الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٩٣
الحديث رقم ١٦٩٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من اشترى الهدي من الطريق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
أراد ابن عمر رضي الله عنهما الحج في عام 72، وهو العام الذي ذهب فيه الحجاج بن يوسف الثقفي لمكة؛ لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وذلك أنه بعد موت معاوية بن يزيد عام 64 اجتمع رأي أهل الحل والعقد من أهل مكة فبايعوا عبد الله بن الزبير، وكذلك أهل العراق والشام، وبعد ذلك بايع بعض أهل الشام مروان بن الحكم، ثم لم يزل الأمر كذلك إلى أن توفى مروان وولي ابنه عبد الملك فمنع الناسَ من الحج خوفًا أن يبايعوا ابن الزبير، ثم بعث جيشا أمَّر عليه الحجاج، فقدم مكة وأقام الحصار من أول ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين بأهل مكة إلى أن قتل ابن الزبير وصلبه، في جمادى الأولى عام 73، فقيل لابن عمر في المدينة، والقائل له ابناه عبد الله وسالم: إن القتال حاصل بين الناس، وإنا نخاف أن يمنعوك عن البيت، فقال: إن مُنعت عن البيت أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من التحلل حين حُصِر بالحديبية، إني أُشهِدُكم أني قد أوجبت عمرةً، كما أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحديبية، فأراد بذلك التمتع، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء موضع بين مكة والمدينة أمام ذي الحليفة، قال: ما شأنُ الحجِّ والعمرةِ إلا واحد في حكم الحصر، فإذا كان التحلل للحصر جائزًا في العمرة مع أنها غير محدَّدةٍ بوقتٍ فهو في الحج كذلك، وفيه عمل الصحابة رضي الله عنهم بالقياس، ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، فأدخل الحج على العمرة وصار قارنًا، وأهدى هديًا اشتراه بقُديدٍ موضع قريب من الجُحفة.
ولم يزد على ذلك، فلم ينحر ولم يحل من شيء من نحظورات الإحرام، ولم يحلق ولم يقصر، حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد أدى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول الذي طافه يوم النحر للإضافة بعد الوقوف بعرفة، لأن الأول لا يحتاج أن يكون بعده شيء، والمراد أنه لم يجعل للقران طوافين بل اكتفى بواحد، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَمَلٌ آخَرُ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ إِحْلَالِهِ كَوْنُهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِلَّا لَكَانَ يَفْسَخُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا كَمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ طَوَافِ الْقُدُومِ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ) إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْقَارِنِ وَالرَّمَلِ فِيهِ إِنْ عَقَّبَهُ بِالسَّعْيِ، وَتَسْمِيَةُ السَّعْيِ طَوَافًا، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ وَقَعَ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ لَفْظُ بَابٍ وَقَالَ فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ إِلَخْ وَهُوَ خَطَأٌ شَنِيعٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى فَاعِلُ قَوْلِهِ وَفَعَلَ فَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ بَابٍ خَطَأٌ وَيَصِيرُ فَاعِلُ فَعَلَ مَحْذُوفًا، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ فَعَلَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فِي: الْمُسْتَخْرَجِ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ إِلَخْ ثُمَّ أَعَادَ هَذَا اللَّفْظَ بِتَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَسَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَهَذَا غَرِيبٌ (١) وَالْأَصْوَبُ مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاصِلَةٌ صُورَتُهَا (.) وَبَعْدَهَا مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: أَمَرَنَا أَبُو ذَرٍّ أَنَّ نَضْرِبَ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. انْتَهَى. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَمِنْ شَيْخِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى هُوَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ وَفَعَلَ وَلَكِنَّهُمَا ظَنَّا أَنَّهَا تَرْجَمَةٌ فَحَكَمَا عَلَيْهَا بِالْوَهْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ أَعَادَ الْإِسْنَادَ بِعَيْنِهِ إِلَى عَائِشَةَ قَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُهَلَّبُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ فَقَالَ: يَعْنِي مِثْلَهُ فِي الْوَهْمِ لِأَنَّ أَحَادِيثَ عَائِشَةَ كُلَّهَا شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ حَجَّ مُفْرِدًا. قُلْتُ: وَلَيْسَ وَهْمًا إِذْ لَا مانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِمِثْلِ مَا جَمَعْنَا بِهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيثِهَا الْبُدَاءَةُ بِالْحَجِّ وَبِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِدْخَالَهَا عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠٥ - بَاب مَنْ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ الطَّرِيقِ
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لِأَبِيهِ: أَقِمْ فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ تُصَدّ عَنْ الْبَيْتِ. قَالَ: إِذن أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي الْعُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لأَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب في عام نزول (١) الحجَّاج بمكَّة لقتال ابن الزُّبير: (أَقِمْ) بفتح الهمزة وكسر القاف أمرٌ من الإقامة، أي: لا تحجَّ في هذه السَّنة (فَإِنِّي لَا آمَنُهَا) بفتح الهمزة الممدودة والميم المُخفَّفة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «لا إِيمَنُها» بكسر الهمزة، فتُقلَب الألف ياءً ساكنةً، على لغة من يكسر حرف المضارعة إذا كان الماضي على «فعِل» -بكسر العين- ومستقبله «يفعَل» -بفتحها- نحو: أنا أعلم، وأنت (٢) تعلم، ونحن نعلم، وهو يعلم، أي: لا آمن الفتنة (أَنْ سَتُصَدَُّ) بفتح الهمزة وفتح (٣) السِّين والصَّاد ونصب الدَّال ورفعها، أي: ستُمنَع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن تُصَدَّ» (عَنِ البَيْتِ، قَالَ) ابن عمر: (إِذَنْ أَفْعَلَ) نُصِب (٤) بـ «إذًا» (كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) من الإحلال حين صُدَّ بالحديبية (وَقَدْ قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي العُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ) زاد أبو ذرٍّ: «من الدَّار» وفيها: جواز الإحرام من قبل الميقات، وهو من الميقات أفضل منه من دويرة أهله؛ خلافًا للرَّافعيِّ في تصحيحه عكسه لأنَّه ﷺ أحرم بحجَّته وبعمرة الحديبية من ذي الحُلَيفة، ولأنَّ في مصابرة الإحرام بالتَّقديم عسرًا وتغريرًا (٥) بالعبادة وإن كان جائزًا.
(قَالَ) عبد الله بن عبد الله بن عمر (٦): (ثُمَّ خَرَجَ) أي: أبوه إلى الحجِّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) في العمل (إِلَّا وَاحِدٌ) لأنَّ القارن عنده
لا يطوف إلَّا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وهو مذهب الجمهور؛ خلافًا للحنفيَّة، وأجابوا عن هذا بأنَّ المرادَ من هذا الطَّواف: طوافُ (١) القدوم كما مرَّ في «باب طواف القارن» [خ¦١٦٣٩] (ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ) بضمِّ القاف وفتح الدَّال بعدها: موضعٌ في أرض الحلِّ، وهذا موضع التَّرجمة، وكونه معه من بلده أفضل، وشراؤه من طريقه أفضل من شرائه من مكَّة ثمَّ من عرفة، فإن لم يسقه أصلًا بل اشتراه من منًى جاز وحصل أصل الهدي (ثُمَّ قَدِمَ) بفتح القاف وكسر الدَّال؛ مكَّة (فَطَافَ) بالكعبة (لَهُمَا) أي: للحجِّ والعمرة (طَوَافًا وَاحِدًا) وسعى سعيًا واحدًا (فَلَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى حَلَّ) وللحَمُّويي: «حتَّى أحلَّ» بزيادة ألفٍ قبل الحاء، وهي لغةٌ مشهورةٌ، يقال: حلَّ وأحلَّ (مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا).
(١٠٦) (بابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ) هديه (بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ أَحْرَمَ) بعد الإشعار والتَّقليد.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٢): (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ) أي: الهدي بأن يعلِّق في عنقه نعلين من النِّعال التي تُلبَس في الإحرام (وَأَشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الإِشعار -بكسر الهمزة- وهو لغةً: الإعلام، وشرعًا: ما هو مذكورٌ في قوله: (يَطْعُنُ) بضمِّ العين، أي: يضرب (فِي شِقِّ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: ناحية صفحة (سَنَامِهِ) بفتح السِّين المهملة، أي: سنام الهدي (الأَيْمَنِ) نعتٌ لـ «شِقِّ»، وقال مالكٌ: في الأيسر، وهو الذي في «المُوطَّأ»، نعم روى البيهقيُّ عن ابن جريجٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّه كان لا يبالي في أيِّ الشِّقَّين أشعر؛ في الأيسر أو في الأيمن، قال: وإنَّما يقول الشَّافعيُّ
بما روى في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ (١)؛ يشير إلى حديث ابن عبَّاسٍ: أشعر النَّبيُّ ﷺ في الشِّقِّ الأيمن (بِالشَّفْرَةِ) بفتح الشِّين (٢) المعجمة: السِّكِّين العريضة؛ بحيث يكشط جلدها حتَّى يظهر الدَّم (وَوَجْهُهَا) أي: البدنة (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (القِبْلَةِ) أي (٣): في حالتي التَّقليد والإشعار، حال كونها (بَارِكَةً) ويلطِّخها بالدَّم لتُعرَف إذا ضلَّت، وتتميَّز إذا اختلطت بغيرها، فإن لم يكن لها سنامٌ أشعر موضعه، هذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو ظاهر «المُدوَّنة»، وفي كتاب محمد: لا تُشْعر؛ لأنَّه تعذيبٌ، فيقتصر فيه (٤) على ما ورد، وقال أبو حنيفة: الإشعار مكروهٌ، وخالفه صاحباه، فقالا: إنَّه سنَّةٌ، واحتجَّ لأبي حنيفة بأنَّه مثلةٌ، وهي منهيٌّ عنها وعن تعذيب الحيوان، وأُجيب بأنَّ أخبار النَّهي عن ذلك عامَّةٌ، وأخبار الإشعار خاصَّةٌ، فقُدِّمت، وقال الخطَّابيُّ: أشعر النَّبيُّ ﷺ بدنةً آخر حياته، ونهيه عن المثلة كان أوَّل مَقْدَمه المدينة، مع أنَّه ليس من المثلة، بل من بابٍ آخر. انتهى. أي: بل هو كالختان والفصد وشقِّ أذن (٥) الحيوان؛ ليكون علامةً وغير ذلك كالختان، وقد كَثُر تشنيع المتقدِّمين على أبي حنيفة ﵀ في إطلاقه كراهة الإشعار، فقال ابن حزمٍ في «المُحلَّى»: هذه طامَّةٌ من طوامِّ العالم أن يكون مُثْلَةً شيءٌ فعله رسول الله ﷺ، أفٍّ لكلِّ عقلٍ يتعقَّب حكم رسول الله ﷺ، وهذه قولةٌ لأبي حنيفة لا نعلم (٦) له فيها متقدِّمًا (٧) من السَّلف ولا موافقًا (٨) من فقهاء عصره إلَّا من قلَّده. انتهى. وقد ذكر التِّرمذيُّ عن أبي السَّائب قال: كنَّا عند
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرته عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تمتعه بِالْحَجِّ إِلَى الْعمرَة، وتمتع النَّاس مَعَه مثل الَّذِي أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن عبد الله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. انْتهى. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت بِإِسْنَاد وَاحِد عَن سَالم وَعَن عُرْوَة، وَكَذَلِكَ أَبُو نعيم سَاق الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي (الْمُسْتَخْرج) ثمَّ أَعَادَهُ بِمثلِهِ عَن عَائِشَة بترجمة مُسْتَقلَّة بِمثل الْإِسْنَاد الأول، ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهُمَا: أخرجه البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. قلت: وَكَذَلِكَ أخرج مُسلم كلا مِنْهُمَا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث كَمَا رَأَيْته.
٥٠١ - (بابُ منِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اشْترط الْهَدْي فِي طَرِيقه عِنْد توجهه إِلَى الْكَعْبَة، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم.
٣٩٦١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لأِبِيهِ أقِمْ فإنِّي لَا آمَنُهَا أنْ سَتُصَدُّ عنِ الْبَيتِ قَالَ إِذا أفْعَلَ كَمَا فعَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَدْ قالَ الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حسَنَةٌ فأنَا أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عَلَى نَفْسي الْعُمْرَةَ فأهَلَّ بالْعُمْرَةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بالبَيْدَاءِ أهَلَّ بِالحَجِّ والْعُمْرَةِ وَقَالَ مَا شأنُ الْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطافَ لَهُمَا طَوَافا وَاحِدا فلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اشْترى الْهَدْي من قديد) ، فَإِن القديد فِي الطَّرِيق فِي الْحل. قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ أَن يبين أَن مَذْهَب ابْن عمر فِي الْهَدْي مَا أَدخل من الْحل إِلَى الْحرم، لِأَن قديدا من الْحل، ورد عَلَيْهِ بِأَن التَّرْجَمَة أَعم من فعل ابْن عمر فَكيف يكون بَيَانا لَهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب طواف الْقَارِن، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع ... إِلَى آخِره، فَاعْتبر التَّفَاوُت فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهنا أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لِأَبِيهِ) هُوَ: عبد الله بن عمر. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أقِم) ، أَمر من الْإِقَامَة، أَرَادَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ لما أَرَادَ التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة: أقِم عندنَا لَا ترح هَذِه السّنة، فَإِن فِيهَا فتْنَة الْحجَّاج، فَيكون فِيهَا قتال يصدك عَن الْبَيْت. قَوْله: (فَإِنِّي لَا آمنها) أَي: لَا آمن الْفِتْنَة، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة الممدودة وَفتح الْمِيم المخففة، وَقد مر فِي حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور بِلَفْظ: لَا آمن، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: لَا أيمنها، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: من الْعَرَب من يكسر زَوَائِد كل فعل مضارع فعل ومستقبله يفعل، فَتَقول: أَنا أعلم وَأَنت تعلم وَنحن نعلم، وَهُوَ يعلم. قَوْله: (أَن ستصد) أَي: أَن ستمنع، هَذِه رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أَن تصد) ، بِنصب الدَّال، ويروى (أَن ستصد) بِالرَّفْع. قَوْله: (إِذا أفعل) بِالنّصب. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، يَعْنِي: من الإهلال حِين صد بِالْحُدَيْبِية. قَوْله: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ من الدَّار) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم من رِوَايَة عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن أبي النُّعْمَان: شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه حجَّة على من لم ير بِجَوَاز الْإِحْرَام من خَارج الْمَوَاقِيت، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الْجَوَاز، ثمَّ قيل: هُوَ أفضل من الْمِيقَات، وَقيل: من كَانَ لَهُ مِيقَات معِين فَهُوَ فِي حَقه أفضل وإلَاّ فَمن دَاره أفضل، وللشافعية فِي أرجحية الْمِيقَات من الدَّار اخْتِلَاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ من تَعْلِيلهم أَي: من أَمن على نَفسه كَانَ أرجح فِي حَقه، وإلَاّ فَمن الْمِيقَات أفضل. قَوْله: (مَا شَأْنهمَا إلَاّ وَاحِد) يَعْنِي: فِي الْعَمَل، لِأَن الْقَارِن لَا يطوف عِنْده إلَاّ طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا. وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج أَن لَهُ أَن يدْخل عَلَيْهَا الْحَج مَا لم يفْتَتح الطّواف بِالْبَيْتِ، لِأَن الصَّحَابَة أهلوا بِعُمْرَة فِي حجَّة الْوَدَاع، ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَبِهَذَا احْتج مَالك فِي (موطئِهِ) . وَاخْتلفُوا فِي إِدْخَاله عَلَيْهَا إِذا افْتتح الطّواف، فَقَالَ مَالك: يلْزمه ذَلِك. وَيكون قَارنا، وَذكر أَنه
قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة.
٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع.
الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام.
النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا.
النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي.
النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة
وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا.
النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ.
النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا.
النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة.
وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح
بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال.
٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَمَلٌ آخَرُ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ إِحْلَالِهِ كَوْنُهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِلَّا لَكَانَ يَفْسَخُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا كَمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ طَوَافِ الْقُدُومِ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ) إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْقَارِنِ وَالرَّمَلِ فِيهِ إِنْ عَقَّبَهُ بِالسَّعْيِ، وَتَسْمِيَةُ السَّعْيِ طَوَافًا، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ وَقَعَ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ لَفْظُ بَابٍ وَقَالَ فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ إِلَخْ وَهُوَ خَطَأٌ شَنِيعٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى فَاعِلُ قَوْلِهِ وَفَعَلَ فَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ بَابٍ خَطَأٌ وَيَصِيرُ فَاعِلُ فَعَلَ مَحْذُوفًا، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ فَعَلَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فِي: الْمُسْتَخْرَجِ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ إِلَخْ ثُمَّ أَعَادَ هَذَا اللَّفْظَ بِتَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَسَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَهَذَا غَرِيبٌ (١) وَالْأَصْوَبُ مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاصِلَةٌ صُورَتُهَا (.) وَبَعْدَهَا مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: أَمَرَنَا أَبُو ذَرٍّ أَنَّ نَضْرِبَ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. انْتَهَى. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَمِنْ شَيْخِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَهْدَى هُوَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ وَفَعَلَ وَلَكِنَّهُمَا ظَنَّا أَنَّهَا تَرْجَمَةٌ فَحَكَمَا عَلَيْهَا بِالْوَهْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ أَعَادَ الْإِسْنَادَ بِعَيْنِهِ إِلَى عَائِشَةَ قَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُهَلَّبُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ فَقَالَ: يَعْنِي مِثْلَهُ فِي الْوَهْمِ لِأَنَّ أَحَادِيثَ عَائِشَةَ كُلَّهَا شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ حَجَّ مُفْرِدًا. قُلْتُ: وَلَيْسَ وَهْمًا إِذْ لَا مانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِمِثْلِ مَا جَمَعْنَا بِهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيثِهَا الْبُدَاءَةُ بِالْحَجِّ وَبِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِدْخَالَهَا عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠٥ - بَاب مَنْ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ الطَّرِيقِ
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لِأَبِيهِ: أَقِمْ فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ تُصَدّ عَنْ الْبَيْتِ. قَالَ: إِذن أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي الْعُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لأَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب في عام نزول (١) الحجَّاج بمكَّة لقتال ابن الزُّبير: (أَقِمْ) بفتح الهمزة وكسر القاف أمرٌ من الإقامة، أي: لا تحجَّ في هذه السَّنة (فَإِنِّي لَا آمَنُهَا) بفتح الهمزة الممدودة والميم المُخفَّفة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «لا إِيمَنُها» بكسر الهمزة، فتُقلَب الألف ياءً ساكنةً، على لغة من يكسر حرف المضارعة إذا كان الماضي على «فعِل» -بكسر العين- ومستقبله «يفعَل» -بفتحها- نحو: أنا أعلم، وأنت (٢) تعلم، ونحن نعلم، وهو يعلم، أي: لا آمن الفتنة (أَنْ سَتُصَدَُّ) بفتح الهمزة وفتح (٣) السِّين والصَّاد ونصب الدَّال ورفعها، أي: ستُمنَع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن تُصَدَّ» (عَنِ البَيْتِ، قَالَ) ابن عمر: (إِذَنْ أَفْعَلَ) نُصِب (٤) بـ «إذًا» (كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) من الإحلال حين صُدَّ بالحديبية (وَقَدْ قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي العُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ) زاد أبو ذرٍّ: «من الدَّار» وفيها: جواز الإحرام من قبل الميقات، وهو من الميقات أفضل منه من دويرة أهله؛ خلافًا للرَّافعيِّ في تصحيحه عكسه لأنَّه ﷺ أحرم بحجَّته وبعمرة الحديبية من ذي الحُلَيفة، ولأنَّ في مصابرة الإحرام بالتَّقديم عسرًا وتغريرًا (٥) بالعبادة وإن كان جائزًا.
(قَالَ) عبد الله بن عبد الله بن عمر (٦): (ثُمَّ خَرَجَ) أي: أبوه إلى الحجِّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) في العمل (إِلَّا وَاحِدٌ) لأنَّ القارن عنده
لا يطوف إلَّا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وهو مذهب الجمهور؛ خلافًا للحنفيَّة، وأجابوا عن هذا بأنَّ المرادَ من هذا الطَّواف: طوافُ (١) القدوم كما مرَّ في «باب طواف القارن» [خ¦١٦٣٩] (ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ) بضمِّ القاف وفتح الدَّال بعدها: موضعٌ في أرض الحلِّ، وهذا موضع التَّرجمة، وكونه معه من بلده أفضل، وشراؤه من طريقه أفضل من شرائه من مكَّة ثمَّ من عرفة، فإن لم يسقه أصلًا بل اشتراه من منًى جاز وحصل أصل الهدي (ثُمَّ قَدِمَ) بفتح القاف وكسر الدَّال؛ مكَّة (فَطَافَ) بالكعبة (لَهُمَا) أي: للحجِّ والعمرة (طَوَافًا وَاحِدًا) وسعى سعيًا واحدًا (فَلَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى حَلَّ) وللحَمُّويي: «حتَّى أحلَّ» بزيادة ألفٍ قبل الحاء، وهي لغةٌ مشهورةٌ، يقال: حلَّ وأحلَّ (مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا).
(١٠٦) (بابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ) هديه (بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ أَحْرَمَ) بعد الإشعار والتَّقليد.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٢): (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ) أي: الهدي بأن يعلِّق في عنقه نعلين من النِّعال التي تُلبَس في الإحرام (وَأَشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الإِشعار -بكسر الهمزة- وهو لغةً: الإعلام، وشرعًا: ما هو مذكورٌ في قوله: (يَطْعُنُ) بضمِّ العين، أي: يضرب (فِي شِقِّ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: ناحية صفحة (سَنَامِهِ) بفتح السِّين المهملة، أي: سنام الهدي (الأَيْمَنِ) نعتٌ لـ «شِقِّ»، وقال مالكٌ: في الأيسر، وهو الذي في «المُوطَّأ»، نعم روى البيهقيُّ عن ابن جريجٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّه كان لا يبالي في أيِّ الشِّقَّين أشعر؛ في الأيسر أو في الأيمن، قال: وإنَّما يقول الشَّافعيُّ
بما روى في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ (١)؛ يشير إلى حديث ابن عبَّاسٍ: أشعر النَّبيُّ ﷺ في الشِّقِّ الأيمن (بِالشَّفْرَةِ) بفتح الشِّين (٢) المعجمة: السِّكِّين العريضة؛ بحيث يكشط جلدها حتَّى يظهر الدَّم (وَوَجْهُهَا) أي: البدنة (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (القِبْلَةِ) أي (٣): في حالتي التَّقليد والإشعار، حال كونها (بَارِكَةً) ويلطِّخها بالدَّم لتُعرَف إذا ضلَّت، وتتميَّز إذا اختلطت بغيرها، فإن لم يكن لها سنامٌ أشعر موضعه، هذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو ظاهر «المُدوَّنة»، وفي كتاب محمد: لا تُشْعر؛ لأنَّه تعذيبٌ، فيقتصر فيه (٤) على ما ورد، وقال أبو حنيفة: الإشعار مكروهٌ، وخالفه صاحباه، فقالا: إنَّه سنَّةٌ، واحتجَّ لأبي حنيفة بأنَّه مثلةٌ، وهي منهيٌّ عنها وعن تعذيب الحيوان، وأُجيب بأنَّ أخبار النَّهي عن ذلك عامَّةٌ، وأخبار الإشعار خاصَّةٌ، فقُدِّمت، وقال الخطَّابيُّ: أشعر النَّبيُّ ﷺ بدنةً آخر حياته، ونهيه عن المثلة كان أوَّل مَقْدَمه المدينة، مع أنَّه ليس من المثلة، بل من بابٍ آخر. انتهى. أي: بل هو كالختان والفصد وشقِّ أذن (٥) الحيوان؛ ليكون علامةً وغير ذلك كالختان، وقد كَثُر تشنيع المتقدِّمين على أبي حنيفة ﵀ في إطلاقه كراهة الإشعار، فقال ابن حزمٍ في «المُحلَّى»: هذه طامَّةٌ من طوامِّ العالم أن يكون مُثْلَةً شيءٌ فعله رسول الله ﷺ، أفٍّ لكلِّ عقلٍ يتعقَّب حكم رسول الله ﷺ، وهذه قولةٌ لأبي حنيفة لا نعلم (٦) له فيها متقدِّمًا (٧) من السَّلف ولا موافقًا (٨) من فقهاء عصره إلَّا من قلَّده. انتهى. وقد ذكر التِّرمذيُّ عن أبي السَّائب قال: كنَّا عند
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرته عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تمتعه بِالْحَجِّ إِلَى الْعمرَة، وتمتع النَّاس مَعَه مثل الَّذِي أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن عبد الله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. انْتهى. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت بِإِسْنَاد وَاحِد عَن سَالم وَعَن عُرْوَة، وَكَذَلِكَ أَبُو نعيم سَاق الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي (الْمُسْتَخْرج) ثمَّ أَعَادَهُ بِمثلِهِ عَن عَائِشَة بترجمة مُسْتَقلَّة بِمثل الْإِسْنَاد الأول، ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهُمَا: أخرجه البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. قلت: وَكَذَلِكَ أخرج مُسلم كلا مِنْهُمَا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث كَمَا رَأَيْته.
٥٠١ - (بابُ منِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اشْترط الْهَدْي فِي طَرِيقه عِنْد توجهه إِلَى الْكَعْبَة، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم.
٣٩٦١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لأِبِيهِ أقِمْ فإنِّي لَا آمَنُهَا أنْ سَتُصَدُّ عنِ الْبَيتِ قَالَ إِذا أفْعَلَ كَمَا فعَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَدْ قالَ الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حسَنَةٌ فأنَا أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عَلَى نَفْسي الْعُمْرَةَ فأهَلَّ بالْعُمْرَةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بالبَيْدَاءِ أهَلَّ بِالحَجِّ والْعُمْرَةِ وَقَالَ مَا شأنُ الْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطافَ لَهُمَا طَوَافا وَاحِدا فلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اشْترى الْهَدْي من قديد) ، فَإِن القديد فِي الطَّرِيق فِي الْحل. قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ أَن يبين أَن مَذْهَب ابْن عمر فِي الْهَدْي مَا أَدخل من الْحل إِلَى الْحرم، لِأَن قديدا من الْحل، ورد عَلَيْهِ بِأَن التَّرْجَمَة أَعم من فعل ابْن عمر فَكيف يكون بَيَانا لَهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب طواف الْقَارِن، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع ... إِلَى آخِره، فَاعْتبر التَّفَاوُت فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهنا أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لِأَبِيهِ) هُوَ: عبد الله بن عمر. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أقِم) ، أَمر من الْإِقَامَة، أَرَادَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ لما أَرَادَ التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة: أقِم عندنَا لَا ترح هَذِه السّنة، فَإِن فِيهَا فتْنَة الْحجَّاج، فَيكون فِيهَا قتال يصدك عَن الْبَيْت. قَوْله: (فَإِنِّي لَا آمنها) أَي: لَا آمن الْفِتْنَة، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة الممدودة وَفتح الْمِيم المخففة، وَقد مر فِي حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور بِلَفْظ: لَا آمن، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: لَا أيمنها، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: من الْعَرَب من يكسر زَوَائِد كل فعل مضارع فعل ومستقبله يفعل، فَتَقول: أَنا أعلم وَأَنت تعلم وَنحن نعلم، وَهُوَ يعلم. قَوْله: (أَن ستصد) أَي: أَن ستمنع، هَذِه رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أَن تصد) ، بِنصب الدَّال، ويروى (أَن ستصد) بِالرَّفْع. قَوْله: (إِذا أفعل) بِالنّصب. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، يَعْنِي: من الإهلال حِين صد بِالْحُدَيْبِية. قَوْله: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ من الدَّار) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم من رِوَايَة عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن أبي النُّعْمَان: شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه حجَّة على من لم ير بِجَوَاز الْإِحْرَام من خَارج الْمَوَاقِيت، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الْجَوَاز، ثمَّ قيل: هُوَ أفضل من الْمِيقَات، وَقيل: من كَانَ لَهُ مِيقَات معِين فَهُوَ فِي حَقه أفضل وإلَاّ فَمن دَاره أفضل، وللشافعية فِي أرجحية الْمِيقَات من الدَّار اخْتِلَاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ من تَعْلِيلهم أَي: من أَمن على نَفسه كَانَ أرجح فِي حَقه، وإلَاّ فَمن الْمِيقَات أفضل. قَوْله: (مَا شَأْنهمَا إلَاّ وَاحِد) يَعْنِي: فِي الْعَمَل، لِأَن الْقَارِن لَا يطوف عِنْده إلَاّ طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا. وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج أَن لَهُ أَن يدْخل عَلَيْهَا الْحَج مَا لم يفْتَتح الطّواف بِالْبَيْتِ، لِأَن الصَّحَابَة أهلوا بِعُمْرَة فِي حجَّة الْوَدَاع، ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَبِهَذَا احْتج مَالك فِي (موطئِهِ) . وَاخْتلفُوا فِي إِدْخَاله عَلَيْهَا إِذا افْتتح الطّواف، فَقَالَ مَالك: يلْزمه ذَلِك. وَيكون قَارنا، وَذكر أَنه
قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة.
٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع.
الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام.
النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا.
النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي.
النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة
وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا.
النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ.
النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا.
النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة.
وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح
بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال.
٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن