«أَنَّ أَسْوَدَ، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٣٧

الحديث رقم ١٣٣٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة على القبر بعدما يدفن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أسود، رجلا أو امرأة، كان يقم المسجد فمات…

«أَنَّ أَسْوَدَ، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ؟. قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:

⦗٩٠⦘

أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟. فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ. قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ، قَالَ: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.»

سند حديث: ١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ…

١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن أسود، رجلا أو امرأة، كان يقم المسجد فمات…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال: إنَّ إسماعيل بن زكريَّا تفرَّد بذلك، ورواه الدَّارقُطنيُّ من طريق هُرَيم عن الشَّيبانيِّ، فقال: بعد موته بثلاثٍ، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصمٍ، عن سفيان الثَّوريِّ، عن الشَّيبانيِّ فقال: بعد شهرٍ، قال في «فتح الباري»: وهذه رواياتٌ شاذَّةٌ، وسياق الطُّرق (١) الصَّحيحة يدلُّ على أنَّه صلَّى عليه (٢) في صبيحة دفنه.

١٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) السَّدوسيُّ البصريُّ، الملقَّب بعارم -بالعين والرَّاء المهملتين- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البنانيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنَّصب بدل من «أسودَ»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ (أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ) أي: يكنسه، ولأبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ في المسجد»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «يكون في المسجد يقمُّ المسجد» (٣) (فَمَاتَ وَلَمْ (٤) يَعْلَمِ النَّبِيُّ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو (٥) لفظة «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ) : (مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ:

«فقالوا»: (مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟) بالمدِّ: أعلمتموني (فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا) زاد أبو ذَرٍّ: «وكذا» (قِصَّتَهُ) بالنَّصب بتقدير نحو: ذكروا، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، وسقط «قصَّته» لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ) لا ينافي ما سبق [خ¦٤٥٨] من التَّعليل بأنَّهم كرهوا أن يوقظوه في الظُّلمة خوف المشقَّة؛ إذ لا تنافي بين التَّعليلين (قَالَ) : (فَدُلُّونِي) بضمِّ الدَّال (عَلَى قَبْرِهِ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على القبر، وهذا موضع التَّرجمة، وفيه جواز الصَّلاة على القبر بعد الدَّفن، سواءٌ دُفِنَ قبلها أم (١) بعدها، نعم؛ لا تجوز الصَّلاة على قبور الأنبياء صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم، لخبر «الصَّحيحين»: «لعن الله اليهود والنَّصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [خ¦١٣٣٠] ولحديث البيهقيِّ: «الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعين ليلةً، لكنَّهم يصلُّون بين يدي الله حتَّى يُنفَخ في الصُّور» وبأنَّا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم، وفي دلالة الحديث الأوَّل على المدَّعى نظرٌ، وأمَّا الثَّاني فرُوِيَ بمعناه أحاديث أُخَر، وكلُّها ضعيفةٌ، وقد روى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» عقب (٢) بعضها حديثًا مرفوعًا: «مررت بموسى ليلة أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يصلِّي في قبره»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد بذلك ردَّ ما رواه أوَّلًا، قال (٣): وممَّا يقدح في هذه الأحاديث حديث: «صلاتكم معروضةٌ عليَّ» وحديث: «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض» [خ¦٢٤١٢] وإنَّما تجوز الصَّلاة على قبر غيرهم وعلى الغائب عن البلد لمن كان من أهل فرض الصَّلاة عليه وقت موته، ولا يقال: إنَّ الصَّلاة على القبر من خصائصه ؛ لِمَا زاده حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ في روايته عند ابن حِبَّان، ثمَّ قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً (٤) على أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عمر أَن الَّذِي كَانَ صلى على أبي بكر أَو عمر، أَقرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ عَن ابْن الزبير وَعُثْمَان بن حنيف أَنَّهُمَا كَانَا يقرآن عَلَيْهَا بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي (كتاب الْجَنَائِز) للمزني: وبلغنا أَن أَبَا بكر وَغَيره من الصَّحَابَة كَانُوا يقرؤون بِأم الْقُرْآن عَلَيْهَا. وَفِي (الْمحلى) : صلى الْمسور بن مخرمَة فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة رفع بهما صَوته، فَلَمَّا فرغ قَالَ: لَا أَجْهَل أَن تكون هَذِه الصَّلَاة عجماء، وَلَكِنِّي أردْت أَن أعلمكُم أَن فِيهَا قِرَاءَة. وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأنس وَأبي هُرَيْرَة: أَنهم كَانُوا يقرأون بِالْفَاتِحَةِ. قلت: قد ذكرنَا فِي أول الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن لَا قِرَاءَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَعَن ابْن مَسْعُود: لم يُوَقت فِيهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قولا وَلَا قِرَاءَة، وَلِأَن مَا لَا رُكُوع فِيهِ لَا قِرَاءَة فِيهِ كسجود التِّلَاوَة، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ على ترك الْقِرَاءَة فِي الأولى بِتَرْكِهَا فِي بَاقِي التَّكْبِيرَات، وبترك التَّشَهُّد. وَقَالَ: لَعَلَّ، قِرَاءَة من قَرَأَ الْفَاتِحَة من الصَّحَابَة كَانَ على وَجه الدُّعَاء لَا على وَجه التِّلَاوَة.

وَمن الدُّعَاء للْمَيت مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَوْف بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إغفر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبد لَهُ دَارا خيرا من دَاره، وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجا خيرا من زوجه وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار، حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة فَقَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. أللهم من أحييته منا فأحيه من الْإِيمَان، وَمن توفيته منا فتوفه على الْإِسْلَام. أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده) . وروى أَيْضا (عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رجل من الْمُسلمين، فَسَمعته يَقُول: أللهم إِن فلَان ابْن فلَان فِي ذِمَّتك، فَقِهِ من عَذَاب الْقَبْر) . قَالَ عبد الرَّحْمَن شيخ أبي دَاوُد: (فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فَقِهِ من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق. أللهم اغْفِر لَهُ وارحمه أَنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم) . وَالْحَبل الْعَهْد والميثاق. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه (قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي فَلم يعرفهُ. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث يزِيد بن ركَانَة: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَامَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك احْتَاجَ إِلَى رحمتك وَأَنت غَنِي عَن عَذَابه، إِن كَانَ محسنا فزد فِي إحسانه، وَإِن كَانَ مسيئا فَتَجَاوز عَنهُ) . وروى المستغفري فِي (الدَّعْوَات) من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا على: إِذا صليت على جَنَازَة فَقل: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك، ماضٍ فِيهِ حكمك، وَلم يكن شَيْئا مَذْكُورا، إزارك وَأَنت خير مزور. أللهم لقنه حجَّته وألحقه بِنَبِيِّهِ، ونزله فِي قَبره ووسع عَلَيْهِ فِي مدخله وثبته بالْقَوْل الثَّابِت فَإِنَّهُ افْتقر إِلَيْك واستغنيت عَنهُ، وَكَانَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لَهُ، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على امْرَأَة فَقل: أَنْت خلقتها ورزقتها، وَأَنت أحييتها وَأَنت أمتها، وَأَنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئْنَاك شُفَعَاء لَهَا إغفر لَهَا، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجرهَا وَلَا تفتنا بعْدهَا. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على طِفْل فَقل: أللهم إجعل لِأَبَوَيْهِ سلفا، واجعله لَهما فرطا، واجعله لَهما نورا وسدادا، أعقب وَالِديهِ الْجنَّة إِنَّك على كل شَيْء قدير) . وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن حَارِث عَن أَبِيه (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علمهمْ الصَّلَاة على الْمَيِّت: أللهم إغفر لأحيائنا وأمواتنا، وَأصْلح ذَات بَيْننَا، وَألف بَين قُلُوبنَا. أللهم هَذَا عَبدك فلَان بن فلَان لَا تعلم إلَاّ خيرا، وَأَنت أعلم بِهِ. فَاغْفِر لنا وَله) .

٦٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن الْمَيِّت فِيهِ، وَهَذَا من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، فَلذَلِك أطلق التَّرْجَمَة بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: بعد الدّفن.

٦٣٣١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ. قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فأمَّهُيْ وَصَلوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هاذا يَا أبَا عَمْرٍ وَقَالَ ابنُ عَباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

(أنظر الحَدِيث ٧٥٨ أَطْرَافه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي موضِعين فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَرُوِيَ نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب كنس الْمَسْجِد، ثفي: بَاب الخدا فِي الْمَسْجِد وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.

٧٣٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ قَالَ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أبِي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أسْوَدَ رَجُلاً أوِ امْرَأةً كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ ولَمْ يَعْلَمِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْم فَقَالَ مَا فَعَلَ ذالِكَ الإنْسَانُ قالُوا ماتَ يَا رسولَ الله قَالَ أفَلَا آذَنْتُمُونِي فقالُوا إنَّهُ كانَ كَذَا وكَذَا قِصَّتَهُ قَالَ فَحَقَّرُوا شَأنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.

(أنظر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصلى عَلَيْهِ) أَي: على قَبره، وَقد ذكرنَا الْآن أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين، أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن وَاقد عَن حَمَّاد، وَقد مضى الْكَلَام فيهمَا هُنَاكَ.

قَوْله: (رجلا) بِالنّصب بدل عَن أسود، وَيجوز بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (كَانَ يقم) أَي: يكنس ويروى: (يكون فِي الْمَسْجِد يقم) . قَوْله (قَالُوا مَاتَ) ويروى (فَقَالُوا) قَوْله (ذَات يَوْم) من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه أَو لَفظه ذَات مقحمة قَوْله: (قصَّته) ، مَنْصُور بمقدر، أَي: ذكرُوا قصَّته. قَوْله: (فدلوني) ، بِضَم الدَّال. وَفِي هَذَا الحَدِيث زَاد ابْن حبَان فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت، ثمَّ قَالَ: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن الله منورها عَلَيْهِم بصلاتي) . فَإِن قلت: صلَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قبر الْأسود الْمَذْكُور بِسَبَب أَنهم حقروا شَأْنه، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: صلَاته عَلَيْهِ بِسَبَب أَن قَبره مَمْلُوء ظلمَة على أَهلهَا) . قلت: الحكم يثبت بعلتين وَأكْثر.

٧٦ - (بابٌ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَيِّت يسمع خَفق نعال الْأَحْيَاء، وخفق النِّعَال صَوتهَا عِنْد دوسها على الأَرْض، وَقَوله: الْمَيِّت، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: يسمع، وَلَفظ: بَاب، مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف.

٨٣٣١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِي خَلِيفَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ العَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّىَ وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَأقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجَنَّةِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَرَاهُمَا جَمِيعا وَأمَّا الكَافِرُ أوِ المُنَافِقُ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ لَا يَلِيهِ إلَاّ الثَّقَلَيْنِ.

(الحَدِيث ٨٣٣١ طرفه فِي: ٤٧٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ) فَإِن قلت: فِي التَّرْجَمَة خَفق النِّعَال فَلَا تطابق؟ قلت: الخفق والقرع فِي

الْمَعْنى سَوَاء، على أَنه ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الخفق، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل، فِيهِ: (وَإنَّهُ ليسمع خَفق نعَالهمْ) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي حَدثنَا عبد الْوَهَّاب يَعْنِي ابْن عَطاء عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ) .

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة. الثَّالِث: خَليفَة، من الْخلَافَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء: ابْن خياط، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الرَّابِع: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: سعيد بن أبي عرُوبَة. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: سَاق حَدِيثه مَقْرُونا بِرِوَايَة خَليفَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع على لفظ خَليفَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَقَالَ لي خَليفَة، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة. وَمثل هَذَا إِذا قَالَ يكون قد أَخذه عَنهُ فِي المذاكرة غَالِبا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: إِن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن خَليفَة وَعَيَّاش الرقام، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار، قَالَ: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا شَيبَان ابْن عبد الرَّحْمَن (عَن قَتَادَة حَدثنَا أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ لي نبيّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ. قَالَ: يَأْتِيهِ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، قَالَ: فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار، قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة. قَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. قَالَ قَتَادَة: وَذكر لنا أَنه يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ عَلَيْهِ خضراء إِلَى يَوْم يبعثون) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن أبي عبد الله الْوراق مُخْتَصرا وَمُطَولًا. وَعند ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (إِن الْمَيِّت يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح غير فزع وَلَا مشغوب، ثمَّ يُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: كنت فِي الْإِسْلَام، فَيُقَال: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول لَا، وَمَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرَاهُ، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا، فَيُقَال لَهُ: أنظر ألى مَا وقاك الله، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال: هَذَا مَقْعَدك، وَيُقَال لَهُ: على الْيَقِين كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيجْلس الرجل السوء فِي قَبره فَزعًا مشغوباً، فَيُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: لَا أَدْرِي، فَيُقَال لَهُ: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فقلته، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَا صرفه الله عَنْك، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ: هَذَا مَقْعَدك، على الشَّك كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: (فَإِن كَانَ مُؤمنا كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسه، وَكَانَ الصَّوْم عَن يَمِينه، وَكَانَت الزَّكَاة عَن يسَاره وَكَانَ فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة والصلة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رجلَيْهِ، فَأَي جِهَة أَتَى مِنْهَا يمْنَع، فيقعد فتمثل لَهُ الشَّمْس قد دنت للغروب، فَيُقَال لَهُ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل ... ؟ الحَدِيث مطولا. وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا قبر الْمَيِّت، أَو قَالَ: أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر، وَللْآخر: النكير. فَيَقُولَانِ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول، مَا كَانَ يَقُول: هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد إِن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا، ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين، ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ، ثمَّ يُقَال لَهُ: نم، فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم، فَيَقُولَانِ: نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إلَاّ أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك، فَإِن كَانَ منافقا، قَالَ: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فَقلت مثلهم لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك، فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ، فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: وَوصف الْملكَيْنِ: أعينهما مثل

قدور النّحاس، وأنيابهما مثل صياصي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (أَتَدْرُونَ فِيمَن أنزلت هَذِه الْآيَة: {فَإِن لَهُ معيشة ضنكا} (طه: ٤٢١) . هُوَ عَذَاب الْكَافِر فِي الْقَبْر، يُسَلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا. أَتَدْرُونَ مَا التنين؟ هُوَ تِسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة، لكل حَيَّة تِسْعَة أرؤس ينفخن لَهُ ويلسعنه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (العَبْد) ، أَي: العَبْد الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (وَتَوَلَّى) ، أَي: أعرض وَذهب أَصْحَابه، وَهُوَ من بَاب تنَازع الذّهاب. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه كرر اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَاحِد. قلت: لَا نسلم أَن الْمَعْنى وَاحِد، لِأَن التولي هُوَ الْإِعْرَاض، وَلَا يسْتَلْزم الذّهاب. وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَن لفظ: تولى، مضبوطا بِخَط مُعْتَمد على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: تولى أمره أَي: الْمَيِّت. قلت: لَا يعْتَمد على هَذَا، وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قرع نعَالهمْ) أَي: نعال النَّاس الَّذين حول قَبره من الَّذين باشروا دَفنه وَغَيرهم، وقرع النِّعَال: صَوتهَا عِنْد الْمَشْي، والقرع فِي الأَصْل الضَّرْب، فَكَأَن أَصْحَاب النِّعَال إِذا ضربوا الأَرْض بهَا خرج مِنْهَا صَوت. قَوْله: (ملكان) ، وهما الْمُنكر والنكير، كَمَا فسر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره، وَإِنَّمَا سميا بِهَذَا الأسم لِأَن خلقهما لَا يشبه خلق الْآدَمِيّين، وَلَا خلق الْمَلَائِكَة وَلَا خلق الْبَهَائِم وَلَا خلق الْهَوَام، بل لَهما خلق بديع، وَلَيْسَ فِي خلقتيهما أنس للناظرين إِلَيْهِمَا، جَعلهمَا الله تكرمة لِلْمُؤمنِ لتثبته وتبصره، وهتكا لستر الْمُنَافِق فِي البرزخ من قبل أَن يبْعَث حَتَّى يحل عَلَيْهِ الْعَذَاب، وسميا أَيْضا: فتانأ الْقَبْر، لِأَن فِي سؤالهما انتهار، أَو فِي خلقهما صعوبة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَد ضَعِيف: ناكور وسيدهم رُومَان. قَوْله: (فأقعداه) أَي: أجلساه. قَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى: وهما مُتَرَادِفَانِ، وَهَذَا يبطل قَول من فرق بَينهمَا، بِأَن الْقعُود هُوَ عَن الْقيام، وَالْجُلُوس عَن الِاضْطِجَاع. قلت: اسْتِعْمَال الإقعاد مَوضِع الإجلاس لَا يمْنَع الْفرق الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (مُحَمَّد) بِالْجَرِّ عطف بَيَان عَن الرجل، وَيجوز أَن يكون بَدَلا فَإِن قلت: هَذِه عبارَة خشنة لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيم وَلَا توقير؟ قلت: قصد بهَا الامتحان للمسؤول لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه عَن عبارَة الْقَائِل، ثمَّ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت. قَوْله: (فَيُقَال) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل من الْمُنكر والنكير، وَيحْتَمل أَن يكون من غَيرهمَا من الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فَيَرَاهُمَا) أَي: الْمَقْعَدَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا من الْجنَّة وَالْآخر من النَّار. قَوْله: (أَو الْمُنَافِق) شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالمنافق الَّذِي يقر بِلِسَانِهِ وَلَا يصدق بِقَلْبِه، وَظَاهر الْكَلَام وَهُوَ قَوْله: (لَا أَدْرِي كنت أَقُول كَمَا يَقُول النَّاس) ، يَشْمَل الْكَافِر وَالْمُنَافِق، وَلَكِن الْكَافِر لَا يَقُول ذَلِك فَيتَعَيَّن الْمُنَافِق، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (لَا دَريت) قَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا وقفت فِي مقامك هَذَا وَلَا فِي الْبَيْت. قَوْله: (وَلَا تليت) قَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا يرويهِ المحدثون وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب: ايتليت، على وزن: إفتعلت، من قَوْلك: مَا ألوته أَي: مَا استطعته. وَيُقَال: لَا آلو كَذَا، أَي: لَا استطيعه. قلت: وَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت: قَوْلهم لَا دَريت وَلَا ايتليت، هُوَ افتعلت من قَوْلك: مَا ألوت هَذَا، أَي: مَا استطعته من الإيالو، أَي: قصر، أَو: فلَان لَا يألوك نصحا، فَهُوَ آل، وَالْمَرْأَة: آلية، وَجَمعهَا: أوال، وَيُقَال أَيْضا: إِلَى يؤلى تالية إِذا قصر، وَأَبْطَأ. وَقَالَ ابْن قرقول: قيل: مَعْنَاهُ لَا تَلَوت يَعْنِي الْقُرْآن، أَي: لم تدر وَلم تتل. أَي: لم تنْتَفع بدرايتك وَلَا بتلاوتك، كَمَا قَالَ: {فَلَا صدق وَلَا صلى} (الْقِيَامَة: ١٣) . قيل: مَعْنَاهُ لَا اتبعت الْحق. قَالَه الدَّاودِيّ. وَقيل: لَا اتبعت مَا تَدْرِي، قَالَه الْقَزاز. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: تليت غلط وَالصَّوَاب: أتليت، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون التَّاء: يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن تتلى إبِله أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها. أَي: تتبعها. وَقَالَ ابْن سراج: هَذَا بعيد فِي دُعَاء الْملكَيْنِ للْمَيت، وَأي مَال لَهُ؟ وَقَالَ القَاضِي: لَعَلَّ ابْن الْأَنْبَارِي رأى أَن هَذَا أصل هَذَا الدُّعَاء، ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره كَمَا اسْتعْمل غَيره من أدعية الْعَرَب. انْتهى. قلت: ابْن الْأَنْبَارِي لم يذكر الْملكَيْنِ، وَإِنَّمَا بَين الصَّوَاب من الْخَطَأ فِي هَذِه الْمَادَّة، وَقَوله بِأَن لَا تتلى إبِله من: اتليت النَّاقة، إِذا تَلَاهَا وَلَدهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَمِنْه قَوْلهم: لَا دَريت وَلَا اتليت، يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن لَا تتلى إبِله، أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد. وتلو النَّاقة وَلَدهَا الَّذِي يتلوها، وَقَالَ ثَعْلَب: لَا دَريت وَلَا تليت، أَصله: وَلَا تَلَوت، فقلبت الْوَاو يَاء لازدواج الْكَلَام. قلت: هَذَا أصوب من كل مَا ذَكرُوهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن هَذِه اللَّفْظَة جَاءَت هَكَذَا فِي حَدِيث الْبَراء فِي مُسْند أَحْمد: (لَا دَريت وَلَا تَلَوت) ، أَي: لم تتل الْقُرْآن فَلم تنْتَفع بدرايتك وَلَا تلاوتك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ: وَلَا أتبعت النَّاس بِأَن تَقول شَيْئا يَقُولُونَهُ. وَقيل: لَا قَرَأت فقلبت الْوَاو يَاء للمزاوجة أَي: مَا علمت بِنَفْسِك بالاستدلال، وَلَا اتبعت الْعلمَاء بالتقليد

وَقِرَاءَة الْكتب. وَقَالَ ابْن بطال: الْكَلِمَة من ذَوَات الْوَاو لِأَنَّهَا من تِلَاوَة الْقُرْآن، لكنه لما كَانَ مَعَ: دَريت، تكلم بِالْيَاءِ ليزدوج الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: الدُّعَاء عَلَيْهِ. أَي: لَا كنت داريا وَلَا تاليا. قَوْله: (ثمَّ يضْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: الْمَيِّت. قَوْله: (بِمِطْرَقَةٍ) ، بِكَسْر الْمِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: طرق النجاد الصُّوف يطرقه طرقا إِذا ضربه، والقضيب الَّذِي يضْرب بِهِ يُسمى: مطرقة، وَكَذَلِكَ مطرقة الْحداد. قَوْله: (من حَدِيد) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: من ضَارب حَدِيد، أَي قوي شَدِيد الْغَضَب. وَالْآخر: أَن يكون صفة لمطرقة، فعلى هَذَا تكون كلمة: من، بيانة، ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون غَيرهمَا. وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) مَا يدل على جَوَاز الْوَجْهَيْنِ: الأول: مَا رَوَاهُ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلم يلْحد، فَجَلَسَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير، وَفِي يَده عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض، فَرفع رَأسه فَقَالَ: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَإنَّهُ يسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا مُدبرين حِين يُقَال لَهُ: يَا هَذَا من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك؟ قَالَ هُنَاكَ: ويأتيه ملكان ويجلسانه. .) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد، لَو ضرب بهَا جبل لصار تُرَابا، قَالَ فيضربه بهَا ضَرْبَة يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب إلَاّ الثقلَيْن، فَيصير تُرَابا ثمَّ يُعَاد فِيهِ الرّوح) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير. الثَّانِي: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل نخلا لبني النجار فَسمع صَوتا فَفَزعَ فَقَالَ: من أَصْحَاب هَذِه الْقُبُور؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله نَاس مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (فَيَقُول لَهُ: مَا كنت تعبد؟ فَيَقُول لَهُ: لَا أَدْرِي، فَيَقُول: لَا دَريت وَلَا تليت، فَقَالَ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس، فيضربه بمطراق من حَدِيد بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْن) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب هُوَ الْملك الَّذِي يسْأَله، وَهُوَ إِمَّا الْمُنكر أَو النكير. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه جمع الْوَجْهَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الضَّرْب مُتَعَددًا مرّة من أحد الْملكَيْنِ وَمرَّة من الْأَعْمَى الأبكم، وكل هَذَا فِي حق الْكفَّار. فَافْهَم. قَوْله: (من يَلِيهِ؟) أَي: من يَلِي الْمَيِّت؟ قيل: المُرَاد بِهِ الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته ومساءلته. قَوْله: (إِلَّا الثقلَيْن) أَي: غير الثقلَيْن، وهما: الْإِنْس وَالْجِنّ، وسميا بِهِ لثقلهما على الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي منع الثقلَيْن من سَماع صَيْحَة ذَاك المعذب بِمِطْرَقَةٍ الْحَدِيد؟ قلت: لَو سمعا لارتفع الِابْتِلَاء وَصَارَ الْإِيمَان ضَرُورِيًّا، ولأعرضوا عَن التدابير والصنائع وَنَحْوهمَا مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ بقاؤهما. فَإِن قلت: من للعقلاء فانحصر السماع على الْمَلَائِكَة. قلت: نعم، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الْعُقَلَاء وَغَيرهم، وَغلب جَانب الْعقل وَهَذَا أظهر، وَقيل: المُرَاد بِمن يَلِيهِ أَعم من الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته وَغَيرهم من الثقلَيْن، وَإِنَّمَا منعت الْجِنّ هَذِه النَّصِيحَة وَلم يمْنَع سَماع كَلَام الْمَيِّت إِذا حمل، وَقَالَ: قدموني، لِأَن كَلَام الْمَيِّت حِين يحمل إِلَى قَبره فِي حكم الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْجَزَاء والعقوبة، لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إلَاّ فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا كَلَامه اعْتِبَار لمن سَمعه وموعظة، فاسمعه الله الْجِنّ لِأَنَّهُ جعل فيهم قُوَّة يثبتون بهَا عِنْد سَمَاعه وَلَا يصعقون، بِخِلَاف الأنسان الَّذِي كَانَ يصعق لَو سَمعه، وصيحة الْمَيِّت فِي الْقَبْر عِنْد فتنته هِيَ عُقُوبَة وَجَزَاء، فَدخلت فِي حكم الْآخِرَة، فَمنع الله تَعَالَى الثقلَيْن الَّذين هما فِي دَار الدُّنْيَا سَماع عُقُوبَته وجزائه فِي الْآخِرَة، وأسمعه سَائِر خلقه.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأنكر ذَلِك ضرار بن عَمْرو وَبشر المريسي وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين من الْمُعْتَزلَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . أَي: لَا يذوقون فِي الْجنَّة موتا سوى الموتة الأولى، وَلَو صَارُوا أَحيَاء فِي الْقُبُور لذاقوا مرَّتَيْنِ لَا موتَة وَاحِدَة، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور} (فاطر: ٢٢) . فَإِن الْغَرَض من سِيَاق الْآيَة تَشْبِيه الْكَفَرَة بِأَهْل الْقُبُور فِي عدم الإسماع. وَقَالُوا: أما من جِهَة الْعقل فَأَنا نرى شخصا يصلب وَيبقى مصلوبا إِلَى أَن تذْهب أجزاؤه وَلَا نشاهد فِيهِ أَحيَاء ومساءلة، وَالْقَوْل لَهُم بهما مَعَ الْمُشَاهدَة سفسطة ظَاهِرَة، وأبلغ مِنْهُ من أَكلته السبَاع والطيور وَتَفَرَّقَتْ أجزاؤه فِي بطونها وحواصلها، وأبلغ مِنْهُ من أحرق حَتَّى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة فِي الرِّيَاح الْعَاصِفَة شمالاً وجنوبا وقبولاً ودبورا، فَإنَّا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضَرُورَة. وَلنَا آيَات: إِحْدَاهَا: قَوْله تَعَالَى: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا} (غَافِر: ٦٤) . فَهُوَ صَرِيح فِي التعذيب بعد الْمَوْت. الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحيينا اثْنَتَيْنِ} (غَافِر: ١١) . فَإِن الله تَعَالَى ذكر الموتة مرَّتَيْنِ، وهما لَا تتحققان

إلَاّ أَن يكون فِي الْقَبْر حَيَاة وَمَوْت، حَتَّى تكون إِحْدَى الموتتين مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة الَّتِي فِي الْقَبْر، وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} (غَافِر: ٦٤) . عطف هَذَا الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عَذَاب بوم الْقِيَامَة على الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عرض النَّار صباحا وَمَسَاء، فَعلم أَنه غَيره، وَذهب أَبُو الْهُذيْل بن العلاف وَبشر بن الْمُعْتَمِر إِلَى أَن الْكَافِر يعذب فِيمَا بَين النفختين أَيْضا، وَإِذا ثَبت التعذيب ثَبت الْإِحْيَاء والمساءلة، لِأَن كل من قَالَ بِعَذَاب الْقَبْر قَالَ بهما.

وَلنَا أَيْضا أَحَادِيث صَحِيحَة وأخبار متواترة. مِنْهَا: حَدِيث الْبَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه مُسلم مطولا، وَفِيه: (تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه السِّتَّة عَنهُ قَالَ: (مر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقبرين فَقَالَ: إنَّهُمَا ليعذبان. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، أخرجه السِّتَّة قَالَ: (إِذا قعد الْمُؤمن فِي قَبره أُتِي فَيشْهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لفظ البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيحَيْنِ: ( {يثبت الَّذين آمنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {يثبت الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . فِي الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَفِيه: عَذَاب الْقَبْر حق، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَعَوَّذ من الْجُبْن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الصَّدْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه كَانَ يَقُول لِبَنِيهِ: أَي بني تعوذوا بِكَلِمَات كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَعَوَّذ بِهن، فَذكر عَذَاب الْقَبْر. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَغَيره عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَمر بِعَبْد من عباد الله أَن يضْرب فِي قَبره مائَة جلدَة، فَلم يزل يسْأَل الله ويدعوه حَتَّى صَارَت وَاحِدَة، فَامْتَلَأَ قَبره عَلَيْهِ نَارا) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن أَرقم، أخرجه مُسلم عَنهُ، (قَالَ: لَا أَقُول لكم إلَاّ مَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: أللهم أَنِّي أعوذ بك من الْعَجز والكسل والجبن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكرَة، أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول فِي إِثْر الصَّلَاة: أللهم إِنِّي أعوذ بك من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ فِي حَدِيث مَرْفُوع، قَالَ فِيهِ: (أَو مَا علمْتُم مَا أصَاب صَاحب بني إِسْرَائِيل؟ كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا أصَاب الشَّيْء من الْبَوْل قرضه بالمقراض، فنهاهم عَن ذَلِك فعذب فِي قَبره) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (أللهم إِنِّي أعوذ بك من الكسل. .) الحَدِيث. وَفِيه: (وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر) . وروى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي (نَوَادِر الْأُصُول) حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر فتاني الْقَبْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أترد لنا عقولنا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، كهيئتكم الْيَوْم. فَقَالَ عمر: فِي فِيهِ الْحجر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: حَدِيث أم مُبشر أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَت: (دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا فِي حَائِط من حَوَائِط بني النجار فِيهِ قُبُور مِنْهُم قد مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَت: فَخرج فَسَمعته يَقُول: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر. قلت: يَا رَسُول الله، وللقبر عَذَاب؟ قَالَ: إِنَّهُم ليعذبون عذَابا فِي قُبُورهم تسمعه الْبَهَائِم) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم خَالِد أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْهُمَا أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يتَعَوَّذ من عَذَاب الْقَبْر.

وَأما الْجَواب عَن قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إلَاّ الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . أَن ذَلِك وصف لأهل الْجنَّة، وَالضَّمِير فِيهَا للجنة أَي: لَا يذوقون أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة الْمَوْت فَلَا يَنْقَطِع نعيمهم كَمَا انْقَطع نعيم أهل الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ، فَلَا دلَالَة فِي الْآيَة على انْتِفَاء موتَة أُخْرَى بعد المساءلة، وَقبل دُخُول الْجنَّة. وَأما قَوْله: {إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . فَهُوَ تَأْكِيد لعدم مَوْتهمْ فِي الْجنَّة على سَبِيل التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: لَو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا الموتة الألى، لكنه لَا يُمكن بِلَا شُبْهَة، فَلَا يتَصَوَّر مَوْتهمْ فِيهَا وَقد يُقَال:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال: إنَّ إسماعيل بن زكريَّا تفرَّد بذلك، ورواه الدَّارقُطنيُّ من طريق هُرَيم عن الشَّيبانيِّ، فقال: بعد موته بثلاثٍ، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصمٍ، عن سفيان الثَّوريِّ، عن الشَّيبانيِّ فقال: بعد شهرٍ، قال في «فتح الباري»: وهذه رواياتٌ شاذَّةٌ، وسياق الطُّرق (١) الصَّحيحة يدلُّ على أنَّه صلَّى عليه (٢) في صبيحة دفنه.

١٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) السَّدوسيُّ البصريُّ، الملقَّب بعارم -بالعين والرَّاء المهملتين- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البنانيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنَّصب بدل من «أسودَ»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ (أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ) أي: يكنسه، ولأبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ في المسجد»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «يكون في المسجد يقمُّ المسجد» (٣) (فَمَاتَ وَلَمْ (٤) يَعْلَمِ النَّبِيُّ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو (٥) لفظة «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ) : (مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ:

«فقالوا»: (مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟) بالمدِّ: أعلمتموني (فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا) زاد أبو ذَرٍّ: «وكذا» (قِصَّتَهُ) بالنَّصب بتقدير نحو: ذكروا، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، وسقط «قصَّته» لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ) لا ينافي ما سبق [خ¦٤٥٨] من التَّعليل بأنَّهم كرهوا أن يوقظوه في الظُّلمة خوف المشقَّة؛ إذ لا تنافي بين التَّعليلين (قَالَ) : (فَدُلُّونِي) بضمِّ الدَّال (عَلَى قَبْرِهِ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على القبر، وهذا موضع التَّرجمة، وفيه جواز الصَّلاة على القبر بعد الدَّفن، سواءٌ دُفِنَ قبلها أم (١) بعدها، نعم؛ لا تجوز الصَّلاة على قبور الأنبياء صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم، لخبر «الصَّحيحين»: «لعن الله اليهود والنَّصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [خ¦١٣٣٠] ولحديث البيهقيِّ: «الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعين ليلةً، لكنَّهم يصلُّون بين يدي الله حتَّى يُنفَخ في الصُّور» وبأنَّا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم، وفي دلالة الحديث الأوَّل على المدَّعى نظرٌ، وأمَّا الثَّاني فرُوِيَ بمعناه أحاديث أُخَر، وكلُّها ضعيفةٌ، وقد روى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» عقب (٢) بعضها حديثًا مرفوعًا: «مررت بموسى ليلة أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يصلِّي في قبره»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد بذلك ردَّ ما رواه أوَّلًا، قال (٣): وممَّا يقدح في هذه الأحاديث حديث: «صلاتكم معروضةٌ عليَّ» وحديث: «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض» [خ¦٢٤١٢] وإنَّما تجوز الصَّلاة على قبر غيرهم وعلى الغائب عن البلد لمن كان من أهل فرض الصَّلاة عليه وقت موته، ولا يقال: إنَّ الصَّلاة على القبر من خصائصه ؛ لِمَا زاده حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ في روايته عند ابن حِبَّان، ثمَّ قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً (٤) على أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عمر أَن الَّذِي كَانَ صلى على أبي بكر أَو عمر، أَقرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ عَن ابْن الزبير وَعُثْمَان بن حنيف أَنَّهُمَا كَانَا يقرآن عَلَيْهَا بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي (كتاب الْجَنَائِز) للمزني: وبلغنا أَن أَبَا بكر وَغَيره من الصَّحَابَة كَانُوا يقرؤون بِأم الْقُرْآن عَلَيْهَا. وَفِي (الْمحلى) : صلى الْمسور بن مخرمَة فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة رفع بهما صَوته، فَلَمَّا فرغ قَالَ: لَا أَجْهَل أَن تكون هَذِه الصَّلَاة عجماء، وَلَكِنِّي أردْت أَن أعلمكُم أَن فِيهَا قِرَاءَة. وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأنس وَأبي هُرَيْرَة: أَنهم كَانُوا يقرأون بِالْفَاتِحَةِ. قلت: قد ذكرنَا فِي أول الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن لَا قِرَاءَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَعَن ابْن مَسْعُود: لم يُوَقت فِيهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قولا وَلَا قِرَاءَة، وَلِأَن مَا لَا رُكُوع فِيهِ لَا قِرَاءَة فِيهِ كسجود التِّلَاوَة، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ على ترك الْقِرَاءَة فِي الأولى بِتَرْكِهَا فِي بَاقِي التَّكْبِيرَات، وبترك التَّشَهُّد. وَقَالَ: لَعَلَّ، قِرَاءَة من قَرَأَ الْفَاتِحَة من الصَّحَابَة كَانَ على وَجه الدُّعَاء لَا على وَجه التِّلَاوَة.

وَمن الدُّعَاء للْمَيت مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَوْف بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إغفر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبد لَهُ دَارا خيرا من دَاره، وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجا خيرا من زوجه وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار، حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة فَقَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. أللهم من أحييته منا فأحيه من الْإِيمَان، وَمن توفيته منا فتوفه على الْإِسْلَام. أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده) . وروى أَيْضا (عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رجل من الْمُسلمين، فَسَمعته يَقُول: أللهم إِن فلَان ابْن فلَان فِي ذِمَّتك، فَقِهِ من عَذَاب الْقَبْر) . قَالَ عبد الرَّحْمَن شيخ أبي دَاوُد: (فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فَقِهِ من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق. أللهم اغْفِر لَهُ وارحمه أَنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم) . وَالْحَبل الْعَهْد والميثاق. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه (قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي فَلم يعرفهُ. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث يزِيد بن ركَانَة: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَامَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك احْتَاجَ إِلَى رحمتك وَأَنت غَنِي عَن عَذَابه، إِن كَانَ محسنا فزد فِي إحسانه، وَإِن كَانَ مسيئا فَتَجَاوز عَنهُ) . وروى المستغفري فِي (الدَّعْوَات) من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا على: إِذا صليت على جَنَازَة فَقل: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك، ماضٍ فِيهِ حكمك، وَلم يكن شَيْئا مَذْكُورا، إزارك وَأَنت خير مزور. أللهم لقنه حجَّته وألحقه بِنَبِيِّهِ، ونزله فِي قَبره ووسع عَلَيْهِ فِي مدخله وثبته بالْقَوْل الثَّابِت فَإِنَّهُ افْتقر إِلَيْك واستغنيت عَنهُ، وَكَانَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لَهُ، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على امْرَأَة فَقل: أَنْت خلقتها ورزقتها، وَأَنت أحييتها وَأَنت أمتها، وَأَنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئْنَاك شُفَعَاء لَهَا إغفر لَهَا، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجرهَا وَلَا تفتنا بعْدهَا. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على طِفْل فَقل: أللهم إجعل لِأَبَوَيْهِ سلفا، واجعله لَهما فرطا، واجعله لَهما نورا وسدادا، أعقب وَالِديهِ الْجنَّة إِنَّك على كل شَيْء قدير) . وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن حَارِث عَن أَبِيه (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علمهمْ الصَّلَاة على الْمَيِّت: أللهم إغفر لأحيائنا وأمواتنا، وَأصْلح ذَات بَيْننَا، وَألف بَين قُلُوبنَا. أللهم هَذَا عَبدك فلَان بن فلَان لَا تعلم إلَاّ خيرا، وَأَنت أعلم بِهِ. فَاغْفِر لنا وَله) .

٦٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن الْمَيِّت فِيهِ، وَهَذَا من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، فَلذَلِك أطلق التَّرْجَمَة بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: بعد الدّفن.

٦٣٣١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ. قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فأمَّهُيْ وَصَلوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هاذا يَا أبَا عَمْرٍ وَقَالَ ابنُ عَباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

(أنظر الحَدِيث ٧٥٨ أَطْرَافه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي موضِعين فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَرُوِيَ نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب كنس الْمَسْجِد، ثفي: بَاب الخدا فِي الْمَسْجِد وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.

٧٣٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ قَالَ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أبِي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أسْوَدَ رَجُلاً أوِ امْرَأةً كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ ولَمْ يَعْلَمِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْم فَقَالَ مَا فَعَلَ ذالِكَ الإنْسَانُ قالُوا ماتَ يَا رسولَ الله قَالَ أفَلَا آذَنْتُمُونِي فقالُوا إنَّهُ كانَ كَذَا وكَذَا قِصَّتَهُ قَالَ فَحَقَّرُوا شَأنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.

(أنظر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصلى عَلَيْهِ) أَي: على قَبره، وَقد ذكرنَا الْآن أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين، أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن وَاقد عَن حَمَّاد، وَقد مضى الْكَلَام فيهمَا هُنَاكَ.

قَوْله: (رجلا) بِالنّصب بدل عَن أسود، وَيجوز بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (كَانَ يقم) أَي: يكنس ويروى: (يكون فِي الْمَسْجِد يقم) . قَوْله (قَالُوا مَاتَ) ويروى (فَقَالُوا) قَوْله (ذَات يَوْم) من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه أَو لَفظه ذَات مقحمة قَوْله: (قصَّته) ، مَنْصُور بمقدر، أَي: ذكرُوا قصَّته. قَوْله: (فدلوني) ، بِضَم الدَّال. وَفِي هَذَا الحَدِيث زَاد ابْن حبَان فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت، ثمَّ قَالَ: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن الله منورها عَلَيْهِم بصلاتي) . فَإِن قلت: صلَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قبر الْأسود الْمَذْكُور بِسَبَب أَنهم حقروا شَأْنه، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: صلَاته عَلَيْهِ بِسَبَب أَن قَبره مَمْلُوء ظلمَة على أَهلهَا) . قلت: الحكم يثبت بعلتين وَأكْثر.

٧٦ - (بابٌ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَيِّت يسمع خَفق نعال الْأَحْيَاء، وخفق النِّعَال صَوتهَا عِنْد دوسها على الأَرْض، وَقَوله: الْمَيِّت، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: يسمع، وَلَفظ: بَاب، مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف.

٨٣٣١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِي خَلِيفَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ العَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّىَ وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَأقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجَنَّةِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَرَاهُمَا جَمِيعا وَأمَّا الكَافِرُ أوِ المُنَافِقُ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ لَا يَلِيهِ إلَاّ الثَّقَلَيْنِ.

(الحَدِيث ٨٣٣١ طرفه فِي: ٤٧٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ) فَإِن قلت: فِي التَّرْجَمَة خَفق النِّعَال فَلَا تطابق؟ قلت: الخفق والقرع فِي

الْمَعْنى سَوَاء، على أَنه ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الخفق، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل، فِيهِ: (وَإنَّهُ ليسمع خَفق نعَالهمْ) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي حَدثنَا عبد الْوَهَّاب يَعْنِي ابْن عَطاء عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ) .

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة. الثَّالِث: خَليفَة، من الْخلَافَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء: ابْن خياط، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الرَّابِع: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: سعيد بن أبي عرُوبَة. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: سَاق حَدِيثه مَقْرُونا بِرِوَايَة خَليفَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع على لفظ خَليفَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَقَالَ لي خَليفَة، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة. وَمثل هَذَا إِذا قَالَ يكون قد أَخذه عَنهُ فِي المذاكرة غَالِبا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: إِن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن خَليفَة وَعَيَّاش الرقام، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار، قَالَ: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا شَيبَان ابْن عبد الرَّحْمَن (عَن قَتَادَة حَدثنَا أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ لي نبيّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ. قَالَ: يَأْتِيهِ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، قَالَ: فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار، قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة. قَالَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. قَالَ قَتَادَة: وَذكر لنا أَنه يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ عَلَيْهِ خضراء إِلَى يَوْم يبعثون) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن أبي عبد الله الْوراق مُخْتَصرا وَمُطَولًا. وَعند ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (إِن الْمَيِّت يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح غير فزع وَلَا مشغوب، ثمَّ يُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: كنت فِي الْإِسْلَام، فَيُقَال: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول لَا، وَمَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرَاهُ، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا، فَيُقَال لَهُ: أنظر ألى مَا وقاك الله، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال: هَذَا مَقْعَدك، وَيُقَال لَهُ: على الْيَقِين كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيجْلس الرجل السوء فِي قَبره فَزعًا مشغوباً، فَيُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: لَا أَدْرِي، فَيُقَال لَهُ: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فقلته، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَا صرفه الله عَنْك، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ: هَذَا مَقْعَدك، على الشَّك كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: (فَإِن كَانَ مُؤمنا كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسه، وَكَانَ الصَّوْم عَن يَمِينه، وَكَانَت الزَّكَاة عَن يسَاره وَكَانَ فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة والصلة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رجلَيْهِ، فَأَي جِهَة أَتَى مِنْهَا يمْنَع، فيقعد فتمثل لَهُ الشَّمْس قد دنت للغروب، فَيُقَال لَهُ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل ... ؟ الحَدِيث مطولا. وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا قبر الْمَيِّت، أَو قَالَ: أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر، وَللْآخر: النكير. فَيَقُولَانِ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول، مَا كَانَ يَقُول: هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد إِن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا، ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين، ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ، ثمَّ يُقَال لَهُ: نم، فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم، فَيَقُولَانِ: نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إلَاّ أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك، فَإِن كَانَ منافقا، قَالَ: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فَقلت مثلهم لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك، فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ، فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: وَوصف الْملكَيْنِ: أعينهما مثل

قدور النّحاس، وأنيابهما مثل صياصي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (أَتَدْرُونَ فِيمَن أنزلت هَذِه الْآيَة: {فَإِن لَهُ معيشة ضنكا} (طه: ٤٢١) . هُوَ عَذَاب الْكَافِر فِي الْقَبْر، يُسَلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا. أَتَدْرُونَ مَا التنين؟ هُوَ تِسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة، لكل حَيَّة تِسْعَة أرؤس ينفخن لَهُ ويلسعنه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (العَبْد) ، أَي: العَبْد الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (وَتَوَلَّى) ، أَي: أعرض وَذهب أَصْحَابه، وَهُوَ من بَاب تنَازع الذّهاب. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه كرر اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَاحِد. قلت: لَا نسلم أَن الْمَعْنى وَاحِد، لِأَن التولي هُوَ الْإِعْرَاض، وَلَا يسْتَلْزم الذّهاب. وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَن لفظ: تولى، مضبوطا بِخَط مُعْتَمد على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: تولى أمره أَي: الْمَيِّت. قلت: لَا يعْتَمد على هَذَا، وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قرع نعَالهمْ) أَي: نعال النَّاس الَّذين حول قَبره من الَّذين باشروا دَفنه وَغَيرهم، وقرع النِّعَال: صَوتهَا عِنْد الْمَشْي، والقرع فِي الأَصْل الضَّرْب، فَكَأَن أَصْحَاب النِّعَال إِذا ضربوا الأَرْض بهَا خرج مِنْهَا صَوت. قَوْله: (ملكان) ، وهما الْمُنكر والنكير، كَمَا فسر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره، وَإِنَّمَا سميا بِهَذَا الأسم لِأَن خلقهما لَا يشبه خلق الْآدَمِيّين، وَلَا خلق الْمَلَائِكَة وَلَا خلق الْبَهَائِم وَلَا خلق الْهَوَام، بل لَهما خلق بديع، وَلَيْسَ فِي خلقتيهما أنس للناظرين إِلَيْهِمَا، جَعلهمَا الله تكرمة لِلْمُؤمنِ لتثبته وتبصره، وهتكا لستر الْمُنَافِق فِي البرزخ من قبل أَن يبْعَث حَتَّى يحل عَلَيْهِ الْعَذَاب، وسميا أَيْضا: فتانأ الْقَبْر، لِأَن فِي سؤالهما انتهار، أَو فِي خلقهما صعوبة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَد ضَعِيف: ناكور وسيدهم رُومَان. قَوْله: (فأقعداه) أَي: أجلساه. قَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى: وهما مُتَرَادِفَانِ، وَهَذَا يبطل قَول من فرق بَينهمَا، بِأَن الْقعُود هُوَ عَن الْقيام، وَالْجُلُوس عَن الِاضْطِجَاع. قلت: اسْتِعْمَال الإقعاد مَوضِع الإجلاس لَا يمْنَع الْفرق الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (مُحَمَّد) بِالْجَرِّ عطف بَيَان عَن الرجل، وَيجوز أَن يكون بَدَلا فَإِن قلت: هَذِه عبارَة خشنة لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيم وَلَا توقير؟ قلت: قصد بهَا الامتحان للمسؤول لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه عَن عبارَة الْقَائِل، ثمَّ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت. قَوْله: (فَيُقَال) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل من الْمُنكر والنكير، وَيحْتَمل أَن يكون من غَيرهمَا من الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فَيَرَاهُمَا) أَي: الْمَقْعَدَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا من الْجنَّة وَالْآخر من النَّار. قَوْله: (أَو الْمُنَافِق) شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالمنافق الَّذِي يقر بِلِسَانِهِ وَلَا يصدق بِقَلْبِه، وَظَاهر الْكَلَام وَهُوَ قَوْله: (لَا أَدْرِي كنت أَقُول كَمَا يَقُول النَّاس) ، يَشْمَل الْكَافِر وَالْمُنَافِق، وَلَكِن الْكَافِر لَا يَقُول ذَلِك فَيتَعَيَّن الْمُنَافِق، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (لَا دَريت) قَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا وقفت فِي مقامك هَذَا وَلَا فِي الْبَيْت. قَوْله: (وَلَا تليت) قَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا يرويهِ المحدثون وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب: ايتليت، على وزن: إفتعلت، من قَوْلك: مَا ألوته أَي: مَا استطعته. وَيُقَال: لَا آلو كَذَا، أَي: لَا استطيعه. قلت: وَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت: قَوْلهم لَا دَريت وَلَا ايتليت، هُوَ افتعلت من قَوْلك: مَا ألوت هَذَا، أَي: مَا استطعته من الإيالو، أَي: قصر، أَو: فلَان لَا يألوك نصحا، فَهُوَ آل، وَالْمَرْأَة: آلية، وَجَمعهَا: أوال، وَيُقَال أَيْضا: إِلَى يؤلى تالية إِذا قصر، وَأَبْطَأ. وَقَالَ ابْن قرقول: قيل: مَعْنَاهُ لَا تَلَوت يَعْنِي الْقُرْآن، أَي: لم تدر وَلم تتل. أَي: لم تنْتَفع بدرايتك وَلَا بتلاوتك، كَمَا قَالَ: {فَلَا صدق وَلَا صلى} (الْقِيَامَة: ١٣) . قيل: مَعْنَاهُ لَا اتبعت الْحق. قَالَه الدَّاودِيّ. وَقيل: لَا اتبعت مَا تَدْرِي، قَالَه الْقَزاز. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: تليت غلط وَالصَّوَاب: أتليت، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون التَّاء: يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن تتلى إبِله أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها. أَي: تتبعها. وَقَالَ ابْن سراج: هَذَا بعيد فِي دُعَاء الْملكَيْنِ للْمَيت، وَأي مَال لَهُ؟ وَقَالَ القَاضِي: لَعَلَّ ابْن الْأَنْبَارِي رأى أَن هَذَا أصل هَذَا الدُّعَاء، ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره كَمَا اسْتعْمل غَيره من أدعية الْعَرَب. انْتهى. قلت: ابْن الْأَنْبَارِي لم يذكر الْملكَيْنِ، وَإِنَّمَا بَين الصَّوَاب من الْخَطَأ فِي هَذِه الْمَادَّة، وَقَوله بِأَن لَا تتلى إبِله من: اتليت النَّاقة، إِذا تَلَاهَا وَلَدهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَمِنْه قَوْلهم: لَا دَريت وَلَا اتليت، يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن لَا تتلى إبِله، أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد. وتلو النَّاقة وَلَدهَا الَّذِي يتلوها، وَقَالَ ثَعْلَب: لَا دَريت وَلَا تليت، أَصله: وَلَا تَلَوت، فقلبت الْوَاو يَاء لازدواج الْكَلَام. قلت: هَذَا أصوب من كل مَا ذَكرُوهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن هَذِه اللَّفْظَة جَاءَت هَكَذَا فِي حَدِيث الْبَراء فِي مُسْند أَحْمد: (لَا دَريت وَلَا تَلَوت) ، أَي: لم تتل الْقُرْآن فَلم تنْتَفع بدرايتك وَلَا تلاوتك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ: وَلَا أتبعت النَّاس بِأَن تَقول شَيْئا يَقُولُونَهُ. وَقيل: لَا قَرَأت فقلبت الْوَاو يَاء للمزاوجة أَي: مَا علمت بِنَفْسِك بالاستدلال، وَلَا اتبعت الْعلمَاء بالتقليد

وَقِرَاءَة الْكتب. وَقَالَ ابْن بطال: الْكَلِمَة من ذَوَات الْوَاو لِأَنَّهَا من تِلَاوَة الْقُرْآن، لكنه لما كَانَ مَعَ: دَريت، تكلم بِالْيَاءِ ليزدوج الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: الدُّعَاء عَلَيْهِ. أَي: لَا كنت داريا وَلَا تاليا. قَوْله: (ثمَّ يضْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: الْمَيِّت. قَوْله: (بِمِطْرَقَةٍ) ، بِكَسْر الْمِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: طرق النجاد الصُّوف يطرقه طرقا إِذا ضربه، والقضيب الَّذِي يضْرب بِهِ يُسمى: مطرقة، وَكَذَلِكَ مطرقة الْحداد. قَوْله: (من حَدِيد) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: من ضَارب حَدِيد، أَي قوي شَدِيد الْغَضَب. وَالْآخر: أَن يكون صفة لمطرقة، فعلى هَذَا تكون كلمة: من، بيانة، ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون غَيرهمَا. وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) مَا يدل على جَوَاز الْوَجْهَيْنِ: الأول: مَا رَوَاهُ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلم يلْحد، فَجَلَسَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير، وَفِي يَده عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض، فَرفع رَأسه فَقَالَ: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَإنَّهُ يسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا مُدبرين حِين يُقَال لَهُ: يَا هَذَا من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك؟ قَالَ هُنَاكَ: ويأتيه ملكان ويجلسانه. .) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد، لَو ضرب بهَا جبل لصار تُرَابا، قَالَ فيضربه بهَا ضَرْبَة يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب إلَاّ الثقلَيْن، فَيصير تُرَابا ثمَّ يُعَاد فِيهِ الرّوح) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير. الثَّانِي: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل نخلا لبني النجار فَسمع صَوتا فَفَزعَ فَقَالَ: من أَصْحَاب هَذِه الْقُبُور؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله نَاس مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (فَيَقُول لَهُ: مَا كنت تعبد؟ فَيَقُول لَهُ: لَا أَدْرِي، فَيَقُول: لَا دَريت وَلَا تليت، فَقَالَ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس، فيضربه بمطراق من حَدِيد بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْن) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب هُوَ الْملك الَّذِي يسْأَله، وَهُوَ إِمَّا الْمُنكر أَو النكير. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه جمع الْوَجْهَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الضَّرْب مُتَعَددًا مرّة من أحد الْملكَيْنِ وَمرَّة من الْأَعْمَى الأبكم، وكل هَذَا فِي حق الْكفَّار. فَافْهَم. قَوْله: (من يَلِيهِ؟) أَي: من يَلِي الْمَيِّت؟ قيل: المُرَاد بِهِ الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته ومساءلته. قَوْله: (إِلَّا الثقلَيْن) أَي: غير الثقلَيْن، وهما: الْإِنْس وَالْجِنّ، وسميا بِهِ لثقلهما على الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي منع الثقلَيْن من سَماع صَيْحَة ذَاك المعذب بِمِطْرَقَةٍ الْحَدِيد؟ قلت: لَو سمعا لارتفع الِابْتِلَاء وَصَارَ الْإِيمَان ضَرُورِيًّا، ولأعرضوا عَن التدابير والصنائع وَنَحْوهمَا مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ بقاؤهما. فَإِن قلت: من للعقلاء فانحصر السماع على الْمَلَائِكَة. قلت: نعم، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الْعُقَلَاء وَغَيرهم، وَغلب جَانب الْعقل وَهَذَا أظهر، وَقيل: المُرَاد بِمن يَلِيهِ أَعم من الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته وَغَيرهم من الثقلَيْن، وَإِنَّمَا منعت الْجِنّ هَذِه النَّصِيحَة وَلم يمْنَع سَماع كَلَام الْمَيِّت إِذا حمل، وَقَالَ: قدموني، لِأَن كَلَام الْمَيِّت حِين يحمل إِلَى قَبره فِي حكم الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْجَزَاء والعقوبة، لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إلَاّ فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا كَلَامه اعْتِبَار لمن سَمعه وموعظة، فاسمعه الله الْجِنّ لِأَنَّهُ جعل فيهم قُوَّة يثبتون بهَا عِنْد سَمَاعه وَلَا يصعقون، بِخِلَاف الأنسان الَّذِي كَانَ يصعق لَو سَمعه، وصيحة الْمَيِّت فِي الْقَبْر عِنْد فتنته هِيَ عُقُوبَة وَجَزَاء، فَدخلت فِي حكم الْآخِرَة، فَمنع الله تَعَالَى الثقلَيْن الَّذين هما فِي دَار الدُّنْيَا سَماع عُقُوبَته وجزائه فِي الْآخِرَة، وأسمعه سَائِر خلقه.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأنكر ذَلِك ضرار بن عَمْرو وَبشر المريسي وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين من الْمُعْتَزلَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . أَي: لَا يذوقون فِي الْجنَّة موتا سوى الموتة الأولى، وَلَو صَارُوا أَحيَاء فِي الْقُبُور لذاقوا مرَّتَيْنِ لَا موتَة وَاحِدَة، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور} (فاطر: ٢٢) . فَإِن الْغَرَض من سِيَاق الْآيَة تَشْبِيه الْكَفَرَة بِأَهْل الْقُبُور فِي عدم الإسماع. وَقَالُوا: أما من جِهَة الْعقل فَأَنا نرى شخصا يصلب وَيبقى مصلوبا إِلَى أَن تذْهب أجزاؤه وَلَا نشاهد فِيهِ أَحيَاء ومساءلة، وَالْقَوْل لَهُم بهما مَعَ الْمُشَاهدَة سفسطة ظَاهِرَة، وأبلغ مِنْهُ من أَكلته السبَاع والطيور وَتَفَرَّقَتْ أجزاؤه فِي بطونها وحواصلها، وأبلغ مِنْهُ من أحرق حَتَّى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة فِي الرِّيَاح الْعَاصِفَة شمالاً وجنوبا وقبولاً ودبورا، فَإنَّا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضَرُورَة. وَلنَا آيَات: إِحْدَاهَا: قَوْله تَعَالَى: {النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا} (غَافِر: ٦٤) . فَهُوَ صَرِيح فِي التعذيب بعد الْمَوْت. الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحيينا اثْنَتَيْنِ} (غَافِر: ١١) . فَإِن الله تَعَالَى ذكر الموتة مرَّتَيْنِ، وهما لَا تتحققان

إلَاّ أَن يكون فِي الْقَبْر حَيَاة وَمَوْت، حَتَّى تكون إِحْدَى الموتتين مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة الَّتِي فِي الْقَبْر، وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} (غَافِر: ٦٤) . عطف هَذَا الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عَذَاب بوم الْقِيَامَة على الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عرض النَّار صباحا وَمَسَاء، فَعلم أَنه غَيره، وَذهب أَبُو الْهُذيْل بن العلاف وَبشر بن الْمُعْتَمِر إِلَى أَن الْكَافِر يعذب فِيمَا بَين النفختين أَيْضا، وَإِذا ثَبت التعذيب ثَبت الْإِحْيَاء والمساءلة، لِأَن كل من قَالَ بِعَذَاب الْقَبْر قَالَ بهما.

وَلنَا أَيْضا أَحَادِيث صَحِيحَة وأخبار متواترة. مِنْهَا: حَدِيث الْبَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه مُسلم مطولا، وَفِيه: (تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه السِّتَّة عَنهُ قَالَ: (مر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقبرين فَقَالَ: إنَّهُمَا ليعذبان. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، أخرجه السِّتَّة قَالَ: (إِذا قعد الْمُؤمن فِي قَبره أُتِي فَيشْهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لفظ البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيحَيْنِ: ( {يثبت الَّذين آمنُوا} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {يثبت الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . فِي الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَفِيه: عَذَاب الْقَبْر حق، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَعَوَّذ من الْجُبْن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الصَّدْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه كَانَ يَقُول لِبَنِيهِ: أَي بني تعوذوا بِكَلِمَات كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَعَوَّذ بِهن، فَذكر عَذَاب الْقَبْر. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَغَيره عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَمر بِعَبْد من عباد الله أَن يضْرب فِي قَبره مائَة جلدَة، فَلم يزل يسْأَل الله ويدعوه حَتَّى صَارَت وَاحِدَة، فَامْتَلَأَ قَبره عَلَيْهِ نَارا) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن أَرقم، أخرجه مُسلم عَنهُ، (قَالَ: لَا أَقُول لكم إلَاّ مَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: أللهم أَنِّي أعوذ بك من الْعَجز والكسل والجبن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكرَة، أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول فِي إِثْر الصَّلَاة: أللهم إِنِّي أعوذ بك من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ فِي حَدِيث مَرْفُوع، قَالَ فِيهِ: (أَو مَا علمْتُم مَا أصَاب صَاحب بني إِسْرَائِيل؟ كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا أصَاب الشَّيْء من الْبَوْل قرضه بالمقراض، فنهاهم عَن ذَلِك فعذب فِي قَبره) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (أللهم إِنِّي أعوذ بك من الكسل. .) الحَدِيث. وَفِيه: (وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر) . وروى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي (نَوَادِر الْأُصُول) حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكر فتاني الْقَبْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أترد لنا عقولنا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، كهيئتكم الْيَوْم. فَقَالَ عمر: فِي فِيهِ الْحجر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: حَدِيث أم مُبشر أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَت: (دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا فِي حَائِط من حَوَائِط بني النجار فِيهِ قُبُور مِنْهُم قد مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَت: فَخرج فَسَمعته يَقُول: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر. قلت: يَا رَسُول الله، وللقبر عَذَاب؟ قَالَ: إِنَّهُم ليعذبون عذَابا فِي قُبُورهم تسمعه الْبَهَائِم) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم خَالِد أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْهُمَا أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يتَعَوَّذ من عَذَاب الْقَبْر.

وَأما الْجَواب عَن قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إلَاّ الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . أَن ذَلِك وصف لأهل الْجنَّة، وَالضَّمِير فِيهَا للجنة أَي: لَا يذوقون أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة الْمَوْت فَلَا يَنْقَطِع نعيمهم كَمَا انْقَطع نعيم أهل الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ، فَلَا دلَالَة فِي الْآيَة على انْتِفَاء موتَة أُخْرَى بعد المساءلة، وَقبل دُخُول الْجنَّة. وَأما قَوْله: {إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٦٥) . فَهُوَ تَأْكِيد لعدم مَوْتهمْ فِي الْجنَّة على سَبِيل التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: لَو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا الموتة الألى، لكنه لَا يُمكن بِلَا شُبْهَة، فَلَا يتَصَوَّر مَوْتهمْ فِيهَا وَقد يُقَال:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر