(١) ظَنِّي الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٢٩

الحديث رقم ١٢٢٩ من كتاب «كتاب السهو» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من يكبر في سجدتي السهو.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (١) ظني العصر ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى…

(١) ظَنِّي الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: أَقَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.»

سند حديث: ١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ…

١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: (١) ظني العصر ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى…

يبين الحديث الشريف ما على المصلي فعله إذا نسي وأنقص في صلاته؛ بأنه يكمل ما تبقى عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين للسهو تجبر ما حصل، ويروي أبو هريرة، -رضى الله عنه-، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صلى بأصحابه إما صلاة الظهر أو العصر، فلما صلى الركعتين الأوليين سلّم.
ولما كان صلى الله عليه وسلم كاملا، لا تطمئن نفسه إلا بالعمل التام، شعر بنقص وخلل، لا يدرى ما سببه.
فقام إلى خشبة في المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان، وَشبَّك بين أصابعه، لأن نفسه الكبيرة تحس بأن هناك شيئا لم تستكمله.
وخرج المسرعون من المصلين من أبواب المسجد، وهم يتناجون بينهم، بأن أمراً حدث، وهو قصر الصلاة، وكأنهم أكبروا مقام النبوة أن يطرأ عليه النسيان.
ولهيبته صلى الله عليه وسلم في صدورهم لم يَجْرُؤ واحد منهم أن يفاتحه في هذا الموضوع، بما في ذلك أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما .
إلا أن رجلا من الصحابة يقال له "ذو اليدين" قطع هذا الصمت بأن سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟
فقال صلى الله عليه وسلم -بناء على ظنه-: لم أنس ولم تقصر.
حينئذ لما علم ذو اليدين رضي الله عنه أن الصلاة لم تقصر، وكان متيقنا أنه لم يصلها إلا ركعتين، فعلم أنه صلى الله عليه وسلم قد نَسِيَ، فقال: بل نسيت.
فأراد صلى الله عليه وسلم أن يتأكد من صحة خبر ذي اليدين، فقال لمن حوله من أصحابه: أكما يقول ذو اليدين من أني لم أصل إلا ركعتين؟ فقالوا: نعم، حينئذ تقدم صلى الله عليه وسلم ، فصلى ما ترك من الصلاة.
وبعد التشهد سلم ثم كبر وهو جالس، و سجد مثل سجود صُلْب الصلاة أو أطول، ثم رفع رأسه من السجود فكَبَّرَ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سلم ولم يتشهد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز السهو على الأنبياء في أفعالهم التي يبلغونها للناس وهذا لبشريتهم؛ إلا أن الإجماع استثنى امتناع حصول السهو منهم في أقوالهم التبليغية.
  • من الأسرار التي تترتب على سهوه -صلى الله عليه وسلم- بيان: التشريع، والتخفيف عن الأمة.
  • أنَّ الخروج من الصلاة قبل إتمامها -مع ظن أنَّها تمت- لا يبطلها:1. فيبني بعضها على بعض، إن قرب الزمن عرفًا.2. ويعيدها إن طال الفصل عُرْفًا، أو أحدث، أو خرج من المسجد.
  • أنَّ الكلام في صلب الصلاة من الناسي، والجاهل لا يبطلها، على الصحيح من قولي العلماء.
  • أنَّ الحركة الكثيرة سهوًا لا تبطلها، ولو كانت من غير جنس الصلاة.
  • وجوب سجدتي السهو لمن سها وسلَّم عن نقص فيها؛ ليجبر خلل الصلاة، ويرغم به الشيطان.
  • أنَّ سهو الإمام لاحقٌ بالمأمومين؛ لتمام المتابعة والاقتداء، ولأنَّ ما طرأ من نقص على صلاة الإمام يلحق بالمأمومين معه.
  • قال القاضي عياض: لا خلاف بين العلماء أنه لو سجد بعد السلام، أو قبله للزيادة، أو للنقص: أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل.
  • قال شيخ الإسلام: التشهد بعد سجدتي السهو وقبل السلام لم يرد فيه أي شيء من أقوال الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولا أفعاله، وعمدة من يراه حديث غريب ليس له متابع، وهذا يوهي الحديث ويضعفه، والله أعلم.
  • النفس الكبيرة تشعر بالنقص الذي يعتريها؛ لأنَّها ألفت الكمال، فلا تقف دونه.
  • عِظَم هيبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوس الصحابة.
  • أنَّ سجود السهو كسجود صلب الصلاة في أحكامه؛ إذ لو اختلف عنه لبيَّنه -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: (١) ظني العصر ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَغَيْرِهِمَا، وَوَهَّمُوا رِوَايَةَ أَشْعَثَ لِمُخَالَفَتِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ. وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: قُلْتُ لِابْنِ سِيرِينَ: فَالتَّشَهُّدُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي التَّشَهُّدِ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

وَكَذَا الْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ الحذاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ؛ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَصَارَتْ زِيَادَةُ أَشْعَثَ شَاذَّةً، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَحْسَبُ التَّشَهُّدَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ يَثْبُتُ. لَكِنْ قَدْ وَرَدَ فِي التَّشَهُّدِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي التَّشَهُّدِ بِاجْتِمَاعِهَا تَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

٥ - بَاب مَنْ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ

١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أنها الْعَصْرَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ذا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.

١٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ

قَوْلُهُ: (بَابُ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) اخْتُلِفَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ: هَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ تَكْبِيرَةُ إِحْرَامٍ أَوْ يُكْتَفَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ غَالِبِ الْأَحَادِيثِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي وُجُوبِ السَّلَامِ بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، قَالَ: وَمَا يُتَحَلَّلُ مِنْهُ بِسَلَامٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَكْبِيرَةِ إِحْرَامٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ إِلَّا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَشَارَ إِلَى شُذُوذِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا: قَوْلُهُ؛ يَعْنِي فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَاضِيَةِ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَةَ لِلْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ أَتَى ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ، فَلَوْ كَانَ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ لَكَانَ مَعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ. فَأَتَى بِوَاوِ الْمُصَاحَبَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَعِيَّةَ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التُّسْتَرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ)؛ هُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ الْجَزْمَ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) أَيْ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؛ أَيْ مَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ: ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجِذْعَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ، وَكَأَنَّهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.

قَوْلُهُ: (فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: فَهَابَاهُ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا غَلَبَ عَلَيْهِمَا احْتِرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ حِرْصُهُ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ سَرَعَانُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ ضَبَطَهُ بِضَمٍّ ثُمَّ إِسْكَانٍ، كَأَنَّهُ جَمْعُ سَرِيعٍ، كَكَثِيبٍ وَكُثْبَانَ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَوَائِلُ النَّاسِ خُرُوجًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَاجَاتِ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ) كَذَا هُنَا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ بِحَذْفِهَا، فَتُحْمَلُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وَرَعِهِمْ إِذْ لَمْ يَجْزِمُوا بِوُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَابُوا النَّبِيَّ أَنْ يَسْأَلُوهُ، وَإِنَّمَا اسْتَفْهَمُوهُ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ النَّسْخِ. وَقُصِرَتْ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَصَرَهَا، وَبِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ أَيْ صَارَتْ قَصِيرَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ.

قَوْلُهُ: (وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ؛ أَيْ يُسَمِّيهِ (ذَا الْيَدَيْنِ)، وَالتَّقْدِيرُ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ طُولِهَا بِالْعَمَلِ أَوْ بِالْبَذْلِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ، فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ اسْمَ ذِي الْيَدَيْنِ الْخِرْبَاقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَآخِرُهُ قَافٌ اعْتِمَادًا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدِهِ طُولٌ.

وَهَذَا صَنِيعُ مَنْ يُوَحِّدُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي، وَإِنْ كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ جَنَحُوا إِلَى التَّعَدُّدِ، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ فِي السِّيَاقَيْنِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ السَّلَامَ وَقَعَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَدْ حَكَى الْعَلَائِيُّ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ، وَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتَفْهَمَ النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ، وَاسْتَفْهَمَ النَّبِيُّ الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمَّا رَآهُ تَقَدَّمَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى جِهَةِ الْخَشَبَةِ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لِكَوْنِ الْخَشَبَةِ كَانَتْ فِي جِهَةِ مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو دُوَادَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلِمُوَافَقَةِ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُمْ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ يَرَى التَّوْحِيدَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ

قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ النِّسْيَانِ وَنَفْيِ الْقَصْرِ، وَفِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَتَأْيِيدٌ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الْمَعَانِي: إِنَّ لَفْظَ كُلٍّ إِذَا تَقَدَّمَ وَعَقِبَهَا النَّفْيُ كَانَ نَفْيًا لِكُلِّ فَرْدٍ لَا لِلْمَجْمُوعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَأَخَّرَتْ؛ كَأَنْ يَقُولَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَجَابَ ذُو الْيَدَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ. وَأَجَابَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الْأَمْرَيْنِ، وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ الصَّحَابِيِّ أَنَّ السَّهْوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ لَا بِالْقَصْرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ السَّهْوَ جَائِزٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ دُخُولِ السَّهْوِ فِي الْأَقْوَالِ التَّبْلِيغِيَّةِ، وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالْأَفْعَالِ، لَكِنَّهُمْ تَعَقَّبُوهُ. نَعَمْ، اتَّفَقَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يَقَعُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ إِمَّا مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ أَوْ بَعْدَهُ، كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ.

ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ أَنْسَ؛ أَيْ فِي اعْتِقَادِي لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ عِنْدَ فَقْدِ الْيَقِينِ يَقُومُ مَقَامَ الْيَقِينِ، وَفَائِدَةُ جَوَازِ السَّهْوِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِذَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ السَّهْوَ مُطْلَقًا فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ، فَقِيلَ: قَوْلُهُ: لَمْ أَنْسَ؛ نَفْيٌ لِلنِّسْيَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ السَّهْوِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ. وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ: لَمْ أَنْسَ؛ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَكَانَ يَتَعَمَّدُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَقَعَ التَّشْرِيعُ مِنْهُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ مِنَ الْقَوْلِ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي بَابِ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَفِيهِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.

وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِثْبَاتِ وَصْفِ النِّسْيَانِ حَتَّى دَفَعَ قَوْلَ مَنْ عَسَاهُ يَقُولُ: لَيْسَ نِسْيَانُهُ كَنِسْيَانِنَا، فَقَالَ: كَمَا تَنْسَوْنَ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُرَدُّ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَمْ أَنْسَ) إِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ: إِنِّي لَا أَنْسَى، وَلَكِنْ أُنَسَّى، وَإِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكذَا، وَقَدْ تَعَقَّبُوا هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ: إِنِّي لَا أَنْسَى لَا أَصْلَ لَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَةً بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمِّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ الْآيَةِ ذَمُّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: (لَمْ أَنْسَ) رَاجِعٌ إِلَى السَّلَامِ؛ أَيْ سَلَّمْتُ قَصْدًا، بَانِيًا عَلَى مَا فِي اعْتِقَادِي أَنِّي صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَكَأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ فَهِمَ الْعُمُومَ، فَقَالَ: بَلَى نَسِيتُ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْقَعَ شَكًّا احْتَاجَ مَعَهُ إِلَى اسْتِثْبَاتِ الْحَاضِرِينَ.

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ ذِي الْيَدَيْنِ عَدْلًا، وَلَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ بِمُفْرَدِهِ، فَسَبَبُ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَوْنُهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَسْئُولِ مُغَايِرٌ لِمَا فِي اعْتِقَادِهِ. وَبِهَذَا يُجَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ حِسِّيٍّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ، وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يُكَذِّبُوهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ، فَإِنَّ سَبَبَ عَدَمِ الْقَطْعِ كَوْنُ خَبَرِهِ مُعَارَضًا بِاعْتِقَادِ الْمَسْئُولِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الثِّقَةَ إِذَا انْفَرَدَ بِزِيَادَةِ خَبَرٍ، وَكَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا أَوْ مَنَعَتِ الْعَادَةُ (١) غَفْلَتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالِاسْتِصْحَابِ، لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْإِتْمَامِ فَسَأَلَ، مَعَ كَوْنِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ لِلتَّشْرِيعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّهْوِ، وَالْوَقْتُ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ، وَبَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ تَرَدَّدُوا بَيْنَ الِاسْتِصْحَابِ وَتَجْوِيزِ النَّسْخِ فَسَكَتُوا. وَالسَّرَعَانُ: هُمُ الَّذِينَ بَنَوْا عَلَى النَّسْخِ فَجَزَمُوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ

قُصِرَتْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ لِمَنْ أَتَى بِالْمُنَافِي سَهْوًا، قَالَ سَحْنُونٌ: إِنَّمَا يَبْنِي مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَأُلْزِمَ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، فَيَمْنَعُهُ مَثَلًا فِي الصُّبْحِ، وَالَّذِينَ قَالُوا: يَجُوزُ الْبِنَاءُ مُطْلَقًا، قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الطُّولِ، فَحَدَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِالْعُرْفِ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي يَقَعُ السَّهْوُ فِيهَا.

وَفِيهِ أَنَّ الْبَانِيَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ السَّلَامَ وَنِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إِمَّا وَهِمَ فِي ذَلِكَ، أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ لِذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ، وَلِذِي الْيَدَيْنِ الَّذِي تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ، فَقَدْ ثَبَتَ شُهُودُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَشَهِدَهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَإِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرٌ أَيْضًا. وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ، مُصَغَّرًا - قِصَّةً أُخْرَى فِي السَّهْوِ، وَوَقَعَ فِيهَا الْكَلَامُ، ثُمَّ الْبِنَاءُ، أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِشَهْرَيْنِ، وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ؛ أَيْ إِلَّا إِذَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يُعَارِضُ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْكَلَامِ الْعَمْدِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِي حَدِيثِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ.؛ أَيْ إِثْمُهُمَا، وَحُكْمُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْإِثْمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَلَامِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا نَاسِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ لَهُ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ.، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ: صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ النَّسْخَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِيهِ فَتَكَلَّمُوا ظَنًّا أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي صَلَاةٍ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُمْ كَلَّمُوهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَمْ تُقْصَرْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا، وَإِنَّمَا أَوْمَئُوا كَمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا، وَهَذَا اعْتَمَدَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: حَمْلُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِشَارَةِ مَجَازٌ سَائِغٌ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَيَنْبَغي رَدُّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالْقَوْلِ إِلَى هَذِهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالنُّطْقِ، وَبَعْضَهُمْ بِالْإِشَارَةِ، لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَيُجَابُ عَنْهُ وَعَنِ الْبَقِيَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِأَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ وَجَوَابُهُ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَدَمُ قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مُخَاطَبَتُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ حَيٌّ بِقَوْلِهِمْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ. وَلَمْ تَفْسُدِ الصَّلَاةُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مَا دَامَ النَّبِيُّ يُرَاجِعُ الْمُصَلِّي فَجَائِزٌ لَهُ جَوَابُهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُرَاجَعَةُ، فَلَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِالْجَوَابِ لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّهْوِ - وَلَوِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ - خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَيْنِ وَوَرَدَ عَلَى وَفْقِهِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ سَهَا بِأَيِّ سَهْوٍ كَانَ شُرِعَ لَهُ السُّجُودُ؛ أَيْ لَا يَخْتَصُّ بِمَا سَجَدَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: سَجْدَتَا السَّهْوِ تُجْزِئَانِ مِنْ كُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ.

وَفِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ إِلَّا بِالْيَقِينِ، لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ فَرْضَهُمُ الْأَرْبَعُ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى اثْنَتَيْنِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَصِيرُ يَقِينًا بِخَبَرِ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ لِخَبَرِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) التستريُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ) بفتح العين وكسر الشِّين وتشديد الياء: الظُّهر أو العصر (قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين، بالإسناد المذكور (وَأَكْثَرُ) بالمثلَّثة أو الموحَّدة (ظَنِّي العَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) بنصب «العصرَ» على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «العصرُ» بالرَّفع، وفي حديث عمران: الجزم بأنَّها العصر، وفي رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عند مسلمٍ: الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند البخاريِّ [خ¦٧١٥] في لفظٍ من رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، وقد أجاب النَّوويُّ عن هذا الاختلاف بما حكاه عن المحقِّقين: أنَّهما قضيَّتان، لكن قال في «شرح تقريب الأسانيد»: والصَّواب: أنَّ قصَّة أبي هريرة واحدةٌ، وأنَّ (١) الشَّكَّ من أبي هريرة، ويوضِّح ذلك ما رواه النَّسائيُّ من رواية ابن عون (٢)، عن محمَّد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: صلَّى النَّبيُّ إحدى صلاتي العشيِّ (٣)، قال أبو هريرة: ولكني نسيت، قال: فصلَّى بنا ركعتين … ، فبيَّن أبو هريرة في روايته هذه -وإسنادها صحيحٌ- أنَّ الشَّكَّ منه، وإذا كان كذلك، فلا يقال: هما واقعتان، وأمَّا قول ابن سيرين السَّابق: «وأكثر ظنِّي» فهو شكٌّ آخَرُ من ابن سيرين، وذلك أنَّ أبا هريرة حدَّثه بها معيَّنة كما عيَّنها لغيره، ويدلُّ على أنَّه عيَّنها له قول البخاريِّ [خ¦٤٨٢] في بعض طرقه: قال ابن سيرين: سمَّاها أبو هريرة، ولكنِّي نسيت أنا (ثُمَّ

سَلَّمَ) في حديث عمران بن حُصينٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: أنَّه سلَّم في ثلاثِ ركعاتٍ، وليس باختلافٍ، بل هما قضيَّتان، كما حكاه النَّوويُّ في «الخلاصة» عن المحقِّقين (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ) بتشديد الدَّال المفتوحة، أي: في جهة القبلة، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ، أي: موضوعةٍ بالعرض (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) أي: على الخشبة (وَفِيهِمْ) أي: المصلِّين معه (١) (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فهاباه، بزيادة الضَّمير (وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) رفعٌ على الفاعليَّة، وبالمهملات المفتوحات، أي: الَّذين يسارعون إلى الشَّيء (٢)، ويقدمون عليه بسرعة، وفي «القاموس»: «وسَرَعَان النَّاس» محرَّكةً: أوائلهم المستبقون إلى الأمر، ويُسكَّن، وقال عياضٌ: ضبطه الأَصيليُّ في «البخاريِّ»: «سُرْعان النَّاس (٣)» بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، ووجَّهه: أنَّه جمع سريع، كقفيزٍ وقُفْزانٍ، وكثيبٍ وكثبانٍ (فَقَالُوا: أَقَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ القاف (٤) مبنيًّا للمفعول، وفتحِها على صيغة المعلوم، وفي رواية ابن عونٍ: بحذف همزة الاستفهام (وَرَجُلٌ) هناك (يَدْعُوهُ النَّبِيُّ : ذُو اليَدَيْنِ) وللأربعة: «ذا اليدين» بالنَّصب، أي: يسمِّيه: ذا اليدين (فَقَالَ) للنَّبيِّ لمَّا غلب عليه من الحرص على تعلُّم العلم: (أَنَسِيتَ أَمْ) بالميم، ولأبي الوقت (٥): «أو» (قَصُرَتْ؟) أي: الصَّلاة، بفتح القاف وضمِّ الصَّاد، وإنَّما سكت العُمَران ولم يسألاه لكونهما هاباه -كما مرَّ- مع علمهما أنَّه سيبيِّن أَمْرَ ما وقع، ولعلَّه كان بعد النَّهي عن السُّؤال، ولم ينفرد ذو اليدين بالسُّؤال، فعند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث معاوية بن حُديجٍ (٦): أنَّه سأله (٧) عن ذلك

طلحة بن عبيد الله، ولكنَّه ذكر (١) أنَّه كان بقيت من الصَّلاة ركعةٌ، ويجوز أن تكون العصر، فيوافق حديث عمران بن حُصينٍ، فيكون قد سأله طلحةُ مع الخِرباق أيضًا (فَقَالَ) : (لَمْ أَنْسَ) في اعتقادي، لا في (٢) نفس الأمر (وَلَمْ تُقْصَرْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولم تَقصُر» بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وهذا صريحٌ في نفي النِّسيان، وفي (٣) نفي القصر، وهو يفسِّر المراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «كلُّ ذلك لم يكن»، وهو أشمل مِن لو قيل: لم يكن كلُّ ذلك؛ لأنَّه من باب تقوِّي الحكم، فيفيد التَّأكيد في المسند والمسند إليه، بخلاف الثَّاني؛ إذ ليس فيه تأكيدٌ أصلًا، فيصحُّ أن يقال: لم يكن كلُّ ذلك، بل كان بعضه، ولا يصحُّ أن يُقال: كلُّ ذلك لم يكن بل كان (٤) بعضه، كما تقرَّر في البيان (٥)، وهذا القول من رسول الله ردٌّ على ذي اليدين في موضع استعمال (٦) الهمزة و «أَمْ»، وليس بجوابٍ لأنَّ السُّؤال بالهمزة و «أَمْ» عن تعيين أحد المستويين، وجوابه: تعيين أحدهما، يعني: كلُّ ذلك لم يكن، فكيف تسأل بالهمزة و «أم»؟ ولذلك بيَّن السَّائل بقوله في رواية أبي سفيان: «قد كان بعض ذلك»، وفي (٧) هذه الرِّواية: (قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ) لأنَّه لمَّا نفى الأمرين، وكان مقرَّرًا عند الصَّحابيِّ أنَّ السَّهو غير جائزٍ عليه في الأمور البلاغيَّة جزم بوقوع النِّسيان لا القصر، وفائدة جواز السَّهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشَّرعيِّ إذا وقع مثله لغيره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكَّر أنَّه لم يتمَّها، كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد سجدتي السَّهو حتَّى يقَّنه (٨) الله ذلك، فلم يقلِّدهم في ذلك، إذ (٩) لم يطل الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَغَيْرِهِمَا، وَوَهَّمُوا رِوَايَةَ أَشْعَثَ لِمُخَالَفَتِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ. وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: قُلْتُ لِابْنِ سِيرِينَ: فَالتَّشَهُّدُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي التَّشَهُّدِ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

وَكَذَا الْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ الحذاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ؛ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَصَارَتْ زِيَادَةُ أَشْعَثَ شَاذَّةً، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَحْسَبُ التَّشَهُّدَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ يَثْبُتُ. لَكِنْ قَدْ وَرَدَ فِي التَّشَهُّدِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي التَّشَهُّدِ بِاجْتِمَاعِهَا تَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

٥ - بَاب مَنْ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ

١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أنها الْعَصْرَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ذا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.

١٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ

قَوْلُهُ: (بَابُ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) اخْتُلِفَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ: هَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ تَكْبِيرَةُ إِحْرَامٍ أَوْ يُكْتَفَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ غَالِبِ الْأَحَادِيثِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي وُجُوبِ السَّلَامِ بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، قَالَ: وَمَا يُتَحَلَّلُ مِنْهُ بِسَلَامٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَكْبِيرَةِ إِحْرَامٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ إِلَّا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَشَارَ إِلَى شُذُوذِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا: قَوْلُهُ؛ يَعْنِي فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَاضِيَةِ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَةَ لِلْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ أَتَى ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ، فَلَوْ كَانَ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ لَكَانَ مَعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ. فَأَتَى بِوَاوِ الْمُصَاحَبَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَعِيَّةَ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التُّسْتَرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ)؛ هُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ الْجَزْمَ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) أَيْ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؛ أَيْ مَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ: ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجِذْعَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ، وَكَأَنَّهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.

قَوْلُهُ: (فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: فَهَابَاهُ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا غَلَبَ عَلَيْهِمَا احْتِرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ حِرْصُهُ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ سَرَعَانُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ ضَبَطَهُ بِضَمٍّ ثُمَّ إِسْكَانٍ، كَأَنَّهُ جَمْعُ سَرِيعٍ، كَكَثِيبٍ وَكُثْبَانَ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَوَائِلُ النَّاسِ خُرُوجًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَاجَاتِ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ) كَذَا هُنَا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ بِحَذْفِهَا، فَتُحْمَلُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وَرَعِهِمْ إِذْ لَمْ يَجْزِمُوا بِوُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَابُوا النَّبِيَّ أَنْ يَسْأَلُوهُ، وَإِنَّمَا اسْتَفْهَمُوهُ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ النَّسْخِ. وَقُصِرَتْ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَصَرَهَا، وَبِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ أَيْ صَارَتْ قَصِيرَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ.

قَوْلُهُ: (وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ؛ أَيْ يُسَمِّيهِ (ذَا الْيَدَيْنِ)، وَالتَّقْدِيرُ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ طُولِهَا بِالْعَمَلِ أَوْ بِالْبَذْلِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ، فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ اسْمَ ذِي الْيَدَيْنِ الْخِرْبَاقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَآخِرُهُ قَافٌ اعْتِمَادًا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدِهِ طُولٌ.

وَهَذَا صَنِيعُ مَنْ يُوَحِّدُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي، وَإِنْ كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ جَنَحُوا إِلَى التَّعَدُّدِ، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ فِي السِّيَاقَيْنِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ السَّلَامَ وَقَعَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَدْ حَكَى الْعَلَائِيُّ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ، وَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتَفْهَمَ النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ، وَاسْتَفْهَمَ النَّبِيُّ الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمَّا رَآهُ تَقَدَّمَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى جِهَةِ الْخَشَبَةِ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لِكَوْنِ الْخَشَبَةِ كَانَتْ فِي جِهَةِ مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو دُوَادَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلِمُوَافَقَةِ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُمْ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ يَرَى التَّوْحِيدَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ

قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ النِّسْيَانِ وَنَفْيِ الْقَصْرِ، وَفِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَتَأْيِيدٌ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الْمَعَانِي: إِنَّ لَفْظَ كُلٍّ إِذَا تَقَدَّمَ وَعَقِبَهَا النَّفْيُ كَانَ نَفْيًا لِكُلِّ فَرْدٍ لَا لِلْمَجْمُوعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَأَخَّرَتْ؛ كَأَنْ يَقُولَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَجَابَ ذُو الْيَدَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ. وَأَجَابَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الْأَمْرَيْنِ، وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ الصَّحَابِيِّ أَنَّ السَّهْوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ لَا بِالْقَصْرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ السَّهْوَ جَائِزٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ دُخُولِ السَّهْوِ فِي الْأَقْوَالِ التَّبْلِيغِيَّةِ، وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالْأَفْعَالِ، لَكِنَّهُمْ تَعَقَّبُوهُ. نَعَمْ، اتَّفَقَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يَقَعُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ إِمَّا مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ أَوْ بَعْدَهُ، كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ.

ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ أَنْسَ؛ أَيْ فِي اعْتِقَادِي لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ عِنْدَ فَقْدِ الْيَقِينِ يَقُومُ مَقَامَ الْيَقِينِ، وَفَائِدَةُ جَوَازِ السَّهْوِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِذَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ السَّهْوَ مُطْلَقًا فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ، فَقِيلَ: قَوْلُهُ: لَمْ أَنْسَ؛ نَفْيٌ لِلنِّسْيَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ السَّهْوِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ. وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ: لَمْ أَنْسَ؛ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَكَانَ يَتَعَمَّدُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَقَعَ التَّشْرِيعُ مِنْهُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ مِنَ الْقَوْلِ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي بَابِ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَفِيهِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.

وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِثْبَاتِ وَصْفِ النِّسْيَانِ حَتَّى دَفَعَ قَوْلَ مَنْ عَسَاهُ يَقُولُ: لَيْسَ نِسْيَانُهُ كَنِسْيَانِنَا، فَقَالَ: كَمَا تَنْسَوْنَ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُرَدُّ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَمْ أَنْسَ) إِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ: إِنِّي لَا أَنْسَى، وَلَكِنْ أُنَسَّى، وَإِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكذَا، وَقَدْ تَعَقَّبُوا هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ: إِنِّي لَا أَنْسَى لَا أَصْلَ لَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَةً بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمِّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ الْآيَةِ ذَمُّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: (لَمْ أَنْسَ) رَاجِعٌ إِلَى السَّلَامِ؛ أَيْ سَلَّمْتُ قَصْدًا، بَانِيًا عَلَى مَا فِي اعْتِقَادِي أَنِّي صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَكَأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ فَهِمَ الْعُمُومَ، فَقَالَ: بَلَى نَسِيتُ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْقَعَ شَكًّا احْتَاجَ مَعَهُ إِلَى اسْتِثْبَاتِ الْحَاضِرِينَ.

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ ذِي الْيَدَيْنِ عَدْلًا، وَلَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ بِمُفْرَدِهِ، فَسَبَبُ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَوْنُهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَسْئُولِ مُغَايِرٌ لِمَا فِي اعْتِقَادِهِ. وَبِهَذَا يُجَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ حِسِّيٍّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ، وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يُكَذِّبُوهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ، فَإِنَّ سَبَبَ عَدَمِ الْقَطْعِ كَوْنُ خَبَرِهِ مُعَارَضًا بِاعْتِقَادِ الْمَسْئُولِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الثِّقَةَ إِذَا انْفَرَدَ بِزِيَادَةِ خَبَرٍ، وَكَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا أَوْ مَنَعَتِ الْعَادَةُ (١) غَفْلَتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالِاسْتِصْحَابِ، لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْإِتْمَامِ فَسَأَلَ، مَعَ كَوْنِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ لِلتَّشْرِيعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّهْوِ، وَالْوَقْتُ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ، وَبَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ تَرَدَّدُوا بَيْنَ الِاسْتِصْحَابِ وَتَجْوِيزِ النَّسْخِ فَسَكَتُوا. وَالسَّرَعَانُ: هُمُ الَّذِينَ بَنَوْا عَلَى النَّسْخِ فَجَزَمُوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ

قُصِرَتْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ لِمَنْ أَتَى بِالْمُنَافِي سَهْوًا، قَالَ سَحْنُونٌ: إِنَّمَا يَبْنِي مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَأُلْزِمَ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، فَيَمْنَعُهُ مَثَلًا فِي الصُّبْحِ، وَالَّذِينَ قَالُوا: يَجُوزُ الْبِنَاءُ مُطْلَقًا، قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الطُّولِ، فَحَدَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِالْعُرْفِ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي يَقَعُ السَّهْوُ فِيهَا.

وَفِيهِ أَنَّ الْبَانِيَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ السَّلَامَ وَنِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إِمَّا وَهِمَ فِي ذَلِكَ، أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ لِذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ، وَلِذِي الْيَدَيْنِ الَّذِي تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ، فَقَدْ ثَبَتَ شُهُودُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَشَهِدَهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَإِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرٌ أَيْضًا. وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ، مُصَغَّرًا - قِصَّةً أُخْرَى فِي السَّهْوِ، وَوَقَعَ فِيهَا الْكَلَامُ، ثُمَّ الْبِنَاءُ، أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِشَهْرَيْنِ، وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ؛ أَيْ إِلَّا إِذَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يُعَارِضُ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْكَلَامِ الْعَمْدِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِي حَدِيثِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ.؛ أَيْ إِثْمُهُمَا، وَحُكْمُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْإِثْمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَلَامِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا نَاسِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ لَهُ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ.، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ: صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ النَّسْخَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِيهِ فَتَكَلَّمُوا ظَنًّا أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي صَلَاةٍ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُمْ كَلَّمُوهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَمْ تُقْصَرْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا، وَإِنَّمَا أَوْمَئُوا كَمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا، وَهَذَا اعْتَمَدَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: حَمْلُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِشَارَةِ مَجَازٌ سَائِغٌ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَيَنْبَغي رَدُّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالْقَوْلِ إِلَى هَذِهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالنُّطْقِ، وَبَعْضَهُمْ بِالْإِشَارَةِ، لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَيُجَابُ عَنْهُ وَعَنِ الْبَقِيَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِأَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ وَجَوَابُهُ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَدَمُ قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مُخَاطَبَتُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ حَيٌّ بِقَوْلِهِمْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ. وَلَمْ تَفْسُدِ الصَّلَاةُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مَا دَامَ النَّبِيُّ يُرَاجِعُ الْمُصَلِّي فَجَائِزٌ لَهُ جَوَابُهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُرَاجَعَةُ، فَلَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِالْجَوَابِ لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّهْوِ - وَلَوِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ - خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَيْنِ وَوَرَدَ عَلَى وَفْقِهِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ سَهَا بِأَيِّ سَهْوٍ كَانَ شُرِعَ لَهُ السُّجُودُ؛ أَيْ لَا يَخْتَصُّ بِمَا سَجَدَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: سَجْدَتَا السَّهْوِ تُجْزِئَانِ مِنْ كُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ.

وَفِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ إِلَّا بِالْيَقِينِ، لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ فَرْضَهُمُ الْأَرْبَعُ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى اثْنَتَيْنِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَصِيرُ يَقِينًا بِخَبَرِ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ لِخَبَرِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) التستريُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ) بفتح العين وكسر الشِّين وتشديد الياء: الظُّهر أو العصر (قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين، بالإسناد المذكور (وَأَكْثَرُ) بالمثلَّثة أو الموحَّدة (ظَنِّي العَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) بنصب «العصرَ» على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «العصرُ» بالرَّفع، وفي حديث عمران: الجزم بأنَّها العصر، وفي رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عند مسلمٍ: الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند البخاريِّ [خ¦٧١٥] في لفظٍ من رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، وقد أجاب النَّوويُّ عن هذا الاختلاف بما حكاه عن المحقِّقين: أنَّهما قضيَّتان، لكن قال في «شرح تقريب الأسانيد»: والصَّواب: أنَّ قصَّة أبي هريرة واحدةٌ، وأنَّ (١) الشَّكَّ من أبي هريرة، ويوضِّح ذلك ما رواه النَّسائيُّ من رواية ابن عون (٢)، عن محمَّد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: صلَّى النَّبيُّ إحدى صلاتي العشيِّ (٣)، قال أبو هريرة: ولكني نسيت، قال: فصلَّى بنا ركعتين … ، فبيَّن أبو هريرة في روايته هذه -وإسنادها صحيحٌ- أنَّ الشَّكَّ منه، وإذا كان كذلك، فلا يقال: هما واقعتان، وأمَّا قول ابن سيرين السَّابق: «وأكثر ظنِّي» فهو شكٌّ آخَرُ من ابن سيرين، وذلك أنَّ أبا هريرة حدَّثه بها معيَّنة كما عيَّنها لغيره، ويدلُّ على أنَّه عيَّنها له قول البخاريِّ [خ¦٤٨٢] في بعض طرقه: قال ابن سيرين: سمَّاها أبو هريرة، ولكنِّي نسيت أنا (ثُمَّ

سَلَّمَ) في حديث عمران بن حُصينٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: أنَّه سلَّم في ثلاثِ ركعاتٍ، وليس باختلافٍ، بل هما قضيَّتان، كما حكاه النَّوويُّ في «الخلاصة» عن المحقِّقين (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ) بتشديد الدَّال المفتوحة، أي: في جهة القبلة، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ، أي: موضوعةٍ بالعرض (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) أي: على الخشبة (وَفِيهِمْ) أي: المصلِّين معه (١) (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فهاباه، بزيادة الضَّمير (وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) رفعٌ على الفاعليَّة، وبالمهملات المفتوحات، أي: الَّذين يسارعون إلى الشَّيء (٢)، ويقدمون عليه بسرعة، وفي «القاموس»: «وسَرَعَان النَّاس» محرَّكةً: أوائلهم المستبقون إلى الأمر، ويُسكَّن، وقال عياضٌ: ضبطه الأَصيليُّ في «البخاريِّ»: «سُرْعان النَّاس (٣)» بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، ووجَّهه: أنَّه جمع سريع، كقفيزٍ وقُفْزانٍ، وكثيبٍ وكثبانٍ (فَقَالُوا: أَقَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ القاف (٤) مبنيًّا للمفعول، وفتحِها على صيغة المعلوم، وفي رواية ابن عونٍ: بحذف همزة الاستفهام (وَرَجُلٌ) هناك (يَدْعُوهُ النَّبِيُّ : ذُو اليَدَيْنِ) وللأربعة: «ذا اليدين» بالنَّصب، أي: يسمِّيه: ذا اليدين (فَقَالَ) للنَّبيِّ لمَّا غلب عليه من الحرص على تعلُّم العلم: (أَنَسِيتَ أَمْ) بالميم، ولأبي الوقت (٥): «أو» (قَصُرَتْ؟) أي: الصَّلاة، بفتح القاف وضمِّ الصَّاد، وإنَّما سكت العُمَران ولم يسألاه لكونهما هاباه -كما مرَّ- مع علمهما أنَّه سيبيِّن أَمْرَ ما وقع، ولعلَّه كان بعد النَّهي عن السُّؤال، ولم ينفرد ذو اليدين بالسُّؤال، فعند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث معاوية بن حُديجٍ (٦): أنَّه سأله (٧) عن ذلك

طلحة بن عبيد الله، ولكنَّه ذكر (١) أنَّه كان بقيت من الصَّلاة ركعةٌ، ويجوز أن تكون العصر، فيوافق حديث عمران بن حُصينٍ، فيكون قد سأله طلحةُ مع الخِرباق أيضًا (فَقَالَ) : (لَمْ أَنْسَ) في اعتقادي، لا في (٢) نفس الأمر (وَلَمْ تُقْصَرْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولم تَقصُر» بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وهذا صريحٌ في نفي النِّسيان، وفي (٣) نفي القصر، وهو يفسِّر المراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «كلُّ ذلك لم يكن»، وهو أشمل مِن لو قيل: لم يكن كلُّ ذلك؛ لأنَّه من باب تقوِّي الحكم، فيفيد التَّأكيد في المسند والمسند إليه، بخلاف الثَّاني؛ إذ ليس فيه تأكيدٌ أصلًا، فيصحُّ أن يقال: لم يكن كلُّ ذلك، بل كان بعضه، ولا يصحُّ أن يُقال: كلُّ ذلك لم يكن بل كان (٤) بعضه، كما تقرَّر في البيان (٥)، وهذا القول من رسول الله ردٌّ على ذي اليدين في موضع استعمال (٦) الهمزة و «أَمْ»، وليس بجوابٍ لأنَّ السُّؤال بالهمزة و «أَمْ» عن تعيين أحد المستويين، وجوابه: تعيين أحدهما، يعني: كلُّ ذلك لم يكن، فكيف تسأل بالهمزة و «أم»؟ ولذلك بيَّن السَّائل بقوله في رواية أبي سفيان: «قد كان بعض ذلك»، وفي (٧) هذه الرِّواية: (قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ) لأنَّه لمَّا نفى الأمرين، وكان مقرَّرًا عند الصَّحابيِّ أنَّ السَّهو غير جائزٍ عليه في الأمور البلاغيَّة جزم بوقوع النِّسيان لا القصر، وفائدة جواز السَّهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشَّرعيِّ إذا وقع مثله لغيره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكَّر أنَّه لم يتمَّها، كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد سجدتي السَّهو حتَّى يقَّنه (٨) الله ذلك، فلم يقلِّدهم في ذلك، إذ (٩) لم يطل الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا إله إلا الله