«مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٣

الحديث رقم ١٣٦٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في قاتل النفس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو…

«مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».

١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ، عن النَّبِيِّ قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.

سند حديث: ١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا…

١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو…

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تعمَّد قتْل نفسه بالدنيا فإنه يعاقب يوم القيامة في نار جهنم بنفس الطريقة التي فعلها بنفسه في الدنيا جزاءً وفاقًا، فمن أسقط نفسه من فوق جبل فقتلها فهو في نار جهنم يسقط فيها من جبال جهنم إلى أوديتها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تجرع سمًّا فقتل نفسه به فسمه في يده يتجرعه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن ضرب نفسه بحديدة في بطنه فقتلها، فحديدته في يده يطعن بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحريم قتْل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحق بها العذاب الأليم.
  • ما ذكره في الحديث هو ضربُ مثل لبعض أنواع إزهاق النفس، وإلا فبأي طريقة قتلت عوقب بمثل ما فعل بنفسه، وقد جاء في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار".
  • قال النووي: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)؛ ‏‏فقيل: فيه أقوال، أحدها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلًّا مع علمه بالتحريم فهذا كافر، وهذه عقوبته، والثاني: أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام، كما يقال: خلد الله ملك السلطان، والثالث: أن هذا جزاؤه، ولكن تكرم سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلمًا.
  • هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَجْدَاثِ: الْأَجْدَاثُ الْقُبُورُ) أَيِ: الْمُرَادُ بِالْأَجْدَاثِ فِي الْآيَةِ الْقُبُورُ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَاحِدُهَا: جَدَثٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ. بَعْثَرْتُ حَوْضِي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بُعْثِرَتْ أَيْ: حُرِّكَتْ، فَخَرَجَ مَا فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

قَوْلُهُ: (الْإِيفَاضُ) بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ وَبِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ (الْإِسْرَاعُ) كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُوفِضُونَ أَيْ: يُسْرِعُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: إِلَى نَصْبٍ) يَعْنِي بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالضَّمِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَذَا ضَبَطَهُ الْفَرَّاءُ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي كِتَابِ الْمَعَانِي وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَحَكَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِالضَّمِّ إِلَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذَلِكَ، وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ. وَفِي كِتَابِ السَّبْعَةِ لِابْنِ مُجَاهِدٍ: قَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ بِضَمَّتَيْنِ، يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا قَرَأَهَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ سَبَبُ تَخْصِيصِ الْأَعْمَشِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ، وَكَذَا عَاصِمٌ فَفِي انْفِرَادِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ بِالضَّمِّ شُذُوذٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النَّصْبُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْعَلَمُ الَّذِي نَصَبُوهُ لِيَعْبُدُوهُ، وَمَنْ قَرَأَ: نُصُبٍ، بِالضَّمِّ فَهِيَ جَمَاعَةٌ مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ.

قَوْلُهُ: (يُوفِضُونَ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ: يَسْتَبِقُونَ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أَيْ: يَبْتَدِرُونَ أَيُّهُمْ يَسْتَلِمُهُ أَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنُّصُبُ مَصْدَرٌ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَالَّذِي فِي الْمَعَانِي لِلْفَرَّاءِ النَّصْبُ وَالنُّصُبُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالْجَمْعُ الْأَنْصَابُ. وَكَأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ النَّقْلَةِ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ) أَيْ: خُرُوجُ أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَيَنْسِلُونَ: يَخْرُجُونَ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَعْنًى آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: (يَخْرُجُونَ): مِنَ النَّسَلَانِ. وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ أَوْرَدَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِذِكْرِ الْقَبْرِ اسْتِطْرَادًا، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَوْعِظَةِ أَيْضًا. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَنْ قَعَدَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَنْ يَقْصُرَ كَلَامَهُ عَلَى الْإِنْذَارِ بِقُرْبِ الْمَصِيرِ إِلَى الْقُبُورِ، ثُمَّ إِلَى النَّشْرِ لِاسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي تَفْسِيرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: اعْمَلُوا جَرَى مَجْرَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَيِ: الْزَمُوا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا تَتَصَرَّفُوا فِي أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَعُثْمَانُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ: فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ، كَمَا سَيَأْتِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ

١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

[الحديث ١٣٦٣ - أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦٦٥٢]

١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ "حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ فِي هَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ لزَّاي، مصغَّرًا، و «يزيد» مِن الزِّيادة، قال (١): (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (٢) (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ الأشهليِّ (، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملَّة (الإِسْلَامِ) كاليهوديَّة والنَّصرانيَّة، حال كونه (كَاذِبًا) في تعظيم تلك الملَّة الَّتي حلف بها، أو كاذبًا في المحلوف عليه، لكن عُورِض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملَّةٍ غير ملَّة الإسلام، فالذَّمُّ إنَّما هو من جهة كونه حلف بتلك الملَّة الباطلة معظِّمًا لها حال كونه (مُتَعَمِّدًا) فيه دلالةٌ لقول (٣) الجمهور: إنَّ الكذب: الخبر غير المطابق للواقع سواءٌ كان عمدًا أو غيره؛ إذ لو كان شرطه التَّعمُّد لما قُيِّد به هنا (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أي: فيُحكَم عليه بالَّذي نسبه لنفسه، وظاهره: الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا (٤) القول، ويحتمل أن يعلَّق ذلك بالحنث؛ لِمَا روى بُرَيدة مرفوعًا: «من قال: أنا بريءٌ من الإسلام،

فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا»، والتَّحقيق التَّفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذَكَرَ كفر، وعليه يُحمَل قوله: «مَن حلف بغير الله فقد كفر»، رواه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيخين، وإن قصد حقيقة التَّعليق فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متَّصفًا بذلك كفر؛ لأنَّ إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يُكرَه تنزيهًا؟ الثَّاني هو المشهور، وليقل ندبًا: لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ رسول الله، ويستغفر الله، ويحتمل أن (١) يكون المراد به: التَّهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنَّه صار يهوديًّا، وكأنَّه قال: فهو مستحقٌّ لمثل عذاب ما قال، ومثلُه قوله : «مَن ترك الصَّلاة فقد كفر» أي: استوجب عقوبَةَ من كفر، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب الأيمان» [خ¦٦٦٥٢] بعون الله وقوَّته (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) بآلةٍ قاطعةٍ كالسَّيف، والسِّكِّين ونحوهما، وفي «الأيمان»: «ومَن قتل نفسه بشيءٍ» [خ¦٦٦٥٢] وهو أعمُّ (عُذِّبَ بِهِ) أي: بالمذكور (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُذِّب بها» أي: بالحديدة (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويَّة للجنايات الدنيويَّة، ويؤخَذ منه أنَّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأنَّ نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله، فلا يتصرَّف (٣) فيها إلَّا بما أُذِنَ له فيه، ولا يخرج بذلك من الإسلام، ويُصلَّى عليه عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف حيث قال: لا يُصلَّى على قاتل نفسه.

وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] و «الأيمان» [خ¦٦٦٥٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الكفَّارات».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة فِي حكم الربوبية، وَظَاهر هُوَ التَّتِمَّة اللَّازِمَة فِي حق الْعُبُودِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ أَمارَة مخيلة فِي مطالقة علم العواقب غير مفيدة حَقِيقَة، وبيَّن لَهُم أَن كلا ميسر لما خلق لَهُ، وَأَن عمله فِي العاجل دَلِيل مصيره فِي الآجل، وَلذَلِك مثل بقوله تَعَالَى: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (الَّيْلِ: ٥) . الْآيَة، وَنَظِيره الرزق الْمَقْسُوم مَعَ الْأَمر بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَل الْمَضْرُوب مَعَ التعالج بالطب، فَإنَّك تَجِد الْبَاطِن مِنْهُمَا على مُوجبه، وَالظَّاهِر سَببا مخيلاً، وَقد اصْطَلحُوا على أَن الظَّاهِر مِنْهُمَا لَا يتْرك للباطن.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لأهل السّنة فِي أَن السَّعَادَة والشقاوة بِخلق الله تَعَالَى، بِخِلَاف قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ: إِن الشَّرّ لَيْسَ بِخلق الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِثْبَات للقدر، وَإِن جمع الْوَاقِعَات بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره، لَا يُسأل عَمَّا يفعل، وَقيل: إِن سر الْقدر ينْكَشف لِلْخَلَائِقِ إِذا دخلُوا الْجنَّة، وَلَا ينْكَشف لَهُم قبل دُخُولهَا، وَفِيه رد على أهل الْجَبْر، لِأَن الْمُجبر لَا يَأْتِي الشَّيْء إلَاّ وَهُوَ يكرههُ، والتيسير ضد الْجَبْر، أَلا ترى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ: والتيسير هُوَ أَن يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء وَهُوَ يُحِبهُ.

وَاخْتلف أهل يعلم فِي الدُّنْيَا الشقي من السعيد؟ فَقَالَ قوم: نعم، محتجين بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة، والْحَدِيث لِأَن كل عمل أَمارَة على جَزَائِهِ. وَقَالَ قوم: لَا، وَالْحق فِي ذَلِك أَنه يدْرك ظنا لَا جزما. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية: من اشْتهر لَهُ لِسَان صدق فِي النَّاس من صالحي هَذِه الْأمة هَل يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء رَحِمهم الله.

وَفِيه: جَوَاز الْقعُود عِنْد الْقُبُور والتحدث عِنْدهَا بِالْعلمِ والمواعظ. وَفِيه: نكته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمِخْصَرَةِ فِي الأَرْض. أصل تَحْرِيك الإصبع فِي التَّشَهُّد. قَالَه الْمُهلب. فَإِن قلت: مَا معنى النكت بِالْمِخْصَرَةِ؟ قلت: هُوَ إِشَارَة إِلَى إِحْضَار الْقلب للمعاني. وَفِيه: نكس الرَّأْس عِنْد الْخُشُوع والتفكر فِي أَمر الْآخِرَة. وَفِيه: إِظْهَار الخضوع والخشوع عِنْد الْجِنَازَة، وَكَانُوا إِذا حَضَرُوا جَنَازَة يلقى أحدهم حَبِيبه وَلَا يقبل عَلَيْهِ إلَاّ بِالسَّلَامِ حَتَّى يرى أَنه وَاجِد عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَضْحَكُونَ هُنَاكَ، وَرَأى بَعضهم رجلا يضْحك فآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا، وَكَانَ يبْقى أثر ذَلِك عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام لشدَّة مَا يحصل فِي قُلُوبهم من الْخَوْف والفزع. وَفِيه: أَن النَّفس المخلوقة إِمَّا سعيدة وَإِمَّا شقية، وَلَا يُقَال: إِذا وَجَبت الشقاوة والسعادة بِالْقضَاءِ الأزلي وَالْقدر الإلهي فَلَا فَائِدَة فِي التَّكْلِيف، فَإِن هَذَا أعظم شبه النافين للقدر، وَقد أجابهم الشَّارِع بِمَا لَا يبْقى مَعَه إِشْكَال، وَوجه الِانْفِصَال أَن الرب تَعَالَى أمرنَا بِالْعَمَلِ، فَلَا بُد من امتثاله، وغيب عَنَّا الْمَقَادِير لقِيَام حجَّته وزجره، وَنصب الْأَعْمَال عَلامَة على مَا سبق فِي مَشِيئَته، فسبيله التَّوَقُّف، فَمن عدل عَنهُ ضل لِأَن الْقدر سر من أسراره لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ هُوَ فَإِذا دخلُوا الْجنَّة كشف لَهُم.

٣٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبَاب حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بَاب الأولى. قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبَاب طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى. وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟ وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه. قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.

٣٦٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ..

وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين.

وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة. قَوْله: (كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْحق مُصدقا} (الْبَقَرَة: ٢٩، وفاطر: ١٣) . لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} (الْمَائِدَة: ١٥) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا. قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ. قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار. انْتهى. قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك. قَوْله: (بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات. قَوْله: (عذب بِهِ) ، ويروى: (بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده

وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلَاّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال فِي قَوْله: (وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم. قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه.

٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

(الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَجْدَاثِ: الْأَجْدَاثُ الْقُبُورُ) أَيِ: الْمُرَادُ بِالْأَجْدَاثِ فِي الْآيَةِ الْقُبُورُ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَاحِدُهَا: جَدَثٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ. بَعْثَرْتُ حَوْضِي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بُعْثِرَتْ أَيْ: حُرِّكَتْ، فَخَرَجَ مَا فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

قَوْلُهُ: (الْإِيفَاضُ) بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ وَبِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ (الْإِسْرَاعُ) كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُوفِضُونَ أَيْ: يُسْرِعُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: إِلَى نَصْبٍ) يَعْنِي بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالضَّمِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَذَا ضَبَطَهُ الْفَرَّاءُ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي كِتَابِ الْمَعَانِي وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَحَكَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِالضَّمِّ إِلَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذَلِكَ، وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ. وَفِي كِتَابِ السَّبْعَةِ لِابْنِ مُجَاهِدٍ: قَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ بِضَمَّتَيْنِ، يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا قَرَأَهَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ سَبَبُ تَخْصِيصِ الْأَعْمَشِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ، وَكَذَا عَاصِمٌ فَفِي انْفِرَادِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ بِالضَّمِّ شُذُوذٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النَّصْبُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْعَلَمُ الَّذِي نَصَبُوهُ لِيَعْبُدُوهُ، وَمَنْ قَرَأَ: نُصُبٍ، بِالضَّمِّ فَهِيَ جَمَاعَةٌ مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ.

قَوْلُهُ: (يُوفِضُونَ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ: يَسْتَبِقُونَ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أَيْ: يَبْتَدِرُونَ أَيُّهُمْ يَسْتَلِمُهُ أَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنُّصُبُ مَصْدَرٌ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَالَّذِي فِي الْمَعَانِي لِلْفَرَّاءِ النَّصْبُ وَالنُّصُبُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالْجَمْعُ الْأَنْصَابُ. وَكَأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ النَّقْلَةِ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ) أَيْ: خُرُوجُ أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَيَنْسِلُونَ: يَخْرُجُونَ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَعْنًى آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: (يَخْرُجُونَ): مِنَ النَّسَلَانِ. وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ أَوْرَدَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِذِكْرِ الْقَبْرِ اسْتِطْرَادًا، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَوْعِظَةِ أَيْضًا. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَنْ قَعَدَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَنْ يَقْصُرَ كَلَامَهُ عَلَى الْإِنْذَارِ بِقُرْبِ الْمَصِيرِ إِلَى الْقُبُورِ، ثُمَّ إِلَى النَّشْرِ لِاسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي تَفْسِيرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: اعْمَلُوا جَرَى مَجْرَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَيِ: الْزَمُوا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا تَتَصَرَّفُوا فِي أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَعُثْمَانُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ: فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ، كَمَا سَيَأْتِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ

١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

[الحديث ١٣٦٣ - أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦٦٥٢]

١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ "حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ فِي هَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ لزَّاي، مصغَّرًا، و «يزيد» مِن الزِّيادة، قال (١): (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (٢) (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ الأشهليِّ (، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملَّة (الإِسْلَامِ) كاليهوديَّة والنَّصرانيَّة، حال كونه (كَاذِبًا) في تعظيم تلك الملَّة الَّتي حلف بها، أو كاذبًا في المحلوف عليه، لكن عُورِض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملَّةٍ غير ملَّة الإسلام، فالذَّمُّ إنَّما هو من جهة كونه حلف بتلك الملَّة الباطلة معظِّمًا لها حال كونه (مُتَعَمِّدًا) فيه دلالةٌ لقول (٣) الجمهور: إنَّ الكذب: الخبر غير المطابق للواقع سواءٌ كان عمدًا أو غيره؛ إذ لو كان شرطه التَّعمُّد لما قُيِّد به هنا (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أي: فيُحكَم عليه بالَّذي نسبه لنفسه، وظاهره: الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا (٤) القول، ويحتمل أن يعلَّق ذلك بالحنث؛ لِمَا روى بُرَيدة مرفوعًا: «من قال: أنا بريءٌ من الإسلام،

فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا»، والتَّحقيق التَّفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذَكَرَ كفر، وعليه يُحمَل قوله: «مَن حلف بغير الله فقد كفر»، رواه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيخين، وإن قصد حقيقة التَّعليق فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متَّصفًا بذلك كفر؛ لأنَّ إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يُكرَه تنزيهًا؟ الثَّاني هو المشهور، وليقل ندبًا: لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ رسول الله، ويستغفر الله، ويحتمل أن (١) يكون المراد به: التَّهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنَّه صار يهوديًّا، وكأنَّه قال: فهو مستحقٌّ لمثل عذاب ما قال، ومثلُه قوله : «مَن ترك الصَّلاة فقد كفر» أي: استوجب عقوبَةَ من كفر، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب الأيمان» [خ¦٦٦٥٢] بعون الله وقوَّته (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) بآلةٍ قاطعةٍ كالسَّيف، والسِّكِّين ونحوهما، وفي «الأيمان»: «ومَن قتل نفسه بشيءٍ» [خ¦٦٦٥٢] وهو أعمُّ (عُذِّبَ بِهِ) أي: بالمذكور (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُذِّب بها» أي: بالحديدة (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويَّة للجنايات الدنيويَّة، ويؤخَذ منه أنَّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأنَّ نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله، فلا يتصرَّف (٣) فيها إلَّا بما أُذِنَ له فيه، ولا يخرج بذلك من الإسلام، ويُصلَّى عليه عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف حيث قال: لا يُصلَّى على قاتل نفسه.

وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] و «الأيمان» [خ¦٦٦٥٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الكفَّارات».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة فِي حكم الربوبية، وَظَاهر هُوَ التَّتِمَّة اللَّازِمَة فِي حق الْعُبُودِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ أَمارَة مخيلة فِي مطالقة علم العواقب غير مفيدة حَقِيقَة، وبيَّن لَهُم أَن كلا ميسر لما خلق لَهُ، وَأَن عمله فِي العاجل دَلِيل مصيره فِي الآجل، وَلذَلِك مثل بقوله تَعَالَى: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (الَّيْلِ: ٥) . الْآيَة، وَنَظِيره الرزق الْمَقْسُوم مَعَ الْأَمر بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَل الْمَضْرُوب مَعَ التعالج بالطب، فَإنَّك تَجِد الْبَاطِن مِنْهُمَا على مُوجبه، وَالظَّاهِر سَببا مخيلاً، وَقد اصْطَلحُوا على أَن الظَّاهِر مِنْهُمَا لَا يتْرك للباطن.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لأهل السّنة فِي أَن السَّعَادَة والشقاوة بِخلق الله تَعَالَى، بِخِلَاف قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ: إِن الشَّرّ لَيْسَ بِخلق الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِثْبَات للقدر، وَإِن جمع الْوَاقِعَات بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره، لَا يُسأل عَمَّا يفعل، وَقيل: إِن سر الْقدر ينْكَشف لِلْخَلَائِقِ إِذا دخلُوا الْجنَّة، وَلَا ينْكَشف لَهُم قبل دُخُولهَا، وَفِيه رد على أهل الْجَبْر، لِأَن الْمُجبر لَا يَأْتِي الشَّيْء إلَاّ وَهُوَ يكرههُ، والتيسير ضد الْجَبْر، أَلا ترى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ: والتيسير هُوَ أَن يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء وَهُوَ يُحِبهُ.

وَاخْتلف أهل يعلم فِي الدُّنْيَا الشقي من السعيد؟ فَقَالَ قوم: نعم، محتجين بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة، والْحَدِيث لِأَن كل عمل أَمارَة على جَزَائِهِ. وَقَالَ قوم: لَا، وَالْحق فِي ذَلِك أَنه يدْرك ظنا لَا جزما. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية: من اشْتهر لَهُ لِسَان صدق فِي النَّاس من صالحي هَذِه الْأمة هَل يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء رَحِمهم الله.

وَفِيه: جَوَاز الْقعُود عِنْد الْقُبُور والتحدث عِنْدهَا بِالْعلمِ والمواعظ. وَفِيه: نكته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمِخْصَرَةِ فِي الأَرْض. أصل تَحْرِيك الإصبع فِي التَّشَهُّد. قَالَه الْمُهلب. فَإِن قلت: مَا معنى النكت بِالْمِخْصَرَةِ؟ قلت: هُوَ إِشَارَة إِلَى إِحْضَار الْقلب للمعاني. وَفِيه: نكس الرَّأْس عِنْد الْخُشُوع والتفكر فِي أَمر الْآخِرَة. وَفِيه: إِظْهَار الخضوع والخشوع عِنْد الْجِنَازَة، وَكَانُوا إِذا حَضَرُوا جَنَازَة يلقى أحدهم حَبِيبه وَلَا يقبل عَلَيْهِ إلَاّ بِالسَّلَامِ حَتَّى يرى أَنه وَاجِد عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَضْحَكُونَ هُنَاكَ، وَرَأى بَعضهم رجلا يضْحك فآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا، وَكَانَ يبْقى أثر ذَلِك عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام لشدَّة مَا يحصل فِي قُلُوبهم من الْخَوْف والفزع. وَفِيه: أَن النَّفس المخلوقة إِمَّا سعيدة وَإِمَّا شقية، وَلَا يُقَال: إِذا وَجَبت الشقاوة والسعادة بِالْقضَاءِ الأزلي وَالْقدر الإلهي فَلَا فَائِدَة فِي التَّكْلِيف، فَإِن هَذَا أعظم شبه النافين للقدر، وَقد أجابهم الشَّارِع بِمَا لَا يبْقى مَعَه إِشْكَال، وَوجه الِانْفِصَال أَن الرب تَعَالَى أمرنَا بِالْعَمَلِ، فَلَا بُد من امتثاله، وغيب عَنَّا الْمَقَادِير لقِيَام حجَّته وزجره، وَنصب الْأَعْمَال عَلامَة على مَا سبق فِي مَشِيئَته، فسبيله التَّوَقُّف، فَمن عدل عَنهُ ضل لِأَن الْقدر سر من أسراره لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ هُوَ فَإِذا دخلُوا الْجنَّة كشف لَهُم.

٣٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبَاب حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بَاب الأولى. قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبَاب طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى. وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟ وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه. قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.

٣٦٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ..

وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين.

وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة. قَوْله: (كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْحق مُصدقا} (الْبَقَرَة: ٢٩، وفاطر: ١٣) . لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} (الْمَائِدَة: ١٥) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا. قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ. قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار. انْتهى. قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك. قَوْله: (بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات. قَوْله: (عذب بِهِ) ، ويروى: (بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده

وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلَاّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال فِي قَوْله: (وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم. قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه.

٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

(الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر