَعْدِيدٌ لِما أنْعَمَ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما أحْسَنَ إلَيْهِ فِيما مَضى يُحْسِنُ إلَيْهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ وإنْ تَأخَّرَ.
ويَجِدْكَ مِنَ الوُجُودِ بِمَعْنى العِلْمِ ويَتِيمًا مَفْعُولُهُ الثّانِي أوِ المُصادَفَةُ ويَتِيمًا حالٌ.
﴿ وَوَجَدَكَ ضالا ﴾ عَنْ عِلْمِ الحُكْمِ والأحْكامِ.
﴿ فَهَدى ﴾ فَعَلَّمَكَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ.
وقِيلَ: وجَدَكَ ضالًّا في الطَّرِيقِ حِينَ خَرَجَ بِكَ أبُو طالِبٍ إلى الشّامِ أوْ حِينَ فَطَمَتْكَ حَلِيمَةُ وجاءَتْ بِكَ لِتَرُدَّكَ إلى جَدِّكَ، فَأزالَ ضَلالَكَ عَنْ عَمِّكَ أوْ جَدِّكَ.
﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا ﴾ فَقِيرًا ذا عِيالٍ.
﴿ فَأغْنى ﴾ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ} فلا تزجره فابذل قليلاً أو رد جميلاً وعن السدي المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره
﴿ وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ أيْ: فَلا تَزْجُرْهُ ولَكِنْ تَفَضَّلْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أوْ رُدَّهُ بِقَوْلٍ جَمِيلٍ، وأُرِيدَ بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ: السّائِلُ المُسْتَجْدِي الطّالِبُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْضًا وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُّؤّالُ يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: السّائِلُ يُرِيدُ الآخِرَةَ يَجِيءُ إلى بابِ أحَدِكم فَيَقُولُ: أتَبْعَثُونَ إلى أهْلِيكم بِشَيْءٍ.
وِشاعَ حَدِيثُ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»».
وقَدْ قالَ فِيهِ الإمامُ أحْمَدُ كَما في تَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ: لا أصْلَ لَهُ.
وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وسَكَتَ عَنْهُ، وقالَ العِراقِيُّ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ، وتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ وعَوَّلَ كَثِيرٌ عَلى ما قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وفي مَعْناهُ احْتِمالانِ كُلٌّ مِنهُما يُؤْذِنُ بِالِاهْتِمامِ بِأمْرِ السّائِلِ.
ورُوِيَ مِن طُرُقٍ عَنْ عائِشَةَ وغَيْرِها: لَوْ صَدَقَ السّائِلُ ما أفْلَحَ مَن رَدَّهُ.
وهو أيْضًا عَلى ما قالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: لا أصْلَ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: جَمِيعُ أسانِيدِهِ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ.
نَعَمْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا ما يَقْرُبُ مِنهُ وهُوَ: ««لَوْلا أنَّ المَساكِينَ يَكْذِبُونَ ما أفْلَحَ مَن رَدَّهُمْ»».
ولَمْ أقِفْ عَلى مَن تَعَقَّبَهُ.
ثُمَّ النَّهْيُ عَلى النَّهْرِ عَلى ما قالُوا إذا لَمْ يُلِحَّ في السُّؤالِ فَإنْ ألَحَّ ولَمْ يَنْفَعِ الرَّدُّ اللَّيِّنُ فَلا بَأْسَ بِالزَّجْرِ.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ والحَسَنُ وسُفْيانُ وغَيْرُهُمُ: المُرادُ بِالسّائِلِ هُنا السّائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِّينِ لا سائِلُ المالِ.
ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ زَجْرِهِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُعْلَمُ بِالأوْلى ويَشْهَدُ لِلْأوْلَوِيَّةِ أنَّهُ لا وعِيدَ عَلى تَرْكِ إعْطاءِ المُسْتَجْدِي لِمَن يَجِدُ ما يَسْتَجْدِيهِ بِخِلافِ تَرْكِ جَوابِ سائِلِ العِلْمِ لِمَن يَعْلَمُ، فَفي الحَدِيثِ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»».
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ مِن أنَّ الظّاهِرَ الثّانِي مِنَ القَوْلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تبارك وتعالى: وَالضُّحى يعني: النهار كله، ويقال: الضحى ساعة من ساعات النهار، ويقال: الضحى حر الشمس وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: اسودّ وأظلم، ويقال: إذا يكن بالناس، ويقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم، ويقال: وَالضُّحى نور الجنة إذا تنور وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: ظلمة النار إذا أظلم، ويقال: وَالضُّحى يعني: النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: السواد الذي في قلوب الكافرين، كهيئة الليل.
وأقسم الله تعالى بهذه الأشياء مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى يعني: ما تركك ربك يا محمد ، منذ أوحى إليك وَما قَلى يعني: ما أبغضك ربك، وذلك أن مشركي قريش، أرسلوا إلى يهود المدينة، وسألوهم عن أمر محمد ، فقالت لهم اليهود: فاسألوه عن أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وعن الروح، فإن أخبركم بقصة أهل الكهف، وعن قصة ذي القرنين، ولم يخبركم عن أمر الروح، فاعلموا أنه صادق.
فجاؤوه وسألوه فقال لهم: ارجعوا غداً حتى أخبركم، ونسي أن يقول إن شاء الله، فانقطع عنه جبريل خمسة عشرة يوماً في رواية الكلبي، وفي رواية الضحاك، أربعين يوماً.
فقال المشركون: قد ودّعه ربه وأبغضه، فنزل فيهم ذلك.
وروى أسباط عن السدي قال: فأبطأ جبريل ، على رسول الله أربعين ليلة، حتى شكا ذلك إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد قلاك أو نسيك، فأتاه جبريل بهذه الآية مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى يعني: ما أعطاك الله في الآخرة، خير لك مما أعطاك في الدنيا.
ويقال: معناه عن الآخرة، خير من عز الدنيا، لأن عز الدنيا يفنى، وعز الآخرة يبقى.
قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى يعني: يعطيك ثواب طاعتك، حتى ترضى.
وسوف من الله تعالى واجب.
ويقال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ الحوض، والشفاعة حتى ترضى.
ثم ذكر له ما أنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة.
فقال عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى يعني: كنت يتيماً فضمك إلى عمك أبي طالب، فكفاك المؤنة حين كنت يتيماً مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ فكيف ودعك بعد ما أوحى إليك.
ثم قال عز وجل: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى يعني: وجدك جاهلاً بالنبوة، وبالحكمة وبالكتاب وقراءته، والدعوة إلى الإيمان، فهداك إلى هذه الأشياء.
وكقوله: مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب، ولا الإيمان.
ويقال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا يعني: من بين قوم ضلال فَهَدى يعني: حفظك من أمرهم، وعن أخلاقهم.
ويقال: ووجدك بين قوم ضلال، فهداهم بك.
ثم قال عز وجل: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى يعني: وجدك فقيراً بلا مال، فأغناك بمال خديجة.
ويقال: وجدك فقيراً عن القرآن والعلم، فأغناك يعني: أغنى قلبك، وأرضاك بما أعطاك.
<div class="verse-tafsir"
استئناف مسوق مساق الدليل على تحقق الوعد، أي هو وعد جار على سنن ما سبق من عناية الله بك من مبدإ نشأتك ولطفه في الشدائد باطراد بحيث لا يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الصدف لأن شأن الصدف أن لا تتكرر فقد علم أن اطراد ذلك مراد لله تعالى.
والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق الوقوع قياساً على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك عسى أن يقلعوا عن العناد ويُسرعوا إلى الإيمان وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم.
ويحصل مع هذا المقصود امتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد الله تعالى إياه.
والاستفهام تقريري، وفعل ﴿ يجدك ﴾ مضارع وجَد بمعنى ألفى وصادف، وهوالذي يتعدى إلى مفعول واحد ومفعوله ضمير المخاطب.
و ﴿ يتيماً ﴾ حال، وكذلك ﴿ ضالاً ﴾ و ﴿ عائلاً ﴾ .
والكلام تمثيل لحالة تيسير المنافع لِلذي تعسرت عليه بحالة من وجَد شخصاً في شدة يتطلع إلى من يعينه أو يغيثه.
واليتيم: الصبي الذي مات أبوه وقد كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته.
والإيواء: مصدر أوَى إلى البيت، إذا رجع إليه، فالإيواء: الإِرجاع إلى المسكن، فهمزته الأولى همزة التعدية، أي جعله آوياً، وقد أطلق الإِيواء على الكفالة وكفاية الحاجة مجازاً أو استعارة، فالمعنى أنشأك على كمال الإِدراك والاستقامة وكنتَ على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشأوا على نقائص لأنهم لا يجدون من يُعنى بتهذيبهم وتعهدِ أحوالهم الخُلقية.
وفي الحديث «أدبني ربي فأحسن تأديبي» فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيراً من تربية الأبوين.
والضّلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك السائر طريقاً آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائراً لا يعرف أيَّ طريق يسلك، وهو المقصود هنا لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك فأراكه الله غير محمود وكرَّهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق، فإن الله لما أنشأ رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان، ألْهَمَه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى.
وليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل، فإن الأنبياء معصومون من الإِشراك قبل النبوءة باتفاق علمائنا، وإنما اختلفوا في عصمتهم من نوع الذنوب الفواحش التي لا تختلف الشرائع في كونها فواحش وبقطع النظر عن التنافي بين اعتبار الفعل فاحشة وبَيْن الخلوّ عن وجود شريعة قبل النبوءة، فإن المحققين من أصحابنا نزهوهم عن ذلك والمعتزلة منعوا ذلك بناء على اعتبار دليل العقل كافياً في قبح الفواحش عَلَى إرسال كلامهم في ضابط دلالة العقل.
ولم يختلف أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه ما ينافي أصول الدين قبل رسالته ولم يزل علماؤنا يجعلون ما تواتر من حال استقامته ونزاهته عن الرذائل قبل نبوءته دليلاً من جملة الأدلة على رسالته، بل قد شافَهَ القرآن به المشركين بقوله: ﴿ فقد لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون ﴾ [يونس: 16] وقوله: ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ﴾ [المؤمنون: 69]، ولأنه لم يؤثر أن المشركين أفحموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنكر عليهم من مساوي أعمالهم بأن يقولوا فقد كنت تفعل ذلك معنا.
والعائل: الذي لا مال له، والفقر يسمى عَيْلَة، قال تعالى: ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللَّه من فضله إن شاء ﴾ [التوبة: 28] وقد أغناه الله غناءين: أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا، وغنى المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها.
وحذفت مفاعيل ﴿ فآوى ﴾ ، ﴿ فهدى ﴾ ، ﴿ فأغنى ﴾ للعلم بها من ضمائر الخطاب قبلها، وحدفُها إيجاز، وفيه رعاية على الفواصل.
<div class="verse-tafsir"
(وقوله) (١) ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلامه تزجره به (١٠) قال أهل المعَاني: وهو إيساع الأغلاط بالصَياح في الوجه (١١) وقد ذكرنا أن أصل تصير (١٢) (١٣) (١٤) وروي عن الحسن في هذه الآية (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وعلى هذا السَائل هاهنا: الذي يسأل عن علم ليتعلمه.
(١) ساقط من: (ع).
(٢) في (أ): (تقهر).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) "معالم التنزيل" 4/ 500، ولم يعزه إليه، وإنما عزاه إلى المفسرين.
(٥) بمعناه في تفسيره: 243 ب.
(٦) "معاني القرآن" 3/ 275.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 340.
(٩) "النكت والعيون" 6/ 295، و"معالم التنزيل" 4/ 500، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 559، و"الدر المنثور" 8/ 545، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 459.
(١٠) "تهذيب اللغة" 6/ 278 (نهر)، وانظر: "لسان العرب" 5/ 239 (نهر).
(١١) لم أعثر على مصدر لقولهم.
(١٢) (تصد): في كلا النسختين.
(١٣) في (أ): (هذا).
(١٤) نهرّ نَهِر: أي واسع.
"تهذيب اللغة" 6/ 277 (نهر).
وجاء في "مقاييس اللغة" 5/ 362: (نهر: أصل صحيح يدل على تفتح شيء، أو فتحه).
(١٥) بياض في: (ع).
(١٦) "الكشف والبيان" 13/ 112/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 500، و"المحرر الوجيز" 5/ 495، و"التفسير الكبير" 31/ 220 بمعناه، و"البحر المحيط" 8/ 487 بمعناه.
(١٧) تقدمت ترجمته في سورة التوبة.
(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٩) "الكشف والبيان" 13/ 112/ ب، و"زاد المسير" 8/ 270.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والضحى ﴾ ذكر في الشمس وضحاها ﴿ والليل إِذَا سجى ﴾ فيه أربعة أقوال: أذ أقبل، وإذا أدبر، وإذا أظلم، وإذا سكن أي استقر واستوى، أو سكن فيه الناس والأصوات، ومنه: ليلة ساجية إذا كانت ساكنة الريح، وطرف ساج أو ساكن غير مضطرب النظر.
وهذا أقرب في الاشتقاق وهو اختيار ابن عطية ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ بتشديد الدال من الوداع وقرئ بتخفيفها بمعنى: ما تركك والوداع مبالغة في الترك ﴿ وَمَا قلى ﴾ أي ما أبغضك، وحذف ضمير المفعول من قلى وآوى وهدى وأغنى اختصاراً، لظهور المعنى ولموافقة رؤوس الآي.
وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي، فقالت قريش: إن محمداً ودعه ربه وقلاه، فنزلت الآية تكذيباً لهم وقيل: رمي عليه الصلاة والسلام بحجر في أصبعه فدميت فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت امرأة: ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه فنزلت الآية ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى ﴾ أي الدار الآخرة خير لك من الدنيا، قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة حاله بعد نزول هذه السورة، ويريد بالأولى حالة نزولها، وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر.
<div class="verse-tafsir"
ولا تزجر السائل المحتاج.
<div class="verse-tafsir" id="91.p2V8x"