الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٨٦
الحديث رقم ١٣٨٦ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا موسى بن إسماعيل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٠١⦘
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟. قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللهُ. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا. قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُوسَى: أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا، حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا، هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ،
⦗١٠٢⦘
وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.»
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ:
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن رؤية رآها في المنام، ثم إنه قَصَّها على أصحابه بعد صلاة الفجر، كما في بعض روايات الحديث.
فيخبر عن نفسه فيقول: أنه أتاني في ليلتي آتِيَان قالا لي: انْطَلق، فانطلقت معهما، فأتوا على رجل مضطجع أو مُسْتَلق على قَفَاه وأخر قائما عليه معه صخرة وهي الحجر الكبيرة فيرمِيه بها حتى يَشَّق رأسه، فيَتَدَحْرجُ الحجر إلى جهة الضارب، فيأخذ الحجر ولا يرجع إلى المضروب حتى يعود رأسه كما كان، فإذا التئم رأسه وعاد على ما كان عليه قبل شقه عاد عليه مرة أخرى، فَفَعل به مِثْل ما فعل في المرَّة الأولى.
قال: قلت لهما متعجبا مما رآه من حال الرجلين: سُبحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتوا على رجُل مُمتدٍّ على قفاه وآخر قائم عليه يحمل معه حديدة، يضعها على أحد شقَّي وجه الآخر، فيَشق جانبا من وجهه، حتى يَبْلغَ به قَفَاه، ومتى ما فرغ من شق إحدى الجهتين، تَحَول إلى جانب الشق الآخر من الوجه، فَيُفْعَل به ما فعل بالجانب الأول من شقه، وإذا فرغ من شق الجانب الآخر، كان الشق الأول قد التئم وعاد كما كان عليه قبل شقه، فيفعل به كما في المرة الأولى، ثم يعود للشق الثاني وقد التئم، فيفعل به كما فعل به في المرة الأولى وهكذا كلَّما التئم الشق عاد عليه.
قال: قلت: سُبْحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقْنا، فَأَتَيْنَا على مِثْلِ التَّنُّورِ أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار، ويسمع منه أصوات مختلطة لا تُفهم.
فاطلعوا على ما في التنور فوجدوا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هُمْ يَأتِيِهمْ لَهَبٌ من أسْفَلَ منهم، فإذا أتاهُمْ ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يُفهم منه إلا الاستِغاثة مما هم فِيهِ.
قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتينا على نَهْر من دم، رأوا فيه رجلا يسبح وآخر قائم على شَطِّ النهر، قد جُمعت عنده حجارة كثيرة، ثم إن السابح يأتي إلى الرجل القائم على شطِّ النهر، فيفتح له فاه فيرمه بالحجر، فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه مرة ثانية وفي كل مرة يرجع إليه يفتح له فاه فَيُلقِمه الحجر، وهكذا.
قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَجُل قبيح المنظر.
فإذا عنده نار يَحُشُّهَا ويَسْعَى حولها يوقدها.
قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انْطَلِق انْطَلِق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَوضَة خَصْبة فيها من كل الزهور، وإذا في وسطها رجُلٌ طَويل لا أكَادُ أرى رأسه طُولا في السماء وإذا حَول الرجُل أكثر ولدان رَأيْتُهُمْ قَطّ.
قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على شجرة عظيمة لم أر روضة قط، أعظم منها ولا أحسن منها في جمالها ونظارتها.
قالا لي: اصعد في تلك الشجرة.
فصعدوا في تلك الشجرة، فإذا هُم في مدينة مُشَيَّدة بالذهب والفضة.
فطلبوا من أهل تلك المدينة أن يفتحوا لهم باب المدينة، فَفُتِح لهم فدخلوها.
فَتَلَقَّانَا رِجال نِصف خِلقَتْهم وصورتهم كأجمل صورة تراها العين، والنصف الآخر كأقبح صورة تراها العين. قال لهم الملكان: اذهبوا إلى ذلك النَّهر، فاغتسلوا فيه.
وإذا هو نَهْر مُعْتَرِضٌ يَجري كأن ماءه اللَّبَنُ الخالص غير المُخْتَلطِ بشيء، وشبهه بالبياض الذي هو صفة اللَّبَنُ.
فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فيه، ثم رجَعُوا إلينا وقد زال عنهم ما كان فيهم من القُبْح والبَشَاعة، فصاروا على أجمل صورة.
وأخبراه بأن هذه المدينة هي جنات عدن وأن ذاك منزلك فيها.
فارتفع بصره إلى فوق صلى الله عليه وسلم كثيرا، فرأى قصرًا، مثل السحاب البيضاء، فأطلعاه على منزله.
فدعا لهما وطلب منهما أن يسمحا له بالدخول إلى ذاك المنزل.
فلم يسمحوا له بدخوله؛ لأنه قد بقي له من العُمْر بقية، وأخبروه أنه سيدخل هذا القصر حال استكمال أجله.
وبعد أن انتهوا من عرض بعض صور الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم لهما: إني رأيت أمورا عجيبة، ثم سألهم عنها بقوله: "فما هذا الذي رأيت؟"
قالا لي: أما إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أما الرُّجُل الأول الذي رأيته يَشُقُّ رأسه بالحَجر، هو من حفظ القرآن، ثم تركه ولم يعمل به وينام عن الصلاة المكتوبة، ورفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس.
وأما الرجل الذي رأيته يقطع جانبا من وجهه، فذاك الذي يَكْذِبُ الكَذْبَة، فتَنْتَشر فِي أطراف الأرض.
وإنما استحق التعذيب لما يَنْشأ عن تلك الكَذْبَة من المفاسد وهو فيها مختار غير مُكْرَه ولا مُلْجَأ.
وأما ما رأيت من الرجال والنساء في ذلك التَّنُّورِ، فهؤلاء الزُّنَاة والزواني.
ومناسبة العُري لهم لاستحقاقهم أن يُفضحوا؛ لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك.
وأما الرَّجل الذي أتيت عليه يَسْبَح في النَّهر، ويُلْقِم الحِجَارة، فإنه آكِل الرِبَا
وأما الرجل الذي رأيته كرِيه المنظر قاعد عند النار يوقدها، فإنه مالك خازن النار.
وإنما كان كرِيه الرؤية؛ لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار.
وأما الرَّجُل الطَّويل الذي في الرَّوْضَةِ، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم .
وأما الأولاد الذين رأيتهم حول إبراهيم -عليه السلام- فهم كل من مات على فطرة الإسلام قبل البلوغ أو ولد على فطرة الإسلام، ثم مات قبل البلوغ.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حكم أولاد المشركين في الآخرة، كحكم أولاد المسلمين.
وأما القوم الذين نصفهم حسن والنصف الآخر قبيح، فإنهم جمعوا بين الحسنات والسيئات معا، فظهرت الحسنات في صورتهم الجميلة، وظهرت السيئات في صورتهم القبيحة، عفا الله عنهم، وأدخلهم الجنة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَنْشَأُ مَثَلًا، وَقَدْ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ بِلَفْظِ: لَيْسَتْ نَسَمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبِينَ عَنْهَا لِسَانُهَا. الْحَدِيثَ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ. وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْخَضْرَاوِيُّ لَمْ أَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا، إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ: حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ. ثُمَّ وَجَدْتُ أَبَا نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ فِي بَنِي آدَمَ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ. الْحَدِيثَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ بِلَفْظِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ. الْحَدِيثَ.
٩٣ - بَاب
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا.
لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كلوب من حديد يدخله فِي شِدْقِهِ - حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ: صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ؛ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رجل بين يديه حجارة - قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ - فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا
بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ؛ أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم والمدِّ، عمران بن تيمٍ، العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» وفي رواية يزيد بن هارون: إذا صلَّى صلاة الغداة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) مقصورٌ غير منصرفٍ، ويُكتَب بالألف كراهة اجتماع مِثْلين (قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) رؤيا (قَصَّهَا) عليه (فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله، فَسَأَلَنَا يَوْمًا) بفتح اللَّام، جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعول، و «يومًا» نصبٌ على الظَّرفيَّة (١) (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) بالنَّصب (رَجُلَيْنِ) قال الطِّيبيُّ: وجه الاستدراك أنَّه كان يحبُّ أن يعبِّر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا: ما رأينا، كأنَّه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكنِّي رأيت رجلين، وفي حديث عليٍّ عند ابن أبي حاتمٍ (٢): «رأيت ملَكين» (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) وللمُستملي: «إلى أرضٍ مقدَّسةٍ» وعند أحمد: «إلى أرضٍ فضاءٍ، أو أرض مستوية»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ) بالرَّفع، ويجوز النَّصب (٣) (وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ) شيءٌ، فسَّره المؤلِّف بقوله: (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أبهمه لنسيانٍ أو غيره، وليس بقادحٍ؛ لأنَّه لا يروي إلَّا عن ثقةٍ مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف المراد بالبعض المبهَم، إلَّا أنَّ الطَّبرانيَّ
أخرجه في «المعجم الكبير» عن العبَّاس بن الفضل الأسقاطيِّ (١) (عَنْ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيِّ: (كَلُّوبٌ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام (مِنْ حَدِيدٍ) له شعبٌ يعلَّق بها اللَّحم، و «مِنْ» للبيان (يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الدَّال المهملة، أي: يدخل الرَّجل القائم الكَلُّوب في جانب فم الرَّجل الجالس، وهذا سياق رواية أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو سياقٌ مستقيمٌ، ولغيره: «ورجلٌ قائمٌ بيده كلُّوبٌ من حديدٍ، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنَّه» أي: ذلك الرَّجل «يدخل ذلك الكلُّوبَ» نصبٌ على المفعوليَّة «في شدقه» (حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ) بالموحَّدة وضمِّ اللَّام، وفي «التَّعبير»: «فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه» [خ¦٧٠٤٧] أي: يقطعه شقًّا، وفي حديث عليٍّ: «فإذا أنا بملكٍ، وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك كلُّوبٌ من حديدٍ، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقُّه» (ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ) بفتح الخاء المعجمة (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فعل بشدقه الأوَّل (وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ (٢) هَذَا فَيَعُودُ (٣)) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فما يفرغ من ذلك الجانب، حتَّى يصحَّ (٤) الجانب كما كان» فيعود ذلك الرَّجل (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) قال ﵊: (قُلْتُ) للملَكين: (مَا هَذَا؟) أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وللمُستملي: «من هذا؟» أي: من هذا (٥) الرَّجل؟ (قَالَا) أي: الملكان: (انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجرٌ ملء الكفِّ، والجملة حاليَّةٌ (أَوْ صَخْرَةٍ) على الشَّكِّ، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرةٍ» من غير شكٍّ (فَيَشْدَخُ بِهِ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الدَّال المهملة وبالخاء المعجمة من الشَّدخ؛ وهو كسر الشَّيء الأجوف،
والضَّمير للفهر، ولأبي ذَرٍّ: «بها» (رَأْسَهُ) وفي «التَّعبير»: «وإذا هو يهوي بالصَّخرة لرأسه فيَثْلَغ رأسه» بفتح الياء وسكون المثلَّثة وفتح اللَّام وبالغين المعجمة (١)، أي: يشدخ رأسه (فَإِذَا ضَرَبَهُ؛ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ) بفتح الدَّالين المهملتين، بينهما هاءٌ ساكنةٌ، على وزن: تَفَعْلَلَ من مزيد الرُّباعيِّ، أي: تدحرج، وفي حديث عليٍّ: «فمررت على ملَكٍ وأمامه آدميٌّ، وبيد الملَك صخرةٌ يضرب بها هامة الآدميِّ، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصَّخرة جانبًا» (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجر (لِيَأْخُذَهُ) فيصنع به كما صنع (فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) الَّذي شدخ رأسه (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «حتَّى يصحَّ رأسه» (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ) بفتح المثلَّثة وسكون القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نَقْب» بالنُّون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في «المطالع» للأَصيليِّ، لكنَّه قال: بالنُّون وفتح القاف، قال: وهو بمعنى: «ثَقْب» بالمثلَّثة (مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ النُّون المشدَّدتين، آخره راءٌ: ما يُخبَز فيه (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ) بفتح الياء (٢) (تَحْتَهُ) بنصب التَّاء الثَّانية، أي: تحت التَّنُّور (نَارًا) بالنَّصب على التَّمييز، وأسند «يتوقَّد» إلى ضميرٍ عائدٍ إلى (٣) «الثَّقب»؛ كقولك (٤): مررت بامرأةٍ تتضوَّع (٥) من أَرْدانها طيبًا، أي: يتضوَّع طيبها من أردانها، فكأنَّه قال: يتوقَّد ناره تحته، قاله (٦) ابن مالكٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: وهو صريحٌ في أنَّ «تحته» منصوبٌ لا مرفوعٌ،
وقال: إنَّه رآه (١) في نسخةٍ بضمِّ التَّاء الثَّانية، وصُحِّح عليها، قال: وكان هذا بناء على أنَّ «تحته» فاعل «يتوقَّد»، ونصوص أهل العربيَّة تأباه، فقد صرَّحوا بأنَّ: فوق وتحت من الظُّروف المكانيَّة العادمة التَّصرُّف (٢). انتهى. وقال ابن مالكٍ: ويجوز أن يكون فاعل «يتوقَّد» موصولًا بـ «تحته» فحُذِفَ، وبقيت صلته دالَّةً عليه (٣) لوضوح المعنى، والتَّقدير: يتوقَّد الَّذي تحته أو ما تحته (٤) نارًا، وهو مذهب الكوفيِّين والأخفش، واستصوبه ابن مالكٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يتوقَّد تحته نارٌ» بالرَّفع على أنَّه فاعل «يتوقَّد» (فَإِذَا اقْتَرَبَ) بالموحَّدة آخره، من القرب، أي: إذا اقترب الوقود أو الحرُّ الدَّال عليه قوله: «يتوقَّد»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإذا أقترت» بهمزة قطعٍ (٥) فقافٍ فمثناتين فوقيَّتين، بينهما راءٌ،؛ من القَتَرة، أي: التهبت وارتفع نارها؛ لأنَّ القتر: الغبار، وفي رواية ابن السَّكن والقابسيِّ وعُبْدُوس: «فَتَرت» بفاءٍ ومثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحَتين، وتاءٍ ساكنةٍ، بينهما راءٌ؛ وهو الانكسار والضَّعف، واستُشكِلَ: لأنَّ بعده: «فإذا خمدت رجعوا» ومعنى الفتور والخمود واحدٌ، وعند الحميديِّ ممَّا عزاه له في «شرح المشارق»: «فإذا ارتقت» من الارتقاء؛ وهو الصُّعود، قال الطِّيبيُّ: وهو الصَّحيح درايةً وروايةً، كذا قال، وعند أحمد: «فإذا أوقدت» (ارْتَفَعُوا) جواب «إذا»، والضَّمير فيه يرجع إلى النَّاس لدلالة سياق الكلام عليه (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا) «أن» مصدريَّة، والخبر محذوفٌ، أي: كاد خروجهم يتحقَّق، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «كادوا يخرجون» (فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء والميم، أي: سكن لهبها، ولم يُطفَأ حرُّها (رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «ما هذا» (قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة: «فانطلقنا» ساقطةٌ عند أبي ذرٍّ (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (مِنْ دَمٍ)
وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فأتينا على (١) نهرٍ، حسبت أنَّه كان يقول: أحمر مثل الدَّم» (فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى) ولأبي الوقت: «وعلى» (وَسَْطِ النَّهَرِ رَجُلٌ) بفتح السِّين وسكونها، ولأبي ذَرٍّ: «قال يزيد» أي: ابن هارون ممَّا وصله أحمد عنه، ووهب بن جريرٍ ممَّا وصله أبو عَوانة في «صحيحه» من طريقه عن جرير بن حازمٍ: «وعلى شطِّ النَّهر رجلٌ» بشينٍ معجمةٍ وتشديد الطَّاء (بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي بين يديه الحجارة (بِحَجَرٍ فِي فِيهِ) أي: في (٢) فمه (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) فيه كما (٣) قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: وقوع خبر «جَعل» الَّتي هي من أفعال المقاربة، جملةٌ فعليَّةٌ مصدَّرةٌ بـ «كلَّما»، والأصل فيه أن يكون فعلًا مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا (٤)، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو مُنبِّهٌ على أصلٍ متروكٍ، وذلك أنَّ سائر أفعال المقاربة مثل «كان» في الدُّخول على مبتدأ وخبرٍ (٥)، فالأصل أن يكون خبرها كخبر «كان» في وقوعه مفردًا، وجملةً اسميَّةً وفعليَّةً، وظرفًا، فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثمَّ نبَّه على الأصل شذوذًا في مواضع (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة «فانطلقنا» ساقطة عند أبي ذرٍّ (حَتَّى انْتَهَيْنَا (٦) إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ) زاد في «التَّعبير»: «فيها من كلِّ لون الرَّبيع (وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ) وفي «التَّعبير: «فإذا بين ظهرَي الرَّوضة، رجلٌ طويلٌ، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السَّماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ»
(وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة، كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مَرآةً، وإذا عنده نارٌ يحشُّها ويسعى حولها» (فَصَعِدَا بِي) بالموحَّدة وكسر العين (فِي الشَّجَرَةِ) الَّتي هي في الرَّوضة الخضراء (وَأَدْخَلَانِي) بالنُّون (دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» بنونٍ آخره بدل الموحَّدة وتشديد السَّابقة (وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أي: من الدَّار (فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ) أيضًا (فَأَدْخَلَانِي) بالفاء، ولابن عساكر: «وأدخلاني» (دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) من الأولى (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» (فقُلْتُ) لهما: (طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ) بطاءٍ مفتوحةٍ وواوٍ مشدَّدةٍ ونونٍ قبل الياء، ولأبي الوقت: «طوَّفتما بي» بالموحَّدة بدل النُّون (فَأَخْبِرَانِي) بكسر الموحَّدة (عَمَّا رَأَيْتُ؟ قَالَا: نَعَمْ) نخبرك (أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ (١)) بضمِّ الياء وفتح الشِّين مبنيًّا للمفعول، و «شدقُه» بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعله (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَِذْبَةِ) بفتح الكاف، ويجوز كسرها، قال في «القاموس»: كذب يكذب كَذبًا وكِذبًا وكَذبةً وكِذبةً (٢) (فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بتخفيف ميم «تُحمَل»، والفاء في قوله: «فكذَّابٌ» جواب «أمَّا»، لكنَّ الأغلب في الموصول الَّذي تدخل (٣) الفاء في خبره أن يكون عامًّا مثل «مَنْ» الشَّرطيَّة، وصلته مستقبَلَةٌ، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضيةٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وكما في هذا الحديث؛ نحو: الذي يأتيني فمكرمٌ، فلو كان المقصود بـ «الذي» معيَّنًا؛ امتنع دخول الفاء على الخبر؛ كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود (٤) بها التَّعيين؛
نحو: زيدٌ فمكرمٌ، «فمكرمٌ» (١) لم يجز (٢)، فكذا لا يجوز «الذي يأتيني» إذا قصدتَ به معيَّنًا، لكنَّ «الَّذي يأتيني» عند قصد التَّعيين شبيهٌ في اللَّفظ بـ «الذي يأتيني» عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء؛ حملًا للشَّبيه على الشَّبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] فإنَّ مدلول: ﴿مَا﴾ معيَّن، ومدلول ﴿أَصَابَكُمْ﴾ ماضٍ، إلَّا أنَّه رُوعِي (٣) فيه الشَّبه اللَّفظيُّ، فشبَّه هذه الآيةَ بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فأجرى: «ما» في مصاحبة الفاء مجرى واحدٍ، قاله ابن مالكٍ، قال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: هذا كلامٌ متينٌ، لكنَّ جواب الملَكين تفصيلٌ لتلك الرُّؤيا المتعدِّدة (٤) المبهمة، فلا بدَّ من ذكر كلمة التَّفصيل؛ كما في البخاريِّ أو تقديرها، أي: فالفاء جوابُ «أمَّا» (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيتَ (٥) من شقِّ شدقه (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد (وَ) أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ) بضمِّ الياء وفتح الدَّال من «يُشدَخُ» مبنيًّا للمفعول، و «رأسُهُ» نائبٌ عن الفاعل (فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أي: أعرض عن تلاوته (وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ) ظاهره أنَّه يُعذَّب على ترك تلاوة القرآن (٦) باللَّيل، لكن يحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل (يُفْعَلُ بِهِ) ما رأيت من الشَّدخ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لأنَّ الإعراض عن القرآن بعد حفظه جنايةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلمَّا أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس (وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) بفتح المثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ (٧): «في النَّقب» (فَهُمُ الزُّنَاةُ) وإنَّما قُدِّر بقوله: وأمَّا الفريق؛ لأنَّه
قد يُستَشكَل الإخبار عن «الذي» بقوله: «هم الزُّناة»، لا سيَّما والعائد على «الَّذي» من قوله «والذي رأيته» لا يخفى كونه مفردًا، فرُوعِيَ اللَّفظ تارةً والمعنى أخرى، قاله في «المصابيح» (وَ) الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ) الكائن (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ وقُدِّر بالكائن؛ لأنَّ الظَّاهر كون الظَّرف؛ أعني: في الشَّجرة صفةٌ للشَّيخ، فيُقدَّر عامله اسمًا معرفًا لذلك (١) رعاية لجانب المعنى وإن كان المشهور (٢) تقديره فعلًا أو اسمًا منكرًا، لكنَّ ذلك إنَّما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التَّنكير والمقتضى (٣) هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولًا للشَّيخ؛ إذ لا معنى له أصلًا، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًّا حالًا من الشَّيخ؛ إذ الصَّحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ، قاله العلَّامة (٤) البدر الدَّمامينيُّ، وحذفت الفاء من قوله: «آكلوا الرِّبا»، ومن قوله: «إبراهيم»؛ نظرًا إلى أنَّ «أمَّا» لمَّا حُذِفَت، حُذِفَ مقتضاها (وَ) أمَّا (الصِّبْيَانُ) الكائنون (حَوْلَهُ) أي: إبراهيم (فَأَوْلَادُ النَّاسِ) دخلت الفاء على الخبر؛ لأنَّ الجملة معطوفةٌ على مدخول «أمَّا» في قوله: «أمَّا الرَّجل الَّذي رأيته يشقُّ شدقه» وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ النَّاس في قوله: «فأولاد النَّاس» عامٌّ يشمل المؤمنين وغيرهم، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وأمَّا الولدان حوله؛ فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»، وهذا ظاهر (٥) أنَّه ﵊ ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: «هم مع (٦) آبائهم» لأنَّ ذلك في (٧) حكم الدُّنيا (وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) فيها هي (٨) (دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) وهذا يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن
يكونوا أرفع درجةً من الخليل ﵊، لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنَّة أعلى من منازل الشُّهداء بلا ريب، كما أنَّ آدم ﵊ في السَّماء الدُّنيا؛ لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشَّرِّ، فيضحك ويبكي، مع أنَّ منزلته هو (١) في علِّيِّين، فإذا كان يوم القيامة؛ استقرَّ كلٌّ منهم في منزلته، واكتفى في دار الشَّهداء بذكر الشُّيوخ والشَّباب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الشَّهيد لا يكون امرأةً ولا صبيًّا (وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «مثل الرَّاية البيضاء» (قَالَا: ذَاكَ) ولأبي ذَرٍّ: «ذلك» (مَنْزِلُكَ) ولأبي ذر: «منزلتك» (٢) (قُلْتُ: دَعَانِي) أي: اتركاني (أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ) عمرك (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ).
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] بعون الله وقوَّته، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأبو رجاء مخضرَمٌ أدرك زمن النَّبيِّ ﷺ، وأسلم بعد فتح مكَّة، لكنَّه (٣) لا رؤية له، وأخرجه المؤلِّف هنا تامًّا، وكذا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] وأخرج (٤) في «الصَّلاة» قبل «الجمعة» [خ¦٨٤٥] وفي «التَّهجد» [خ¦١١٤٣] و «البيوع» [خ¦٢٠٨٥] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٣٦] و «الجهاد» [خ¦٢٧٩١] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٧٤] و «الأدب» [خ¦٦٠٩٦] أطرافًا منه، ومسلمٌ قطعة منه (٥).
(٩٤) (باب) فضل (مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وَفِيه: فضل تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: أَن من قدم خيرا وجده غَدا فِي الْقِيَامَة لقَوْله: (أتيت مَنْزِلك) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إقبال الإِمَام بعد سَلَامه على أَصْحَابه. وَفِيه: مبادرة الْمعبر إِلَى تَأْوِيلهَا أول النَّهَار قبل أَن يتشعب ذهنه باشتغاله فِي معاشه فِي الدُّنْيَا، وَلِأَن عهد الرَّائِي قريب وَلم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يشوشها، وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا مَا يسْتَحبّ تَعْجِيله: كالحث على خير والتحذير عَن مَعْصِيّة. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعلم. وَفِيه: أَن استدبار الْقبْلَة فِي جُلُوسه للْعلم أَو غَيره جَائِز.
٤٩ - (بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَوْت يَوْم الِاثْنَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ لأحد اخْتِيَار فِي تعْيين وَقت الْمَوْت، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: لَهُ مدْخل فِي التَّسَبُّب فِي حُصُوله بِأَن يرغب إِلَى الله لقصد التَّبَرُّك، فَإِن أُجِيب فَخير حصل وإلَاّ يُثَاب على اعْتِقَاده.
٧٨٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ قَالَ فأيُّ يَوْمٍ هاذا قالَتْ يَوْمُ الإثْنَيْنِ قَالَ أرْجُو فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ اللَّيْلِ فنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يْمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هاذا وَزِيدُوا علَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إنَّ هاذا خَلْقً. قَالَ إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ودُفِنَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَمن مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ يُرْجَى لَهُ الْخَيْر لموافقة يَوْم وَفَاته يَوْم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فظهرت لَهُ مزية على غَيره من الْأَيَّام بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إلَاّ وَقَاه الله تَعَالَى فتْنَة الْقَبْر) . قلت: هَذَا حَدِيث انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل لِأَن ربيعَة بن سيف يرويهِ عَن ابْن عمر، وَلَا يعرف لَهُ سَماع مِنْهُ، فَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ، فاقتصر على مَا وَافق شَرطه.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت على أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) تَعْنِي أَبَاهَا. قَوْله: (فِي كم كفنتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟) أَي: فِي كم ثوبا كفنتم، و: كم، الاستفهامية وَإِن كَانَ لَهَا صدر الْكَلَام، وَلَكِن الْجَار كالجزء لَهُ فَلَا يتصدر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعلمهم بِحَالهِ وأموره، فَمَا وَجه هَذَا السُّؤَال؟ قلت: هَذَا السُّؤَال من أبي بكر عَن كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالْجَوَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَا فِي مرض مَوته، وَكَانَ قَصده من ذَلِك مُوَافَقَته للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى فِي التَّكْفِين، وَكَانَ يَرْجُو أَيْضا أَن تكون وَفَاته فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذَلِكَ لشدَّة إتباعه إِيَّاه فِي حَيَاته، فَأَرَادَ اتِّبَاعه فِي مماته، وَحصل قَصده فِي التَّكْفِين، لِأَن عَائِشَة لما قَالَت: كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، أَشَارَ أَبُو بكر أَن يكون كَفنه أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، حَيْثُ قَالَ: إغسلوا ثوبي هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ثَوْبه الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ، وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ليصير ثَلَاثَة أَثوَاب، مثل كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما وَفَاته فقد تَأَخَّرت عَن وَقت وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَتُوفِّي أَبُو بكر لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَذَلِكَ كَانَ لحكمة فِي التَّأْخِير، وَهِي أَنه إِنَّمَا تَأَخّر عَن يَوْم الْإِثْنَيْنِ
لكَونه قَامَ بِالْأَمر بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنَاسَبَ أَن تكون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَن الْوَقْت الَّذِي قبض فِيهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لعَائِشَة للصبر على فَقده، لِأَنَّهُ لم تكن خرجت من قَلبهَا الحرقة، لمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو كَانَ ذكر ابْتِدَاء من أَمر مَوته لدخل عَلَيْهَا غم عَظِيم من ذَلِك، وتجديد حزن، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ غم على غم وحزن على حزن، وَلم يقْصد أَبُو بكر ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن قدر الْكَفَن على حَقِيقَته لِأَنَّهُ لم يحضر ذَلِك لاشتغاله بِأَمْر الْبيعَة. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لأَنا قد ذكرنَا أَن السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا فِي مرض موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الْمُوَافقَة والاتباع، وَأَيْنَ كَانَ وَقت اشْتِغَاله بِأَمْر الْبيعَة من هَذَا الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرِيضا مرض الْمَوْت، وَمن الْبعيد أَن لَا يحضر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تكفين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونه أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي كل شَيْء، وَمَعَ هَذَا كَانَت الْبيعَة فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، والتكفين كَانَ وَقت دَفنه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء. قَالَه ابْن إِسْحَاق. فَإِن قلت: قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت الْبيعَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ قلت: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم السَّقِيفَة، وَكَانَت الْبيعَة الْعَامَّة يَوْم الثُّلَاثَاء، قَالَه الزُّهْرِيّ وَغَيره. قَوْله: (بيض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: أَبيض. قَوْله: (سحُولِيَّة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى سحول، قَرْيَة بِالْيمن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، قَوْله: (وَقَالَ لَهَا) أَي: قَالَ أَبُو بكر لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَي يَوْم توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ بَعضهم: وَأما تعْيين الْيَوْم فنسيانه أَيْضا يحْتَمل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَيمكن أَن يحصل التَّرَدُّد: هَل مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو الثُّلَاثَاء؟ انْتهى قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَنَّهُ كَيفَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَقد بُويِعَ لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بيعَة السَّقِيفَة؟ وَأَيْضًا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ فِي مَوته، فَمن قَائِل، قَالَ: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمن قَائِل قَالَ: لم يمت وَمِنْهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى خطب أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، وَبَين لَهُم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأزال الْجِدَال وأزاح الْإِشْكَال. وَكَيف يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الْيَوْم مَعَ قرب الْعَهْد، وَإِنَّمَا كَانَ وَجه سُؤَاله ليعلمها أَنه كَانَ يتَمَنَّى أَن تكون وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَلم يكن سُؤَاله عَن حَقِيقَة ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يَوْم الِاثْنَيْنِ تطييبا لِقَلْبِهِ، لما قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَيَوْم الِاثْنَيْنِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (قَالَ فَأَي يَوْم هَذَا؟) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي يَوْم هَذَا؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْيَوْم الَّذِي كَانَ مَرِيضا فِيهِ، وَكَانَ آخر أَيَّامه، وَلم يكن مَوته فِيهِ لما ذكرنَا قَوْله: (قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ) ، بِرَفْع الْيَوْم لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا الْيَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ. قَوْله: (أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَبَين اللَّيْلَة) وَمَعْنَاهُ: أَرْجُو من الله تَعَالَى أَن يكون موتِي فِيمَا بَين الْوَقْت الَّذِي أَنا فِيهِ وَبَين اللَّيْل الَّذِي يَأْتِي، يَعْنِي يكون يَوْم الِاثْنَيْنِ ليَكُون مَوته فِي يَوْم موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَ هَذَا توفّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَقيل: توفّي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة و: الأول أصح، وَلَا خلاف أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَمرض لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا رَيْحَانَة كَانَت من سبي الْيَهُود وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ سيف بن عمر، إِسْنَاده عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ سَبَب مرض أبي بكر وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كمد فَمَا زَالَ جِسْمه يذوب حَتَّى مَاتَ. وَقيل: سم، فَقَالَ ابْن سعد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن شهَاب: إِن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: إرفع يدك يَا خَليفَة رَسُول الله، وَالله إِن فِيهَا السم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْتِهَاء السّنة، فماتا عِنْد انْقِضَائِهَا، وَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا. والخزيرة أَن يقطع اللَّحْم ويذر عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي سمته امْرَأَة من الْيَهُود فِي أرز، وَقيل: إِن الْيَهُود سمته فِي حسو. وَقيل: اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا وَتُوفِّي، حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن عَائِشَة. وَقيل: علق بِهِ سل قبل وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتله، حَكَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (ثمَّ نظر) ، أَي: أَبُو بكر، إِلَى ثوب عَلَيْهِ أَي
ثوب كَائِن على بدنه، قَوْله: (كَانَ يمرض فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، من مَرضت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ بالتعهد والمداواة، قَوْله: (بِهِ ردع) ، أَي: بِهَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ ردع، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ اللطخ والأثر، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من زعفران) ، للْبَيَان. قَوْله: (وزيدوا عَلَيْهِ) أَي: على هَذَا الثَّوْب. قَوْله: (فيهمَا) أَي: فِي الْمَزِيد والزيد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَت الرِّوَايَة: فِيهَا، فَالضَّمِير عَائِد إِلَى الأثواب الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: فيهمَا، يَعْنِي بالتثنية، فكأنهما جَعلهمَا جِنْسَيْنِ: الثَّوْب الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ جِنْسا، والثوبين الآخرين جِنْسا، فذكرهما بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فِيهَا بإفراد الضَّمِير. قَوْله: (قلت: إِن هَذَا خلق) أَي: قَالَت عَائِشَة: إِن هَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ خلق، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام، أَي: بَال، عَتيق، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد ابْن سعد: (أَلا تجعلها جددا كلهَا؟ قَالَ: لَا) . وَيفهم من هَذَا أَنه كَانَ يرى عدم المغالاة فِي الأكفان، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك: (إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد، إِنَّمَا هُوَ للمهلة) ، بِضَم الْمِيم وَهُوَ: الْقَيْح والصديد، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمهلة مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، أَي: الْجَدِيد لمن يرى المهلة فِي بَقَائِهِ، ويروى: المهلة، بِكَسْر الْمِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فَإِنَّمَا هما للمهل وَالتُّرَاب، ويروى: للمهلة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ: الْقَيْح والصديد الَّذِي يذوب. وَقيل: من الْجَسَد، وَمِنْه قيل للنحاس الذائب: مهل. وَقَالَ ابْن حبيب: المهلة، بِالْكَسْرِ: الصديد وَبِفَتْحِهَا من التمهل وَبِضَمِّهَا عكر الزَّيْت الْأسود المظلم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ} (المعارج: ٨) . وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّهَا صديد الْمَيِّت، زَعَمُوا أَن الْمهل ضرب من القطران، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سَرِيعا) . قَوْله: (لَا تغَالوا) ، من المغالاة وَهِي مُجَاوزَة الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا تبالغوا. قَوْله: (يسلب سَرِيعا) يَعْنِي: يسلب الْمَيِّت الْكَفَن، وَالْمعْنَى: يبْلى عَلَيْهِ وَيقطع وَلَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمَيِّت. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه مُسلم عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) . وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أُسَامَة وَأحمد بن منيع: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يبعثون فِي أكفانهم ويتزاورون فِي أكفانهم) . وَفِي رِوَايَة أبي نصر عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا، لِأَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ بالمغالاة فِي ثمنه ورقته، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كَونه جَدِيدا أَبيض، حَكَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سَلام بن أبي مُطِيع، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يُعجبهُ الْكَفَن الصفيق، وروى أَيْضا عَن جَعْفَر بن مَيْمُون، قَالَ: كَانُوا يستحبون أَن تكون الْمَرْأَة فِي غِلَاظ الثِّيَاب، وروى أَيْضا عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنه: كَانَ يعجبهما أَن يكون الْكَفَن كتانا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن الحنيفة. قَالَ: لَيْسَ للْمَيت من الْكَفَن شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ تكرمة الْحَيّ. وَقيل فِي الْجمع بَينهمَا: يحمل التحسين على الصّفة، وَتحمل المغالاة على الثّمن، وَقيل: التحسين حق الْمَيِّت فَإِذا أوصى بِتَرْكِهِ اتبع، كَمَا فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون اخْتَار ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه لِمَعْنى فِيهِ من التَّبَرُّك بِهِ، لكَونه كَانَ جَاهد فِيهِ أَو تعبد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، قَالَ أَبُو بكر: كفنوني فِي ثوبي اللَّذين كنت أُصَلِّي فيهمَا. قلت: يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن الثَّوْب الَّذِي اخْتَارَهُ كَانَ وصل إِلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك اخْتَارَهُ تبركا بِهِ، وَحقّ لَهُ هَذَا الِاخْتِيَار.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبيض. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تثليث الْكَفَن. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب المغسولة. وَفِيه: إِيثَار الْحَيّ بالجديد. وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْمُوَافقَة فِيمَا وَقع للأكابر تبركا بذلك. وَفِيه: أَخذ الْمَرْء الْعلم عَمَّن دونه. وَفِيه: فضل أبي بكر وَصِحَّة فراسته وثباته عِنْد وَفَاته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن وَصِيَّة الْمَيِّت مُعْتَبرَة فِي كَفنه وَغير ذَلِك من أمره إِذا وَافق صَوَابا، فَإِن أوصى بسرف، فَعَن مَالك: يُكفن بِالْقَصْدِ، فَإِن لم يوص لم ينقص عَن ثَلَاثَة أَثوَاب من جنس لِبَاسه فِي حَيَاته، لِأَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَالنَّقْص مِنْهَا خُرُوج بِهِ عَن عَادَته، وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّكْفِين فِي خلق الثِّيَاب إِذا كَانَت سَالِمَة من الْقطع وساترة لَهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ: أَن التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد والخلق سَوَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال أَن يكون أَبُو بكر اخْتَارَهُ لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك فَلَا دَلِيل فِيهِ على الْمُسَاوَاة. وَالله أعلم.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَنْشَأُ مَثَلًا، وَقَدْ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ بِلَفْظِ: لَيْسَتْ نَسَمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبِينَ عَنْهَا لِسَانُهَا. الْحَدِيثَ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ. وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْخَضْرَاوِيُّ لَمْ أَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا، إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ: حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ. ثُمَّ وَجَدْتُ أَبَا نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ فِي بَنِي آدَمَ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ. الْحَدِيثَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ بِلَفْظِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ. الْحَدِيثَ.
٩٣ - بَاب
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا.
لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: كلوب من حديد يدخله فِي شِدْقِهِ - حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ: صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ؛ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رجل بين يديه حجارة - قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ - فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا
بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ؛ أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم والمدِّ، عمران بن تيمٍ، العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» وفي رواية يزيد بن هارون: إذا صلَّى صلاة الغداة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) مقصورٌ غير منصرفٍ، ويُكتَب بالألف كراهة اجتماع مِثْلين (قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) رؤيا (قَصَّهَا) عليه (فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله، فَسَأَلَنَا يَوْمًا) بفتح اللَّام، جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعول، و «يومًا» نصبٌ على الظَّرفيَّة (١) (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) بالنَّصب (رَجُلَيْنِ) قال الطِّيبيُّ: وجه الاستدراك أنَّه كان يحبُّ أن يعبِّر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا: ما رأينا، كأنَّه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكنِّي رأيت رجلين، وفي حديث عليٍّ عند ابن أبي حاتمٍ (٢): «رأيت ملَكين» (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) وللمُستملي: «إلى أرضٍ مقدَّسةٍ» وعند أحمد: «إلى أرضٍ فضاءٍ، أو أرض مستوية»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ) بالرَّفع، ويجوز النَّصب (٣) (وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ) شيءٌ، فسَّره المؤلِّف بقوله: (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أبهمه لنسيانٍ أو غيره، وليس بقادحٍ؛ لأنَّه لا يروي إلَّا عن ثقةٍ مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف المراد بالبعض المبهَم، إلَّا أنَّ الطَّبرانيَّ
أخرجه في «المعجم الكبير» عن العبَّاس بن الفضل الأسقاطيِّ (١) (عَنْ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيِّ: (كَلُّوبٌ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام (مِنْ حَدِيدٍ) له شعبٌ يعلَّق بها اللَّحم، و «مِنْ» للبيان (يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الدَّال المهملة، أي: يدخل الرَّجل القائم الكَلُّوب في جانب فم الرَّجل الجالس، وهذا سياق رواية أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو سياقٌ مستقيمٌ، ولغيره: «ورجلٌ قائمٌ بيده كلُّوبٌ من حديدٍ، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنَّه» أي: ذلك الرَّجل «يدخل ذلك الكلُّوبَ» نصبٌ على المفعوليَّة «في شدقه» (حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ) بالموحَّدة وضمِّ اللَّام، وفي «التَّعبير»: «فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه» [خ¦٧٠٤٧] أي: يقطعه شقًّا، وفي حديث عليٍّ: «فإذا أنا بملكٍ، وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك كلُّوبٌ من حديدٍ، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقُّه» (ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ) بفتح الخاء المعجمة (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فعل بشدقه الأوَّل (وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ (٢) هَذَا فَيَعُودُ (٣)) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فما يفرغ من ذلك الجانب، حتَّى يصحَّ (٤) الجانب كما كان» فيعود ذلك الرَّجل (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) قال ﵊: (قُلْتُ) للملَكين: (مَا هَذَا؟) أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وللمُستملي: «من هذا؟» أي: من هذا (٥) الرَّجل؟ (قَالَا) أي: الملكان: (انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجرٌ ملء الكفِّ، والجملة حاليَّةٌ (أَوْ صَخْرَةٍ) على الشَّكِّ، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرةٍ» من غير شكٍّ (فَيَشْدَخُ بِهِ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الدَّال المهملة وبالخاء المعجمة من الشَّدخ؛ وهو كسر الشَّيء الأجوف،
والضَّمير للفهر، ولأبي ذَرٍّ: «بها» (رَأْسَهُ) وفي «التَّعبير»: «وإذا هو يهوي بالصَّخرة لرأسه فيَثْلَغ رأسه» بفتح الياء وسكون المثلَّثة وفتح اللَّام وبالغين المعجمة (١)، أي: يشدخ رأسه (فَإِذَا ضَرَبَهُ؛ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ) بفتح الدَّالين المهملتين، بينهما هاءٌ ساكنةٌ، على وزن: تَفَعْلَلَ من مزيد الرُّباعيِّ، أي: تدحرج، وفي حديث عليٍّ: «فمررت على ملَكٍ وأمامه آدميٌّ، وبيد الملَك صخرةٌ يضرب بها هامة الآدميِّ، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصَّخرة جانبًا» (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجر (لِيَأْخُذَهُ) فيصنع به كما صنع (فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) الَّذي شدخ رأسه (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «حتَّى يصحَّ رأسه» (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ) بفتح المثلَّثة وسكون القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نَقْب» بالنُّون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في «المطالع» للأَصيليِّ، لكنَّه قال: بالنُّون وفتح القاف، قال: وهو بمعنى: «ثَقْب» بالمثلَّثة (مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ النُّون المشدَّدتين، آخره راءٌ: ما يُخبَز فيه (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ) بفتح الياء (٢) (تَحْتَهُ) بنصب التَّاء الثَّانية، أي: تحت التَّنُّور (نَارًا) بالنَّصب على التَّمييز، وأسند «يتوقَّد» إلى ضميرٍ عائدٍ إلى (٣) «الثَّقب»؛ كقولك (٤): مررت بامرأةٍ تتضوَّع (٥) من أَرْدانها طيبًا، أي: يتضوَّع طيبها من أردانها، فكأنَّه قال: يتوقَّد ناره تحته، قاله (٦) ابن مالكٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: وهو صريحٌ في أنَّ «تحته» منصوبٌ لا مرفوعٌ،
وقال: إنَّه رآه (١) في نسخةٍ بضمِّ التَّاء الثَّانية، وصُحِّح عليها، قال: وكان هذا بناء على أنَّ «تحته» فاعل «يتوقَّد»، ونصوص أهل العربيَّة تأباه، فقد صرَّحوا بأنَّ: فوق وتحت من الظُّروف المكانيَّة العادمة التَّصرُّف (٢). انتهى. وقال ابن مالكٍ: ويجوز أن يكون فاعل «يتوقَّد» موصولًا بـ «تحته» فحُذِفَ، وبقيت صلته دالَّةً عليه (٣) لوضوح المعنى، والتَّقدير: يتوقَّد الَّذي تحته أو ما تحته (٤) نارًا، وهو مذهب الكوفيِّين والأخفش، واستصوبه ابن مالكٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يتوقَّد تحته نارٌ» بالرَّفع على أنَّه فاعل «يتوقَّد» (فَإِذَا اقْتَرَبَ) بالموحَّدة آخره، من القرب، أي: إذا اقترب الوقود أو الحرُّ الدَّال عليه قوله: «يتوقَّد»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإذا أقترت» بهمزة قطعٍ (٥) فقافٍ فمثناتين فوقيَّتين، بينهما راءٌ،؛ من القَتَرة، أي: التهبت وارتفع نارها؛ لأنَّ القتر: الغبار، وفي رواية ابن السَّكن والقابسيِّ وعُبْدُوس: «فَتَرت» بفاءٍ ومثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحَتين، وتاءٍ ساكنةٍ، بينهما راءٌ؛ وهو الانكسار والضَّعف، واستُشكِلَ: لأنَّ بعده: «فإذا خمدت رجعوا» ومعنى الفتور والخمود واحدٌ، وعند الحميديِّ ممَّا عزاه له في «شرح المشارق»: «فإذا ارتقت» من الارتقاء؛ وهو الصُّعود، قال الطِّيبيُّ: وهو الصَّحيح درايةً وروايةً، كذا قال، وعند أحمد: «فإذا أوقدت» (ارْتَفَعُوا) جواب «إذا»، والضَّمير فيه يرجع إلى النَّاس لدلالة سياق الكلام عليه (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا) «أن» مصدريَّة، والخبر محذوفٌ، أي: كاد خروجهم يتحقَّق، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «كادوا يخرجون» (فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء والميم، أي: سكن لهبها، ولم يُطفَأ حرُّها (رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «ما هذا» (قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة: «فانطلقنا» ساقطةٌ عند أبي ذرٍّ (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (مِنْ دَمٍ)
وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فأتينا على (١) نهرٍ، حسبت أنَّه كان يقول: أحمر مثل الدَّم» (فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى) ولأبي الوقت: «وعلى» (وَسَْطِ النَّهَرِ رَجُلٌ) بفتح السِّين وسكونها، ولأبي ذَرٍّ: «قال يزيد» أي: ابن هارون ممَّا وصله أحمد عنه، ووهب بن جريرٍ ممَّا وصله أبو عَوانة في «صحيحه» من طريقه عن جرير بن حازمٍ: «وعلى شطِّ النَّهر رجلٌ» بشينٍ معجمةٍ وتشديد الطَّاء (بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي بين يديه الحجارة (بِحَجَرٍ فِي فِيهِ) أي: في (٢) فمه (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) فيه كما (٣) قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: وقوع خبر «جَعل» الَّتي هي من أفعال المقاربة، جملةٌ فعليَّةٌ مصدَّرةٌ بـ «كلَّما»، والأصل فيه أن يكون فعلًا مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا (٤)، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو مُنبِّهٌ على أصلٍ متروكٍ، وذلك أنَّ سائر أفعال المقاربة مثل «كان» في الدُّخول على مبتدأ وخبرٍ (٥)، فالأصل أن يكون خبرها كخبر «كان» في وقوعه مفردًا، وجملةً اسميَّةً وفعليَّةً، وظرفًا، فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثمَّ نبَّه على الأصل شذوذًا في مواضع (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة «فانطلقنا» ساقطة عند أبي ذرٍّ (حَتَّى انْتَهَيْنَا (٦) إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ) زاد في «التَّعبير»: «فيها من كلِّ لون الرَّبيع (وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ) وفي «التَّعبير: «فإذا بين ظهرَي الرَّوضة، رجلٌ طويلٌ، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السَّماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ»
(وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة، كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مَرآةً، وإذا عنده نارٌ يحشُّها ويسعى حولها» (فَصَعِدَا بِي) بالموحَّدة وكسر العين (فِي الشَّجَرَةِ) الَّتي هي في الرَّوضة الخضراء (وَأَدْخَلَانِي) بالنُّون (دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» بنونٍ آخره بدل الموحَّدة وتشديد السَّابقة (وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أي: من الدَّار (فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ) أيضًا (فَأَدْخَلَانِي) بالفاء، ولابن عساكر: «وأدخلاني» (دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) من الأولى (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» (فقُلْتُ) لهما: (طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ) بطاءٍ مفتوحةٍ وواوٍ مشدَّدةٍ ونونٍ قبل الياء، ولأبي الوقت: «طوَّفتما بي» بالموحَّدة بدل النُّون (فَأَخْبِرَانِي) بكسر الموحَّدة (عَمَّا رَأَيْتُ؟ قَالَا: نَعَمْ) نخبرك (أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ (١)) بضمِّ الياء وفتح الشِّين مبنيًّا للمفعول، و «شدقُه» بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعله (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَِذْبَةِ) بفتح الكاف، ويجوز كسرها، قال في «القاموس»: كذب يكذب كَذبًا وكِذبًا وكَذبةً وكِذبةً (٢) (فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بتخفيف ميم «تُحمَل»، والفاء في قوله: «فكذَّابٌ» جواب «أمَّا»، لكنَّ الأغلب في الموصول الَّذي تدخل (٣) الفاء في خبره أن يكون عامًّا مثل «مَنْ» الشَّرطيَّة، وصلته مستقبَلَةٌ، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضيةٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وكما في هذا الحديث؛ نحو: الذي يأتيني فمكرمٌ، فلو كان المقصود بـ «الذي» معيَّنًا؛ امتنع دخول الفاء على الخبر؛ كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود (٤) بها التَّعيين؛
نحو: زيدٌ فمكرمٌ، «فمكرمٌ» (١) لم يجز (٢)، فكذا لا يجوز «الذي يأتيني» إذا قصدتَ به معيَّنًا، لكنَّ «الَّذي يأتيني» عند قصد التَّعيين شبيهٌ في اللَّفظ بـ «الذي يأتيني» عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء؛ حملًا للشَّبيه على الشَّبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] فإنَّ مدلول: ﴿مَا﴾ معيَّن، ومدلول ﴿أَصَابَكُمْ﴾ ماضٍ، إلَّا أنَّه رُوعِي (٣) فيه الشَّبه اللَّفظيُّ، فشبَّه هذه الآيةَ بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فأجرى: «ما» في مصاحبة الفاء مجرى واحدٍ، قاله ابن مالكٍ، قال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: هذا كلامٌ متينٌ، لكنَّ جواب الملَكين تفصيلٌ لتلك الرُّؤيا المتعدِّدة (٤) المبهمة، فلا بدَّ من ذكر كلمة التَّفصيل؛ كما في البخاريِّ أو تقديرها، أي: فالفاء جوابُ «أمَّا» (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيتَ (٥) من شقِّ شدقه (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد (وَ) أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ) بضمِّ الياء وفتح الدَّال من «يُشدَخُ» مبنيًّا للمفعول، و «رأسُهُ» نائبٌ عن الفاعل (فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أي: أعرض عن تلاوته (وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ) ظاهره أنَّه يُعذَّب على ترك تلاوة القرآن (٦) باللَّيل، لكن يحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل (يُفْعَلُ بِهِ) ما رأيت من الشَّدخ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لأنَّ الإعراض عن القرآن بعد حفظه جنايةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلمَّا أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس (وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) بفتح المثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ (٧): «في النَّقب» (فَهُمُ الزُّنَاةُ) وإنَّما قُدِّر بقوله: وأمَّا الفريق؛ لأنَّه
قد يُستَشكَل الإخبار عن «الذي» بقوله: «هم الزُّناة»، لا سيَّما والعائد على «الَّذي» من قوله «والذي رأيته» لا يخفى كونه مفردًا، فرُوعِيَ اللَّفظ تارةً والمعنى أخرى، قاله في «المصابيح» (وَ) الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ) الكائن (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ وقُدِّر بالكائن؛ لأنَّ الظَّاهر كون الظَّرف؛ أعني: في الشَّجرة صفةٌ للشَّيخ، فيُقدَّر عامله اسمًا معرفًا لذلك (١) رعاية لجانب المعنى وإن كان المشهور (٢) تقديره فعلًا أو اسمًا منكرًا، لكنَّ ذلك إنَّما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التَّنكير والمقتضى (٣) هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولًا للشَّيخ؛ إذ لا معنى له أصلًا، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًّا حالًا من الشَّيخ؛ إذ الصَّحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ، قاله العلَّامة (٤) البدر الدَّمامينيُّ، وحذفت الفاء من قوله: «آكلوا الرِّبا»، ومن قوله: «إبراهيم»؛ نظرًا إلى أنَّ «أمَّا» لمَّا حُذِفَت، حُذِفَ مقتضاها (وَ) أمَّا (الصِّبْيَانُ) الكائنون (حَوْلَهُ) أي: إبراهيم (فَأَوْلَادُ النَّاسِ) دخلت الفاء على الخبر؛ لأنَّ الجملة معطوفةٌ على مدخول «أمَّا» في قوله: «أمَّا الرَّجل الَّذي رأيته يشقُّ شدقه» وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ النَّاس في قوله: «فأولاد النَّاس» عامٌّ يشمل المؤمنين وغيرهم، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وأمَّا الولدان حوله؛ فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»، وهذا ظاهر (٥) أنَّه ﵊ ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: «هم مع (٦) آبائهم» لأنَّ ذلك في (٧) حكم الدُّنيا (وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) فيها هي (٨) (دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) وهذا يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن
يكونوا أرفع درجةً من الخليل ﵊، لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنَّة أعلى من منازل الشُّهداء بلا ريب، كما أنَّ آدم ﵊ في السَّماء الدُّنيا؛ لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشَّرِّ، فيضحك ويبكي، مع أنَّ منزلته هو (١) في علِّيِّين، فإذا كان يوم القيامة؛ استقرَّ كلٌّ منهم في منزلته، واكتفى في دار الشَّهداء بذكر الشُّيوخ والشَّباب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الشَّهيد لا يكون امرأةً ولا صبيًّا (وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «مثل الرَّاية البيضاء» (قَالَا: ذَاكَ) ولأبي ذَرٍّ: «ذلك» (مَنْزِلُكَ) ولأبي ذر: «منزلتك» (٢) (قُلْتُ: دَعَانِي) أي: اتركاني (أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ) عمرك (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ).
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] بعون الله وقوَّته، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأبو رجاء مخضرَمٌ أدرك زمن النَّبيِّ ﷺ، وأسلم بعد فتح مكَّة، لكنَّه (٣) لا رؤية له، وأخرجه المؤلِّف هنا تامًّا، وكذا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] وأخرج (٤) في «الصَّلاة» قبل «الجمعة» [خ¦٨٤٥] وفي «التَّهجد» [خ¦١١٤٣] و «البيوع» [خ¦٢٠٨٥] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٣٦] و «الجهاد» [خ¦٢٧٩١] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٧٤] و «الأدب» [خ¦٦٠٩٦] أطرافًا منه، ومسلمٌ قطعة منه (٥).
(٩٤) (باب) فضل (مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وَفِيه: فضل تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: أَن من قدم خيرا وجده غَدا فِي الْقِيَامَة لقَوْله: (أتيت مَنْزِلك) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إقبال الإِمَام بعد سَلَامه على أَصْحَابه. وَفِيه: مبادرة الْمعبر إِلَى تَأْوِيلهَا أول النَّهَار قبل أَن يتشعب ذهنه باشتغاله فِي معاشه فِي الدُّنْيَا، وَلِأَن عهد الرَّائِي قريب وَلم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يشوشها، وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا مَا يسْتَحبّ تَعْجِيله: كالحث على خير والتحذير عَن مَعْصِيّة. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعلم. وَفِيه: أَن استدبار الْقبْلَة فِي جُلُوسه للْعلم أَو غَيره جَائِز.
٤٩ - (بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَوْت يَوْم الِاثْنَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ لأحد اخْتِيَار فِي تعْيين وَقت الْمَوْت، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: لَهُ مدْخل فِي التَّسَبُّب فِي حُصُوله بِأَن يرغب إِلَى الله لقصد التَّبَرُّك، فَإِن أُجِيب فَخير حصل وإلَاّ يُثَاب على اعْتِقَاده.
٧٨٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ قَالَ فأيُّ يَوْمٍ هاذا قالَتْ يَوْمُ الإثْنَيْنِ قَالَ أرْجُو فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ اللَّيْلِ فنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يْمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هاذا وَزِيدُوا علَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إنَّ هاذا خَلْقً. قَالَ إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ودُفِنَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَمن مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ يُرْجَى لَهُ الْخَيْر لموافقة يَوْم وَفَاته يَوْم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فظهرت لَهُ مزية على غَيره من الْأَيَّام بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إلَاّ وَقَاه الله تَعَالَى فتْنَة الْقَبْر) . قلت: هَذَا حَدِيث انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل لِأَن ربيعَة بن سيف يرويهِ عَن ابْن عمر، وَلَا يعرف لَهُ سَماع مِنْهُ، فَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ، فاقتصر على مَا وَافق شَرطه.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت على أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) تَعْنِي أَبَاهَا. قَوْله: (فِي كم كفنتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟) أَي: فِي كم ثوبا كفنتم، و: كم، الاستفهامية وَإِن كَانَ لَهَا صدر الْكَلَام، وَلَكِن الْجَار كالجزء لَهُ فَلَا يتصدر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعلمهم بِحَالهِ وأموره، فَمَا وَجه هَذَا السُّؤَال؟ قلت: هَذَا السُّؤَال من أبي بكر عَن كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالْجَوَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَا فِي مرض مَوته، وَكَانَ قَصده من ذَلِك مُوَافَقَته للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى فِي التَّكْفِين، وَكَانَ يَرْجُو أَيْضا أَن تكون وَفَاته فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذَلِكَ لشدَّة إتباعه إِيَّاه فِي حَيَاته، فَأَرَادَ اتِّبَاعه فِي مماته، وَحصل قَصده فِي التَّكْفِين، لِأَن عَائِشَة لما قَالَت: كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، أَشَارَ أَبُو بكر أَن يكون كَفنه أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، حَيْثُ قَالَ: إغسلوا ثوبي هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ثَوْبه الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ، وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ليصير ثَلَاثَة أَثوَاب، مثل كفن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما وَفَاته فقد تَأَخَّرت عَن وَقت وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَتُوفِّي أَبُو بكر لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَذَلِكَ كَانَ لحكمة فِي التَّأْخِير، وَهِي أَنه إِنَّمَا تَأَخّر عَن يَوْم الْإِثْنَيْنِ
لكَونه قَامَ بِالْأَمر بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنَاسَبَ أَن تكون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَن الْوَقْت الَّذِي قبض فِيهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لعَائِشَة للصبر على فَقده، لِأَنَّهُ لم تكن خرجت من قَلبهَا الحرقة، لمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو كَانَ ذكر ابْتِدَاء من أَمر مَوته لدخل عَلَيْهَا غم عَظِيم من ذَلِك، وتجديد حزن، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ غم على غم وحزن على حزن، وَلم يقْصد أَبُو بكر ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن قدر الْكَفَن على حَقِيقَته لِأَنَّهُ لم يحضر ذَلِك لاشتغاله بِأَمْر الْبيعَة. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لأَنا قد ذكرنَا أَن السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا فِي مرض موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الْمُوَافقَة والاتباع، وَأَيْنَ كَانَ وَقت اشْتِغَاله بِأَمْر الْبيعَة من هَذَا الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرِيضا مرض الْمَوْت، وَمن الْبعيد أَن لَا يحضر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تكفين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونه أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي كل شَيْء، وَمَعَ هَذَا كَانَت الْبيعَة فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، والتكفين كَانَ وَقت دَفنه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء. قَالَه ابْن إِسْحَاق. فَإِن قلت: قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت الْبيعَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ قلت: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم السَّقِيفَة، وَكَانَت الْبيعَة الْعَامَّة يَوْم الثُّلَاثَاء، قَالَه الزُّهْرِيّ وَغَيره. قَوْله: (بيض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: أَبيض. قَوْله: (سحُولِيَّة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى سحول، قَرْيَة بِالْيمن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، قَوْله: (وَقَالَ لَهَا) أَي: قَالَ أَبُو بكر لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَي يَوْم توفّي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ بَعضهم: وَأما تعْيين الْيَوْم فنسيانه أَيْضا يحْتَمل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَيمكن أَن يحصل التَّرَدُّد: هَل مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو الثُّلَاثَاء؟ انْتهى قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَنَّهُ كَيفَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَقد بُويِعَ لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بيعَة السَّقِيفَة؟ وَأَيْضًا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ فِي مَوته، فَمن قَائِل، قَالَ: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمن قَائِل قَالَ: لم يمت وَمِنْهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى خطب أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، وَبَين لَهُم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأزال الْجِدَال وأزاح الْإِشْكَال. وَكَيف يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الْيَوْم مَعَ قرب الْعَهْد، وَإِنَّمَا كَانَ وَجه سُؤَاله ليعلمها أَنه كَانَ يتَمَنَّى أَن تكون وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَلم يكن سُؤَاله عَن حَقِيقَة ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يَوْم الِاثْنَيْنِ تطييبا لِقَلْبِهِ، لما قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَيَوْم الِاثْنَيْنِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (قَالَ فَأَي يَوْم هَذَا؟) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي يَوْم هَذَا؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْيَوْم الَّذِي كَانَ مَرِيضا فِيهِ، وَكَانَ آخر أَيَّامه، وَلم يكن مَوته فِيهِ لما ذكرنَا قَوْله: (قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ) ، بِرَفْع الْيَوْم لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا الْيَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ. قَوْله: (أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَبَين اللَّيْلَة) وَمَعْنَاهُ: أَرْجُو من الله تَعَالَى أَن يكون موتِي فِيمَا بَين الْوَقْت الَّذِي أَنا فِيهِ وَبَين اللَّيْل الَّذِي يَأْتِي، يَعْنِي يكون يَوْم الِاثْنَيْنِ ليَكُون مَوته فِي يَوْم موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَ هَذَا توفّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَقيل: توفّي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة و: الأول أصح، وَلَا خلاف أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَمرض لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا رَيْحَانَة كَانَت من سبي الْيَهُود وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ سيف بن عمر، إِسْنَاده عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ سَبَب مرض أبي بكر وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كمد فَمَا زَالَ جِسْمه يذوب حَتَّى مَاتَ. وَقيل: سم، فَقَالَ ابْن سعد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن شهَاب: إِن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: إرفع يدك يَا خَليفَة رَسُول الله، وَالله إِن فِيهَا السم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْتِهَاء السّنة، فماتا عِنْد انْقِضَائِهَا، وَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا. والخزيرة أَن يقطع اللَّحْم ويذر عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي سمته امْرَأَة من الْيَهُود فِي أرز، وَقيل: إِن الْيَهُود سمته فِي حسو. وَقيل: اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا وَتُوفِّي، حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن عَائِشَة. وَقيل: علق بِهِ سل قبل وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتله، حَكَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (ثمَّ نظر) ، أَي: أَبُو بكر، إِلَى ثوب عَلَيْهِ أَي
ثوب كَائِن على بدنه، قَوْله: (كَانَ يمرض فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، من مَرضت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ بالتعهد والمداواة، قَوْله: (بِهِ ردع) ، أَي: بِهَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ ردع، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ اللطخ والأثر، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من زعفران) ، للْبَيَان. قَوْله: (وزيدوا عَلَيْهِ) أَي: على هَذَا الثَّوْب. قَوْله: (فيهمَا) أَي: فِي الْمَزِيد والزيد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَت الرِّوَايَة: فِيهَا، فَالضَّمِير عَائِد إِلَى الأثواب الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: فيهمَا، يَعْنِي بالتثنية، فكأنهما جَعلهمَا جِنْسَيْنِ: الثَّوْب الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ جِنْسا، والثوبين الآخرين جِنْسا، فذكرهما بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فِيهَا بإفراد الضَّمِير. قَوْله: (قلت: إِن هَذَا خلق) أَي: قَالَت عَائِشَة: إِن هَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ خلق، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام، أَي: بَال، عَتيق، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد ابْن سعد: (أَلا تجعلها جددا كلهَا؟ قَالَ: لَا) . وَيفهم من هَذَا أَنه كَانَ يرى عدم المغالاة فِي الأكفان، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك: (إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد، إِنَّمَا هُوَ للمهلة) ، بِضَم الْمِيم وَهُوَ: الْقَيْح والصديد، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمهلة مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، أَي: الْجَدِيد لمن يرى المهلة فِي بَقَائِهِ، ويروى: المهلة، بِكَسْر الْمِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فَإِنَّمَا هما للمهل وَالتُّرَاب، ويروى: للمهلة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ: الْقَيْح والصديد الَّذِي يذوب. وَقيل: من الْجَسَد، وَمِنْه قيل للنحاس الذائب: مهل. وَقَالَ ابْن حبيب: المهلة، بِالْكَسْرِ: الصديد وَبِفَتْحِهَا من التمهل وَبِضَمِّهَا عكر الزَّيْت الْأسود المظلم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ} (المعارج: ٨) . وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّهَا صديد الْمَيِّت، زَعَمُوا أَن الْمهل ضرب من القطران، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سَرِيعا) . قَوْله: (لَا تغَالوا) ، من المغالاة وَهِي مُجَاوزَة الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا تبالغوا. قَوْله: (يسلب سَرِيعا) يَعْنِي: يسلب الْمَيِّت الْكَفَن، وَالْمعْنَى: يبْلى عَلَيْهِ وَيقطع وَلَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمَيِّت. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه مُسلم عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) . وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أُسَامَة وَأحمد بن منيع: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يبعثون فِي أكفانهم ويتزاورون فِي أكفانهم) . وَفِي رِوَايَة أبي نصر عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا، لِأَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ بالمغالاة فِي ثمنه ورقته، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كَونه جَدِيدا أَبيض، حَكَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سَلام بن أبي مُطِيع، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يُعجبهُ الْكَفَن الصفيق، وروى أَيْضا عَن جَعْفَر بن مَيْمُون، قَالَ: كَانُوا يستحبون أَن تكون الْمَرْأَة فِي غِلَاظ الثِّيَاب، وروى أَيْضا عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنه: كَانَ يعجبهما أَن يكون الْكَفَن كتانا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن الحنيفة. قَالَ: لَيْسَ للْمَيت من الْكَفَن شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ تكرمة الْحَيّ. وَقيل فِي الْجمع بَينهمَا: يحمل التحسين على الصّفة، وَتحمل المغالاة على الثّمن، وَقيل: التحسين حق الْمَيِّت فَإِذا أوصى بِتَرْكِهِ اتبع، كَمَا فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون اخْتَار ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه لِمَعْنى فِيهِ من التَّبَرُّك بِهِ، لكَونه كَانَ جَاهد فِيهِ أَو تعبد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، قَالَ أَبُو بكر: كفنوني فِي ثوبي اللَّذين كنت أُصَلِّي فيهمَا. قلت: يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن الثَّوْب الَّذِي اخْتَارَهُ كَانَ وصل إِلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك اخْتَارَهُ تبركا بِهِ، وَحقّ لَهُ هَذَا الِاخْتِيَار.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبيض. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تثليث الْكَفَن. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب المغسولة. وَفِيه: إِيثَار الْحَيّ بالجديد. وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْمُوَافقَة فِيمَا وَقع للأكابر تبركا بذلك. وَفِيه: أَخذ الْمَرْء الْعلم عَمَّن دونه. وَفِيه: فضل أبي بكر وَصِحَّة فراسته وثباته عِنْد وَفَاته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن وَصِيَّة الْمَيِّت مُعْتَبرَة فِي كَفنه وَغير ذَلِك من أمره إِذا وَافق صَوَابا، فَإِن أوصى بسرف، فَعَن مَالك: يُكفن بِالْقَصْدِ، فَإِن لم يوص لم ينقص عَن ثَلَاثَة أَثوَاب من جنس لِبَاسه فِي حَيَاته، لِأَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَالنَّقْص مِنْهَا خُرُوج بِهِ عَن عَادَته، وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّكْفِين فِي خلق الثِّيَاب إِذا كَانَت سَالِمَة من الْقطع وساترة لَهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ: أَن التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد والخلق سَوَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال أَن يكون أَبُو بكر اخْتَارَهُ لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك فَلَا دَلِيل فِيهِ على الْمُسَاوَاة. وَالله أعلم.