الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٦
الحديث رقم ١٦٦ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٤٥⦘
لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ:
أخبر شقيق بن سلمة رحمه الله أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يعظهم كل خميس، فقال له رجل: إننا لنحب أن تعظنا كل يوم، فقال: إن الذي يمنعني من ذلك كراهية أن أوقعكم في الملل والضجر، وإني أتعهدكم بالموعظة وأتفقد حال احتياجكم إليها كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا، خشية أن يوقعنا في الملالة، إذ لا تأثير للموعظة عند الملالة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) إمام الأئمَّة (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بالجيم والتَّصغير فيهما، المدنيُّ الثِّقة (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: أربع خصالٍ (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) وفي رواية أبي الوقت: «من أصحابنا» والمُراد: أصحاب الرَّسول ﷺ (يَصْنَعُهَا) مجتمعةً وإن كان يصنع بعضها، أوِ المُراد: الأكثر منهم، فـ (قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ) تغليبًا، وإلَّا فالذي فيه الحجر الأسود عراقيٌّ لأنَّه إلى جهته، ولم يقعِ التَّغليب باعتبار الأسود خوف الاشتباه على جاهلٍ، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ﵊، ومن ثمَّ خُصَّا أخيرًا بالاستلام، وعلى هذا لو بُنِيَ البيت على قواعد إبراهيم ﵊ الآن استُلِمَت كلُّها اقتداءً به؛ ولذا لمَّا ردَّهما ابن الزُّبير على القواعد استلمهما، وقد صحَّ استلامهما (١) أيضًا (٢) عن معاوية، ورُوِيَ عنِ الحَسن والحُسين ﵄، وظاهر ما في الحديث هنا: انفراد ابن عمر ﵄ باستلام اليمانيَّين دون غيره (٣) ممَّن رآهم عُبَيْدٌ، وأنَّ سائرهم كان يستلم الأربعة، ثمَّ قال ابن جريجٍ لابن عمرَ ﵄: (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة (النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ) بكسر المُهمَلَة وسكون المُوحَّدَة آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: التي لا شعر عليها، من السِّبت وهو الحلق، وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي، أو هي التي عليها الشَّعر، أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، والسُّبت بالضَّمِّ: نبتٌ يُدبَغ به، أو كلُّ مدبوغٍ، أو التي أُسبِتت بالدِّباغ، أي: لانت، أو نسبة إلى سوق السِّبت، وإنَّما اعترض على ابن عمر ﵄ بذلك لأنَّه لباس أهل النَّعيم، وإنَّما كانوا يلبسون النِّعال بالشَّعر غير مدبوغةٍ، وكانتِ المدبوغة تعمل بالطَّائف وغيره (وَرَأَيْتُكَ
تَصْبُغُ) ثوبك أو شعرك (بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ) مستقرًّا (بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) أي: رفعوا أصواتهم بالتَّلبية للإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ) أي: هلال ذي الحجَّة (وَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فلم» (تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) الثَّامن من ذي الحجَّة؛ لأنَّهم كانوا يُروَون (١) فيه من الماء ليستعملوه في عرفة شربًا وغيره، وقِيلَ غير ذلك، فتهلُّ أنت حينئذٍ، و «يومُ» بالرَّفع اسم كان، وبالنَّصب على أنَّه (٢) خبرها، فعلى الأوَّل «كان»: تامَّةٌ، وعلى الثَّاني: ناقصةٌ، والرُّؤية هنا تحتمل البصريَّة والعلميَّة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ مجيبًا لابن جريجٍ: (أَمَّا الأَرْكَانُ) الأربعة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ) منها (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ) ولغير الأربعة: «النَّعل» بالإفراد (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النِّعال (٣) (فَأَنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنِّي» (أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا) فيه: التَّصريح بأنَّه ﵊ كان يغسل رجليه الشَّريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال المصنِّف للتَّرجمة (وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا) يحتمل صبغ ثيابه لِما في الحديث المرويِّ في «سُنن أبي داود»: «وكان يصبغ بالورس والزَّعفران حتَّى عمامته»، أو شعرِه لِما في «السُّنن» أيضًا (٤): «أنَّه كان يصفِّر بهما لحيته»، وكان أكثر الصَّحابة والتَّابعين ﵃ يخضب بالصُّفرة، رجَّح الأوَّلَ القاضي عياضٌ، وأُجِيبَ عن الحديث المُستدلِّ به للثَّاني
باحتمال أنَّه كان ممَّا (١) يتطيَّب (٢) به (٣) لا أنَّه كان يصبغ بها (٤) (وَأَمَّا الإِهْلَالُ) بالحجِّ والعمرة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: تستوي قائمةً إلى طريقه، والمُراد: ابتداء الشُّروع في أفعال النُّسك، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وقال أبو حنيفة: يُحرِم عقيب (٥) الصَّلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا لحديث التِّرمذيِّ: «أنَّه ﷺ أهلَّ بالحجِّ حين فرغ من ركعتيه» وقال: حسنٌ، وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أوَّل يومٍ من ذي الحجَّة.
وهذا الحديث خماسيُّ الإسناد، ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأقران لأنَّ عُبَيْدًا وسعيدًا تابعيَّان من طبقةٍ واحدةٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥١]، ومسلمٌ، وأبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وابن ماجه في «اللِّباس»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى.
(٣١) (بابُ التَّيَمُّنِ) أي: الأخذ باليمين (٦) (فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ) بضمِّ الغَيْن: اسمٌ للفعل أو بفتحها، وهو الذي في الفرع كأصله.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قلت: مَا وَجه اعرابه على الْوَجْهَيْنِ؟ قلت: وَجه وجود: الْفَاء، أَن تكون: الْفَاء تفسيرية لِأَنَّهَا تفسر: قَالَ، المحذوفة بعد قَوْله: أَبَا هُرَيْرَة، لَان تَقْدِير الْكَلَام: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: وَكَانَ يمر بِنَا ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن: أَبَا هُرَيْرَة، مفعول: سَمِعت. وَشرط وُقُوع الذَّات مفعول فعل السماع أَن يكون مُقَيّدا بالْقَوْل، وَنَحْوه كَقَوْلِه تَعَالَى {سمعنَا منادياً يُنَادي} (آل عمرَان: ١٩٣) وَوجه عدم: الْفَاء، أَن يكون: قَالَ، حَالا من ابي هُرَيْرَة، وَالتَّقْدِير: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة حَال كَونه قَائِلا: أَسْبغُوا الْوضُوء. قَوْله: (فَإِن أَبَا الْقَاسِم) ، الْفَاء: للتَّعْلِيل، و: أَبُو الْقَاسِم، كنية رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن قَوْله: (ويل للاعقاب من النَّار) مقول القَوْل، وَإِعْرَابه مر غير مرّة مَعَ سَائِر أبحاثه.
٣٠ - (بابُ غَسْلِ الرِّجْليْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ولَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الرجلَيْن حَال كَونهمَا فِي النَّعْلَيْنِ.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، وَهِي: أَن كلا مِنْهُمَا فِي بَيَان حكم غسل الرجلَيْن حَال كَونهمَا فِي النَّعْلَيْنِ، لِأَن الْبَاب الأول فِي غسل الأعقاب وَهِي من الرجلَيْن.
١٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالكٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بنِ جُرَيّحٍ أنَّهُ قالَ لعْبدِ الله بنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعاً لَمْ أرَ أحَداً منْ أصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قالَ وَمَا هِي يَا ابنَ جُرَيْجٍ قالَ رَأيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الَارْكانِ إلَاّ اليَمَانِيَيْنِ وَرَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأيْتُكَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ وَرَأيْتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أهَلَّ النَّاسُ إذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ أمَّ الَارْكانُ فَانِيِّ لَمْ أرَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمَسُّ إلَاّ اليَمَانِيَيْنِ وَأمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَانِّي رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعَرٌ ويَتَوَضَّأُ فِيها فانَا أُحبُّ أنْ أَلْبَسَهَا وأمّا الصُّفْرَةُ فانِّي رَأَيْتُ رسولَ الله عَلَيْهِ وَسلم يَصْبُغُ بِها فَأَنا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِها وأمَّا الاِهْلالُ فِانِّي لَمْ أَرَ رسولَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بهِ راحِلَتُهُ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيتَوَضَّأ فِيهَا) فَإِن ظَاهره كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يغسل رجلَيْهِ وهما فِي نَعْلَيْنِ، لِأَن قَوْله: فِيهَا، أَي: فِي النِّعَال ظرف لقَوْله: يتَوَضَّأ، وَبِهَذَا يرد على من زعم لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره تَصْرِيح بذلك، وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْله: (يتَوَضَّأ فِيهَا) ، لِأَن الأَصْل فِي الْوضُوء الْغسْل. قلت: مَا يُرِيد هَذَا من التَّصْرِيح أقوى من هَذَا، وَقَوله: وَلِأَن: فِيهَا، يدل على الْغسْل، وَلَو أُرِيد الْمسْح لقَالَ: عَلَيْهَا. وَهَذَا التَّعْلِيل يرد عَلَيْهِ قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره تَصْرِيح بذلك، وَهَذَا من الْعَجَائِب حَيْثُ ادّعى عدم التَّصْرِيح، ثمَّ أَقَامَ دَلِيلا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيمَا ذكره البُخَارِيّ فِي النَّعْلَيْنِ وَالْوُضُوء فيهمَا نظر. قلت: وَفِي نظره نظر، وَوَجهه مَا قَرَّرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وَلَا يمسح على النَّعْلَيْنِ) أَشَارَ بذلك إِلَى نفي مَا رُوِيَ عَن عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة أَنهم مسحوا على نعَالهمْ ثمَّ صلوا. وَرُوِيَ فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِي الْوضُوء، لَكِن ضعفه عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيره، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا تَوَضَّأ ونعلاه فِي قدمية مسح ظُهُور نَعْلَيْه بيدَيْهِ، وَيَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصنع هَكَذَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالْبَزَّار، وَرُوِيَ فِي حَدِيث رَوَاهُ عَليّ بن يحيى بن خَلاد عَن أَبِيه عَن عَمه رِفَاعَة بن رَافع: (أَنه كَانَ جَالِسا عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) ، وَفِيه: (وَمسح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ) ، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَالْجَوَاب عَن حَدِيث ابْن عمر: أَنه كَانَ فِي وضوء مُتَطَوّع بِهِ لَا فِي وضوء وَاجِب عَلَيْهِ، وَعَن حَدِيث رِفَاعَة: أَن المُرَاد أَنه مسح بِرَأْسِهِ وخفيه على رجلَيْهِ، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ على عدم الْإِجْزَاء بِالْإِجْمَاع على أَن الْخُفَّيْنِ إِذا تخرقا حَتَّى يَبْدُو القدمان، أَن الْمسْح لَا يجزىء عَلَيْهِمَا، قَالَ: فَكَذَلِك النَّعْلَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يغيبان
الْقَدَمَيْنِ. قَالَ بَعضهم: هَذَا اسْتِدْلَال صَحِيح، وَلكنه مُنَازع فِي نقل الْإِجْمَاع الْمَذْكُور. وَقلت: غير مُنَازع فِيهِ لِأَن مَذْهَب الْجُمْهُور أَن مُخَالفَة الْأَقَل لَا تضر الْإِجْمَاع، وَلَا يشْتَرط فِيهِ عدد التَّوَاتُر عِنْد الْجُمْهُور. وَرُوِيَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن سعيد، قَالَ: حَدثنَا عبد السَّلَام عَن عبد الْملك، قَالَ: قلت لعطاء: أَبلَغك عَن أحد من أَصْحَاب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام انه مسح على الْقَدَمَيْنِ؟ قَالَ: لَا.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم ذكرُوا مَا خلا عبيد بن جريج، كِلَاهُمَا مصغر والجرج: وعَاء يشبه الخرج وَهُوَ مدنِي ثِقَة مولى ابْن تَمِيم، وَلَيْسَ بَينه وَبَين عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج نسب، وَقد يظنّ أَن هَذَا عَمه، وَلَيْسَ كَذَلِك.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَنهم كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران، لِأَن عبيدا وسعيداً تابعيان من طبقَة وَاحِدَة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأَبُو دَاوُد فِي الْحَج. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي شمائله. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَابْن مَاجَه فِي اللبَاس، فالنسائي عَن كريب عَن ابْن إِدْرِيس عَن مَالك، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن ابي شيبَة.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (لَا تمس) من: مسست أمس بِكَسْر الْمَاضِي وَفتح الْمُسْتَقْبل مساً ومسيساً، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي مسست أمس بِكَسْر الْمَاضِي فِي الفصيح، وَفِي (الصِّحَاح) و (أَفعَال) ابْن القطاع عَن أبي عُبَيْدَة، والمطرزي فِي شَرحه عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَابْن فَارس فِي (مجمله) وَابْن السّكيت فِي (كتاب الْإِصْلَاح) : مسست بِالْكَسْرِ، ومسست بِالْفَتْح، وبالكسر أفْصح. وَحَكَاهُ أَيْضا ابْن سَيّده، وَحكي أَيْضا عَن ابْن جني: أمسه إِيَّاه، عداهُ إِلَى مفعولين. وَعَن سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: مسست الشَّيْء، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: ماسسته أَيْضا مماسة ومساساً ومساساً، بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَفِي (نَوَادِر) يُونُس: ماسسته. وَزعم ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ، أَن: مسست، بِالْفَتْح خطأ مِمَّا تلحن فِيهِ الْعَامَّة. قَوْله: (اليمانيين) ، تَثْنِيَة: يمَان بتَخْفِيف الْيَاء، هَذَا هُوَ الْأَفْصَح الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب، وَلم يذكر ابْن فَارس غَيره، وَذكر المطرزي فِي كِتَابه (غرائب أَسمَاء الشّعْر) ، عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء عَن الْكسَائي، قَالَ: الْعَرَب تَقول فِي النِّسْبَة إِلَى الْيمن: رجل يمَان ويمني ويماني، وَفِي (الْكتاب الْجَامِع) : النِّسْبَة إِلَى الْيمن: يمَان على غير قِيَاس، وَالْقِيَاس يمني. وَفِي (الْمُحكم) : يمَان على نَادِر المعدول، وألفه عوض عَن الْيَاء لِأَنَّهُ يدل على مَا تدل عَلَيْهِ الْيَاء، وبنحوه ذكره فِي (الْمغرب) . وَفِي (الصِّحَاح) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعْضهمْ يَقُول: يماني، بِالتَّشْدِيدِ، قَالَ أُميَّة بن خلف:
(يَمَانِيا بَطل يشد كيراً ... وينفخ دَائِما لَهب الشواظ)
وَقوم يَمَانِية ويمانون مثل: ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ، وَفِي كتاب (التيجان) لِابْنِ هِشَام: سميت الْيمن يمناً بيعرب، واسْمه: يمن بن قحطان ابْن عَامر، وَهُوَ: هود، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك قيل: أَرض يمن، وَهُوَ أول من قَالَ الشّعْر ووزنه، وَفِي (مُعْجم) ابْن عبيد: سمي الْيمن قبل أَن تعرف الْكَعْبَة المشرفة، لِأَنَّهُ عَن يَمِين الشَّمْس، وَقَالَ ابو عبيد: قَالَ بَعضهم: سميت بذلك لِأَنَّهَا عَن يَمِين الْكَعْبَة. وَقيل: سميت بيمن بن قحطان، وَفِي (الزَّاهِر) لِابْنِ الانباري: وَقد أَيمن ويامن إِذا اتى الْيمن. وَفِي كتاب الرشاطي: سمي الْيمن ليمنه، وَهُوَ يعزى لقطرب. قَوْله: (السبتية) نشبة إِلَى: سبت، بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: وَهُوَ جلد الْبَقر المدبوغ بالقرظ. وَقَالَ ابو عمر: وكل مدبوغ فَهُوَ سبت. وَقَالَ ابو زيد: هِيَ السبت مدبوغة وَغير مدبوغة. وَقيل السبتية الَّتِي تشعر عَلَيْهَا وَقيل الَّتِي عَلَيْهَا الشّعْر وَفِي الحكم خص بَعضهم بِهِ جُلُود الْبَقر مدبوغة أَو غير مدبوغة وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: إِنَّمَا سميت سبتية لِأَن شعرهَا قد سبت عَنْهَا، أَي: خلق وأزيل. يُقَال: سبت رَأسه إِذا حلقه. وَفِي (النَّبَات) لأبي حنيفَة: السبت مُعرب من سبت. وَفِي (الغريبين) : سميت سبتة لِأَنَّهَا انسبتت بالدباغ اي لانت وَفِي كتاب ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ: نسبته إِلَى سوق السبت، وَقيل: هِيَ سود لَا شعر فِيهَا. قَوْله: (أهلَّ) من الإهلال. وَهُوَ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. وَفِي (الْمغرب) : كل شَيْء ارْتَفع صَوته فقد اسْتهلّ. وَقَالَ ابو الْخطاب: كل مُتَكَلم رَافع الصَّوْت أَو خافضه فَهُوَ مهل ومستهل. وَقَالَ صَاحب (الْعين) يُقَال: أهل بِعُمْرَة أَو بِحجَّة اي أحرم بهَا، وَجرى على ألسنتهم لأَنهم أَكثر مَا كَانُوا يحجون إِذا أهل الْهلَال، وإهلال الْهلَال واستهلاله رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ عِنْد رُؤْيَته، واستهلال الصَّبِي: تصويته عِنْد وِلَادَته، وَأهل الْهلَال: إِذا طلع، وَأهل واستهل: إِذا أبْصر، وأهللته: إِذا أبصرته.
واما الْإِعْرَاب فَقَوله: (رَأَيْتُك) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. وَقَوله: (تصنع) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل النصب على انها مفعول ثَان (وأربعا) مفعول: تصنع، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: رَأَيْتُك، الثَّانِي وَالثَّالِث. وَأما: رَأَيْتُك، وَالْخَامِس فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى الإبصار، وَبِمَعْنى الْعلم وَقَوله: (كنت) ، يحْتَمل أَن تكون تَامَّة أَو نَاقِصَة، و: (بِمَكَّة) ظرف لَغْو أَو مُسْتَقر. وَقَوله: (إِذا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ يحْتَمل أَن تَكُونَا شرطيتين وَأَن تَكُونَا ظرفيتين، وَأَن تكون الأولى شَرْطِيَّة وَالثَّانيَِة ظرفية وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (أهل) يجوز أَن يكون حَالا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلم يبين وَجهه، وَلَيْسَ هُوَ إلَاّ جَزَاء إِذا الأول، وَإِذا الثَّانِي مُفَسّر لَهُ، وَيجوز أَن يكون: أهل، جَزَاء إِذا الثَّانِي على مَذْهَب الْكُوفِيّين لأَنهم جوزوا تَقْدِيمه على الشَّرْط. قَوْله: (حَتَّى يكون يَوْم التَّرويَة) يجوز فِي: كَانَ، أَن تكون تَامَّة وَأَن تكون نَاقِصَة، فَإِن كَانَت تَامَّة يكون يَوْم، مَرْفُوعا لِأَنَّهُ إسم: كَانَ، وَإِن كَانَت نَاقِصَة تكون خبر: كَانَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ذكر فِي جَوَاب كل وَاحِد من: رَأَيْتُك، الْأَرْبَع فعلا رَآهُ مِنْهُ: فَمَا هُوَ هَهُنَا يَعْنِي فِي: رَأَيْتُك الْخَامِس؟ وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: رَأَيْتُك لم تهل حَتَّى كَانَ يَوْم التَّرويَة. قلت: أما أَن يكون محذوفاً. وَالْمَذْكُور دَلِيل عَلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تكون الشّرطِيَّة قَائِمَة مقَامه. قلت: هَذَا السُّؤَال لَا وَجه لَهُ،، وَمَا وَجه الْقيَاس الَّذِي ذكره.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع خِصَال. قَوْله: (لم أر أحدا من اصحابك يصنعها) : يحْتَمل أَن يكون مُرَاده لَا يصنعن أحد غَيْرك مجتمعة وَإِن كَانَ يصنع بَعْضهَا، وَفِي بعض النّسخ: من اصحابنا، أَي: من اصحاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي بعض النّسخ: وَمن أَصْحَابك قَوْله: (من الْأَركان) أَي: من أَرْكَان الْكَعْبَة الْأَرْبَعَة: واليمانيين، الرُّكْن الْيَمَانِيّ والركن الْيَمَانِيّ الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود، وَيُقَال لَهُ الرُّكْن الْعِرَاقِيّ لكَونه إِلَى جِهَة الْعرَاق، وَالَّذِي قبله يماني لِأَنَّهُ من جِهَة الْيمن. وَيُقَال لَهما: اليمانيان تَغْلِيبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فان قلت: لمَ لَا قَالُوا: الأسودين؟ وَيَأْتِي فِيهِ التغليب أَيْضا؟ قلت: لَو قيل كَذَلِك رُبمَا كَانَ يشْتَبه على بعض الْعَوام أَن فِي كل من هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الْحجر الْأسود، وَكَانَ يفهم التَّثْنِيَة وَلَا يفهم التغليب لقُصُور فهمه، بِخِلَاف: اليمانيين. قَوْله: (يلبس) ، بِفَتْح الْبَاء لِأَنَّهُ من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل، من بَاب علم يعلم. وَأما الَّذِي بِفَتْح الْبَاء فِي الْمَاضِي فمضارعه بِكَسْر الْبَاء من بَاب: ضرب يضْرب، فمصدر الأول: اللّبْس، بِضَم اللَّام. ومصدر الثَّانِي: اللّبْس، بِالْفَتْح: وَهُوَ الْخَلْط. قَوْله: (تصبغ) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا لُغَتَانِ مشهورتان. قَالَ الْكرْمَانِي، قلت: فِيهِ ثَلَاث لُغَات ذكرهَا ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) يُقَال: صبغ الثَّوْب والشيب وَنَحْوهمَا يصبغه، ويصبغه فالكسر عَن اللحياني صبغاً وصبغا وصبغة، وَأما: الصبغة، بِالْكَسْرِ فالمرة من الصَّبْغ، وصبغه. بِالتَّشْدِيدِ. أَي: لَونه، عَن ابي حنيفَة. قَوْله: (حَتَّى كَانَ يَوْم التَّرويَة) وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب التَّسْمِيَة بذلك على قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره: أَحدهمَا: لِأَن النَّاس يروون فِيهِ من المَاء من زَمْزَم لِأَنَّهُ لم يكن بمنى وَلَا بِعَرَفَة مَاء. وَالثَّانِي: أَنه الْيَوْم الَّذِي رأى فِيهِ آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَوَّاء. قلت: وَفِيه قَول أخر، وَهُوَ: أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ارى فِيهِ إِبْرَاهِيم أول الْمَنَاسِك. وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سمي بذلك لِأَن ابراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَاهُ الْوَحْي فِي مَنَامه أَن يذبح ابْنه، فتروى فِي نَفسه: من الله تَعَالَى هَذَا أم من الشَّيْطَان؟ فَأصْبح صَائِما، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة عَرَفَة أَتَاهُ الْوَحْي، فَعرف أَنه الْحق من ربه، فسميت عَرَفَة، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (فَضَائِل الاوقات) من رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَنهُ. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وروى أَبُو الطُّفَيْل عَن ابْن عَبَّاس: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما ابْتُلِيَ بِذبح ابْنه أَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأرَاهُ مَنَاسِك الْحَج، ثمَّ ذهب بِهِ إِلَى عَرَفَة. قَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: سميت عَرَفَة لِأَن جِبْرِيل قَالَ لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام: هَل عرفت؟ قَالَ: نعم، فَمن ثمَّ سميت: عَرَفَة. قَوْله: (حَتَّى تنبعث بِهِ رَاحِلَته) ، يُقَال: بعثت النَّاقة: أثرتها فانبعثت هِيَ، وَبَعثه فانبعث فِي السّير أَي: أسْرع، وَالْمعْنَى هُنَا: استواؤها قَائِمَة. وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ كِنَايَة عَن ابْتِدَاء الشُّرُوع فِي أَفعَال الْحَج، وَالرَّاحِلَة: هِيَ الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو انثى. قَوْله: (وَلم تهل أَنْت حَتَّى كَانَ) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى تكون) ؟ قَوْله: (قَالَ عبد الله) بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ هُوَ المسؤول من جِهَة عبيد بن جريج. قَوْله: (فَإِنِّي أحب أَن أصنع) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والباقين: (فَأَنا أحب) ، كَالَّتِي قبلهَا.
بَيَان استنباط الاحكام الأول: أَن فِيهِ مس الرُّكْنَيْنِ اليمانيين: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْفُقَهَاء الْيَوْم على أَن الرُّكْنَيْنِ الشاميين وهما مُقَابلا اليمانيين لَا يستلمان، وَإِنَّمَا كَانَ الْخلاف فِيهِ فِي الْعَصْر الأول بَين بعض الصَّحَابَة وَبَعض التَّابِعين، ثمَّ ذهب الْخلاف. وَتَخْصِيص الرُّكْنَيْنِ اليمانين بالاستلام لِأَنَّهُمَا كَانَا على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِخِلَاف الرُّكْنَيْنِ الآخرين، لِأَنَّهُمَا ليسَا على قَوَاعِد ابراهيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما ردهما عبد الله بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استلمها. أَيْضا، لَو بني الْآن كَذَلِك استلمت كلهَا اقْتِدَاء بِهِ، صرح بِهِ القَاضِي عِيَاض. وركن الْحجر الْأسود خص بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خص بالاستلام فَقَط، والآخران لَا يقبلان وَلَا يستلمان. وَكَانَ بعض الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى، عَنْهُم وَالتَّابِعِينَ يمسحهما على وَجه الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رُوِيَ عَن جَابر وَأنس وَابْن الزبير وَالْحسن وَالْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يستلمون الْأَركان كلهَا. وَعَن عُرْوَة مثل ذَلِك. وَاخْتلف عَن مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس فِي ذَلِك. وَقَالَ أَحدهمَا: لَيْسَ بِشَيْء من الْبَيْت مَهْجُورًا، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول: إلَاّ الرُّكْن الْأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين. وَلما رأى عبيد بن جريج جمَاعَة يَفْعَلُونَ على خلاف ابْن عمر سَأَلَهُ عَن ذَلِك.
الثَّانِي: فِي حكم النِّعَال السبتيه، قَالَ ابو عمر: لَا أعلم خلافًا فِي جَوَاز لبسهَا فِي غير الْمَقَابِر، وَحكي عَن ابْن عمر أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لبسهَا، وَإِنَّمَا كره قوم لبسهَا فِي الْمَقَابِر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك الْمَاشِي بَين الْمَقَابِر: (ألق سبيتك) . وَقَالَ قوم: يجوز ذَلِك وَلَو كَانَ فِي الْمَقَابِر، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اذا وَقع الْمَيِّت فِي قَبره انه يسمع قرع نعَالهمْ) وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي (نَوَادِر الاصول) إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَ لذَلِك الرجل: (إلق سبتيتك) لِأَن الْمَيِّت كَانَ يُسأل، فَلَمَّا صر نعل ذَلِك الرجل شغله عَن جَوَاب: الْملكَيْنِ، فكاد يهْلك لَوْلَا أَن ثبته الله تَعَالَى.
الثَّالِث: الصَّبْغ بالصفرة، وَلَفظ الحَدِيث يَشْمَل صبغ الثِّيَاب وصبغ الشّعْر، وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد مِنْهُمَا، فَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَظْهر أَن المُرَاد ضبغ الثِّيَاب لِأَنَّهُ أخبر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صبغ، وَلم يقل: إِنَّه صبغ شعره. قلت: جَاءَت آثَار عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بيَّن فِيهَا تصفير ابْن عمر لحيته، وَاحْتج بِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَذكر أَيْضا فِي حَدِيث آخر احتجاجه بِهِ بِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يصْبغ بهما ثِيَابه حَتَّى عمَامَته، وَكَانَ أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يخضب بالصفرة مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَآخَرُونَ، ويروى ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ. الرَّابِع: فِيهِ حكم الإهلال، وَاخْتلف فِيهِ، فَعِنْدَ الْبَعْض: الْأَفْضَل أَن يهل لاستقبال ذِي الْحجَّة، وَعند الشَّافِعِي: الْأَفْضَل أَن يحرم إِذا انبعثت رَاحِلَته، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ ابو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يحرم عقيب الصَّلَاة وَهُوَ جَالس قبل ركُوب دَابَّته، وَقبل قِيَامه، وَفِيه حَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ بعض الشُّرَّاح: وَهُوَ ضَعِيف. قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي ابْن ابراهيم، قَالَ: حَدثنَا ابي عَن ابْن اسحاق، قَالَ: حَدثنَا خصيف ابْن عبد الرَّحْمَن الْجَزرِي عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: يَا ابْن الْعَبَّاس؛ عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إهلال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أوجب. فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة وَاحِدَة فَمن مَعنا هُنَاكَ اخْتلفُوا. خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجده بِذِي الحليفة ركعتيه أوجبه فِي مَجْلِسه فأهلَّ بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظته عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام وَذَلِكَ أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا، فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا علا شرف الْبَيْدَاء أهل، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء، وأيم الله لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، وَأهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء. قَالَ سعيد: فَمن أَخذ بقول ابْن عَبَّاس أهل فِي مصلاة إِذا فرغ من ركعتيه وَأخرج الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) نَحوه، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم، مُفَسّر فِي الْبَاب، وَلم يخرجَاهُ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ ثمَّ قَالَ: وَبَين ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ جَاءَ الِاخْتِلَاف، وَأَن إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ابْتَدَأَ بِالْحَجِّ وَدخل بِهِ فِيهِ كَانَ فِي مصلاة، فَبِهَذَا نَأْخُذ. فَيَنْبَغِي للرجل إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يحرم فِي دبرهما، كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد. وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا بعد أَن ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء، فروى أَولا عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بِذِي الْخَلِيفَة
ثمَّ أَتَى براحلته فركبها، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ الْبَيْدَاء أهلَّ، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا فاستحبوا الْإِحْرَام من اليبداء لإحرام النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا. وَأَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء وَقَتَادَة، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم الْأَئِمَّة الاربعة وَأكْثر أَصْحَابهم، فَإِنَّهُم قَالُوا: سنة الْإِحْرَام أَن يكون من ذِي الحليفة. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) : اسْتحبَّ مَالك وَأكْثر الْفُقَهَاء أَن يهل الرَّاكِب إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَاسْتحبَّ أَبُو حنيفَة أَن يكون إهلاله عقب الصَّلَاة إِذا سلم مِنْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: يهل إِذا أخذت نَاقَته فِي الْمَشْي، وَحين كَانَ يركب رَاحِلَته قَائِمَة كَمَا يَفْعَله كثير من الْحجَّاج الْيَوْم، وَقَالَ عِيَاض: جَاءَ فِي رِوَايَة: (اهل رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا اسْتَوَت النَّاقة) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (حَتَّى اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته) ، وَفِي أُخْرَى: (حَتَّى تنبعث بِهِ نَاقَته) ، وكل ذَلِك مُتَّفق عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: أجَاب هَؤُلَاءِ عَمَّا قَالَه أهل الْمقَالة الاولى من اسْتِحْبَاب الْإِحْرَام من الْبَيْدَاء وَحَاصِله: لَا نسلم أَن إِحْرَامه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْبَيْدَاء يدل على اسْتِحْبَاب ذَلِك، وَأَنه فَضِيلَة اخْتَارَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ذَلِك، لَا الْقَصْد أَن للاحرام مِنْهَا فَضِيلَة على الْإِحْرَام من غَيرهَا، وَقد فعل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي حجَّته فِي مَوَاضِع لَا لفضل قَصده، وَمن ذَلِك نُزُوله بالمحصب. وروى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَيْسَ المحصب بِشَيْء، إِنَّمَا هُوَ منزل نزله رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا حصب رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلم يكن ذَلِك لِأَنَّهُ سنة، فَكَذَلِك يجوز أَن يكون إِحْرَامه من الْبَيْدَاء كَذَلِك. قَالَ: وَأنكر قوم أَن يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم من الْبَيْدَاء، وَقَالُوا: مَا أحرم إلَاّ من الْمَسْجِد، وَأَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: الزُّهْرِيّ وَعبد الْملك بن جريج وَعبد الله بن وهب، وَرووا فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (بيداؤكم هَذِه الَّتِي تكذبون على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه أهل مِنْهَا، مَا أهل رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إلَاّ من عِنْد الْمَسْجِد) ، يَعْنِي: مَسْجِد ذِي الحليفة، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَن يزِيد بن سِنَان عَن عبد الله بن مُسلم عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. فان قلت: كَيفَ يجوز لِابْنِ عمر أَن يُطلق الْكَذِب على الصَّحَابَة؟ قلت: الْكَذِب يَجِيء بِمَعْنى الْخَطَأ، لِأَنَّهُ يُشبههُ فِي كَونه ضد الصَّوَاب، كَمَا أَن ضد الْكَذِب الصدْق، وافترقا من حَيْثُ النِّيَّة وَالْقَصْد، لِأَن الْكَاذِب يعلم أَن الَّذِي يَقُوله كذب، والمخطىء لَا يعلم وَلَا يظنّ بِهِ أَنه كَانَ ينْسب الصَّحَابَة إِلَى الْكَذِب. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الِاخْتِلَاف بيَّن ابْن عَبَّاس الْوَجْه الَّذِي جَاءَ مِنْهُ الِاخْتِلَاف كَمَا ذكرنَا آنِفا.
٣١ - (بابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ والغُسل)
أَي: هَذَا بَاب فِي باين التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، والتيمن هُوَ الْأَخْذ بِالْيَمِينِ.
والمناسبة بَين الْأَبْوَاب ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة فِي أَحْكَام الْوضُوء، والتيمن أَيْضا من أَحْكَامه، وَلَا سِيمَا بَينه وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، لِأَنَّهُ فِي غسل الرجلَيْن وَفِيه التَّيَمُّن أَيْضا سنة أَو مُسْتَحبّ.
١٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثنا خالِدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سيرِين عنْ أُمِّ عطِيَّةَ قالتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُنَّ فِي غسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بميامنها) ، لِأَن الامر بالتيمن فِي التغسيل والتوضئة كليهمَا مُسْتَفَاد من عُمُوم اللَّفْظ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد ذكر. الثَّانِي: اسماعيل: هُوَ ابْن علية، وَقد مر. الثَّالِث: خَالِد الْحذاء، وَقد مضى. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين الْأَنْصَارِيَّة، أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة بنت كَعْب، وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة، وَاسْمهَا نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، وَحكي فتح النُّون مَعَ كسر السِّين: يَعْنِي يحيى بن معِين، وَلها صُحْبَة وَرِوَايَة، تعد فِي أهل الْبَصْرَة، وَكَانَت تغسل الْمَوْتَى وتمرض المرضى وتداوي الْجَرْحى وتغزو مَعَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غزت مَعَه سبع غزوات، وَشهِدت خَيْبَر
وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقيل عِنْدهَا، وَكَانَت تنتف إبطه بورسة. لَهَا أَرْبَعُونَ حَدِيثا اتفقَا على سَبْعَة أَو سِتَّة، وللبخاري حَدِيث، وَلمُسلم آخر، روى لَهَا الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَعَن حَامِد بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب بِهِ، وَحَدِيث الثَّقَفِيّ أتم. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (لَهُنَّ) أَي: لأم عَطِيَّة وَلمن مَعهَا. قَوْله: (فِي غسل ابْنَته) أَي: صفة غسل ابْنَته. قيل: اسْمهَا أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان بن عَفَّان، غسلتها أَسمَاء بنت عُمَيْس وَصفِيَّة بنت عبد الْمطلب، وَشهِدت أم عَطِيَّة غسلهَا، وَذكرت قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كَيْفيَّة غسلهَا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) أَنَّهَا زَيْنَب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَاتَتْ فِي السّنة الثَّانِيَة، وَلما نقل القَاضِي عِيَاض عَن بعض أهل السّير أَنَّهَا أم كُلْثُوم قَالَ: الصَّوَاب زَيْنَب، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته، وَقد يجمع بَينهمَا بِأَنَّهَا: غسلت زَيْنَب وَحَضَرت غسل أم كُلْثُوم، وَذكر الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه: أَن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدر غَائِب، وَغلط فِي ذَلِك، فَتلك رقية، وَلما دفن أم كُلْثُوم قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (دفن الْبَنَات من المكرمات) ، وَالْعجب من الْكرْمَانِي أَنه يَقُول: قَالَ النَّوَوِيّ فِي (تَهْذِيب الْأَسْمَاء) : إِن المغسولة اسْمهَا زَيْنَب، وَهَذَا مُسلم قد صرح بِهِ، فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ ينظر فِيهِ حَتَّى نسب ذَاك إِلَى النَّوَوِيّ.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: اسْتِحْبَاب الْوضُوء فِي أَو غسل الْمَيِّت، عملا بقوله: (ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) ، وَنقل النَّوَوِيّ عَن ابي حنيفَة عدم إستحبابه. قلت: هَذَا غير صَحِيح، فَفِي كتبنَا مثل (الْقَدُورِيّ) و (الْهِدَايَة) يذكر ذَلِك، قَالَ فِي (الْهِدَايَة) : لِأَن ذَلِك من سنة الْغسْل، غير أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق، لِأَن إِخْرَاج المَاء من فَمه مُتَعَذر، وَهل يتَوَضَّأ فِي الغسلة الأولى أَو الثَّانِيَة أَو فيهمَا؟ فِيهِ خلاف للمالكية حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ.
الثَّانِي: اسْتِحْبَاب تَقْدِيم الميامن فِي غسل الْمَيِّت، وَيلْحق بِهِ الطهارات، وَبِه تشعر تَرْجَمَة البُخَارِيّ، وَكَذَا أَنْوَاع الْفَضَائِل، وَالْأَحَادِيث فِيهِ كَثِيرَة، وبالاستحباب قَالَ أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وَلَا بُد من البدء بالميامن. وَقَالَ ابْن سِيرِين: يبْدَأ بمواضع الْوضُوء ثمَّ بالميامن. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: يبْدَأ بِالرَّأْسِ ثمَّ باللحية ثمَّ بالميامن.
الثَّالِث: فِيهِ فضل الْيَمين على الشمَال، أَلا ترى قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حاكيا عَن ربه: (وكلتا يَدَيْهِ يَمِين) ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {فاما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ} (سُورَة الحاقة: الْآيَة ١٩، وَسورَة الانشقاق؛ الْآيَة ٧) . وهم أهل الْجنَّة.
١٦٨ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي أشْعَثُ بنُ سُليْمٍ قالَ سَمِعْتُ أبي عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ..
فِيهِ الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة، لِأَن فِيهِ إعجابه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي شَأْنه كُله، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل اسْتِحْبَاب التَّيَامُن فِي كل شَيْء: فِي الْوضُوء وَالْغسْل والتغسيل وَغير ذَلِك.
أما الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين فظاهرة.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: حَفْص ابْن عمر الحوضي الْبَصْرِيّ الثبت الْحجَّة، قَالَ احْمَد: لَا يُؤْخَذ عَلَيْهِ حرف، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ حَفْص بن عمر غَيره، وَفِي السّنَن مفرقاً جماعات. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: أَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: ابْن سليم، بِالتَّصْغِيرِ، من ثِقَات شُيُوخ الْكُوفِيّين وَهُوَ الرَّابِع: من الروَاة، وَهُوَ سليم بن الْأسود الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم، الْكُوفِي أَبُو الشعْثَاء، وشهرته بكنيته أَكثر من اسْمه. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْكُوفِي، أَبُو عَائِشَة، أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأدْركَ الصَّدْر الأول من الصَّحَابَة، وَكَانَت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ قد تبنت مسروقاً فَسمى ابْنَته عَائِشَة، فكني بِأبي عَائِشَة، وَقد مر فِي بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كبيرين قرينين من اتِّبَاع التَّابِعين وهما: أَشْعَث وَشعْبَة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كبيرين قرينين من كبار التَّابِعين وهما: سليم ومسروق.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب، وَفِي اللبَاس عَن أبي الْوَلِيد وحجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك، خمستهم عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن أَبِيه بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه شُعْبَة بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى عَن أبي الْأَحْوَص عَن أَشْعَث بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن حَفْص بن عمر وَسَلَمَة بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي آخر الصَّلَاة عَن هناد بن السّري عَن أبي الْأَحْوَص بِهِ: وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَفِي الشَّمَائِل عَن أبي مُوسَى عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَفِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث، وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن هناد بِهِ، وَعَن سُفْيَان بن وَكِيع عَن عمر بن عبيد عَن أَشْعَث بِهِ.
بَيَان اللُّغَات قَوْله: (يُعجبهُ) من: الْإِعْجَاب، يُقَال: أعجبني هَذَا الشَّيْء لحسنه. والعجيب: الْأَمر الَّذِي يُتعجب مِنْهُ وَكَذَلِكَ العجاب بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف وبالتشديد أَكثر مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الأعجوبة، وَعَجِبت من كَذَا وتعجبت مِنْهُ واستعجبت بِمَعْنى، والمصدر: الْعجب، بِفتْحَتَيْنِ. وَأما الْعجب، بِضَم الْعين وَسُكُون الْجِيم. فَهُوَ اسْم من أعجب فلَان بِنَفسِهِ فَهُوَ معجب بِفَتْح الْجِيم بِرَأْيهِ وبنفسه، وَأما الْعجب، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْجِيم: فَهُوَ أصل الذَّنب. قَوْله: (التَّيَمُّن) هُوَ الْأَخْذ بِالْيَمِينِ فِي الْأَشْيَاء. قَوْله: (تنعله) أَي فِي لبسه النَّعْل وَهِي الَّتِي تلبس فِي الْمَشْي، تسمى الْآن تأسومه، قَالَه ابْن الاثير، وَهِي مُؤَنّثَة، يُقَال: نعلت وأنتعلت إِذا لبست النَّعْل، وانعلب الْخَيل، بِالْهَمْزَةِ وَمِنْه الحَدِيث: (إِن غَسَّان تنعل خيلها) ، وَفِي رِوَايَات البُخَارِيّ كلهَا: (فِي تنعله) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح النُّون وَتَشْديد الْعين، وَهَكَذَا ذكره الْحميدِي والحافظ عبد الْحق فِي كِتَابَيْهِمَا (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فِي نَعله) على إِفْرَاد النَّعْل، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (نَعْلَيْه) بالتثنية، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وهما صَحِيحَانِ وَلم ير فِي شَيْء من نسخ بِلَادنَا غير هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. قلت: الرِّوَايَات كلهَا صَحِيحَة. قَوْله: (وَترَجله) أَي: فِي تمشيطه الشّعْر وَهُوَ تسريحه، وَهُوَ أَعم من أَن يكون فِي الرَّأْس وَفِي اللِّحْيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ تسريحه ودهنه. قلت: اللَّفْظ لَا يدل على الدّهن، فَهَذَا التَّفْسِير من عِنْده وَلم يفسره أهل اللُّغَة كَذَلِك، وَفِي (الْمغرب) للمطرزي: رجل شعره أَي: أرْسلهُ بالمرجل، وَهُوَ الْمشْط. وترجل فعل ذَلِك بِنَفسِهِ، وَيُقَال: شعر رجل وَرجل، وَهُوَ: السبوطة والجعودة، وَقد رجل رجلا وَرجله هُوَ، وَرجل رجل الشّعْر وَرجل، وَجَمعهَا أرجال وَرِجَال، ذكره ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) ، فَانْظُر هَل ترى شَيْئا فِيهِ هَذِه الْموَاد يدل على الدّهن؟ والمرجل، بِكَسْر الْمِيم: الْمشْط، وَكَذَلِكَ المسرح، بِالْكَسْرِ، ذكره فِي (الغريبين) . قَوْله: (وَطهُوره) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بصم الطَّاء وَلَا يجوز فتحهَا هُنَا. قلت: لَا نسلم هَذَا على الْإِطْلَاق، لِأَن الْخَلِيل والأصمعي وابا حَاتِم السجسْتانِي والأزهري وَآخَرين ذَهَبُوا إِلَى أَن الطّهُور، بِالْفَتْح فِي الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمصدر وَالْمَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : وَحكي الضَّم فيهمَا، وَالْفرق الْمَذْكُور نَقله ابْن الْأَنْبَارِي عَن جمَاعَة من أهل اللُّغَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل الْكرْمَانِي: وَلَا يجوز فتحهَا، غير صَحِيح على الْإِطْلَاق. قَوْله: (فِي شَأْنه) الشَّأْن هُوَ الْحَال والخطب، وَأَصله الشَّأْن، بِالْهَمْزَةِ الساكنة فِي وَسطه، وَلكنهَا سهلت بقلبها ألفا لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، والشأن أَيْضا وَاحِد الشؤون وَهِي، مواصل قبائل الرَّأْس وملتقاها، وَمِنْهَا تَجِيء الدُّمُوع.
بَيَان الْإِعْرَاب قَوْله: (يُعجبهُ) فعل ومفعول، و: التَّيَمُّن، فَاعله، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، قَوْله: (فِي تنعله) فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي يُعجبهُ، وَالتَّقْدِير كَانَ يُعجبهُ التَّيَمُّن حَال كَونه لابساً النَّعْل. وَيجوز أَن يكون من التَّيَمُّن أَي: يُعجبهُ التَّيَمُّن حَال كَون التَّيَمُّن فِي تنعله. قَوْله: (وَترَجله) عطف على: تنعله، و: ظُهُوره، عطف على: ترجله. قَوْله: (فِي شَأْنه) بدل من الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة قبله بدل الاشتمال، وَالشّرط فِي بدل الاشتمال أَن يكون الْمُبدل مِنْهُ مُشْتَمِلًا على الثَّانِي، أَي: متقاضياً لَهُ بِوَجْه مَا، وَهَهُنَا كَذَلِك على مَا لَا يخفي، وَإِذا لم يكن الْمُبدل مِنْهُ مُشْتَمِلًا على الثَّانِي يكون بدل الْغَلَط، وَإِنَّمَا قيل لهَذَا بدل الاشتمال من حَيْثُ اشْتِمَال الْمَتْبُوع، على التَّابِع، لَا كاشتمال الظّرْف
على المظروف، بل من حَيْثُ كَونه دَالا عَلَيْهِ إِجْمَالا ومتقاضياً لَهُ بِوَجْه مَا، وَالْعجب من الْكرْمَانِي حَيْثُ نفى كَونه بدل الاشتمال لكَون الشَّرْط أَن يكون بَينهمَا مُلَابسَة بِغَيْر الْجُزْئِيَّة والكلية. وَهَهُنَا الشَّرْط مُنْتَفٍ. ثمَّ يَقُول: مَا قَوْلك فِيهِ؟ ثمَّ يُجيب بِأَنَّهُ بدل الاشتمال، وَهَهُنَا الملابسة مَوْجُودَة، وَمَعَ هَذَا قَوْله: لكَون الشَّرْط. إِلَى آخِره، لَيْسَ على الْإِطْلَاق لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ بعض الْغَلَط، نَحْو: جَاءَنِي زيد غُلَامه أَو حِمَاره، وَلَقِيت زيدا أَخَاهُ. وَلَا شكّ فِي كَونهَا بدل الْغَلَط. وَمن العجيب أَيْضا أَنه قَالَ: وَلَا يجوز أَن يكون بدل الْغَلَط لِأَنَّهُ لَا يَقع فِي فصيح الْكَلَام، ثمَّ قَالَ: أَو هُوَ بدل الْغَلَط وَقد يَقع فِي الْكَلَام الفصيح قَلِيلا، وَلَا مُنَافَاة بَين الْغَلَط والبلاغة. قلت: لَا يَقع بدل الْغَلَط الصّرْف وَلَا بدل النسْيَان فِي كَلَام الفصحاء، وَإِنَّمَا يَقع بدل البداء فِي كَلَام الشُّعَرَاء للْمُبَالَغَة والتفنن، وَبدل البداء أَن يذكر الْمُبدل مِنْهُ عَن قصد وتعمد ثمَّ يتدارك بِالثَّانِي، وَيدل الصّرْف وَهُوَ يدل على غلط صَرِيح فِيمَا إِذا أردْت أَن تَقول: جَاءَنِي حمَار فيسبقك لسَانك إِلَى رجل ثمَّ تداركت الْغَلَط فَقلت: حمَار، وَبدل النسْيَان أَن تتعمد ذكر مَا هُوَ غلط، وَلَا يسبقك لسَانك إِلَى ذكره، لَكِن تنسى الْمَقْصُود ثمَّ بعد ذَلِك تتداركه بِذكر الْمَقْصُود، فَمن هَذَا عرفت أَن أَنْوَاع بدل الْغَلَط ثَلَاثَة. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة ابي الْوَقْت: (وَفِي شَأْنه) ، بِإِثْبَات الْوَاو، قلت: على هَذَا يكون عطف الْعَام على الْخَاص، وَهُوَ ظَاهر. فان قلت: هَل يجوز أَن تقدر: الْوَاو، وَفِي الرِّوَايَة الخالية عَن: الْوَاو؟ قلت: جوزه بعض النُّحَاة إِذا قَامَت قرينَة عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم نَاقِلا عَن الْكرْمَانِي من غير تَصْرِيح بِهِ، قَوْله: (فِي شَأْنه كُله) بِدُونِ: الْوَاو، مُتَعَلق: بيعجبه، لَا: بالتيمن، أَي يُعجبهُ فِي شَأْنه كُله التَّيَمُّن فِي تنعله ... إِلَى آخِره أَي: لَا يتْرك ذَلِك سفرا وَلَا حضرا، وَلَا فِي فراغة وَلَا شغله وَنَحْو ذَلِك. قلت: كَلَام النَّاقِل وَالْمَنْقُول مِنْهُ سَاقِط، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون إعجابه التَّيَمُّن فِي هَذِه الثَّلَاثَة مَخْصُوصَة فِي حالاته كلهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل كَانَ يُعجبهُ التَّيَمُّن فِي كل الْأَشْيَاء فِي جَمِيع الْحَالَات. أَلا ترى أَنه أكد الشَّأْن بمؤكد؟ والشأن بِمَعْنى الْحَال، وَالْمعْنَى فِي جَمِيع حالاته؟ ثمَّ قَالَ هَذَا النَّاقِل: وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، فِي قَوْله: (فِي شَأْنه) بدل من قَوْله: (فِي تنعله) ، بِإِعَادَة الْعَامِل، وَكَأَنَّهُ ذكر التنعل لتَعَلُّقه بِالرجلِ، والترجل لتَعَلُّقه بِالرَّأْسِ، وَالطهُور لكَونه مِفْتَاح أَبْوَاب الْعِبَادَة، فَكَأَنَّهُ نبه على جَمِيع الْأَعْضَاء، فَيكون كبدل الْكل من الْكل. قلت: هَذَا لم يتَأَمَّل كَلَام الطَّيِّبِيّ، لِأَن كَلَامه لَيْسَ على رِوَايَة البُخَارِيّ وَإِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة مُسلم، وَهِي: (كَانَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يحب التَّيَمُّن فِي شَأْنه كُله: فِي تنعله وَترَجله) . لِأَن صَاحب الْمشكاة نقل عبارَة مُسلم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي شَرحه: بِهَذِهِ الْعبارَة أَقُول. قَوْله: (فِي طهوره وَترَجله وتنعله) بدل من قَوْله: (فِي شَأْنه) ، بِإِعَادَة الْعَامِل وَلَعَلَّه إِنَّمَا بَدَأَ فِيهَا بِذكر الطّهُور لِأَنَّهُ فتح لأبواب الطَّاعَات كلهَا، وثنى بِذكر التَّرَجُّل وَهُوَ يتَعَلَّق بِالرَّأْسِ، وَثلث بالتنعل وَهُوَ مُخْتَصّ بِالرجلِ ليشْمل جَمِيع الْأَعْضَاء، فَيكون كبدل الْكل من الْكل، وَالْعجب من هَذَا النَّاقِل أَنه لما نقل كَلَام الطَّيِّبِيّ على رِوَايَة مُسلم، ثمَّ قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِتَقْدِيم قَوْله: (فِي شَأْنه كُله) على قَوْله فِي: تنعله. إِلَى آخِره، قَالَ: فَيكون بدل الْبَعْض من الْكل، فَكَأَنَّهُ ظن أَن كَلَام الطَّيِّبِيّ من الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ذكر الشان مُتَأَخِّرًا كَمَا هِيَ رِوَايَة البُخَارِيّ هُنَا، ثمَّ قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِتَقْدِيم قَوْله: (فِي شَأْنه) ، وَهَذَا كَمَا ترى فِيهِ خبط ظَاهر.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (التَّيَمُّن) لفظ مُشْتَرك ترك بَين الِابْتِدَاء بِالْيَمِينِ، وَبَين تعَاطِي الشَّيْء بِالْيَمِينِ، وَبَين التَّبَرُّك وَبَين قصد الْيمن، وَلَكِن الْقَرِينَة دلّت على أَن المُرَاد الْمَعْنى الأول. قَوْله: (فِي تنعله) إِلَى آخِره زَاد أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة: (وسواكه) ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: (كَانَ يحب التَّيَامُن مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنه) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا عَن شُعْبَة: (مَا اسْتَطَاعَ) ، فنبه على الْمُحَافظَة على ذَلِك مَا لم يمْنَع مَانع، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (كَانَ يحب التَّيَامُن فِي كل شَيْء حَتَّى فِي التَّرَجُّل والانتعال) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه: (كَانَ يحب التَّيَامُن فِي الْوضُوء والانتعال) . قَوْله: (كُله) تَأْكِيد لقَوْله: (فِي شَأْنه) ، فَإِن قلت: مَا وَجه التَّأْكِيد وَقد اسْتحبَّ التياسر فِي بعض الْأَفْعَال كدخول الْخَلَاء وَنَحْوه؟ قلت: هَذَا عَام مَخْصُوص بالأدلة الخارجية. قَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا من عَام إِلَّا وَقد خص: إلَاّ {وَالله بِكُل شَيْء عليم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢، النِّسَاء: ٢١٧٦، النُّور: ٣٥ و ٦٤ الحجرات: ١٦، التغابن: ١١) . قلت: إِن أَرَادَ بِهِ أَنه يقبل التَّخْصِيص أَو يحْتَملهُ فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ بِالْإِطْلَاقِ فَفِيهِ نظر. وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدّين: هَذِه قَاعِدَة مستمرة فِي الشَّرْع، وَهِي أَن مَا كَانَ من بَاب التكريم والتشريف: كلبس الثَّوْب والسراويل والخف وَدخُول الْمَسْجِد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشَّارِب وترجيل الشّعْر ونتف
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) إمام الأئمَّة (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بالجيم والتَّصغير فيهما، المدنيُّ الثِّقة (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: أربع خصالٍ (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) وفي رواية أبي الوقت: «من أصحابنا» والمُراد: أصحاب الرَّسول ﷺ (يَصْنَعُهَا) مجتمعةً وإن كان يصنع بعضها، أوِ المُراد: الأكثر منهم، فـ (قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ) تغليبًا، وإلَّا فالذي فيه الحجر الأسود عراقيٌّ لأنَّه إلى جهته، ولم يقعِ التَّغليب باعتبار الأسود خوف الاشتباه على جاهلٍ، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ﵊، ومن ثمَّ خُصَّا أخيرًا بالاستلام، وعلى هذا لو بُنِيَ البيت على قواعد إبراهيم ﵊ الآن استُلِمَت كلُّها اقتداءً به؛ ولذا لمَّا ردَّهما ابن الزُّبير على القواعد استلمهما، وقد صحَّ استلامهما (١) أيضًا (٢) عن معاوية، ورُوِيَ عنِ الحَسن والحُسين ﵄، وظاهر ما في الحديث هنا: انفراد ابن عمر ﵄ باستلام اليمانيَّين دون غيره (٣) ممَّن رآهم عُبَيْدٌ، وأنَّ سائرهم كان يستلم الأربعة، ثمَّ قال ابن جريجٍ لابن عمرَ ﵄: (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة (النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ) بكسر المُهمَلَة وسكون المُوحَّدَة آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: التي لا شعر عليها، من السِّبت وهو الحلق، وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي، أو هي التي عليها الشَّعر، أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، والسُّبت بالضَّمِّ: نبتٌ يُدبَغ به، أو كلُّ مدبوغٍ، أو التي أُسبِتت بالدِّباغ، أي: لانت، أو نسبة إلى سوق السِّبت، وإنَّما اعترض على ابن عمر ﵄ بذلك لأنَّه لباس أهل النَّعيم، وإنَّما كانوا يلبسون النِّعال بالشَّعر غير مدبوغةٍ، وكانتِ المدبوغة تعمل بالطَّائف وغيره (وَرَأَيْتُكَ
تَصْبُغُ) ثوبك أو شعرك (بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ) مستقرًّا (بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) أي: رفعوا أصواتهم بالتَّلبية للإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ) أي: هلال ذي الحجَّة (وَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فلم» (تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) الثَّامن من ذي الحجَّة؛ لأنَّهم كانوا يُروَون (١) فيه من الماء ليستعملوه في عرفة شربًا وغيره، وقِيلَ غير ذلك، فتهلُّ أنت حينئذٍ، و «يومُ» بالرَّفع اسم كان، وبالنَّصب على أنَّه (٢) خبرها، فعلى الأوَّل «كان»: تامَّةٌ، وعلى الثَّاني: ناقصةٌ، والرُّؤية هنا تحتمل البصريَّة والعلميَّة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ مجيبًا لابن جريجٍ: (أَمَّا الأَرْكَانُ) الأربعة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ) منها (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ) ولغير الأربعة: «النَّعل» بالإفراد (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النِّعال (٣) (فَأَنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنِّي» (أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا) فيه: التَّصريح بأنَّه ﵊ كان يغسل رجليه الشَّريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال المصنِّف للتَّرجمة (وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا) يحتمل صبغ ثيابه لِما في الحديث المرويِّ في «سُنن أبي داود»: «وكان يصبغ بالورس والزَّعفران حتَّى عمامته»، أو شعرِه لِما في «السُّنن» أيضًا (٤): «أنَّه كان يصفِّر بهما لحيته»، وكان أكثر الصَّحابة والتَّابعين ﵃ يخضب بالصُّفرة، رجَّح الأوَّلَ القاضي عياضٌ، وأُجِيبَ عن الحديث المُستدلِّ به للثَّاني
باحتمال أنَّه كان ممَّا (١) يتطيَّب (٢) به (٣) لا أنَّه كان يصبغ بها (٤) (وَأَمَّا الإِهْلَالُ) بالحجِّ والعمرة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: تستوي قائمةً إلى طريقه، والمُراد: ابتداء الشُّروع في أفعال النُّسك، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وقال أبو حنيفة: يُحرِم عقيب (٥) الصَّلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا لحديث التِّرمذيِّ: «أنَّه ﷺ أهلَّ بالحجِّ حين فرغ من ركعتيه» وقال: حسنٌ، وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أوَّل يومٍ من ذي الحجَّة.
وهذا الحديث خماسيُّ الإسناد، ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأقران لأنَّ عُبَيْدًا وسعيدًا تابعيَّان من طبقةٍ واحدةٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥١]، ومسلمٌ، وأبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وابن ماجه في «اللِّباس»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى.
(٣١) (بابُ التَّيَمُّنِ) أي: الأخذ باليمين (٦) (فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ) بضمِّ الغَيْن: اسمٌ للفعل أو بفتحها، وهو الذي في الفرع كأصله.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قلت: مَا وَجه اعرابه على الْوَجْهَيْنِ؟ قلت: وَجه وجود: الْفَاء، أَن تكون: الْفَاء تفسيرية لِأَنَّهَا تفسر: قَالَ، المحذوفة بعد قَوْله: أَبَا هُرَيْرَة، لَان تَقْدِير الْكَلَام: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: وَكَانَ يمر بِنَا ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن: أَبَا هُرَيْرَة، مفعول: سَمِعت. وَشرط وُقُوع الذَّات مفعول فعل السماع أَن يكون مُقَيّدا بالْقَوْل، وَنَحْوه كَقَوْلِه تَعَالَى {سمعنَا منادياً يُنَادي} (آل عمرَان: ١٩٣) وَوجه عدم: الْفَاء، أَن يكون: قَالَ، حَالا من ابي هُرَيْرَة، وَالتَّقْدِير: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة حَال كَونه قَائِلا: أَسْبغُوا الْوضُوء. قَوْله: (فَإِن أَبَا الْقَاسِم) ، الْفَاء: للتَّعْلِيل، و: أَبُو الْقَاسِم، كنية رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن قَوْله: (ويل للاعقاب من النَّار) مقول القَوْل، وَإِعْرَابه مر غير مرّة مَعَ سَائِر أبحاثه.
٣٠ - (بابُ غَسْلِ الرِّجْليْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ولَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الرجلَيْن حَال كَونهمَا فِي النَّعْلَيْنِ.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، وَهِي: أَن كلا مِنْهُمَا فِي بَيَان حكم غسل الرجلَيْن حَال كَونهمَا فِي النَّعْلَيْنِ، لِأَن الْبَاب الأول فِي غسل الأعقاب وَهِي من الرجلَيْن.
١٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالكٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بنِ جُرَيّحٍ أنَّهُ قالَ لعْبدِ الله بنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعاً لَمْ أرَ أحَداً منْ أصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قالَ وَمَا هِي يَا ابنَ جُرَيْجٍ قالَ رَأيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الَارْكانِ إلَاّ اليَمَانِيَيْنِ وَرَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأيْتُكَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ وَرَأيْتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أهَلَّ النَّاسُ إذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ أمَّ الَارْكانُ فَانِيِّ لَمْ أرَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمَسُّ إلَاّ اليَمَانِيَيْنِ وَأمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَانِّي رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعَرٌ ويَتَوَضَّأُ فِيها فانَا أُحبُّ أنْ أَلْبَسَهَا وأمّا الصُّفْرَةُ فانِّي رَأَيْتُ رسولَ الله عَلَيْهِ وَسلم يَصْبُغُ بِها فَأَنا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِها وأمَّا الاِهْلالُ فِانِّي لَمْ أَرَ رسولَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بهِ راحِلَتُهُ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيتَوَضَّأ فِيهَا) فَإِن ظَاهره كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يغسل رجلَيْهِ وهما فِي نَعْلَيْنِ، لِأَن قَوْله: فِيهَا، أَي: فِي النِّعَال ظرف لقَوْله: يتَوَضَّأ، وَبِهَذَا يرد على من زعم لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره تَصْرِيح بذلك، وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْله: (يتَوَضَّأ فِيهَا) ، لِأَن الأَصْل فِي الْوضُوء الْغسْل. قلت: مَا يُرِيد هَذَا من التَّصْرِيح أقوى من هَذَا، وَقَوله: وَلِأَن: فِيهَا، يدل على الْغسْل، وَلَو أُرِيد الْمسْح لقَالَ: عَلَيْهَا. وَهَذَا التَّعْلِيل يرد عَلَيْهِ قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره تَصْرِيح بذلك، وَهَذَا من الْعَجَائِب حَيْثُ ادّعى عدم التَّصْرِيح، ثمَّ أَقَامَ دَلِيلا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيمَا ذكره البُخَارِيّ فِي النَّعْلَيْنِ وَالْوُضُوء فيهمَا نظر. قلت: وَفِي نظره نظر، وَوَجهه مَا قَرَّرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وَلَا يمسح على النَّعْلَيْنِ) أَشَارَ بذلك إِلَى نفي مَا رُوِيَ عَن عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة أَنهم مسحوا على نعَالهمْ ثمَّ صلوا. وَرُوِيَ فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِي الْوضُوء، لَكِن ضعفه عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيره، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا تَوَضَّأ ونعلاه فِي قدمية مسح ظُهُور نَعْلَيْه بيدَيْهِ، وَيَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصنع هَكَذَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالْبَزَّار، وَرُوِيَ فِي حَدِيث رَوَاهُ عَليّ بن يحيى بن خَلاد عَن أَبِيه عَن عَمه رِفَاعَة بن رَافع: (أَنه كَانَ جَالِسا عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) ، وَفِيه: (وَمسح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ) ، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَالْجَوَاب عَن حَدِيث ابْن عمر: أَنه كَانَ فِي وضوء مُتَطَوّع بِهِ لَا فِي وضوء وَاجِب عَلَيْهِ، وَعَن حَدِيث رِفَاعَة: أَن المُرَاد أَنه مسح بِرَأْسِهِ وخفيه على رجلَيْهِ، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ على عدم الْإِجْزَاء بِالْإِجْمَاع على أَن الْخُفَّيْنِ إِذا تخرقا حَتَّى يَبْدُو القدمان، أَن الْمسْح لَا يجزىء عَلَيْهِمَا، قَالَ: فَكَذَلِك النَّعْلَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يغيبان
الْقَدَمَيْنِ. قَالَ بَعضهم: هَذَا اسْتِدْلَال صَحِيح، وَلكنه مُنَازع فِي نقل الْإِجْمَاع الْمَذْكُور. وَقلت: غير مُنَازع فِيهِ لِأَن مَذْهَب الْجُمْهُور أَن مُخَالفَة الْأَقَل لَا تضر الْإِجْمَاع، وَلَا يشْتَرط فِيهِ عدد التَّوَاتُر عِنْد الْجُمْهُور. وَرُوِيَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن سعيد، قَالَ: حَدثنَا عبد السَّلَام عَن عبد الْملك، قَالَ: قلت لعطاء: أَبلَغك عَن أحد من أَصْحَاب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام انه مسح على الْقَدَمَيْنِ؟ قَالَ: لَا.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم ذكرُوا مَا خلا عبيد بن جريج، كِلَاهُمَا مصغر والجرج: وعَاء يشبه الخرج وَهُوَ مدنِي ثِقَة مولى ابْن تَمِيم، وَلَيْسَ بَينه وَبَين عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج نسب، وَقد يظنّ أَن هَذَا عَمه، وَلَيْسَ كَذَلِك.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَنهم كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران، لِأَن عبيدا وسعيداً تابعيان من طبقَة وَاحِدَة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأَبُو دَاوُد فِي الْحَج. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي شمائله. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَابْن مَاجَه فِي اللبَاس، فالنسائي عَن كريب عَن ابْن إِدْرِيس عَن مَالك، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن ابي شيبَة.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (لَا تمس) من: مسست أمس بِكَسْر الْمَاضِي وَفتح الْمُسْتَقْبل مساً ومسيساً، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي مسست أمس بِكَسْر الْمَاضِي فِي الفصيح، وَفِي (الصِّحَاح) و (أَفعَال) ابْن القطاع عَن أبي عُبَيْدَة، والمطرزي فِي شَرحه عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَابْن فَارس فِي (مجمله) وَابْن السّكيت فِي (كتاب الْإِصْلَاح) : مسست بِالْكَسْرِ، ومسست بِالْفَتْح، وبالكسر أفْصح. وَحَكَاهُ أَيْضا ابْن سَيّده، وَحكي أَيْضا عَن ابْن جني: أمسه إِيَّاه، عداهُ إِلَى مفعولين. وَعَن سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: مسست الشَّيْء، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: ماسسته أَيْضا مماسة ومساساً ومساساً، بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَفِي (نَوَادِر) يُونُس: ماسسته. وَزعم ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ، أَن: مسست، بِالْفَتْح خطأ مِمَّا تلحن فِيهِ الْعَامَّة. قَوْله: (اليمانيين) ، تَثْنِيَة: يمَان بتَخْفِيف الْيَاء، هَذَا هُوَ الْأَفْصَح الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب، وَلم يذكر ابْن فَارس غَيره، وَذكر المطرزي فِي كِتَابه (غرائب أَسمَاء الشّعْر) ، عَن ثَعْلَب عَن سَلمَة عَن الْفراء عَن الْكسَائي، قَالَ: الْعَرَب تَقول فِي النِّسْبَة إِلَى الْيمن: رجل يمَان ويمني ويماني، وَفِي (الْكتاب الْجَامِع) : النِّسْبَة إِلَى الْيمن: يمَان على غير قِيَاس، وَالْقِيَاس يمني. وَفِي (الْمُحكم) : يمَان على نَادِر المعدول، وألفه عوض عَن الْيَاء لِأَنَّهُ يدل على مَا تدل عَلَيْهِ الْيَاء، وبنحوه ذكره فِي (الْمغرب) . وَفِي (الصِّحَاح) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعْضهمْ يَقُول: يماني، بِالتَّشْدِيدِ، قَالَ أُميَّة بن خلف:
(يَمَانِيا بَطل يشد كيراً ... وينفخ دَائِما لَهب الشواظ)
وَقوم يَمَانِية ويمانون مثل: ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ، وَفِي كتاب (التيجان) لِابْنِ هِشَام: سميت الْيمن يمناً بيعرب، واسْمه: يمن بن قحطان ابْن عَامر، وَهُوَ: هود، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك قيل: أَرض يمن، وَهُوَ أول من قَالَ الشّعْر ووزنه، وَفِي (مُعْجم) ابْن عبيد: سمي الْيمن قبل أَن تعرف الْكَعْبَة المشرفة، لِأَنَّهُ عَن يَمِين الشَّمْس، وَقَالَ ابو عبيد: قَالَ بَعضهم: سميت بذلك لِأَنَّهَا عَن يَمِين الْكَعْبَة. وَقيل: سميت بيمن بن قحطان، وَفِي (الزَّاهِر) لِابْنِ الانباري: وَقد أَيمن ويامن إِذا اتى الْيمن. وَفِي كتاب الرشاطي: سمي الْيمن ليمنه، وَهُوَ يعزى لقطرب. قَوْله: (السبتية) نشبة إِلَى: سبت، بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: وَهُوَ جلد الْبَقر المدبوغ بالقرظ. وَقَالَ ابو عمر: وكل مدبوغ فَهُوَ سبت. وَقَالَ ابو زيد: هِيَ السبت مدبوغة وَغير مدبوغة. وَقيل السبتية الَّتِي تشعر عَلَيْهَا وَقيل الَّتِي عَلَيْهَا الشّعْر وَفِي الحكم خص بَعضهم بِهِ جُلُود الْبَقر مدبوغة أَو غير مدبوغة وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: إِنَّمَا سميت سبتية لِأَن شعرهَا قد سبت عَنْهَا، أَي: خلق وأزيل. يُقَال: سبت رَأسه إِذا حلقه. وَفِي (النَّبَات) لأبي حنيفَة: السبت مُعرب من سبت. وَفِي (الغريبين) : سميت سبتة لِأَنَّهَا انسبتت بالدباغ اي لانت وَفِي كتاب ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ: نسبته إِلَى سوق السبت، وَقيل: هِيَ سود لَا شعر فِيهَا. قَوْله: (أهلَّ) من الإهلال. وَهُوَ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. وَفِي (الْمغرب) : كل شَيْء ارْتَفع صَوته فقد اسْتهلّ. وَقَالَ ابو الْخطاب: كل مُتَكَلم رَافع الصَّوْت أَو خافضه فَهُوَ مهل ومستهل. وَقَالَ صَاحب (الْعين) يُقَال: أهل بِعُمْرَة أَو بِحجَّة اي أحرم بهَا، وَجرى على ألسنتهم لأَنهم أَكثر مَا كَانُوا يحجون إِذا أهل الْهلَال، وإهلال الْهلَال واستهلاله رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ عِنْد رُؤْيَته، واستهلال الصَّبِي: تصويته عِنْد وِلَادَته، وَأهل الْهلَال: إِذا طلع، وَأهل واستهل: إِذا أبْصر، وأهللته: إِذا أبصرته.
واما الْإِعْرَاب فَقَوله: (رَأَيْتُك) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. وَقَوله: (تصنع) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فِي مَحل النصب على انها مفعول ثَان (وأربعا) مفعول: تصنع، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: رَأَيْتُك، الثَّانِي وَالثَّالِث. وَأما: رَأَيْتُك، وَالْخَامِس فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى الإبصار، وَبِمَعْنى الْعلم وَقَوله: (كنت) ، يحْتَمل أَن تكون تَامَّة أَو نَاقِصَة، و: (بِمَكَّة) ظرف لَغْو أَو مُسْتَقر. وَقَوله: (إِذا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ يحْتَمل أَن تَكُونَا شرطيتين وَأَن تَكُونَا ظرفيتين، وَأَن تكون الأولى شَرْطِيَّة وَالثَّانيَِة ظرفية وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (أهل) يجوز أَن يكون حَالا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلم يبين وَجهه، وَلَيْسَ هُوَ إلَاّ جَزَاء إِذا الأول، وَإِذا الثَّانِي مُفَسّر لَهُ، وَيجوز أَن يكون: أهل، جَزَاء إِذا الثَّانِي على مَذْهَب الْكُوفِيّين لأَنهم جوزوا تَقْدِيمه على الشَّرْط. قَوْله: (حَتَّى يكون يَوْم التَّرويَة) يجوز فِي: كَانَ، أَن تكون تَامَّة وَأَن تكون نَاقِصَة، فَإِن كَانَت تَامَّة يكون يَوْم، مَرْفُوعا لِأَنَّهُ إسم: كَانَ، وَإِن كَانَت نَاقِصَة تكون خبر: كَانَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ذكر فِي جَوَاب كل وَاحِد من: رَأَيْتُك، الْأَرْبَع فعلا رَآهُ مِنْهُ: فَمَا هُوَ هَهُنَا يَعْنِي فِي: رَأَيْتُك الْخَامِس؟ وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: رَأَيْتُك لم تهل حَتَّى كَانَ يَوْم التَّرويَة. قلت: أما أَن يكون محذوفاً. وَالْمَذْكُور دَلِيل عَلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تكون الشّرطِيَّة قَائِمَة مقَامه. قلت: هَذَا السُّؤَال لَا وَجه لَهُ،، وَمَا وَجه الْقيَاس الَّذِي ذكره.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع خِصَال. قَوْله: (لم أر أحدا من اصحابك يصنعها) : يحْتَمل أَن يكون مُرَاده لَا يصنعن أحد غَيْرك مجتمعة وَإِن كَانَ يصنع بَعْضهَا، وَفِي بعض النّسخ: من اصحابنا، أَي: من اصحاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي بعض النّسخ: وَمن أَصْحَابك قَوْله: (من الْأَركان) أَي: من أَرْكَان الْكَعْبَة الْأَرْبَعَة: واليمانيين، الرُّكْن الْيَمَانِيّ والركن الْيَمَانِيّ الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود، وَيُقَال لَهُ الرُّكْن الْعِرَاقِيّ لكَونه إِلَى جِهَة الْعرَاق، وَالَّذِي قبله يماني لِأَنَّهُ من جِهَة الْيمن. وَيُقَال لَهما: اليمانيان تَغْلِيبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فان قلت: لمَ لَا قَالُوا: الأسودين؟ وَيَأْتِي فِيهِ التغليب أَيْضا؟ قلت: لَو قيل كَذَلِك رُبمَا كَانَ يشْتَبه على بعض الْعَوام أَن فِي كل من هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الْحجر الْأسود، وَكَانَ يفهم التَّثْنِيَة وَلَا يفهم التغليب لقُصُور فهمه، بِخِلَاف: اليمانيين. قَوْله: (يلبس) ، بِفَتْح الْبَاء لِأَنَّهُ من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل، من بَاب علم يعلم. وَأما الَّذِي بِفَتْح الْبَاء فِي الْمَاضِي فمضارعه بِكَسْر الْبَاء من بَاب: ضرب يضْرب، فمصدر الأول: اللّبْس، بِضَم اللَّام. ومصدر الثَّانِي: اللّبْس، بِالْفَتْح: وَهُوَ الْخَلْط. قَوْله: (تصبغ) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا لُغَتَانِ مشهورتان. قَالَ الْكرْمَانِي، قلت: فِيهِ ثَلَاث لُغَات ذكرهَا ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) يُقَال: صبغ الثَّوْب والشيب وَنَحْوهمَا يصبغه، ويصبغه فالكسر عَن اللحياني صبغاً وصبغا وصبغة، وَأما: الصبغة، بِالْكَسْرِ فالمرة من الصَّبْغ، وصبغه. بِالتَّشْدِيدِ. أَي: لَونه، عَن ابي حنيفَة. قَوْله: (حَتَّى كَانَ يَوْم التَّرويَة) وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب التَّسْمِيَة بذلك على قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره: أَحدهمَا: لِأَن النَّاس يروون فِيهِ من المَاء من زَمْزَم لِأَنَّهُ لم يكن بمنى وَلَا بِعَرَفَة مَاء. وَالثَّانِي: أَنه الْيَوْم الَّذِي رأى فِيهِ آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَوَّاء. قلت: وَفِيه قَول أخر، وَهُوَ: أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ارى فِيهِ إِبْرَاهِيم أول الْمَنَاسِك. وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سمي بذلك لِأَن ابراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَاهُ الْوَحْي فِي مَنَامه أَن يذبح ابْنه، فتروى فِي نَفسه: من الله تَعَالَى هَذَا أم من الشَّيْطَان؟ فَأصْبح صَائِما، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة عَرَفَة أَتَاهُ الْوَحْي، فَعرف أَنه الْحق من ربه، فسميت عَرَفَة، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (فَضَائِل الاوقات) من رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَنهُ. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وروى أَبُو الطُّفَيْل عَن ابْن عَبَّاس: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما ابْتُلِيَ بِذبح ابْنه أَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأرَاهُ مَنَاسِك الْحَج، ثمَّ ذهب بِهِ إِلَى عَرَفَة. قَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: سميت عَرَفَة لِأَن جِبْرِيل قَالَ لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام: هَل عرفت؟ قَالَ: نعم، فَمن ثمَّ سميت: عَرَفَة. قَوْله: (حَتَّى تنبعث بِهِ رَاحِلَته) ، يُقَال: بعثت النَّاقة: أثرتها فانبعثت هِيَ، وَبَعثه فانبعث فِي السّير أَي: أسْرع، وَالْمعْنَى هُنَا: استواؤها قَائِمَة. وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ كِنَايَة عَن ابْتِدَاء الشُّرُوع فِي أَفعَال الْحَج، وَالرَّاحِلَة: هِيَ الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو انثى. قَوْله: (وَلم تهل أَنْت حَتَّى كَانَ) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى تكون) ؟ قَوْله: (قَالَ عبد الله) بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ هُوَ المسؤول من جِهَة عبيد بن جريج. قَوْله: (فَإِنِّي أحب أَن أصنع) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والباقين: (فَأَنا أحب) ، كَالَّتِي قبلهَا.
بَيَان استنباط الاحكام الأول: أَن فِيهِ مس الرُّكْنَيْنِ اليمانيين: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْفُقَهَاء الْيَوْم على أَن الرُّكْنَيْنِ الشاميين وهما مُقَابلا اليمانيين لَا يستلمان، وَإِنَّمَا كَانَ الْخلاف فِيهِ فِي الْعَصْر الأول بَين بعض الصَّحَابَة وَبَعض التَّابِعين، ثمَّ ذهب الْخلاف. وَتَخْصِيص الرُّكْنَيْنِ اليمانين بالاستلام لِأَنَّهُمَا كَانَا على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِخِلَاف الرُّكْنَيْنِ الآخرين، لِأَنَّهُمَا ليسَا على قَوَاعِد ابراهيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما ردهما عبد الله بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استلمها. أَيْضا، لَو بني الْآن كَذَلِك استلمت كلهَا اقْتِدَاء بِهِ، صرح بِهِ القَاضِي عِيَاض. وركن الْحجر الْأسود خص بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خص بالاستلام فَقَط، والآخران لَا يقبلان وَلَا يستلمان. وَكَانَ بعض الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى، عَنْهُم وَالتَّابِعِينَ يمسحهما على وَجه الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رُوِيَ عَن جَابر وَأنس وَابْن الزبير وَالْحسن وَالْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يستلمون الْأَركان كلهَا. وَعَن عُرْوَة مثل ذَلِك. وَاخْتلف عَن مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس فِي ذَلِك. وَقَالَ أَحدهمَا: لَيْسَ بِشَيْء من الْبَيْت مَهْجُورًا، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول: إلَاّ الرُّكْن الْأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين. وَلما رأى عبيد بن جريج جمَاعَة يَفْعَلُونَ على خلاف ابْن عمر سَأَلَهُ عَن ذَلِك.
الثَّانِي: فِي حكم النِّعَال السبتيه، قَالَ ابو عمر: لَا أعلم خلافًا فِي جَوَاز لبسهَا فِي غير الْمَقَابِر، وَحكي عَن ابْن عمر أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لبسهَا، وَإِنَّمَا كره قوم لبسهَا فِي الْمَقَابِر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك الْمَاشِي بَين الْمَقَابِر: (ألق سبيتك) . وَقَالَ قوم: يجوز ذَلِك وَلَو كَانَ فِي الْمَقَابِر، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اذا وَقع الْمَيِّت فِي قَبره انه يسمع قرع نعَالهمْ) وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي (نَوَادِر الاصول) إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَ لذَلِك الرجل: (إلق سبتيتك) لِأَن الْمَيِّت كَانَ يُسأل، فَلَمَّا صر نعل ذَلِك الرجل شغله عَن جَوَاب: الْملكَيْنِ، فكاد يهْلك لَوْلَا أَن ثبته الله تَعَالَى.
الثَّالِث: الصَّبْغ بالصفرة، وَلَفظ الحَدِيث يَشْمَل صبغ الثِّيَاب وصبغ الشّعْر، وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد مِنْهُمَا، فَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَظْهر أَن المُرَاد ضبغ الثِّيَاب لِأَنَّهُ أخبر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صبغ، وَلم يقل: إِنَّه صبغ شعره. قلت: جَاءَت آثَار عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بيَّن فِيهَا تصفير ابْن عمر لحيته، وَاحْتج بِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَذكر أَيْضا فِي حَدِيث آخر احتجاجه بِهِ بِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يصْبغ بهما ثِيَابه حَتَّى عمَامَته، وَكَانَ أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يخضب بالصفرة مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَآخَرُونَ، ويروى ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ. الرَّابِع: فِيهِ حكم الإهلال، وَاخْتلف فِيهِ، فَعِنْدَ الْبَعْض: الْأَفْضَل أَن يهل لاستقبال ذِي الْحجَّة، وَعند الشَّافِعِي: الْأَفْضَل أَن يحرم إِذا انبعثت رَاحِلَته، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ ابو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يحرم عقيب الصَّلَاة وَهُوَ جَالس قبل ركُوب دَابَّته، وَقبل قِيَامه، وَفِيه حَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ بعض الشُّرَّاح: وَهُوَ ضَعِيف. قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي ابْن ابراهيم، قَالَ: حَدثنَا ابي عَن ابْن اسحاق، قَالَ: حَدثنَا خصيف ابْن عبد الرَّحْمَن الْجَزرِي عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: يَا ابْن الْعَبَّاس؛ عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إهلال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أوجب. فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة وَاحِدَة فَمن مَعنا هُنَاكَ اخْتلفُوا. خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجده بِذِي الحليفة ركعتيه أوجبه فِي مَجْلِسه فأهلَّ بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظته عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام وَذَلِكَ أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا، فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا علا شرف الْبَيْدَاء أهل، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء، وأيم الله لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، وَأهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء. قَالَ سعيد: فَمن أَخذ بقول ابْن عَبَّاس أهل فِي مصلاة إِذا فرغ من ركعتيه وَأخرج الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) نَحوه، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم، مُفَسّر فِي الْبَاب، وَلم يخرجَاهُ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ ثمَّ قَالَ: وَبَين ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ جَاءَ الِاخْتِلَاف، وَأَن إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ابْتَدَأَ بِالْحَجِّ وَدخل بِهِ فِيهِ كَانَ فِي مصلاة، فَبِهَذَا نَأْخُذ. فَيَنْبَغِي للرجل إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يحرم فِي دبرهما، كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد. وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا بعد أَن ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء، فروى أَولا عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بِذِي الْخَلِيفَة
ثمَّ أَتَى براحلته فركبها، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ الْبَيْدَاء أهلَّ، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا فاستحبوا الْإِحْرَام من اليبداء لإحرام النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا. وَأَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء وَقَتَادَة، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم الْأَئِمَّة الاربعة وَأكْثر أَصْحَابهم، فَإِنَّهُم قَالُوا: سنة الْإِحْرَام أَن يكون من ذِي الحليفة. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) : اسْتحبَّ مَالك وَأكْثر الْفُقَهَاء أَن يهل الرَّاكِب إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَاسْتحبَّ أَبُو حنيفَة أَن يكون إهلاله عقب الصَّلَاة إِذا سلم مِنْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: يهل إِذا أخذت نَاقَته فِي الْمَشْي، وَحين كَانَ يركب رَاحِلَته قَائِمَة كَمَا يَفْعَله كثير من الْحجَّاج الْيَوْم، وَقَالَ عِيَاض: جَاءَ فِي رِوَايَة: (اهل رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا اسْتَوَت النَّاقة) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (حَتَّى اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته) ، وَفِي أُخْرَى: (حَتَّى تنبعث بِهِ نَاقَته) ، وكل ذَلِك مُتَّفق عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: أجَاب هَؤُلَاءِ عَمَّا قَالَه أهل الْمقَالة الاولى من اسْتِحْبَاب الْإِحْرَام من الْبَيْدَاء وَحَاصِله: لَا نسلم أَن إِحْرَامه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْبَيْدَاء يدل على اسْتِحْبَاب ذَلِك، وَأَنه فَضِيلَة اخْتَارَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ذَلِك، لَا الْقَصْد أَن للاحرام مِنْهَا فَضِيلَة على الْإِحْرَام من غَيرهَا، وَقد فعل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي حجَّته فِي مَوَاضِع لَا لفضل قَصده، وَمن ذَلِك نُزُوله بالمحصب. وروى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَيْسَ المحصب بِشَيْء، إِنَّمَا هُوَ منزل نزله رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا حصب رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلم يكن ذَلِك لِأَنَّهُ سنة، فَكَذَلِك يجوز أَن يكون إِحْرَامه من الْبَيْدَاء كَذَلِك. قَالَ: وَأنكر قوم أَن يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم من الْبَيْدَاء، وَقَالُوا: مَا أحرم إلَاّ من الْمَسْجِد، وَأَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: الزُّهْرِيّ وَعبد الْملك بن جريج وَعبد الله بن وهب، وَرووا فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (بيداؤكم هَذِه الَّتِي تكذبون على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه أهل مِنْهَا، مَا أهل رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إلَاّ من عِنْد الْمَسْجِد) ، يَعْنِي: مَسْجِد ذِي الحليفة، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَن يزِيد بن سِنَان عَن عبد الله بن مُسلم عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. فان قلت: كَيفَ يجوز لِابْنِ عمر أَن يُطلق الْكَذِب على الصَّحَابَة؟ قلت: الْكَذِب يَجِيء بِمَعْنى الْخَطَأ، لِأَنَّهُ يُشبههُ فِي كَونه ضد الصَّوَاب، كَمَا أَن ضد الْكَذِب الصدْق، وافترقا من حَيْثُ النِّيَّة وَالْقَصْد، لِأَن الْكَاذِب يعلم أَن الَّذِي يَقُوله كذب، والمخطىء لَا يعلم وَلَا يظنّ بِهِ أَنه كَانَ ينْسب الصَّحَابَة إِلَى الْكَذِب. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الِاخْتِلَاف بيَّن ابْن عَبَّاس الْوَجْه الَّذِي جَاءَ مِنْهُ الِاخْتِلَاف كَمَا ذكرنَا آنِفا.
٣١ - (بابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ والغُسل)
أَي: هَذَا بَاب فِي باين التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، والتيمن هُوَ الْأَخْذ بِالْيَمِينِ.
والمناسبة بَين الْأَبْوَاب ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة فِي أَحْكَام الْوضُوء، والتيمن أَيْضا من أَحْكَامه، وَلَا سِيمَا بَينه وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، لِأَنَّهُ فِي غسل الرجلَيْن وَفِيه التَّيَمُّن أَيْضا سنة أَو مُسْتَحبّ.
١٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثنا خالِدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سيرِين عنْ أُمِّ عطِيَّةَ قالتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُنَّ فِي غسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بميامنها) ، لِأَن الامر بالتيمن فِي التغسيل والتوضئة كليهمَا مُسْتَفَاد من عُمُوم اللَّفْظ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد ذكر. الثَّانِي: اسماعيل: هُوَ ابْن علية، وَقد مر. الثَّالِث: خَالِد الْحذاء، وَقد مضى. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين الْأَنْصَارِيَّة، أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة بنت كَعْب، وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة، وَاسْمهَا نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، وَحكي فتح النُّون مَعَ كسر السِّين: يَعْنِي يحيى بن معِين، وَلها صُحْبَة وَرِوَايَة، تعد فِي أهل الْبَصْرَة، وَكَانَت تغسل الْمَوْتَى وتمرض المرضى وتداوي الْجَرْحى وتغزو مَعَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غزت مَعَه سبع غزوات، وَشهِدت خَيْبَر
وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقيل عِنْدهَا، وَكَانَت تنتف إبطه بورسة. لَهَا أَرْبَعُونَ حَدِيثا اتفقَا على سَبْعَة أَو سِتَّة، وللبخاري حَدِيث، وَلمُسلم آخر، روى لَهَا الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَعَن حَامِد بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب بِهِ، وَحَدِيث الثَّقَفِيّ أتم. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (لَهُنَّ) أَي: لأم عَطِيَّة وَلمن مَعهَا. قَوْله: (فِي غسل ابْنَته) أَي: صفة غسل ابْنَته. قيل: اسْمهَا أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان بن عَفَّان، غسلتها أَسمَاء بنت عُمَيْس وَصفِيَّة بنت عبد الْمطلب، وَشهِدت أم عَطِيَّة غسلهَا، وَذكرت قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كَيْفيَّة غسلهَا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) أَنَّهَا زَيْنَب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَاتَتْ فِي السّنة الثَّانِيَة، وَلما نقل القَاضِي عِيَاض عَن بعض أهل السّير أَنَّهَا أم كُلْثُوم قَالَ: الصَّوَاب زَيْنَب، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته، وَقد يجمع بَينهمَا بِأَنَّهَا: غسلت زَيْنَب وَحَضَرت غسل أم كُلْثُوم، وَذكر الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه: أَن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدر غَائِب، وَغلط فِي ذَلِك، فَتلك رقية، وَلما دفن أم كُلْثُوم قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (دفن الْبَنَات من المكرمات) ، وَالْعجب من الْكرْمَانِي أَنه يَقُول: قَالَ النَّوَوِيّ فِي (تَهْذِيب الْأَسْمَاء) : إِن المغسولة اسْمهَا زَيْنَب، وَهَذَا مُسلم قد صرح بِهِ، فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ ينظر فِيهِ حَتَّى نسب ذَاك إِلَى النَّوَوِيّ.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: اسْتِحْبَاب الْوضُوء فِي أَو غسل الْمَيِّت، عملا بقوله: (ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) ، وَنقل النَّوَوِيّ عَن ابي حنيفَة عدم إستحبابه. قلت: هَذَا غير صَحِيح، فَفِي كتبنَا مثل (الْقَدُورِيّ) و (الْهِدَايَة) يذكر ذَلِك، قَالَ فِي (الْهِدَايَة) : لِأَن ذَلِك من سنة الْغسْل، غير أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق، لِأَن إِخْرَاج المَاء من فَمه مُتَعَذر، وَهل يتَوَضَّأ فِي الغسلة الأولى أَو الثَّانِيَة أَو فيهمَا؟ فِيهِ خلاف للمالكية حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ.
الثَّانِي: اسْتِحْبَاب تَقْدِيم الميامن فِي غسل الْمَيِّت، وَيلْحق بِهِ الطهارات، وَبِه تشعر تَرْجَمَة البُخَارِيّ، وَكَذَا أَنْوَاع الْفَضَائِل، وَالْأَحَادِيث فِيهِ كَثِيرَة، وبالاستحباب قَالَ أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وَلَا بُد من البدء بالميامن. وَقَالَ ابْن سِيرِين: يبْدَأ بمواضع الْوضُوء ثمَّ بالميامن. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: يبْدَأ بِالرَّأْسِ ثمَّ باللحية ثمَّ بالميامن.
الثَّالِث: فِيهِ فضل الْيَمين على الشمَال، أَلا ترى قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حاكيا عَن ربه: (وكلتا يَدَيْهِ يَمِين) ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {فاما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ} (سُورَة الحاقة: الْآيَة ١٩، وَسورَة الانشقاق؛ الْآيَة ٧) . وهم أهل الْجنَّة.
١٦٨ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي أشْعَثُ بنُ سُليْمٍ قالَ سَمِعْتُ أبي عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ..
فِيهِ الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة، لِأَن فِيهِ إعجابه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي شَأْنه كُله، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل اسْتِحْبَاب التَّيَامُن فِي كل شَيْء: فِي الْوضُوء وَالْغسْل والتغسيل وَغير ذَلِك.
أما الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين فظاهرة.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: حَفْص ابْن عمر الحوضي الْبَصْرِيّ الثبت الْحجَّة، قَالَ احْمَد: لَا يُؤْخَذ عَلَيْهِ حرف، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ حَفْص بن عمر غَيره، وَفِي السّنَن مفرقاً جماعات. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: أَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: ابْن سليم، بِالتَّصْغِيرِ، من ثِقَات شُيُوخ الْكُوفِيّين وَهُوَ الرَّابِع: من الروَاة، وَهُوَ سليم بن الْأسود الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم، الْكُوفِي أَبُو الشعْثَاء، وشهرته بكنيته أَكثر من اسْمه. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْكُوفِي، أَبُو عَائِشَة، أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأدْركَ الصَّدْر الأول من الصَّحَابَة، وَكَانَت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ قد تبنت مسروقاً فَسمى ابْنَته عَائِشَة، فكني بِأبي عَائِشَة، وَقد مر فِي بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كبيرين قرينين من اتِّبَاع التَّابِعين وهما: أَشْعَث وَشعْبَة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كبيرين قرينين من كبار التَّابِعين وهما: سليم ومسروق.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب، وَفِي اللبَاس عَن أبي الْوَلِيد وحجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك، خمستهم عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن أَبِيه بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه شُعْبَة بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى عَن أبي الْأَحْوَص عَن أَشْعَث بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن حَفْص بن عمر وَسَلَمَة بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي آخر الصَّلَاة عَن هناد بن السّري عَن أبي الْأَحْوَص بِهِ: وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَفِي الشَّمَائِل عَن أبي مُوسَى عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَفِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث، وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن هناد بِهِ، وَعَن سُفْيَان بن وَكِيع عَن عمر بن عبيد عَن أَشْعَث بِهِ.
بَيَان اللُّغَات قَوْله: (يُعجبهُ) من: الْإِعْجَاب، يُقَال: أعجبني هَذَا الشَّيْء لحسنه. والعجيب: الْأَمر الَّذِي يُتعجب مِنْهُ وَكَذَلِكَ العجاب بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف وبالتشديد أَكثر مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الأعجوبة، وَعَجِبت من كَذَا وتعجبت مِنْهُ واستعجبت بِمَعْنى، والمصدر: الْعجب، بِفتْحَتَيْنِ. وَأما الْعجب، بِضَم الْعين وَسُكُون الْجِيم. فَهُوَ اسْم من أعجب فلَان بِنَفسِهِ فَهُوَ معجب بِفَتْح الْجِيم بِرَأْيهِ وبنفسه، وَأما الْعجب، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْجِيم: فَهُوَ أصل الذَّنب. قَوْله: (التَّيَمُّن) هُوَ الْأَخْذ بِالْيَمِينِ فِي الْأَشْيَاء. قَوْله: (تنعله) أَي فِي لبسه النَّعْل وَهِي الَّتِي تلبس فِي الْمَشْي، تسمى الْآن تأسومه، قَالَه ابْن الاثير، وَهِي مُؤَنّثَة، يُقَال: نعلت وأنتعلت إِذا لبست النَّعْل، وانعلب الْخَيل، بِالْهَمْزَةِ وَمِنْه الحَدِيث: (إِن غَسَّان تنعل خيلها) ، وَفِي رِوَايَات البُخَارِيّ كلهَا: (فِي تنعله) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح النُّون وَتَشْديد الْعين، وَهَكَذَا ذكره الْحميدِي والحافظ عبد الْحق فِي كِتَابَيْهِمَا (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فِي نَعله) على إِفْرَاد النَّعْل، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (نَعْلَيْه) بالتثنية، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وهما صَحِيحَانِ وَلم ير فِي شَيْء من نسخ بِلَادنَا غير هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. قلت: الرِّوَايَات كلهَا صَحِيحَة. قَوْله: (وَترَجله) أَي: فِي تمشيطه الشّعْر وَهُوَ تسريحه، وَهُوَ أَعم من أَن يكون فِي الرَّأْس وَفِي اللِّحْيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ تسريحه ودهنه. قلت: اللَّفْظ لَا يدل على الدّهن، فَهَذَا التَّفْسِير من عِنْده وَلم يفسره أهل اللُّغَة كَذَلِك، وَفِي (الْمغرب) للمطرزي: رجل شعره أَي: أرْسلهُ بالمرجل، وَهُوَ الْمشْط. وترجل فعل ذَلِك بِنَفسِهِ، وَيُقَال: شعر رجل وَرجل، وَهُوَ: السبوطة والجعودة، وَقد رجل رجلا وَرجله هُوَ، وَرجل رجل الشّعْر وَرجل، وَجَمعهَا أرجال وَرِجَال، ذكره ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) ، فَانْظُر هَل ترى شَيْئا فِيهِ هَذِه الْموَاد يدل على الدّهن؟ والمرجل، بِكَسْر الْمِيم: الْمشْط، وَكَذَلِكَ المسرح، بِالْكَسْرِ، ذكره فِي (الغريبين) . قَوْله: (وَطهُوره) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بصم الطَّاء وَلَا يجوز فتحهَا هُنَا. قلت: لَا نسلم هَذَا على الْإِطْلَاق، لِأَن الْخَلِيل والأصمعي وابا حَاتِم السجسْتانِي والأزهري وَآخَرين ذَهَبُوا إِلَى أَن الطّهُور، بِالْفَتْح فِي الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمصدر وَالْمَاء الَّذِي يتَطَهَّر بِهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : وَحكي الضَّم فيهمَا، وَالْفرق الْمَذْكُور نَقله ابْن الْأَنْبَارِي عَن جمَاعَة من أهل اللُّغَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل الْكرْمَانِي: وَلَا يجوز فتحهَا، غير صَحِيح على الْإِطْلَاق. قَوْله: (فِي شَأْنه) الشَّأْن هُوَ الْحَال والخطب، وَأَصله الشَّأْن، بِالْهَمْزَةِ الساكنة فِي وَسطه، وَلكنهَا سهلت بقلبها ألفا لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، والشأن أَيْضا وَاحِد الشؤون وَهِي، مواصل قبائل الرَّأْس وملتقاها، وَمِنْهَا تَجِيء الدُّمُوع.
بَيَان الْإِعْرَاب قَوْله: (يُعجبهُ) فعل ومفعول، و: التَّيَمُّن، فَاعله، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، قَوْله: (فِي تنعله) فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي يُعجبهُ، وَالتَّقْدِير كَانَ يُعجبهُ التَّيَمُّن حَال كَونه لابساً النَّعْل. وَيجوز أَن يكون من التَّيَمُّن أَي: يُعجبهُ التَّيَمُّن حَال كَون التَّيَمُّن فِي تنعله. قَوْله: (وَترَجله) عطف على: تنعله، و: ظُهُوره، عطف على: ترجله. قَوْله: (فِي شَأْنه) بدل من الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة قبله بدل الاشتمال، وَالشّرط فِي بدل الاشتمال أَن يكون الْمُبدل مِنْهُ مُشْتَمِلًا على الثَّانِي، أَي: متقاضياً لَهُ بِوَجْه مَا، وَهَهُنَا كَذَلِك على مَا لَا يخفي، وَإِذا لم يكن الْمُبدل مِنْهُ مُشْتَمِلًا على الثَّانِي يكون بدل الْغَلَط، وَإِنَّمَا قيل لهَذَا بدل الاشتمال من حَيْثُ اشْتِمَال الْمَتْبُوع، على التَّابِع، لَا كاشتمال الظّرْف
على المظروف، بل من حَيْثُ كَونه دَالا عَلَيْهِ إِجْمَالا ومتقاضياً لَهُ بِوَجْه مَا، وَالْعجب من الْكرْمَانِي حَيْثُ نفى كَونه بدل الاشتمال لكَون الشَّرْط أَن يكون بَينهمَا مُلَابسَة بِغَيْر الْجُزْئِيَّة والكلية. وَهَهُنَا الشَّرْط مُنْتَفٍ. ثمَّ يَقُول: مَا قَوْلك فِيهِ؟ ثمَّ يُجيب بِأَنَّهُ بدل الاشتمال، وَهَهُنَا الملابسة مَوْجُودَة، وَمَعَ هَذَا قَوْله: لكَون الشَّرْط. إِلَى آخِره، لَيْسَ على الْإِطْلَاق لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ بعض الْغَلَط، نَحْو: جَاءَنِي زيد غُلَامه أَو حِمَاره، وَلَقِيت زيدا أَخَاهُ. وَلَا شكّ فِي كَونهَا بدل الْغَلَط. وَمن العجيب أَيْضا أَنه قَالَ: وَلَا يجوز أَن يكون بدل الْغَلَط لِأَنَّهُ لَا يَقع فِي فصيح الْكَلَام، ثمَّ قَالَ: أَو هُوَ بدل الْغَلَط وَقد يَقع فِي الْكَلَام الفصيح قَلِيلا، وَلَا مُنَافَاة بَين الْغَلَط والبلاغة. قلت: لَا يَقع بدل الْغَلَط الصّرْف وَلَا بدل النسْيَان فِي كَلَام الفصحاء، وَإِنَّمَا يَقع بدل البداء فِي كَلَام الشُّعَرَاء للْمُبَالَغَة والتفنن، وَبدل البداء أَن يذكر الْمُبدل مِنْهُ عَن قصد وتعمد ثمَّ يتدارك بِالثَّانِي، وَيدل الصّرْف وَهُوَ يدل على غلط صَرِيح فِيمَا إِذا أردْت أَن تَقول: جَاءَنِي حمَار فيسبقك لسَانك إِلَى رجل ثمَّ تداركت الْغَلَط فَقلت: حمَار، وَبدل النسْيَان أَن تتعمد ذكر مَا هُوَ غلط، وَلَا يسبقك لسَانك إِلَى ذكره، لَكِن تنسى الْمَقْصُود ثمَّ بعد ذَلِك تتداركه بِذكر الْمَقْصُود، فَمن هَذَا عرفت أَن أَنْوَاع بدل الْغَلَط ثَلَاثَة. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة ابي الْوَقْت: (وَفِي شَأْنه) ، بِإِثْبَات الْوَاو، قلت: على هَذَا يكون عطف الْعَام على الْخَاص، وَهُوَ ظَاهر. فان قلت: هَل يجوز أَن تقدر: الْوَاو، وَفِي الرِّوَايَة الخالية عَن: الْوَاو؟ قلت: جوزه بعض النُّحَاة إِذا قَامَت قرينَة عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم نَاقِلا عَن الْكرْمَانِي من غير تَصْرِيح بِهِ، قَوْله: (فِي شَأْنه كُله) بِدُونِ: الْوَاو، مُتَعَلق: بيعجبه، لَا: بالتيمن، أَي يُعجبهُ فِي شَأْنه كُله التَّيَمُّن فِي تنعله ... إِلَى آخِره أَي: لَا يتْرك ذَلِك سفرا وَلَا حضرا، وَلَا فِي فراغة وَلَا شغله وَنَحْو ذَلِك. قلت: كَلَام النَّاقِل وَالْمَنْقُول مِنْهُ سَاقِط، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون إعجابه التَّيَمُّن فِي هَذِه الثَّلَاثَة مَخْصُوصَة فِي حالاته كلهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل كَانَ يُعجبهُ التَّيَمُّن فِي كل الْأَشْيَاء فِي جَمِيع الْحَالَات. أَلا ترى أَنه أكد الشَّأْن بمؤكد؟ والشأن بِمَعْنى الْحَال، وَالْمعْنَى فِي جَمِيع حالاته؟ ثمَّ قَالَ هَذَا النَّاقِل: وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، فِي قَوْله: (فِي شَأْنه) بدل من قَوْله: (فِي تنعله) ، بِإِعَادَة الْعَامِل، وَكَأَنَّهُ ذكر التنعل لتَعَلُّقه بِالرجلِ، والترجل لتَعَلُّقه بِالرَّأْسِ، وَالطهُور لكَونه مِفْتَاح أَبْوَاب الْعِبَادَة، فَكَأَنَّهُ نبه على جَمِيع الْأَعْضَاء، فَيكون كبدل الْكل من الْكل. قلت: هَذَا لم يتَأَمَّل كَلَام الطَّيِّبِيّ، لِأَن كَلَامه لَيْسَ على رِوَايَة البُخَارِيّ وَإِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة مُسلم، وَهِي: (كَانَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يحب التَّيَمُّن فِي شَأْنه كُله: فِي تنعله وَترَجله) . لِأَن صَاحب الْمشكاة نقل عبارَة مُسلم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي شَرحه: بِهَذِهِ الْعبارَة أَقُول. قَوْله: (فِي طهوره وَترَجله وتنعله) بدل من قَوْله: (فِي شَأْنه) ، بِإِعَادَة الْعَامِل وَلَعَلَّه إِنَّمَا بَدَأَ فِيهَا بِذكر الطّهُور لِأَنَّهُ فتح لأبواب الطَّاعَات كلهَا، وثنى بِذكر التَّرَجُّل وَهُوَ يتَعَلَّق بِالرَّأْسِ، وَثلث بالتنعل وَهُوَ مُخْتَصّ بِالرجلِ ليشْمل جَمِيع الْأَعْضَاء، فَيكون كبدل الْكل من الْكل، وَالْعجب من هَذَا النَّاقِل أَنه لما نقل كَلَام الطَّيِّبِيّ على رِوَايَة مُسلم، ثمَّ قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِتَقْدِيم قَوْله: (فِي شَأْنه كُله) على قَوْله فِي: تنعله. إِلَى آخِره، قَالَ: فَيكون بدل الْبَعْض من الْكل، فَكَأَنَّهُ ظن أَن كَلَام الطَّيِّبِيّ من الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ذكر الشان مُتَأَخِّرًا كَمَا هِيَ رِوَايَة البُخَارِيّ هُنَا، ثمَّ قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم بِتَقْدِيم قَوْله: (فِي شَأْنه) ، وَهَذَا كَمَا ترى فِيهِ خبط ظَاهر.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (التَّيَمُّن) لفظ مُشْتَرك ترك بَين الِابْتِدَاء بِالْيَمِينِ، وَبَين تعَاطِي الشَّيْء بِالْيَمِينِ، وَبَين التَّبَرُّك وَبَين قصد الْيمن، وَلَكِن الْقَرِينَة دلّت على أَن المُرَاد الْمَعْنى الأول. قَوْله: (فِي تنعله) إِلَى آخِره زَاد أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة: (وسواكه) ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: (كَانَ يحب التَّيَامُن مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنه) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا عَن شُعْبَة: (مَا اسْتَطَاعَ) ، فنبه على الْمُحَافظَة على ذَلِك مَا لم يمْنَع مَانع، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (كَانَ يحب التَّيَامُن فِي كل شَيْء حَتَّى فِي التَّرَجُّل والانتعال) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه: (كَانَ يحب التَّيَامُن فِي الْوضُوء والانتعال) . قَوْله: (كُله) تَأْكِيد لقَوْله: (فِي شَأْنه) ، فَإِن قلت: مَا وَجه التَّأْكِيد وَقد اسْتحبَّ التياسر فِي بعض الْأَفْعَال كدخول الْخَلَاء وَنَحْوه؟ قلت: هَذَا عَام مَخْصُوص بالأدلة الخارجية. قَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا من عَام إِلَّا وَقد خص: إلَاّ {وَالله بِكُل شَيْء عليم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢، النِّسَاء: ٢١٧٦، النُّور: ٣٥ و ٦٤ الحجرات: ١٦، التغابن: ١١) . قلت: إِن أَرَادَ بِهِ أَنه يقبل التَّخْصِيص أَو يحْتَملهُ فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ بِالْإِطْلَاقِ فَفِيهِ نظر. وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدّين: هَذِه قَاعِدَة مستمرة فِي الشَّرْع، وَهِي أَن مَا كَانَ من بَاب التكريم والتشريف: كلبس الثَّوْب والسراويل والخف وَدخُول الْمَسْجِد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشَّارِب وترجيل الشّعْر ونتف