«خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٤٦

الحديث رقم ١٠٤٦ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خطبة الإمام في الكسوف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ، فخرج إلى…

«خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ.» وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالْمَدِينَةِ، لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ؟ قَالَ: أَجَلْ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.

سند حديث: ١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح). وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ، فخرج إلى…

خَسَفَتِ الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان الخسوف أمرًا غير معهود صلى بهم صلاة غير معهودة في هيئتها ومقدارها، فقام فصلى بالناس فأطال القيام الذي بعد تكبيرة الإحرام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى، ثم ركع فأطال الركوع، وهو أخف من الركوع الأول ثم رفع من الركوع وسمع وحمد ولم يقرأ، ثم سجد وأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل الأولى في هيئتها وإن كانت دونها ، فكل ركن أقل من الركن الذي قبله، حتى استكمل أربع ركوعات وأربع سجدات، في ركعتين، ثم انصرف من الصلاة، وقد انْجَلت الشمس، فخطب الناس كعادته في المناسبات، فحمد الله وأثنى عليه ووعظهم، وحدث أن صادف ذلك اليوم الذي حصل فيه الخسوف موت ابنه إبراهيم رضي الله عنه فقال بعضهم: كَسَفت لموت إبراهيم، جرياً على عادتهم في الجاهلية من أنها لا تكسف إلا لموت عظيم أو لولادة عظيم، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم من نصحه وإخلاصه في أداء رسالته، ونفع الخلق أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الخرافات، التي لا تستند لا إلى نقل صحيح، ولا عقل سليم، ويبين الحكمة من خسوف الشمس والقمر فقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنَّما يجريهما الله تعالى بقدرته لِيُخَوِّفَ بهما عباده، ويُذَكِّرَهم نِعَمَه.
فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وادْعُواَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا؛ لما في ذلك من دفع البلاء المتوقع ورفع العقوبة النازلة.
ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يُفَصِّل لهم شيئاً من معاصي الله الكبار كالزنا التي تُوجِب فساد المجتمعات والأخلاق، والتي توجب غضبه وعقابه، ويقسم في هذه الموعظة -وهو الصادق المصدوق- قائلا: يا أمة محمد، والله، ما من أحد أغير من الله سبحانه أن يزني عبده، أو تزني أمته، ثم بيَّن أنَّهم لا يعلمون عن عذاب الله إلا قليلاً، ولو علموا ما علمه صلى الله عليه وسلم لأخذهم الخوف ولضَحِكوا سروراً قليلا، ولبكوا واغتموا كثيراً، لكن الله بحكمته حجب عنهم ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حصول خسوف الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
  • مشروعية صلاة الكسوف عند وجوده في أي ساعة.
  • مشروعية الإتيان بالصلاة على الوصف المذكور في هذا الحديث.
  • مشروعية التطويل بقيامها، وركوعها، وسجودها.
  • أن يكون ابتداء وقت الصلاة من الكسوف، وانتهاؤها بالتجلي.
  • مشروعية الخطبة والموعظة والتخويف في صلاة الكسوف.
  • ابتداء الخطبة بحمد الله، والثناء عليه؛ لأنه من الأدب.
  • بيان أن الشمس والقمر من آيات الله الكونية، الدالة على قدرته وحكمته.
  • كون الكسوف يحدث لتخويف العباد، وتحذيرهم عقاب الله -تعالى-، وهذا لا ينافي الأسباب الفلكية العلمية للكسوف، فالأول سبب شرعي والثاني سبب حسي.
  • إزالة ما علق بأذهان أهل الجاهلية من أن الكسوف والخسوف، أو انقضاض الكواكب، إنما هو لموت العظماء أو لحياتهم.
  • الأمر بالدعاء، والصلاة، والصدقة، عند حدوث الكسوف أو الخسوف.
  • أن فعل هذه العبادات يقي من عذاب الله وعقابه.
  • تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزنا، وأنه من الكبائر، التي يغار الله -تعالى- عند ارتكابها.
  • إثبات صفة الغيرة لله -تعالى-، إثباتًا يليق بجلاله- بلا تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه.
  • شدة ما أعده الله من العذاب لأهل المعاصي، مما لا يعلمه الناس، ولو علموه لاشتد خوفهم وقلقهم.
  • أن الله -سبحانه وتعالى- يطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- على علوم من الغيب، لا تحتمل الأمة علمها.
  • سعة علمه -صلى الله عليه وسلم- بربه وقوة قلبه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ، فخرج إلى…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، المصريُّ، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا ابن بكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ.

(ح) للتَّحويل (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر البصريُّ، عُرِفَ بابن الطَّبرانيِّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) عَنْبَسَةُ) بفتح العين والموحَّدة بينهما نونٌ ساكنةٌ والسِّين مهملةٌ، ابن خالد بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ فَخَرَجَ) من الحجرة (إِلَى المَسْجِدِ) لا الصَّحراء لخوف الفوت بالانجلاء، والمبادرة إلى الصَّلاة مشروعةٌ (فَصَفَّ) بالفاء، ولابن عساكر: «وصفَّ» (النَّاسُ وَرَاءَهُ) برفع «النَّاس» فاعلُ «صفَّ» (فَكَبَّرَ) تكبيرة الإحرام (فَاقْتَرَأَ) بالفاء فيهما (رَسُولُ اللهِ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (٤) نحوًا من سورة البقرة، أي: بعد الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت: «فقام، فحزرت قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» (ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آية من البقرة (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا ولك الحمد (فَقَامَ) من الرُّكوع (وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (-هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى-) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة

الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت (١) «فحزرتُ قراءته فرأيتُ أنَّه قرأ سورة آل عمران» (ثُمَّ كَبَّرَ، وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ -في نسخةٍ- وأبي الوقت: «هو» بإسقاطها (أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) مسبِّحًا فيه قدر ثمانين آية (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) كذا ثبتت: «ربَّنا ولك الحمد» هنا دون الأولى، ولأبي داود: «فاقترأ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر، فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ قراءةً طويلةً -هي أدنى من القراءة الأولى- ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا -هو أدنى من الركوع الأوَّل- ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد … » الحديث (ثُمَّ سَجَدَ) مسبِّحًا قدر مئة آيةٍ (ثُمَّ قَالَ) أي: فَعَلَ (فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة من غير ياءٍ بعد الخاء (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فَعَلَ في الركعة الأولى، لكن القراءة في أوَّلهما (٢): كالنِّساء، وفي ثانيهما (٣): كالمائدة، وهذا نصُّ الشَّافعيِّ في «البويطيِّ»، قال السُّبكيُّ: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأوَّل بنحو البقرة، وتطويله على الثَّاني والثَّالث، ثمَّ الثَّالث على الرَّابع، وأمَّا نقصُ الثَّالث عن (٤) الثَّاني أو زيادته عليه فلم يَرِد فيه شيءٌ فيما أعلم، فلأجله لا بُعْدَ في ذكر سورة النِّساء فيه (٥) وآل عمران في الثَّاني. نعم إذا قلنا: بزيادة ركوعٍ ثالثٍ فيكون أقصر من الثَّاني كما ورد في الخبر. انتهى. والتَّسبيح في أوَّلها (٦) قدر سبعين، والرَّابع:

خمسين، قال الأذرعيُّ: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرضَ بها المأمومون، وقد يُفرَّق بينهما وبين المكتوبة بالنُّدرة، أو أن يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين لعموم حديث: «إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفِّف» وتُحمَل إطالته على (١) أنَّه علم رضا أصحابه، أو أنَّ ذلك مغتفرٌ (٢) لبيان تعليم الأكمل بالفعل (فَاسْتَكْمَلَ) (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي) ركعتين و (أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) وسُمِّيَ الزَّائد ركوعًا باعتبار المعنى اللَّغويِّ، وإن كانت الرَّكعة الشَّرعيَّة إنَّما هي الكاملة قيامًا وركوعًا وسجودًا (وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنون قبل الجيم، أي: صَفَت (قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ) من صلاته (ثُمَّ قَامَ) أي: خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وهذا موضع التَّرجمة، ولم يقع التَّصريح في هذا الحديث بالخطبة. نعم (٣) صُرِّح بها في حديثِ عائشة -من رواية هشام- المعلَّقِ هنا الموصولِ قبلُ بباب [خ¦١٠٤٤]، وأورد المؤلِّف حديثها هذا من طريق ابن شهابٍ ليبيِّن أنَّ الحديث واحدٌ، وأنَّ الثَّناء المذكور في طريق ابن شهابٍ هذه كان في الخطبة، واختُلِفَ فيها فيه (٤) فقال الشَّافعيُّ: يُستَحَبُّ أن يخطب لها بعد الصَّلاة. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد (٥) ذلك. وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا خطبة فيها، وعلَّله صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: بأنَّه لم يُنقَل، وأُجيبَ بأنَّ الأحاديث ثابتةٌ فيه، وهي ذات كثرةٍ على ما لا يخفى، وعلَّله بعضهم بأنَّ خطبته إنَّما كانت للردِّ عليهم في قولهم: إنَّ ذلك لِمَوْتِ إبراهيم، فعرَّفهم أنَّ ذلك لا يكون لموت أحدٍ ولا لحياته، وعُورضَ بما في الأحاديث الصَّحيحة من التَّصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد، والثَّناء، والموعظة، وغير ذلك ممَّا تضمَّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيَّة الاتِّباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليلٍ،

والمستحبُّ أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان، فلا تجزئ واحدةٌ (ثُمَّ قَالَ) في الخطبة: (هُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة (فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: التجئوا (١) وتوجَّهوا (إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة الخاصة، السَّابق فعلها منه قبل الخطبة لأنَّها ساعة خوفٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون -بالميم- إلَّا الزُّهريَّ وعروة فمدنيَّان، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٤٨]، ومسلمٌ في «الكسوف» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

قال الزُّهريُّ عطفًا على قوله: حدَّثني عروة: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطَّلب الهاشميُّ، أبو تمام، صحابيٌّ صغيرٌ، وهو بالمثلَّثة والرَّفع اسمُ «كان»، وخبرها «يُحدِّث» مقدَّمًا، أي: وكان كثيرُ يحدِّث: (أَنَّ) أخاه لأبيه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) في «مسلمٍ» عن عروة عنها (٢): «أنه جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجدات» قال الزُّهريُّ: وأخبرني كثيرُ بن عبَّاسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ : أنَّه صلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين وأربع سجدات … الحديث، قال الزُّهريُّ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام الفقيه التَّابعيّ المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين (٣): (إِنَّ أَخَاكَ) أي: عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام (٤) الصَّحابيّ (يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ (٥) بِالمَدِينَةِ) بفتح الخاء

والسِّين (لَمْ يَزِدْ عَلَى) صلاة (رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ) صلاة (الصُّبْحِ) في العدد والهيئة (قَالَ) عروة: (أَجَلْ) يعني: نعم، صلَّى كذلك (لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١): «إنَّه أخطأ السُّنَّة» أي: جاوزها سهوًا أو عمدًا بأَنْ أدَّى اجتهاده إلى ذلك؛ لأنَّ السُّنَّة أن يُصلَّى في كلِّ ركعةٍ ركوعان. نعم ما فعله عبد الله يتأدَّى به أصل السُّنَّة وإن كان فيه تقصيرٌ بالنِّسبة إلى كمال السُّنَّة، فإن قلت: الأَولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًّا، لا بقول أخيه عروة التَّابعيِّ، أُجيبَ بأنَّ قول عروة: «السُّنَّة كذا» وإن قلنا: إنَّه مرسلٌ على الصَّحيح، لكن قد ذكرَ عروة مستنده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فترجَّح المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنِّسبة إلى الكمال، والله أعلم.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَقُولُ) القائل: (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف (أَوْ) يقول: (خَسَفَتْ) بالخاء المعجمة؟ زاد ابن عساكر فقال: «أو خسفت الشمس» قيل: أورده ردًّا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشَّمس، رواه سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ موقوفٍ عن عروة من طريق الزُّهريِّ بلفظ: «لا تقولوا: كسفت الشَّمس، ولكن قولوا: خسفت»، والأصحُّ أنَّ الكسوف والخسوف المضافين للشَّمس والقمر بمعنًى، يُقال: كَسَفت الشَّمس والقمر وخَسَفا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل، وكُسِفا وخُسِفا بضمِّهما مبنيًّا للمفعول، وانكسفا وانخسفا بصيغة: انفعل، ومعنى المادَّتين واحدٌ، أو يختصُّ ما بالكاف بالشَّمس، وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادَّعى الجوهريُّ أفصحيَّته، ونَقل عيَاضٌ عكسه، وعُورضَ بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ويدلُّ للقول الأوَّل إطلاق اللَّفظين في المحلِّ الواحد في الأحاديث، قال الحافظ عبد العظيم المنذريُّ -ومِن قَبْله القاضي أبو بكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٤٠١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّمِ بنِ أبي سَلَاّمٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ أَخْبرنِي أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الراحْمانِ بنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُودِيَ إنَّ الصَّلَاةَ جامِعَةٌ.

(الحَدِيث ٥٤٠١ طرفه فِي: ١٥٠١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور على زعم أبي عَليّ الجياني وَقيل: إِنَّه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه على زعم أبي نعيم. الثَّانِي: يحيى بن صَالح الوحاظي. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام بن أبي سَلام، بتَشْديد اللَّام فيهمَا، مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد عَن شَيْخه إِسْحَاق. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى بن صَالح. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن مُعَاوِيَة وَعَن يحيى بن أبي كثير. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن أبي سَلمَة وَفِي رِوَايَة حجاج الصَّواف عَن يحيى: حَدثنَا أَبُو سَلمَة حَدثنِي عبد الله، أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه قد ذكره من غير نِسْبَة. وَفِيه: أَن يحيى بن صَالح شَيْخه أَيْضا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة فِي: بَاب مَا إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة إِسْحَاق. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة ذكر بنسبتين: أحداهما: بقوله: الحبشي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة: مَنْسُوب إِلَى بِلَاد الْحَبَش، وَقَالَ ابْن معِين: الْحَبَش حَيّ من حمير، وَقَالَ الْأصيلِيّ: هُوَ بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْبَاء، وَهُوَ كَمَا يُقَال: عجم بِفتْحَتَيْنِ وعجم بِضَم الْعين وَإِسْكَان الْجِيم، وَالْأُخْرَى: نِسْبَة إِلَى دمشق، بِكَسْر الدَّال وَهِي دمشق الشَّام. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن سَلام.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نُودي: إِن الصَّلَاة) ، بتَخْفِيف إِن المفسرة، ويروى بِالتَّشْدِيدِ، وَيكون خَبَرهَا محذوفا تَقْدِيره: إِن الصَّلَاة حَاضِرَة، أَو نَحْو ذَلِك، وجامعة، نصب على الْحَال كَمَا ذكرنَا عَن قريب، فَإِن صحت الرِّوَايَة بِرَفْع جَامِعَة يكون هُوَ خَبرا لإن، وَقيل: يجوز فِيهِ رفع الْكَلِمَتَيْنِ أَيْضا وَرفع الأول وَنصب الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ.

وَفِيه: أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة وَإِنَّمَا يُنَادى لَهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (نُودي: الصَّلَاة جَامِعَة) ، بِدُونِ: أَن، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أجمع الْعلمَاء على أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة إِلَّا أَن الشَّافِعِي قَالَ: لَو نَادَى مُنَاد: الصَّلَاة جَامِعَة، ليخرج النَّاس بذلك إِلَى الْمَسْجِد لم يكن بذلك بَأْس.

٤ - (بابُ خُطْبَةِ الإمامِ فِي الكُسُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خطْبَة الإِمَام فِي كسوف الشَّمْس.

وقالَتْ عائِشَةُ وأسْمَاءُ خطَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: خطب فِي الْكُسُوف، أما تَعْلِيق عَائِشَة فقد أخرجه فِي بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، وَقد مضى عَن قريب، وَفِيه: وَقد تجلت الشَّمْس وخطب النَّاس، وَأما تَعْلِيق أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أُخْت عَائِشَة لأَبِيهَا، فَسَيَأْتِي بعد أحد عشر بَابا فِي: بَاب قَول الإِمَام فِي خطْبَة الْكُسُوف: أما بعد.

٦٤٠١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْل عنِ ابنِ شهَابٍ ح وحدَّثني

أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قَالَ حدَّثنا عَنْبَسةُ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخَرَجَ إلَى المَسْجِدِ فصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قِرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً ثُمَّ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقامَ ولَمْ يَسْجُدْ وقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلةً هِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولَى ثُمَّ كَبَّرَ ورَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ أدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ الأول قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ربَّنَا ولكَ الحَمْدُ ثُمَّ سجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذالِكَ فَاسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أرْبَعِ سَجَدَاتٍ وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قامَ فأثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ هُمَا آيَتَانِ منْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِموْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فَإذَا رأيْتُمُوهما فافْزَعُوا إلَى الصَّلاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله) ، لِأَن الْقيام وَالثنَاء على الله فِيهِ هُوَ الْخطْبَة.

ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين: الأول: يحيى بن بكير، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْمصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَحْمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ. السَّادِس: عَنْبَسَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا سين مُهْملَة مَفْتُوحَة: ابْن خَالِد بن يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. السَّابِع: يُونُس بن يزِيد بن مسكان أَبُو يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة بضع وَخمسين وَمِائَة. الثَّامِن: عُرْوَة بن الزبير. التَّاسِع: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد كَذَلِك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَحْمد بن صَالح من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مصريون مَا خلا ابْن شهَاب وَعُرْوَة، فَإِنَّهُمَا مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة الشَّخْص عَن عَمه، وَهُوَ: عَنْبَسَة عَن يُونُس.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد بن سَلمَة، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَابْن سَلمَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَصف النَّاس) بِرَفْع النَّاس لِأَنَّهُ فَاعل صف، يُقَال: صف الْقَوْم إِذا صَارُوا صفا، وَيجوز نصب النَّاس وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: فَصف النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّاس وَرَاءه. قَوْله: (ثمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة) أَي: فعل، وَهُوَ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، وَالْعرب تفعل هَذَا كثيرا. قَوْله: (ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله تَعَالَى) يَعْنِي: قَامَ لأجل الْخطْبَة فَخَطب. قَوْله: (فافزعوا) ، بِفَتْح الزَّاي، أَي: التجئوا وتوجهوا إِلَيْهَا. أَو: اسْتَعِينُوا بهَا على دفع الْأَمر الْحَادِث من: بَاب: فزع بِالْكَسْرِ يفزع بِالْفَتْح فَزعًا، والفزع فِي الأَصْل: الْخَوْف، فَوضع مَوضِع الإغاثة والنصر لِأَن من شَأْنه الإغاثة وَالدَّفْع. قَوْله: (إِلَى الصَّلَاة) قَالَ بَعضهم: أَي الْمَعْهُودَة الْحَاصِل، وَهِي الَّتِي تقدم فعلهَا مِنْهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبل الْخطْبَة، وَلم يصب من اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة. قلت: الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة هُوَ الْمسيب لِأَن الْمَذْكُور هُوَ الصَّلَاة فَإِذا ذكرت مُطلقَة ينْصَرف إِلَى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِيمَا بَينهم الَّتِي يصلونها على الصّفة الْمَعْهُودَة، وَلَا تذْهب أذهان النَّاس إلاّ إِلَى ذَلِك، وَالْعجب من غير الْمُصِيب يرد كَلَام الْمُصِيب.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَقد مر أَكثر ذَلِك. فِيهِ: فعل صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد دون الصَّحرَاء وَإِن كَانَ يجوز فعلهَا فِي الصَّحرَاء، وَلَعَلَّ كَونهَا فِي الْمَسْجِد هَهُنَا لخوف الْفَوْت بالانجلاء، وَقَالَ الْقَدُورِيّ: كَانَ أَبُو حنيفَة يرى صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد وَالْأَفْضَل فِي الْجَامِع. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) : صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد الْجَامِع أَو فِي مصلى الْعِيد، وَعند مَالك: تصلى فِيهِ دون

الصَّحرَاء. وَقَالَ ابْن حبيب: هُوَ مُخَيّر، وَحكي عَن أصبغ: وَصوب بعض أهل الْعلم الْمَسْجِد فِي الْمصر الْكَبِير للْمَشَقَّة، وَخَوف الْفَوْت دون الصَّغِير. وَفِيه: الْخطْبَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا مستقصىً. وَفِيه: تَقْدِيم الإِمَام على الْمَأْمُوم، وَهُوَ من قَوْله: (فَصف النَّاس وَرَاءه) ، وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ والمسارعة إِلَى فعله. وَفِيه: الالتجاء إِلَى الله تَعَالَى عِنْد المخاوف بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ سَبَب لمحو مَا فرط مِنْهُ من الْعِصْيَان. وَفِيه: أَن الذُّنُوب سَبَب لوُقُوع البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة.

وكانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بنُ عَبَّاسٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ إنَّ أخاكَ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ قالَ أجَلْ لأِنَّهُ أخْطَأ السُّنَّةَ

قَوْله: (كَانَ يحدث كثير بن عَبَّاس) وَهُوَ مقول الزُّهْرِيّ عطفا على قَوْله: (حَدثنِي عُرْوَة) . وَقَوله: (كثير) ، بِالرَّفْع: اسْم كَانَ وَخَبره. قَوْله: (يحدث) ، مقدما، وَقد وَقع صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ (قَالَ: كثير ابْن الْعَبَّاس يحدث أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يحدث عَن صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم كسفت الشَّمْس، مثل مَا حدث عُرْوَة عَن عَائِشَة) . وَحَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة هُوَ مَا روى عُرْوَة عَنْهَا (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جهر فِي صَلَاة الخسوف بقرَاءَته، فصلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . قَالَ الزُّهْرِيّ: وَأَخْبرنِي كثير بن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه صلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات. .) إِلَى هُنَا لفظ مُسلم. قَوْله: (فَقلت) الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (أَن أَخَاك) يَعْنِي: عبد الله بن الزبير. قَوْله: (مثل الصُّبْح) ، أَي: مثل صَلَاة الصُّبْح فِي الْعدَد والهيئة. قَوْله: (قَالَ: أجل) أَي: قَالَ عُرْوَة: نعم صلى كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان، فَقَالَ: أجل كَذَلِك صنع (لِأَنَّهُ إخطأ السّنة) أَي: لِأَن عبد الله بن الزبير أَخطَأ السّنة، لِأَن السّنة هِيَ أَن تصلي فِي كل رَكْعَة ركوعان. وَقَالَ: بَعضهم: وَتعقب بِأَن عُرْوَة تَابِعِيّ وَعبد الله صَحَابِيّ فالأخذ بِفِعْلِهِ أولى. ثمَّ أجَاب: بِمَا حَاصله: إِن مَا صنعه عبد الله يتَأَدَّى بِهِ أصل السّنة، وَإِن كَانَ فِيهِ تَقْصِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَال السّنة، وَيحْتَمل أَن يكون عبد الله أَخطَأ السّنة من غير قصد لِأَنَّهَا لم تبلغه. قلت: وَقد قُلْنَا فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف: إِن عُرْوَة أَحَق بالْخَطَأ من عبد الله الصاحب الَّذِي عمل بِمَا علم، وَعُرْوَة أنكر مَا لَا يعلم، وَلَا نسلم أَنَّهَا لم تبلغه لاحْتِمَال أَنه بلغه من أبي بكرَة أَو من غَيره مَعَ بُلُوغ حَدِيث عَائِشَة إِيَّاه، فَاخْتَارَ حَدِيث أبي بكرَة لموافقته الْقيَاس، فَإِذا لَا يُقَال فِيهِ: إِنَّه أَخطَأ السّنة. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٥ - (بابُ هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أوْ خَسَفَتْ؟)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يَقُول الْقَائِل: كسفت الشَّمْس؟ أَو يَقُول: خسفت الشَّمْس؟ قيل: أَتَى البُخَارِيّ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام إشعارا مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك شَيْء، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ (عَن عُرْوَة: لَا تَقولُوا كسفت الشَّمْس، وَلَكِن قُولُوا: خسفت) وَهَذَا مَوْقُوف صَحِيح رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَنهُ. قلت: تَرْتِيب البُخَارِيّ يدل على أَن الخسوف يُقَال فِي الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذكر الْآيَة وفيهَا نِسْبَة الخسوف إِلَى الْقَمَر ثمَّ ذكر الحَدِيث وَفِيه نِسْبَة الخسوف إِلَى الشَّمْس وَكَذَلِكَ يُقَال بالكسوف فيهمَا جَمِيعًا، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب (فَقَالَ فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر: إنَّهُمَا آيتان) . وَبِهَذَا يرد على عُرْوَة فِيمَا روى الزُّهْرِيّ عَنهُ. وَبِمَا روى فِي أَحَادِيث كَثِيرَة: كسفت الشَّمْس، مِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة الَّذِي مضى فِي أول الْأَبْوَاب، (قَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .) الحَدِيث، وَفِيه: أَيْضا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد) الحَدِيث وَاسْتِعْمَال الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر اصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَاخْتَارَهُ ثَعْلَب أَيْضا قَالَ فِي الفضيح إِن كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَامَيْنِ، وَذكر الْجَوْهَرِي: أَنه أفْصح، وَحكى عِيَاض عَن بَعضهم عَكسه، وغلطه لثُبُوته بِالْخَاءِ فِي الْقُرْآن، وَفِي الْحَقِيقَة فِي مَعْنَاهُمَا فرق، فَقيل: الْكُسُوف أَن يكْشف ببعضهما، والخسوف: أَن يخسف بكلهما، قَالَ الله تَعَالَى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} وَقَالَ شمر: الْكُسُوف فِي الْوَجْه الصُّفْرَة والتغير، وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين، وَذهب نورها وضياؤها.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، المصريُّ، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا ابن بكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ.

(ح) للتَّحويل (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر البصريُّ، عُرِفَ بابن الطَّبرانيِّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) عَنْبَسَةُ) بفتح العين والموحَّدة بينهما نونٌ ساكنةٌ والسِّين مهملةٌ، ابن خالد بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ فَخَرَجَ) من الحجرة (إِلَى المَسْجِدِ) لا الصَّحراء لخوف الفوت بالانجلاء، والمبادرة إلى الصَّلاة مشروعةٌ (فَصَفَّ) بالفاء، ولابن عساكر: «وصفَّ» (النَّاسُ وَرَاءَهُ) برفع «النَّاس» فاعلُ «صفَّ» (فَكَبَّرَ) تكبيرة الإحرام (فَاقْتَرَأَ) بالفاء فيهما (رَسُولُ اللهِ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (٤) نحوًا من سورة البقرة، أي: بعد الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت: «فقام، فحزرت قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» (ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آية من البقرة (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا ولك الحمد (فَقَامَ) من الرُّكوع (وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (-هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى-) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة

الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت (١) «فحزرتُ قراءته فرأيتُ أنَّه قرأ سورة آل عمران» (ثُمَّ كَبَّرَ، وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ -في نسخةٍ- وأبي الوقت: «هو» بإسقاطها (أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) مسبِّحًا فيه قدر ثمانين آية (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) كذا ثبتت: «ربَّنا ولك الحمد» هنا دون الأولى، ولأبي داود: «فاقترأ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر، فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ قراءةً طويلةً -هي أدنى من القراءة الأولى- ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا -هو أدنى من الركوع الأوَّل- ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد … » الحديث (ثُمَّ سَجَدَ) مسبِّحًا قدر مئة آيةٍ (ثُمَّ قَالَ) أي: فَعَلَ (فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة من غير ياءٍ بعد الخاء (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فَعَلَ في الركعة الأولى، لكن القراءة في أوَّلهما (٢): كالنِّساء، وفي ثانيهما (٣): كالمائدة، وهذا نصُّ الشَّافعيِّ في «البويطيِّ»، قال السُّبكيُّ: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأوَّل بنحو البقرة، وتطويله على الثَّاني والثَّالث، ثمَّ الثَّالث على الرَّابع، وأمَّا نقصُ الثَّالث عن (٤) الثَّاني أو زيادته عليه فلم يَرِد فيه شيءٌ فيما أعلم، فلأجله لا بُعْدَ في ذكر سورة النِّساء فيه (٥) وآل عمران في الثَّاني. نعم إذا قلنا: بزيادة ركوعٍ ثالثٍ فيكون أقصر من الثَّاني كما ورد في الخبر. انتهى. والتَّسبيح في أوَّلها (٦) قدر سبعين، والرَّابع:

خمسين، قال الأذرعيُّ: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرضَ بها المأمومون، وقد يُفرَّق بينهما وبين المكتوبة بالنُّدرة، أو أن يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين لعموم حديث: «إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفِّف» وتُحمَل إطالته على (١) أنَّه علم رضا أصحابه، أو أنَّ ذلك مغتفرٌ (٢) لبيان تعليم الأكمل بالفعل (فَاسْتَكْمَلَ) (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي) ركعتين و (أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) وسُمِّيَ الزَّائد ركوعًا باعتبار المعنى اللَّغويِّ، وإن كانت الرَّكعة الشَّرعيَّة إنَّما هي الكاملة قيامًا وركوعًا وسجودًا (وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنون قبل الجيم، أي: صَفَت (قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ) من صلاته (ثُمَّ قَامَ) أي: خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وهذا موضع التَّرجمة، ولم يقع التَّصريح في هذا الحديث بالخطبة. نعم (٣) صُرِّح بها في حديثِ عائشة -من رواية هشام- المعلَّقِ هنا الموصولِ قبلُ بباب [خ¦١٠٤٤]، وأورد المؤلِّف حديثها هذا من طريق ابن شهابٍ ليبيِّن أنَّ الحديث واحدٌ، وأنَّ الثَّناء المذكور في طريق ابن شهابٍ هذه كان في الخطبة، واختُلِفَ فيها فيه (٤) فقال الشَّافعيُّ: يُستَحَبُّ أن يخطب لها بعد الصَّلاة. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد (٥) ذلك. وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا خطبة فيها، وعلَّله صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: بأنَّه لم يُنقَل، وأُجيبَ بأنَّ الأحاديث ثابتةٌ فيه، وهي ذات كثرةٍ على ما لا يخفى، وعلَّله بعضهم بأنَّ خطبته إنَّما كانت للردِّ عليهم في قولهم: إنَّ ذلك لِمَوْتِ إبراهيم، فعرَّفهم أنَّ ذلك لا يكون لموت أحدٍ ولا لحياته، وعُورضَ بما في الأحاديث الصَّحيحة من التَّصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد، والثَّناء، والموعظة، وغير ذلك ممَّا تضمَّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيَّة الاتِّباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليلٍ،

والمستحبُّ أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان، فلا تجزئ واحدةٌ (ثُمَّ قَالَ) في الخطبة: (هُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة (فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: التجئوا (١) وتوجَّهوا (إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة الخاصة، السَّابق فعلها منه قبل الخطبة لأنَّها ساعة خوفٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون -بالميم- إلَّا الزُّهريَّ وعروة فمدنيَّان، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٤٨]، ومسلمٌ في «الكسوف» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

قال الزُّهريُّ عطفًا على قوله: حدَّثني عروة: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطَّلب الهاشميُّ، أبو تمام، صحابيٌّ صغيرٌ، وهو بالمثلَّثة والرَّفع اسمُ «كان»، وخبرها «يُحدِّث» مقدَّمًا، أي: وكان كثيرُ يحدِّث: (أَنَّ) أخاه لأبيه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) في «مسلمٍ» عن عروة عنها (٢): «أنه جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجدات» قال الزُّهريُّ: وأخبرني كثيرُ بن عبَّاسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ : أنَّه صلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين وأربع سجدات … الحديث، قال الزُّهريُّ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام الفقيه التَّابعيّ المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين (٣): (إِنَّ أَخَاكَ) أي: عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام (٤) الصَّحابيّ (يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ (٥) بِالمَدِينَةِ) بفتح الخاء

والسِّين (لَمْ يَزِدْ عَلَى) صلاة (رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ) صلاة (الصُّبْحِ) في العدد والهيئة (قَالَ) عروة: (أَجَلْ) يعني: نعم، صلَّى كذلك (لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١): «إنَّه أخطأ السُّنَّة» أي: جاوزها سهوًا أو عمدًا بأَنْ أدَّى اجتهاده إلى ذلك؛ لأنَّ السُّنَّة أن يُصلَّى في كلِّ ركعةٍ ركوعان. نعم ما فعله عبد الله يتأدَّى به أصل السُّنَّة وإن كان فيه تقصيرٌ بالنِّسبة إلى كمال السُّنَّة، فإن قلت: الأَولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًّا، لا بقول أخيه عروة التَّابعيِّ، أُجيبَ بأنَّ قول عروة: «السُّنَّة كذا» وإن قلنا: إنَّه مرسلٌ على الصَّحيح، لكن قد ذكرَ عروة مستنده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فترجَّح المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنِّسبة إلى الكمال، والله أعلم.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَقُولُ) القائل: (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف (أَوْ) يقول: (خَسَفَتْ) بالخاء المعجمة؟ زاد ابن عساكر فقال: «أو خسفت الشمس» قيل: أورده ردًّا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشَّمس، رواه سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ موقوفٍ عن عروة من طريق الزُّهريِّ بلفظ: «لا تقولوا: كسفت الشَّمس، ولكن قولوا: خسفت»، والأصحُّ أنَّ الكسوف والخسوف المضافين للشَّمس والقمر بمعنًى، يُقال: كَسَفت الشَّمس والقمر وخَسَفا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل، وكُسِفا وخُسِفا بضمِّهما مبنيًّا للمفعول، وانكسفا وانخسفا بصيغة: انفعل، ومعنى المادَّتين واحدٌ، أو يختصُّ ما بالكاف بالشَّمس، وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادَّعى الجوهريُّ أفصحيَّته، ونَقل عيَاضٌ عكسه، وعُورضَ بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ويدلُّ للقول الأوَّل إطلاق اللَّفظين في المحلِّ الواحد في الأحاديث، قال الحافظ عبد العظيم المنذريُّ -ومِن قَبْله القاضي أبو بكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٤٠١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّمِ بنِ أبي سَلَاّمٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ أَخْبرنِي أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الراحْمانِ بنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُودِيَ إنَّ الصَّلَاةَ جامِعَةٌ.

(الحَدِيث ٥٤٠١ طرفه فِي: ١٥٠١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور على زعم أبي عَليّ الجياني وَقيل: إِنَّه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه على زعم أبي نعيم. الثَّانِي: يحيى بن صَالح الوحاظي. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام بن أبي سَلام، بتَشْديد اللَّام فيهمَا، مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد عَن شَيْخه إِسْحَاق. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى بن صَالح. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن مُعَاوِيَة وَعَن يحيى بن أبي كثير. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن أبي سَلمَة وَفِي رِوَايَة حجاج الصَّواف عَن يحيى: حَدثنَا أَبُو سَلمَة حَدثنِي عبد الله، أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه قد ذكره من غير نِسْبَة. وَفِيه: أَن يحيى بن صَالح شَيْخه أَيْضا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة فِي: بَاب مَا إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة إِسْحَاق. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة ذكر بنسبتين: أحداهما: بقوله: الحبشي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة: مَنْسُوب إِلَى بِلَاد الْحَبَش، وَقَالَ ابْن معِين: الْحَبَش حَيّ من حمير، وَقَالَ الْأصيلِيّ: هُوَ بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْبَاء، وَهُوَ كَمَا يُقَال: عجم بِفتْحَتَيْنِ وعجم بِضَم الْعين وَإِسْكَان الْجِيم، وَالْأُخْرَى: نِسْبَة إِلَى دمشق، بِكَسْر الدَّال وَهِي دمشق الشَّام. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن سَلام.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نُودي: إِن الصَّلَاة) ، بتَخْفِيف إِن المفسرة، ويروى بِالتَّشْدِيدِ، وَيكون خَبَرهَا محذوفا تَقْدِيره: إِن الصَّلَاة حَاضِرَة، أَو نَحْو ذَلِك، وجامعة، نصب على الْحَال كَمَا ذكرنَا عَن قريب، فَإِن صحت الرِّوَايَة بِرَفْع جَامِعَة يكون هُوَ خَبرا لإن، وَقيل: يجوز فِيهِ رفع الْكَلِمَتَيْنِ أَيْضا وَرفع الأول وَنصب الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ.

وَفِيه: أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة وَإِنَّمَا يُنَادى لَهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (نُودي: الصَّلَاة جَامِعَة) ، بِدُونِ: أَن، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أجمع الْعلمَاء على أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة إِلَّا أَن الشَّافِعِي قَالَ: لَو نَادَى مُنَاد: الصَّلَاة جَامِعَة، ليخرج النَّاس بذلك إِلَى الْمَسْجِد لم يكن بذلك بَأْس.

٤ - (بابُ خُطْبَةِ الإمامِ فِي الكُسُوفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خطْبَة الإِمَام فِي كسوف الشَّمْس.

وقالَتْ عائِشَةُ وأسْمَاءُ خطَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: خطب فِي الْكُسُوف، أما تَعْلِيق عَائِشَة فقد أخرجه فِي بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، وَقد مضى عَن قريب، وَفِيه: وَقد تجلت الشَّمْس وخطب النَّاس، وَأما تَعْلِيق أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أُخْت عَائِشَة لأَبِيهَا، فَسَيَأْتِي بعد أحد عشر بَابا فِي: بَاب قَول الإِمَام فِي خطْبَة الْكُسُوف: أما بعد.

٦٤٠١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْل عنِ ابنِ شهَابٍ ح وحدَّثني

أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قَالَ حدَّثنا عَنْبَسةُ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخَرَجَ إلَى المَسْجِدِ فصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قِرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً ثُمَّ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقامَ ولَمْ يَسْجُدْ وقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلةً هِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولَى ثُمَّ كَبَّرَ ورَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ أدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ الأول قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ربَّنَا ولكَ الحَمْدُ ثُمَّ سجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذالِكَ فَاسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أرْبَعِ سَجَدَاتٍ وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قامَ فأثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ هُمَا آيَتَانِ منْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِموْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فَإذَا رأيْتُمُوهما فافْزَعُوا إلَى الصَّلاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله) ، لِأَن الْقيام وَالثنَاء على الله فِيهِ هُوَ الْخطْبَة.

ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين: الأول: يحيى بن بكير، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْمصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَحْمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ. السَّادِس: عَنْبَسَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا سين مُهْملَة مَفْتُوحَة: ابْن خَالِد بن يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. السَّابِع: يُونُس بن يزِيد بن مسكان أَبُو يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة بضع وَخمسين وَمِائَة. الثَّامِن: عُرْوَة بن الزبير. التَّاسِع: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد كَذَلِك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَحْمد بن صَالح من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مصريون مَا خلا ابْن شهَاب وَعُرْوَة، فَإِنَّهُمَا مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة الشَّخْص عَن عَمه، وَهُوَ: عَنْبَسَة عَن يُونُس.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد بن سَلمَة، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَابْن سَلمَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَصف النَّاس) بِرَفْع النَّاس لِأَنَّهُ فَاعل صف، يُقَال: صف الْقَوْم إِذا صَارُوا صفا، وَيجوز نصب النَّاس وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: فَصف النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّاس وَرَاءه. قَوْله: (ثمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة) أَي: فعل، وَهُوَ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، وَالْعرب تفعل هَذَا كثيرا. قَوْله: (ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله تَعَالَى) يَعْنِي: قَامَ لأجل الْخطْبَة فَخَطب. قَوْله: (فافزعوا) ، بِفَتْح الزَّاي، أَي: التجئوا وتوجهوا إِلَيْهَا. أَو: اسْتَعِينُوا بهَا على دفع الْأَمر الْحَادِث من: بَاب: فزع بِالْكَسْرِ يفزع بِالْفَتْح فَزعًا، والفزع فِي الأَصْل: الْخَوْف، فَوضع مَوضِع الإغاثة والنصر لِأَن من شَأْنه الإغاثة وَالدَّفْع. قَوْله: (إِلَى الصَّلَاة) قَالَ بَعضهم: أَي الْمَعْهُودَة الْحَاصِل، وَهِي الَّتِي تقدم فعلهَا مِنْهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبل الْخطْبَة، وَلم يصب من اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة. قلت: الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة هُوَ الْمسيب لِأَن الْمَذْكُور هُوَ الصَّلَاة فَإِذا ذكرت مُطلقَة ينْصَرف إِلَى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِيمَا بَينهم الَّتِي يصلونها على الصّفة الْمَعْهُودَة، وَلَا تذْهب أذهان النَّاس إلاّ إِلَى ذَلِك، وَالْعجب من غير الْمُصِيب يرد كَلَام الْمُصِيب.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَقد مر أَكثر ذَلِك. فِيهِ: فعل صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد دون الصَّحرَاء وَإِن كَانَ يجوز فعلهَا فِي الصَّحرَاء، وَلَعَلَّ كَونهَا فِي الْمَسْجِد هَهُنَا لخوف الْفَوْت بالانجلاء، وَقَالَ الْقَدُورِيّ: كَانَ أَبُو حنيفَة يرى صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد وَالْأَفْضَل فِي الْجَامِع. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) : صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد الْجَامِع أَو فِي مصلى الْعِيد، وَعند مَالك: تصلى فِيهِ دون

الصَّحرَاء. وَقَالَ ابْن حبيب: هُوَ مُخَيّر، وَحكي عَن أصبغ: وَصوب بعض أهل الْعلم الْمَسْجِد فِي الْمصر الْكَبِير للْمَشَقَّة، وَخَوف الْفَوْت دون الصَّغِير. وَفِيه: الْخطْبَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا مستقصىً. وَفِيه: تَقْدِيم الإِمَام على الْمَأْمُوم، وَهُوَ من قَوْله: (فَصف النَّاس وَرَاءه) ، وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ والمسارعة إِلَى فعله. وَفِيه: الالتجاء إِلَى الله تَعَالَى عِنْد المخاوف بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ سَبَب لمحو مَا فرط مِنْهُ من الْعِصْيَان. وَفِيه: أَن الذُّنُوب سَبَب لوُقُوع البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة.

وكانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بنُ عَبَّاسٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ إنَّ أخاكَ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ قالَ أجَلْ لأِنَّهُ أخْطَأ السُّنَّةَ

قَوْله: (كَانَ يحدث كثير بن عَبَّاس) وَهُوَ مقول الزُّهْرِيّ عطفا على قَوْله: (حَدثنِي عُرْوَة) . وَقَوله: (كثير) ، بِالرَّفْع: اسْم كَانَ وَخَبره. قَوْله: (يحدث) ، مقدما، وَقد وَقع صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ (قَالَ: كثير ابْن الْعَبَّاس يحدث أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يحدث عَن صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم كسفت الشَّمْس، مثل مَا حدث عُرْوَة عَن عَائِشَة) . وَحَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة هُوَ مَا روى عُرْوَة عَنْهَا (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جهر فِي صَلَاة الخسوف بقرَاءَته، فصلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . قَالَ الزُّهْرِيّ: وَأَخْبرنِي كثير بن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه صلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات. .) إِلَى هُنَا لفظ مُسلم. قَوْله: (فَقلت) الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (أَن أَخَاك) يَعْنِي: عبد الله بن الزبير. قَوْله: (مثل الصُّبْح) ، أَي: مثل صَلَاة الصُّبْح فِي الْعدَد والهيئة. قَوْله: (قَالَ: أجل) أَي: قَالَ عُرْوَة: نعم صلى كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان، فَقَالَ: أجل كَذَلِك صنع (لِأَنَّهُ إخطأ السّنة) أَي: لِأَن عبد الله بن الزبير أَخطَأ السّنة، لِأَن السّنة هِيَ أَن تصلي فِي كل رَكْعَة ركوعان. وَقَالَ: بَعضهم: وَتعقب بِأَن عُرْوَة تَابِعِيّ وَعبد الله صَحَابِيّ فالأخذ بِفِعْلِهِ أولى. ثمَّ أجَاب: بِمَا حَاصله: إِن مَا صنعه عبد الله يتَأَدَّى بِهِ أصل السّنة، وَإِن كَانَ فِيهِ تَقْصِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَال السّنة، وَيحْتَمل أَن يكون عبد الله أَخطَأ السّنة من غير قصد لِأَنَّهَا لم تبلغه. قلت: وَقد قُلْنَا فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف: إِن عُرْوَة أَحَق بالْخَطَأ من عبد الله الصاحب الَّذِي عمل بِمَا علم، وَعُرْوَة أنكر مَا لَا يعلم، وَلَا نسلم أَنَّهَا لم تبلغه لاحْتِمَال أَنه بلغه من أبي بكرَة أَو من غَيره مَعَ بُلُوغ حَدِيث عَائِشَة إِيَّاه، فَاخْتَارَ حَدِيث أبي بكرَة لموافقته الْقيَاس، فَإِذا لَا يُقَال فِيهِ: إِنَّه أَخطَأ السّنة. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٥ - (بابُ هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أوْ خَسَفَتْ؟)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يَقُول الْقَائِل: كسفت الشَّمْس؟ أَو يَقُول: خسفت الشَّمْس؟ قيل: أَتَى البُخَارِيّ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام إشعارا مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك شَيْء، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ (عَن عُرْوَة: لَا تَقولُوا كسفت الشَّمْس، وَلَكِن قُولُوا: خسفت) وَهَذَا مَوْقُوف صَحِيح رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَنهُ. قلت: تَرْتِيب البُخَارِيّ يدل على أَن الخسوف يُقَال فِي الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذكر الْآيَة وفيهَا نِسْبَة الخسوف إِلَى الْقَمَر ثمَّ ذكر الحَدِيث وَفِيه نِسْبَة الخسوف إِلَى الشَّمْس وَكَذَلِكَ يُقَال بالكسوف فيهمَا جَمِيعًا، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب (فَقَالَ فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر: إنَّهُمَا آيتان) . وَبِهَذَا يرد على عُرْوَة فِيمَا روى الزُّهْرِيّ عَنهُ. وَبِمَا روى فِي أَحَادِيث كَثِيرَة: كسفت الشَّمْس، مِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة الَّذِي مضى فِي أول الْأَبْوَاب، (قَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .) الحَدِيث، وَفِيه: أَيْضا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد) الحَدِيث وَاسْتِعْمَال الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر اصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَاخْتَارَهُ ثَعْلَب أَيْضا قَالَ فِي الفضيح إِن كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَامَيْنِ، وَذكر الْجَوْهَرِي: أَنه أفْصح، وَحكى عِيَاض عَن بَعضهم عَكسه، وغلطه لثُبُوته بِالْخَاءِ فِي الْقُرْآن، وَفِي الْحَقِيقَة فِي مَعْنَاهُمَا فرق، فَقيل: الْكُسُوف أَن يكْشف ببعضهما، والخسوف: أَن يخسف بكلهما، قَالَ الله تَعَالَى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} وَقَالَ شمر: الْكُسُوف فِي الْوَجْه الصُّفْرَة والتغير، وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين، وَذهب نورها وضياؤها.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله