«كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ: إِنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦

الحديث رقم ٢٢٦ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البول عند سباطة قوم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول ويقول…

«كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللهِ سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا».

سند حديث: ٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ…

٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول ويقول…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ) بنونٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّة (١) فمُوحَّدةٍ فمُعجَمة، أي: ذهبت ناحية (مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ) بيده أو برأسه (فَجِئْتُهُ) فقال: «يا حذيفة، استرني» كما عند «الطَّبرانيِّ» من حديث عصمة بن مالكٍ (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) بالإفراد (٢)، وللأَصيليِّ: «عقبيه» (حَتَّى فَرَغَ) وفي إشارته لحذيفة دليلٌ على أنَّه لم يبعد منه بحيث لا يراه، والمعنى في إدنائه إيَّاه مع استحباب الإبعاد في الحاجة: أن يكون سترًا بينه وبين الناس؛ إذ السُّباطة إنَّما تكون في الأفنية المسكونة أو قريبًا منها، ولا تكاد تخلو عن مارٍّ، وإنَّما انتبذ حذيفة لئلا يسمع شيئًا ممَّا يقع في الحدث، فلمَّا بال قائمًا وأمن منه ذلك أمرهَ بالقرب منه.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ورازيٍّ.

(٦٢) (بابُ) حكم (البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ).

٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين وراءَين مُهمَلاتٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) (يُشَدِّدُ فِي) الاحتراز من (البَوْلِ) حتَّى كان يبول في قارورةٍ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه (وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بني يعقوب، وإسرائيل لقبه لأنَّه لمَّا فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عَيْصُو توعَّده بالقتل فلحق بخاله ببابل أو

بحرَّان (١) فكان يسير باللَّيل ويكمن (٢) بالنَّهار، فسُمِّي لذلك «إسرائيل» (كَانَ) شأنهم (إِذَا أَصَابَ) البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ) أي: قطعه، وللإسماعيليِّ: «قرضه بالمقراض»، ولـ «مسلم»: «إذا أصاب جلد أحدهم» أي: الذي يلبسه (٣) أو جلد نفسه على ظاهره، ويؤيِّده رواية أبي داود: «إذا أصاب جسد (٤) أحدهم»، لكن رواية المؤلِّف صريحةٌ في الثِّياب، فيحتمل أنَّ بعضهم رواه بالمعنى (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان: (لَيْتَهُ) أي: أبا موسى الأشعريَّ (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التَّشديد؛ فإنَّه خلاف السُّنَّة، فقد (أَتَى رَسُولُ اللهِ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا) فلم يتكلَّفِ البول في القارورة، واستدلَّ به مالكٌ على الرُّخصة في مثل رؤوس الإبر من البول، نعم يقول بغسلها استحبابًا، وأبو حنيفة يسهِّل فيها كيسير كلِّ النَّجاسات، وعند الشَّافعيِّ يغسلها وجوبًا، وفي الاستدلال على الرُّخصة المذكورة ببوله قائمًا نظرٌ لأنَّه في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيءٌ، قال ابن حبَّان: إنَّما بال قائمًا لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود فقام لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن من (٥) أن يرتدَّ إليه (٦) شيءٌ من بوله، أو كانتِ السُّباطة رخوةً لا يرتدُّ إلى البائل شيءٌ من بوله.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين شاميٍّ وبصريٍّ (٧) وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر بَيَانهَا فِي الْبَاب السَّابِق.

بَيَان لغته قَوْله: (حَائِط) أَي: جِدَار، ويجيىء بِمَعْنى: الْبُسْتَان فِي غير هَذَا الْموضع، وَأَصله واوي، من: الحوط. قَوْله: (فانتبذت) ، أَي: تنحيت، ومادته: نون وباء مُوَحدَة وذال مُعْجمَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جلس فلَان نبذة، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، أَي: نَاحيَة، وانتبذ فلَان أَي: ذهب ناحيته، وَقَالَ الخاطبي: فانتبذت مِنْهُ، اي تنحيت عَنهُ حَتَّى كنت مِنْهُ على نبذه. قَوْله: (عقبه) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف: وَهُوَ مُؤخر الْقدَم، وَهِي مُؤَنّثَة، وعقب الرجل أَيْضا وَلَده وَولد وَلَده، وفيهَا لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وسكونها، وَهِي أَيْضا مُؤَنّثَة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع سُؤال من يَقُول: كَيفَ جَازَ أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شَيْء وَاحِد، وَهَذَا التَّرْكِيب جَائِز فِي أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّهُ من خصائصها، وَلَا يجوز فِي غَيرهَا. قَوْله: (أَنا) للتَّأْكِيد لصِحَّة عطف لفظ النَّبِي على الضَّمِير الْمَنْصُوب على المفعولية، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي وَرَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ عطف على الْمَفْعُول لَا على الْفَاعِل، وَعَلِيهِ الرِّوَايَة. قلت: وَيجوز رفع: النَّبِي، أَيْضا لصِحَّة الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَلَكِن إِن صحت رِوَايَة النصب يقْتَصر عَلَيْهَا. قَوْله: (نتماشى) جملَة فِي مَحل لنصب على الْحَال، تَقْدِيره: وَرَأَيْت نَفسِي وَالنَّبِيّ حَال كوننا متماشين. قَوْله: (فَأَشَارَ) أَي: أَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إليّ بعد أَن بَعدت مِنْهُ، وَلَكِن لم أبعد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يرَاهُ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: ادنه، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه بيّنت أَن رِوَايَة مُسلم: أدنه، كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ. قلت: يرد عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ: (خرج علينا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وسلمفي بعض سِكَك الْمَدِينَة، فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة استرني) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح بِأَن إِعْلَامه كَانَ بِاللَّفْظِ، وَيُمكن أَن يجمع بَين الروايتني بِأَن يكون، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَشَارَ أَولا بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ، ثمَّ قَالَ: استرني. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلَيْسَت فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْكَلَام فِي حَال الْبَوْل. قلت: هَذَا الْكَلَام من غير رِوَايَة إِذْ إِشَارَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى حُذَيْفَة أَو قَوْله: (استرني) ، لم يكن إلَاّ قبل شُرُوعه فِي الْبَوْل، فَكيف يظنّ من ذَلِك مَا قَالَه حَتَّى يَنْفِي ذَلِك؟ .

ويستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام مَا استنبط من الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه أَيْضا: جَوَاز طلب البائل من صَاحبه الْقرب مِنْهُ ليستره. وَفِيه: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان توارى عَن أعين النَّاس بِمَا يستره من حَائِط أَو نَحوه، وَقَالَ ابْن بطال: من السّنة أَن يقرب من البائل إِذا كَانَ قَائِما، هَذَا إِذا أَمن أَن يرى مِنْهُ عَورَة، وَأما إِذا كَانَ قَاعِدا فَالسنة الْبعد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انتبذ حُذَيْفَة مِنْهُ لِئَلَّا يسمع شَيْئا مِمَّا جرى فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَال، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَائِما، وَأمن، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خشيه حُذَيْفَة أمره بِالْقربِ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا بعد مِنْهُ وعينه ترَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسهُ، اي: يحرس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس} (الْمَائِدَة: ٦٧) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَحْرُسهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة قبل نزُول هَذِه الْآيَة، فَلَمَّا نزلت ترك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحرس.

٦٢ - (بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل عِنْد جمَاعَة من النَّاس، وَهَذَا الْبَاب، والبابان اللَّذَان قبله، حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ، غير أَن كلاًّ مِنْهَا عَن شيخ، وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة تناسب معنى من مَعَاني الحَدِيث الْمَذْكُور.

والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تطلب.

٢٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ كانَ أبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ ويَقُولُ إنَّ بَني إسْرَائِيلَ كانَ إِذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ فَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ اَمْسَكَ أَتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: إتْيَان حَدِيث وَاحِد من شخص وَاحِد فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهُ زِيَادَة فَائِدَة. قلت: فَائِدَته تنادي بِأَعْلَى صَوته، وَلَكِن قَاصِر الْفَهم بمعزل من هَذِه الْفَائِدَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة، كلهم قد تقدمُوا، وَتقدم ذكر أبي

مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل، واسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعي، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري وكوفي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: تقدم فِي بَاب الْبَوْل قَائِما.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (يشدد) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يحْتَاط عَظِيما فِي الِاحْتِرَاز عَن رشاشاته، حَتَّى كَانَ يَبُول فِي القارورة خوفًا أَن يُصِيبهُ من رشاشاته شَيْء. وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا مُوسَى، وَرَأى رجلا يَبُول قَائِما، قَالَ: وَيحك أَفلا قَاعِدا، ثمَّ ذكر قصَّة بني اسرائيل، وَبَنُو اسرائيل بَنو يَعْقُوب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واسرائيل لقبه. قَوْله: (كَانَ إِذا أصَاب ثوب احدهم) الضَّمِير فِي: كَانَ، ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، وَبِهَذَا لَا يرد سُؤال الْكرْمَانِي بقوله: فان قلت: بَنو، جمع فَلم أفرد ضمير: كَانَ، الرَّاجِع إِلَيْهِ؟ وَبَنُو إِسْرَائِيل أَصله بنُون لإسرائيل، فَلَمَّا أضيف إِلَى إِسْرَائِيل سَقَطت نون الْجمع.

فان قلت: مَا وَجه تلقيب يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِم السَّلَام، بإسرائيل؟ قلت: كَانَ يَعْقُوب وعيصو أَخَوَيْنِ، كَانَا فِي بطن أمهما مَعًا. فَلَمَّا جَاءَ وَقت وضعهما اقتتلا فِي بَطنهَا لأجل الْخُرُوج أَولا، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي الاعترض فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسمى: عيصو، لِأَنَّهُ عصى، وسمى: يَعْقُوب، لِأَنَّهُ خرج آخِذا بعقب عيصو. وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَكَانَ أحبهما إِلَى أمه، وَكَانَ: عيصو، أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ صَاحب صيد، فَلَمَّا كبر أَبوهُمَا إِسْحَاق وَعمي قَالَ لعيصو: يَا بني أَطْعمنِي لحم صيد أدعُ لَك بِدُعَاء كَانَ ابي دَعَا لي بِهِ، وَكَانَ أشعر، وَكَانَ يَعْقُوب أجرد، فَخرج عيصو إِلَى الصَّيْد، وَقَالَت أمه ليعقوب: خُذ شَاة واشوها والبس جلدهَا، وقدمها إِلَى أَبِيك، وَقل لَهُ: أَنا ابْنك عيصو، فَفعل، فمسه إِسْحَاق فَقَالَ: المسّ مسّ عيصو، وَالرِّيح ريح يَعْقُوب، فَقَالَت أمه: ابْنك عيصو فَادع لَهُ، فَأكل مِنْهَا ودعا لَهُ بِأَن الله يَجْعَل فِي ذُريَّته الْأَنْبِيَاء والملوك، ثمَّ جَاءَ عيصو بالصيد فَقَالَ إِسْحَاق: يَا بني قد سَبَقَك أَخُوك، فَغَضب وَقَالَ: وَالله لاقتلنه. فَقَالَ اسحاق: يَا بني قد بقيت دَعْوَة، فَدَعَا لَهُ: بِأَن تكون ذُريَّته عدد التُّرَاب وَلَا يملكهم أحد. وَقَالَت أم يَعْقُوب: إلحق بخالك فَكُن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله لابان، وَكَانَ بِبَابِل، وَقيل: بحرَّان، فَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي إِسْرَائِيل، فَأخذ من: السرى وَاللَّيْل، قَالَه السّديّ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن: ايل، اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى بالسُّرْيَانيَّة، كَمَا يُقَال: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل.

قَوْله: (اذا اصاب) اي: الْبَوْل (و: ثوب أحدهم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (إِذا أصَاب جلد أحدهم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجلدِ: وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يلبسونها، وَحمله بَعضهم على ظَاهره، وَزعم أَنه من الإصر الَّذِي حملوه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَعَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرج وَمَعَهُ دورقة ثمَّ استتر بهَا ثمَّ بَال، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة، فَسمع ذَلِك، فَقَالَ: ألم تعلمُوا مَا لَقِي صَاحب بني اسرائيل؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قطعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْل مِنْهُم، فنهاهم، فعذب فِي قَبره. قَالَ مَنْصُور عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جلد أحدهم، وَقَالَ عَاصِم عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جَسَد أحدهم. قَوْله: (انْظُرُوا اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُمَا من غير قصد، أَو وَقع بطرِيق التَّعَجُّب، أَو بطرِيق الاستفسار عَن هَذَا الْفِعْل، فَلذَلِك قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بقوله: (الم تعلمُوا) الخ، ولِمَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بطرِيق الِاسْتِهْزَاء وَالِاسْتِخْفَاف، لِأَن الصَّحَابَة برَاء من هَذَا الْكَلَام: وَأَرَادَ بِصَاحِب بني اسرائيل: مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فان قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب قَوْله: (فعذب) على قَوْله: (فنهاهم) ؟ قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فنهاهم عَن إِصَابَة الْبَوْل وَلم ينْتَهوا، فعذب الله تَعَالَى. و: الْفَاء، فِي: فعذب، فَاء السَّبَبِيَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: ١٥) قَوْله: (قرضه) بِالْقَافِ أَي: قطعه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (قرضه بالمقراض) ، وَهَذِه الرِّوَايَة ترد قَول من يَقُول: المُرَاد بالقرض: الْغسْل بِالْمَاءِ. قَوْله: (ليته أمسك) ، قَول حُذَيْفَة أَي: لَيْت أَبَا مُوسَى أمسك نَفسه عَن هَذَا التَّشْدِيد، أَو لِسَانه عَن هَذَا القَوْل، أَو كليهمَا عَن كليهمَا، ومقصوده: أَن هَذَا التَّشْدِيد خلاف السّنة، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَال قَائِما، وَلَا شكّ فِي كَون الْقَائِم معرضًا للرشاش، وَلم يلْتَفت، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلم يتَكَلَّف الْبَوْل فِي القارورة؛ وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة لمن رخص فِي يسير الْبَوْل، لِأَن الْمَعْهُود مِمَّن بَال قَائِما أَن

يتطاير إِلَيْهِ مثل رُؤُوس الأبر، وَفِيه يسر وسماحة على هَذِه الْأمة حَيْثُ لم يُوجب الْقَرْض كَمَا أوجب على بني إِسْرَائِيل، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار رُؤُوس الأبر من الْبَوْل فَقَالَ مَالك: يغسلهَا اسْتِحْبَابا وتنزهاً، وَالشَّافِعِيّ: يغسلهَا وجوبا وَأَبُو حنيفَة سهل فيهمَا كَمَا فِي يسير كل النَّجَاسَات، وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانُوا يرخصون فِي الْقَلِيل من الْبَوْل.

٦٣ - (بابُ غَسْلِ الدَّمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الدَّم، بِفَتْح الْغَيْن، وَأَرَادَ بِهِ دم الْحيض.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي بَيَان إِزَالَة النَّجَاسَة، فَفِي الأول عَن الْبَوْل، وَفِي الثَّانِي عَن الدَّم، وَكِلَاهُمَا فِي النَّجَاسَة سَوَاء.

٢٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المثَنَّي قَالَ حَدثنَا يَحْيىَ عنْ هِشامٍ قَالَ حدثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أَسْمَاءَ قالَتْ جاءَتِ امْرأَةٌ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ أرأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحتهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ وتنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

(الحَدِيث ٢٢٧ طرفه فِي: ٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون: وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ: ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدمُوا فِي بَاب: أحب الدّين إِلَى الله أَدْوَمه، وَفَاطِمَة هِيَ: بنت الْمُنْذر بن الزبير زَوْجَة هِشَام الْمَذْكُور، تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَعْرُوفَة: بِذَات النطاقين، تقدمتا فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الْأُنْثَى؛ وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم عَن يحيى، وَعَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَعَن ابْن وهب عَن يحيى بن عبد الله ابْن سَالم وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد وَعِيسَى بن يُونُس، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سُفْيَان، عشرتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (تَحْتَهُ) من: حت الشي عَن الثَّوْب وَغَيره يحته حتاً: فركه وقشره فانحت، وتحات. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الحت: حتك الْوَرق من الشّجر، والمني وَالدَّم وَنَحْوهمَا من الثَّوْب وَغَيره، وَهُوَ دون النحت. وَعند ابْن طريف: حت الشَّيْء: نفضه. وَقيل: مَعْنَاهُ تحكه، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة. قَوْله: (تقرصه) قَالَ فِي (الْمغرب) : الحت: القرص بِالْيَدِ، والقرص بأطراف الْأَصَابِع. وَفِي (الْمُحكم) القرص التخميش والغمز بالأصبع، والمقرص: المقطع الْمَأْخُوذ من شَيْئَيْنِ، وَقد قرضه وقرصه. وَفِي (الْجَامِع) كل مقطع مقرض. وَفِي (الصِّحَاح) : أقرصيه بِمَاء أَي: اغسليه بأطراف أصابعك، ويروى: قرضيه، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابو عبيد: أَي: قطعيه. وَقَالَ فِي (مجمع الغرائب) : هُوَ أبلغ فِي إذهاب الْأَثر عَن الثَّوْب. وَقَالَ عِيَاض: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْقَاف وَضم الرَّاء وبضم التَّاء وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. قَالَ: وَهُوَ الدَّلْك بأطراف الْأَصَابِع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره. قَوْله: (وتنضحه) أَي: تغسله، قَالَه الْخطابِيّ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، وَهُوَ من بَاب: فتح يفتح، بِفَتْح عين الْفِعْل فيهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: تنضحه، بِكَسْر الضَّاد: وَكَذَا قَالَ مغلطاي فِي شَرحه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (إحدانا) مُبْتَدأ وَقَوله: (تحيض) خَبره، قَوْله: (كَيفَ تصنع) ؟ يتَعَلَّق بقوله: (أَرَأَيْت) .

بَيَان معانية قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) وَقع رِوَايَة الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: أَن أَسمَاء هِيَ السائلة، وَأنكر النَّوَوِيّ هَذَا، وَضعف هَذِه الرِّوَايَة، وَلَا وَجه لإنكاره، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يبهم الرَّاوِي اسْم نَفسه، وَقد وَقع مثل هَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله عَنهُ، فِي قصَّة الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَفِيه تجوز لإِطْلَاق الرُّؤْيَة، وَإِرَادَة الْإِخْبَار، لِأَن الرُّؤْيَة سَبَب الْإِخْبَار، وَجعل الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى الْأَمر بِجَامِع الطّلب. قَوْله: (تحيض فِي الثَّوْب) أَي: يصل دم الْحيض إِلَى الثَّوْب، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. قلت: الْمَعْنى: تحيض حَال كَونهَا فِي الثَّوْب، وَمن ضَرُورَة ذَلِك وُصُول الدَّم إِلَى الثَّوْب. وللبخاري، من طَرِيق مَالك عَن هِشَام: إِذا أصَاب ثوبها الدَّم من الْحيض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أَسمَاء: (سَمِعت امْرَأَة تسْأَل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَيفَ تصنع إحدانا بثوبها إِذا رَأَتْ الطُّهْر أتصلى فِيهِ؟ قَالَ: تنظر، فَإِن رَأَتْ فِيهِ دَمًا فلتقرصه بِشَيْء من مَاء، ولتنضح مَا لم تَرَ ولتصل

فِيهِ) . وَعند مُسلم: (الْمَرْأَة تصيب ثوبها من دم الْحَيْضَة) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: (إقرصيه بِمَاء ثمَّ رشيه) . وَعند ابْن خُزَيْمَة: (كَيفَ تصنع بثيابها الَّتِي كَانَت تلبس؟ فَقَالَ إِن رَأَتْ فِيهَا شَيْئا فلتحكه ثمَّ لتقرصه بِشَيْء من مَاء، وتنضح فِي سَائِر الثَّوْب بِمَاء، ولتصل فِيهِ) . وَفِي لفظ: (إِن رَأَيْت فِيهِ دَمًا فحكيه) . وَفِي لفظ: (رشيه وَصلي فِيهِ) . وَفِي لفظ: (ثمَّ تنضحه وَتصلي فِيهِ) . وَعند أبي نعيم: (لتحته ثمَّ لتقرصه ثمَّ لتنضحه ثمَّ لتصل فِيهِ) . وَفِي حَدِيث مُجَاهِد عَن عَائِشَة البُخَارِيّ: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم قَالَت بريقها، فمعنعته بظفرها) . أَي: عركته. وَاخْتلف فِي سَماع مُجَاهِد عَن عَائِشَة، فَأنكرهُ ابْن حبَان وَيحيى بن معِين وَيحيى بن سعيد وَشعْبَة وَآخَرُونَ، وأثبته البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَمُسلم وَآخَرُونَ، وَعند البُخَارِيّ من حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا: (ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عِنْد طهرهَا فتغسله وتنضح على سائره ثمَّ تصلي فِيهِ) . وَفِي حَدِيث أم قيس بنت مُحصن، عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان: (إغسليه بِالْمَاءِ والسدر وحكيه وَلَو بضلع) ، زَاد ابْن حبَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسليه بِالْمَاءِ) ، أَمر فرض، وَذكر السدر والحك بالضلع أَمر ندب وإرشاد. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ حَدِيث فِي غَايَة الصِّحَّة، وَعَابَ على أبي أَحْمد قَوْله: الْأَحَادِيث الصِّحَاح لَيْسَ فِيهَا ذكر الضلع والسدر، وَعند أبي أَحْمد العسكري: (حكيه بضلع واتبعيه بِمَاء وَسدر) . وَعند أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِن خَوْلَة بنت يسَار قَالَت: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ ثوب وَاحِد، وَأَنا أحيض فِيهِ، قَالَ: فَإِذا طهرت فاغسلي مَوضِع حيضك ثمَّ صلي فِيهِ، قَالَت: يَا رَسُول الله أرى لم يخرج اثره، قَالَ: يَكْفِيك المَاء وَلَا يَضرك أَثَره) . وَلما ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه الْكَبِير) جعله من مُسْند خَوْلَة، وَكَذَلِكَ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن امْرَأَة من غفار: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رأى ثِيَابهَا من الدَّم، قَالَ: أصلحي من نَفسك، ثمَّ خذي إِنَاء من مَاء واطرحي فِيهِ ملحاً، ثمَّ اغسلي مَا أصَاب حقيبة الرجل من الدَّم، ثمَّ عودي لمركبك) . وَعند الدَّارمِيّ، بِسَنَد فِيهِ ضعف عَن أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا: (إِن إِحْدَاهُنَّ تسبقها القطرة من الدَّم. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا أصَاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها. وَعند ابْن خُزَيْمَة: وَقيل لَهَا: كَيفَ كنتن تصنعن بثيابكن إِذا طمثن على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: إِن كُنَّا لنطمث فِي ثيابنا أَو فِي دروعنا، فَمَا نغسل مِنْهُ إلَاّ أثر مَا أَصَابَهُ الدَّم. قَوْله: (تَحْتَهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، وَفِي قَوْله: (ثمَّ تقرصه) يرجع إِلَى الثَّوْب. وَفِي قَوْله: و (تنضحه) يرجع إِلَى المَاء، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الخاطبي قَالَ: تنضحه أَي: تغسله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، لِأَن غسل الدَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: (تقرصه بِالْمَاءِ) ، وَأما النَّضْح فَهُوَ لما شكّ فِيهِ من الثَّوْب. وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا الضَّمِير فِي قَوْله: (تنضحه) يعود على الثَّوْب، بِخِلَاف: تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ يعود على الدَّم، فَيلْزم مِنْهُ إختلاف الضمائر، وَهُوَ على خلاف الأَصْل. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن لفظ: الدَّم، غير مَذْكُور صَرِيحًا، وَالْأَصْل فِي عود الضَّمِير أَن يكون إِلَى شَيْء صَرِيح، وَالْمَذْكُور هُنَا صَرِيحًا: الثَّوْب وَالْمَاء، فالضميران الْأَوَّلَانِ يرجعان إِلَى الثَّوْب لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبلهمَا، وَالضَّمِير الثَّالِث يرجع إِلَى: المَاء، لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبله، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: ثمَّ إِن الرش على الْمَشْكُوك فِيهِ لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَنَّهُ إِن كَانَ طَاهِرا فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ متنجساً لم يتَطَهَّر بذلك، فَالْأَحْسَن مَا قَالَه الخاطبي. قلت: الَّذِي قَالَه الْقُرْطُبِيّ هُوَ الْأَحْسَن لِأَنَّهُ يلْزم التّكْرَار من قَول الخاطبي بِلَا فَائِدَة، لأَنا ذكرنَا أَن الحت هُوَ الفرك، والقرص هُوَ الدَّلْك بأطراف الاصابع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره، لما نَقَلْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض،

ففهم الْغسْل من لَفْظَة القرص، فَإِذا قُلْنَا: الرش بِمَعْنى الْغسْل يلْزم التّكْرَار، ثمَّ قَوْله: ثمَّ إِن الرش ... إِلَى آخِره، كَلَام من غير رُوِيَ، لِأَن الرش هَهُنَا لإِزَالَة الشَّك المتردد فِي الخاطر، كَمَا جَاءَ فِي رش المتوضىء المَاء على سراويله بعد فَرَاغه من الْوضُوء، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: مَا قَالَه الخاطبي: إِن فِيهِ دَلِيلا على أَن النَّجَاسَات إِنَّمَا تَزُول بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات، لَان جَمِيع النَّجَاسَات بِمَثَابَة الدَّم، لَا فرق بَينه وَبَينهَا إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) على أَصْحَابنَا فِي وجوب الطَّهَارَة بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات الطاهرة. قلت: هَذَا خرج مخرج الْغَالِب لَا مخرج الشَّرْط، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم} (النِّسَاء: ٢٣) وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن المَاء أَكثر وجودا من غَيره، أَو نقُول: تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، أَو نقُول: إِنَّه مَفْهُوم لقب، وَلَا يَقُول بِهِ إمامنا.

وَمِنْهَا: أَنه يدل على وجوب غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أَسمَاء أصل عِنْد الْعلمَاء فِي غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول عِنْدهم على الدَّم الْكثير، لِأَن الله تَعَالَى شَرط فِي نَجَاسَته أَن يكون مسفوحاً، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْكثير الْجَارِي إلَاّ أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يتَجَاوَز عَنهُ من الدَّم، فَاعْتبر الْكُوفِيُّونَ فِيهِ، وَفِي النَّجَاسَات دون الدِّرْهَم فِي الْفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره. وَقَالَ مَالك: قَلِيل الدَّم مَعْفُو، وَيغسل قَلِيل سَائِر النَّجَاسَات. وَرُوِيَ عَن ابْن وهب: إِن قَلِيل دم الْحيض ككثيره وكسائر الأنجاس، بِخِلَاف سَائِر الدِّمَاء، وَالْحجّة فِي أَن الْيَسِير من دم الْحيض كالكثير قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسماء: (حتيه ثمَّ اقرصيه) ، حَيْثُ لم يفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا سَأَلَهَا عَن مِقْدَاره وَلم يحد فِيهِ مِقْدَار الدِّرْهَم وَلَا دونه. قلت: حَدِيث عَائِشَة: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثَوَاب وَاحِد فِيهِ تحيض فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها، ثمَّ قصعته بريقها) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (قَالَت بريقها فمصعته) ، يدل على الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا فِي الدَّم الْيَسِير الَّذِي يكون معفواً عَنهُ، وَأما الْكثير مِنْهُ فصح عَنْهَا. أَي: عَن عَائِشَة. أَنَّهَا كَانَت تغسله، فَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم فِي عدم الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير من النَّجَاسَة، وعَلى الشَّافِعِي أَيْضا فِي قَوْله: (إِن يسير الدَّم يغسل كَسَائِر الأنجاس إلَاّ دم الراغيث، فَإِنَّهُ لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ) . وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَا يرى بالقطرة والقطرتين بَأْسا فِي الصَّلَاة، وعصر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بثرة فَخرج مِنْهَا دم فمسحه بِيَدِهِ وَصلى، فالشافعية لَيْسُوا بإكثر إحتياطاً من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، وَلَا أَكثر رِوَايَة عَنْهُمَا حَتَّى خالفوهما، حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْقَلِيل وَالْكثير، على أَن قَلِيل الدَّم مَوضِع ضَرُورَة، لِأَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو فِي غَالب حَاله من بثرة أَو دمل أَو برغوث، فعفى عَنهُ، وَلِهَذَا حرم الله المسفوح مِنْهُ، فَدلَّ أَن غَيره لَيْسَ بِمحرم، وَأما تَقْدِير أَصْحَابنَا الْقَلِيل بِقدر الدِّرْهَم، فَلَمَّا ذكره صَاحب (الاسرار) عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قدرا النَّجَاسَة بالدرهم، وكفي بهما حجَّة فِي الِاقْتِدَاء. وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أَنه قدره بظفره، وَفِي (الْمُحِيط) : وَكَانَ ظفره قَرِيبا من كفنا، فَدلَّ على أَن مَا دون الدِّرْهَم لَا يمْنَع. وَقَالَ فِي (الْمُحِيط) أَيْضا: الدِّرْهَم الْكَبِير مَا يكون مثل عرض الْكَفّ، وَفِي صَلَاة الأَصْل: الدِّرْهَم الْكَبِير المثقال يَعْنِي: يبلغ مِثْقَالا. وَعند السَّرخسِيّ: يعْتَبر بدرهم زَمَانه، وَأما الحَدِيث الَّذِي روايه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن روح بن غطيف عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تُعَاد الصَّلَاة من قدر دِرْهَم من الدَّم) ، وَفِي لفظ: (إِذا كَانَ فِي الثَّوْب قدر الدِّرْهَم من الدَّم غسل الثَّوْب وأعيدت الصَّلَاة) . وَإِن اصحابنا لم يحتجوا بِهِ، لِأَنَّهُ حَدِيث مُنكر، بل قَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه بَاطِل. فَإِن قلت: النَّص وَهُوَ قَوْله: {وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) لم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَلَا يُعْفَى الْقَلِيل. قلت: الْقَلِيل غير مُرَاد مِنْهُ بِالْإِجْمَاع بِدَلِيل عَفْو مَوضِع الِاسْتِنْجَاء فَتعين الْكثير، وَقد قدر الْكثير بالآثار.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الدَّم نجس بِالْإِجْمَاع.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْعدَد لَيْسَ بِشَرْط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بل المُرَاد الإنقاء.

وَمِنْهَا: أَنَّهَا إِذا لم تَرَ فِي ثوبها شَيْئا من الدَّم ترش عَلَيْهِ مَاء وَتصلي فِيهِ.

٢٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا أبُو مُعاويَةَ قَالَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنةُ أبي حُبَيْشٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأةٌ

اُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا إنَّما ذلِكِ عِرْقٌ ولَيْسَ بِحَيْضٍ فاذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعِي الصَّلاةَ وَإِذا أَدْبَرتْ فاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أبي ثُمَّ تَوَضَّئِي لكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجىءَ ذلكِ الوَقْتُ..

هَذَا الحَدِيث أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف: اللَّام، البيكندي، تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) ، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ عِنْد الْأَكْثَرين: حَدثنَا مُحَمَّد، غير مَنْسُوب، وللأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام وَلأبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد، وَهُوَ ابْن سَلام.

الثَّانِي: أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير: مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين، وَقد تقدم عَن قريب. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة، كَذَلِك. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق. السَّادِس: فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: القرشية الأَسدِية، وَاسم أبي حُبَيْش: قيس بن الْمطلب، وَقَالَ بَعضهم: قيس بن عبد الْمطلب. قَالَ بعض الشَّارِحين: وَقع فِي أَكثر نسخ مُسلم: عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط. قلت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : قيس بن الْمطلب بن أَسد، وَهُوَ الْمطلب بن أَسد، وَهِي غير: فَاطِمَة بنت قيس، الَّتِي طلقت ثَلَاثًا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: ذكر أبي مُعَاوِيَة هُنَا بالكنية، وَفِي بَاب غسل الْبَوْل بِالِاسْمِ، رِعَايَة للفظ الشُّيُوخ. وَفِيه: حِكَايَة الصحابية عَن سُؤال الصحابية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَهُنَا عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا ذكرنَا، وَصرح بِهِ فِي النِّكَاح بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ... وَذكر الكلاباذي أَن البُخَارِيّ روى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي مُعَاوِيَة، وَذكر أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى، وَالتِّرْمِذِيّ عَن هناد بن السّري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس، وَعبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَا: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا من مُسْند فَاطِمَة الْمَذْكُور.

بَيَان لغته قَوْله: (استحاض) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَفتح التَّاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: استحيضت الْمَرْأَة أَي: اسْتمرّ بهَا الدَّم بعد أَيَّامهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة. وَفِي الشَّرْع: الْحيض عبارَة عَن الدَّم الْخَارِج من الرَّحِم، وَهُوَ مَوضِع الْجِمَاع والولادة لَا تعقب ولادَة مُقَدرا فِي وَقت مَعْلُوم، وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، والاستحاضة اسْم لما نقص من أقل الْحيض أَو زَاد على أَكْثَره. فان قلت: مَا وَجه بِنَاء الْفِعْل للْفَاعِل فِي الْحيض، وللمفعول فِي الِاسْتِحَاضَة؟ فَقيل: استحيضت؟ قلت: لما كَانَ الأول: مُعْتَادا مَعْرُوفا نسب إِلَيْهَا، وَالثَّانِي: لما كَانَ نَادرا غير مَعْرُوف الْوَقْت، وَكَانَ مَنْسُوبا إِلَى الشَّيْطَان، كَمَا ورد أَنَّهَا ركضة من الشَّيْطَان، بني لما لم يسم فَاعله. فَإِن قلت: يجوز أَن تكون للتحول، كَمَا فِي: استحجر الطين، وَهنا أَيْضا تحول دم الْحيض إِلَى غير دَمه، وَهُوَ دم الأستحاضة. فَافْهَم. قَوْله: (عرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الْمُسَمّى بالعادل، بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، وَحكي إهمالها. قَوْله: (وَلَيْسَ بحيض) لِأَن الْحيض يخرج من قَعْر الرَّحِم كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (حيضتك) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالْفَتْح: الْمرة، وبالكسر: اسْم للدم، والخرقة الَّتِي تستثفر بهَا الْمَرْأَة وَالْحَالة. وَقَالَ الْخطابِيّ: المحدثون يَقُولُونَ بِالْفَتْح، وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب الْكسر، لِأَن المُرَاد بهَا الْحَالة، ورده القَاضِي وَغَيره، وَقَالُوا: الْأَظْهر الْفَتْح، لِأَن المُرَاد إِذا أقبل الْحيض. قَوْله: (وَإِذا أَدْبَرت) من: الإدبار وَهُوَ انْقِطَاع الْحيض.

بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (إِنِّي امْرَأَة) ، قد علم أَن كلمة: لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد إِنْكَار الْمُخَاطب لِلْقَوْلِ أَو التَّرَدُّد فِيهِ، وَمَا كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنْكَار لاستحاضتها وَلَا تردد فِيهَا، فَوجه إستعمالها هَهُنَا يكون لتحقيق نفس الْقَضِيَّة، إِذْ كَانَت بعيدَة الْوُقُوع نادرة الْوُجُود، فَلذَلِك أكدت قَوْلهَا بِكَلِمَة: إِن قَوْله: (أفأدع) أَي: أفأترك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: الْهمزَة

تَقْتَضِي عدم المسبوقية بِالْغَيْر، وَالْفَاء تَقْتَضِي المسبوقية بِهِ، فيكف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر أَي: ايكون لي حكم الْحَائِض فَادع الصَّلَاة، أَو الْهمزَة مقحمة، أَو توسطها جَائِز بَين المعطوفين إِذا كَانَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثَّانِي، أَو الْهمزَة بَاقِيَة على صرافة الاستفهامية، لِأَنَّهَا للتقرير هُنَا، فَلَا يَقْتَضِي الصدارة. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (لَا أَي: لَا تَدعِي الصَّلَاة. قَوْله: (ذَلِك) بِكَسْر الْكَاف. قَوْله: (عرق) أَي: دم عرق، لِأَن الْخَارِج لَيْسَ بعرق. قَوْله: (فَإِذا أَقبلت) أَي: الْحَيْضَة، (فدعي الصَّلَاة) اي: اتركيها، (وَإِذا أَدْبَرت) أَي: إِذا انْقَطَعت. فَإِن قلت: مَا عَلامَة إدبار الْحيض وإنقطاعه، والحصول فِي الطُّهْر. قلت: أما عِنْد أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه: الزَّمَان وَالْعَادَة هُوَ الفيصل بَينهمَا، فَإِذا أضلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ، وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأَصْحَابه اخْتِلَاف الألوان هُوَ الفيصل، فالأسود أقوى من الْأَحْمَر، والأحمر أقوى من الْأَشْقَر، والأشقر أقوى من الْأَصْفَر، والأصفر أقوى من الأكدر إِذا جعلا حيضا، فَتكون حَائِضًا فِي أَيَّام القوى، مُسْتَحَاضَة فِي أَيَّام الضعْف، والتمييز عِنْده بِثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يزِيد الْقوي على خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَالثَّانِي: أَن لَا ينقص عَن يَوْم وَلَيْلَة ليمكن جعله حيضا. وَالثَّالِث: أَن لَا ينقص الضَّعِيف عَن خَمْسَة عشر يَوْمًا، ليمكن جعله طهرا بَين الحيضتين، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ الثَّوْريّ: عَلامَة إنقطاع الْحيض والحصول فِي الطُّهْر أَن يَنْقَطِع خُرُوج الدَّم والصفرة والكدرة، سَوَاء خرجت رُطُوبَة بَيْضَاء أَو لم يخرج شَيْء أصلا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَابْن الصّباغ: الترية رُطُوبَة خَفِيفَة لَا صفرَة فِيهَا وَلَا كدرة، تكون على القطنة أثر لَا لون، وَهَذَا يكون بعد انْقِطَاع الْحيض. قلت: الترية، بِفَتْح الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ ابْن الْأَثِير: الترية، بِالتَّشْدِيدِ: مَا ترَاهُ الْمَرْأَة بعد الْحيض والاغتسال مِنْهُ من كدرة أَو صفرَة. وَقيل: هُوَ الْبيَاض ترَاهُ عِنْد الطُّهْر. وَقيل: هِيَ الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا. و: التَّاء، فِيهَا زَائِدَة، لِأَنَّهُ من الرُّؤْيَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْهَمْز لكِنهمْ تَرَكُوهُ وشددوا الْيَاء، فَصَارَت اللَّفْظَة كَأَنَّهَا فعلية، وَبَعْضهمْ يشدد الرَّاء. قَوْله: (فاغسلي عَنْك الدَّم ثمَّ صلي) ظَاهره مُشكل لِأَنَّهُ لم يذكر الْغسْل وَلَا بُد بعد انْقِضَاء الْحيض من الْغسْل، وَأجِيب، عَنهُ: بِأَن الْغسْل، وَإِن لم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة، فقد ذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة، قَالَ فِيهَا: فاغتسلي ... ، والْحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَجَوَاب آخر هُوَ: بِأَن يحمل الإدبار على انْقِضَاء أَيَّام الْحيض والاغتسال. وَقَوله: (واغسلي عَنْك الدَّم) مَحْمُول على: دم، يَأْتِي بعد الْغسْل، وَالْأول أوجه وَأَصَح، وَأما قَول بَعضهم: فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي، أَي: فاغتسلي، فَغير موجه أصلا. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ أبي) أَي: قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: قَالَ أبي، وَهُوَ عُرْوَة ابْن الزبير. قَوْله: (ثمَّ توضيء لكل صَلَاة) جملَة مقول القَوْل، وَادّعى قوم أَن قَوْله: (ثمَّ توضيء) من كَلَام عُرْوَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: لفظ: (توضئي) الخ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ مَوْقُوف على الصَّحَابِيّ؟ قلت: السِّيَاق يَقْتَضِي الرّفْع، وَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا كَلَام عُرْوَة لقَالَ: ثمَّ تتوضأ، بِصِيغَة الْإِخْبَار، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَة الْأَمر شاكل الْأَمر الَّذِي فِي الْمَرْفُوع، وَهُوَ قَوْله: (فاغسلي) . قلت: كَلَام كل من الْكرْمَانِي وَهَذَا الْقَائِل احْتِمَال، فَلَا يَقع بِهِ الْقطع وَلَا يلْزم من مشاكلة الصيغتين الرّفْع.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ جَوَاز استفتاء الْمَرْأَة بِنَفسِهَا ومشافهتها الرِّجَال فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر من أُمُور الدّين.

الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز اسْتِمَاع صَوت الْمَرْأَة عِنْد الْحَاجة الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ نهي للمستحاضة عَن الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَهُوَ نهي تَحْرِيم، وَيَقْتَضِي فَسَاد الصَّلَاة هُنَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل لظَاهِر الحَدِيث، ويتبعها الطّواف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة وَسجْدَة الشُّكْر.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على نَجَاسَة الدَّم.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الصَّلَاة تجب بِمُجَرَّد انْقِطَاع دم الْحيض. وَأعلم أَنَّهَا إِذا مضى زمن حَيْضهَا وَجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل فِي الْحَال لأوّل صَلَاة تدركها، وَلَا يجوز لَهَا بعد ذَلِك أَن تتْرك صَلَاة أَو صوما، وَيكون حكمهَا حكم الطاهرات، فَلَا تستظهر بِشَيْء أصلا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَعَن مَالك ثَلَاث رِوَايَات: الأولى: تستظهر ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بعد ذَلِك اسْتِحَاضَة. وَالثَّانيَِة: تتْرك الصَّلَاة إِلَى انْتِهَاء خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهِي أَكثر مُدَّة الْحيض عِنْده. وَالثَّالِثَة: كمذهبنا.

السَّادِس: اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا فِي إِيجَاب الْوضُوء من خُرُوج الدَّم من غير السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ) بنونٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّة (١) فمُوحَّدةٍ فمُعجَمة، أي: ذهبت ناحية (مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ) بيده أو برأسه (فَجِئْتُهُ) فقال: «يا حذيفة، استرني» كما عند «الطَّبرانيِّ» من حديث عصمة بن مالكٍ (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) بالإفراد (٢)، وللأَصيليِّ: «عقبيه» (حَتَّى فَرَغَ) وفي إشارته لحذيفة دليلٌ على أنَّه لم يبعد منه بحيث لا يراه، والمعنى في إدنائه إيَّاه مع استحباب الإبعاد في الحاجة: أن يكون سترًا بينه وبين الناس؛ إذ السُّباطة إنَّما تكون في الأفنية المسكونة أو قريبًا منها، ولا تكاد تخلو عن مارٍّ، وإنَّما انتبذ حذيفة لئلا يسمع شيئًا ممَّا يقع في الحدث، فلمَّا بال قائمًا وأمن منه ذلك أمرهَ بالقرب منه.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ورازيٍّ.

(٦٢) (بابُ) حكم (البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ).

٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين وراءَين مُهمَلاتٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) (يُشَدِّدُ فِي) الاحتراز من (البَوْلِ) حتَّى كان يبول في قارورةٍ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه (وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بني يعقوب، وإسرائيل لقبه لأنَّه لمَّا فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عَيْصُو توعَّده بالقتل فلحق بخاله ببابل أو

بحرَّان (١) فكان يسير باللَّيل ويكمن (٢) بالنَّهار، فسُمِّي لذلك «إسرائيل» (كَانَ) شأنهم (إِذَا أَصَابَ) البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ) أي: قطعه، وللإسماعيليِّ: «قرضه بالمقراض»، ولـ «مسلم»: «إذا أصاب جلد أحدهم» أي: الذي يلبسه (٣) أو جلد نفسه على ظاهره، ويؤيِّده رواية أبي داود: «إذا أصاب جسد (٤) أحدهم»، لكن رواية المؤلِّف صريحةٌ في الثِّياب، فيحتمل أنَّ بعضهم رواه بالمعنى (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان: (لَيْتَهُ) أي: أبا موسى الأشعريَّ (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التَّشديد؛ فإنَّه خلاف السُّنَّة، فقد (أَتَى رَسُولُ اللهِ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا) فلم يتكلَّفِ البول في القارورة، واستدلَّ به مالكٌ على الرُّخصة في مثل رؤوس الإبر من البول، نعم يقول بغسلها استحبابًا، وأبو حنيفة يسهِّل فيها كيسير كلِّ النَّجاسات، وعند الشَّافعيِّ يغسلها وجوبًا، وفي الاستدلال على الرُّخصة المذكورة ببوله قائمًا نظرٌ لأنَّه في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيءٌ، قال ابن حبَّان: إنَّما بال قائمًا لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود فقام لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن من (٥) أن يرتدَّ إليه (٦) شيءٌ من بوله، أو كانتِ السُّباطة رخوةً لا يرتدُّ إلى البائل شيءٌ من بوله.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين شاميٍّ وبصريٍّ (٧) وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر بَيَانهَا فِي الْبَاب السَّابِق.

بَيَان لغته قَوْله: (حَائِط) أَي: جِدَار، ويجيىء بِمَعْنى: الْبُسْتَان فِي غير هَذَا الْموضع، وَأَصله واوي، من: الحوط. قَوْله: (فانتبذت) ، أَي: تنحيت، ومادته: نون وباء مُوَحدَة وذال مُعْجمَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جلس فلَان نبذة، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، أَي: نَاحيَة، وانتبذ فلَان أَي: ذهب ناحيته، وَقَالَ الخاطبي: فانتبذت مِنْهُ، اي تنحيت عَنهُ حَتَّى كنت مِنْهُ على نبذه. قَوْله: (عقبه) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف: وَهُوَ مُؤخر الْقدَم، وَهِي مُؤَنّثَة، وعقب الرجل أَيْضا وَلَده وَولد وَلَده، وفيهَا لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وسكونها، وَهِي أَيْضا مُؤَنّثَة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع سُؤال من يَقُول: كَيفَ جَازَ أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شَيْء وَاحِد، وَهَذَا التَّرْكِيب جَائِز فِي أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّهُ من خصائصها، وَلَا يجوز فِي غَيرهَا. قَوْله: (أَنا) للتَّأْكِيد لصِحَّة عطف لفظ النَّبِي على الضَّمِير الْمَنْصُوب على المفعولية، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي وَرَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ عطف على الْمَفْعُول لَا على الْفَاعِل، وَعَلِيهِ الرِّوَايَة. قلت: وَيجوز رفع: النَّبِي، أَيْضا لصِحَّة الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَلَكِن إِن صحت رِوَايَة النصب يقْتَصر عَلَيْهَا. قَوْله: (نتماشى) جملَة فِي مَحل لنصب على الْحَال، تَقْدِيره: وَرَأَيْت نَفسِي وَالنَّبِيّ حَال كوننا متماشين. قَوْله: (فَأَشَارَ) أَي: أَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إليّ بعد أَن بَعدت مِنْهُ، وَلَكِن لم أبعد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يرَاهُ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: ادنه، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه بيّنت أَن رِوَايَة مُسلم: أدنه، كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ. قلت: يرد عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ: (خرج علينا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وسلمفي بعض سِكَك الْمَدِينَة، فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة استرني) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح بِأَن إِعْلَامه كَانَ بِاللَّفْظِ، وَيُمكن أَن يجمع بَين الروايتني بِأَن يكون، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَشَارَ أَولا بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ، ثمَّ قَالَ: استرني. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلَيْسَت فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْكَلَام فِي حَال الْبَوْل. قلت: هَذَا الْكَلَام من غير رِوَايَة إِذْ إِشَارَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى حُذَيْفَة أَو قَوْله: (استرني) ، لم يكن إلَاّ قبل شُرُوعه فِي الْبَوْل، فَكيف يظنّ من ذَلِك مَا قَالَه حَتَّى يَنْفِي ذَلِك؟ .

ويستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام مَا استنبط من الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه أَيْضا: جَوَاز طلب البائل من صَاحبه الْقرب مِنْهُ ليستره. وَفِيه: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان توارى عَن أعين النَّاس بِمَا يستره من حَائِط أَو نَحوه، وَقَالَ ابْن بطال: من السّنة أَن يقرب من البائل إِذا كَانَ قَائِما، هَذَا إِذا أَمن أَن يرى مِنْهُ عَورَة، وَأما إِذا كَانَ قَاعِدا فَالسنة الْبعد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انتبذ حُذَيْفَة مِنْهُ لِئَلَّا يسمع شَيْئا مِمَّا جرى فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَال، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَائِما، وَأمن، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خشيه حُذَيْفَة أمره بِالْقربِ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا بعد مِنْهُ وعينه ترَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسهُ، اي: يحرس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس} (الْمَائِدَة: ٦٧) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَحْرُسهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة قبل نزُول هَذِه الْآيَة، فَلَمَّا نزلت ترك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحرس.

٦٢ - (بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل عِنْد جمَاعَة من النَّاس، وَهَذَا الْبَاب، والبابان اللَّذَان قبله، حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ، غير أَن كلاًّ مِنْهَا عَن شيخ، وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة تناسب معنى من مَعَاني الحَدِيث الْمَذْكُور.

والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تطلب.

٢٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ كانَ أبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ ويَقُولُ إنَّ بَني إسْرَائِيلَ كانَ إِذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ فَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ اَمْسَكَ أَتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: إتْيَان حَدِيث وَاحِد من شخص وَاحِد فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهُ زِيَادَة فَائِدَة. قلت: فَائِدَته تنادي بِأَعْلَى صَوته، وَلَكِن قَاصِر الْفَهم بمعزل من هَذِه الْفَائِدَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة، كلهم قد تقدمُوا، وَتقدم ذكر أبي

مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل، واسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعي، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري وكوفي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: تقدم فِي بَاب الْبَوْل قَائِما.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (يشدد) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يحْتَاط عَظِيما فِي الِاحْتِرَاز عَن رشاشاته، حَتَّى كَانَ يَبُول فِي القارورة خوفًا أَن يُصِيبهُ من رشاشاته شَيْء. وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا مُوسَى، وَرَأى رجلا يَبُول قَائِما، قَالَ: وَيحك أَفلا قَاعِدا، ثمَّ ذكر قصَّة بني اسرائيل، وَبَنُو اسرائيل بَنو يَعْقُوب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واسرائيل لقبه. قَوْله: (كَانَ إِذا أصَاب ثوب احدهم) الضَّمِير فِي: كَانَ، ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، وَبِهَذَا لَا يرد سُؤال الْكرْمَانِي بقوله: فان قلت: بَنو، جمع فَلم أفرد ضمير: كَانَ، الرَّاجِع إِلَيْهِ؟ وَبَنُو إِسْرَائِيل أَصله بنُون لإسرائيل، فَلَمَّا أضيف إِلَى إِسْرَائِيل سَقَطت نون الْجمع.

فان قلت: مَا وَجه تلقيب يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِم السَّلَام، بإسرائيل؟ قلت: كَانَ يَعْقُوب وعيصو أَخَوَيْنِ، كَانَا فِي بطن أمهما مَعًا. فَلَمَّا جَاءَ وَقت وضعهما اقتتلا فِي بَطنهَا لأجل الْخُرُوج أَولا، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي الاعترض فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسمى: عيصو، لِأَنَّهُ عصى، وسمى: يَعْقُوب، لِأَنَّهُ خرج آخِذا بعقب عيصو. وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَكَانَ أحبهما إِلَى أمه، وَكَانَ: عيصو، أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ صَاحب صيد، فَلَمَّا كبر أَبوهُمَا إِسْحَاق وَعمي قَالَ لعيصو: يَا بني أَطْعمنِي لحم صيد أدعُ لَك بِدُعَاء كَانَ ابي دَعَا لي بِهِ، وَكَانَ أشعر، وَكَانَ يَعْقُوب أجرد، فَخرج عيصو إِلَى الصَّيْد، وَقَالَت أمه ليعقوب: خُذ شَاة واشوها والبس جلدهَا، وقدمها إِلَى أَبِيك، وَقل لَهُ: أَنا ابْنك عيصو، فَفعل، فمسه إِسْحَاق فَقَالَ: المسّ مسّ عيصو، وَالرِّيح ريح يَعْقُوب، فَقَالَت أمه: ابْنك عيصو فَادع لَهُ، فَأكل مِنْهَا ودعا لَهُ بِأَن الله يَجْعَل فِي ذُريَّته الْأَنْبِيَاء والملوك، ثمَّ جَاءَ عيصو بالصيد فَقَالَ إِسْحَاق: يَا بني قد سَبَقَك أَخُوك، فَغَضب وَقَالَ: وَالله لاقتلنه. فَقَالَ اسحاق: يَا بني قد بقيت دَعْوَة، فَدَعَا لَهُ: بِأَن تكون ذُريَّته عدد التُّرَاب وَلَا يملكهم أحد. وَقَالَت أم يَعْقُوب: إلحق بخالك فَكُن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله لابان، وَكَانَ بِبَابِل، وَقيل: بحرَّان، فَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي إِسْرَائِيل، فَأخذ من: السرى وَاللَّيْل، قَالَه السّديّ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن: ايل، اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى بالسُّرْيَانيَّة، كَمَا يُقَال: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل.

قَوْله: (اذا اصاب) اي: الْبَوْل (و: ثوب أحدهم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (إِذا أصَاب جلد أحدهم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجلدِ: وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يلبسونها، وَحمله بَعضهم على ظَاهره، وَزعم أَنه من الإصر الَّذِي حملوه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَعَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرج وَمَعَهُ دورقة ثمَّ استتر بهَا ثمَّ بَال، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة، فَسمع ذَلِك، فَقَالَ: ألم تعلمُوا مَا لَقِي صَاحب بني اسرائيل؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قطعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْل مِنْهُم، فنهاهم، فعذب فِي قَبره. قَالَ مَنْصُور عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جلد أحدهم، وَقَالَ عَاصِم عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جَسَد أحدهم. قَوْله: (انْظُرُوا اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُمَا من غير قصد، أَو وَقع بطرِيق التَّعَجُّب، أَو بطرِيق الاستفسار عَن هَذَا الْفِعْل، فَلذَلِك قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بقوله: (الم تعلمُوا) الخ، ولِمَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بطرِيق الِاسْتِهْزَاء وَالِاسْتِخْفَاف، لِأَن الصَّحَابَة برَاء من هَذَا الْكَلَام: وَأَرَادَ بِصَاحِب بني اسرائيل: مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فان قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب قَوْله: (فعذب) على قَوْله: (فنهاهم) ؟ قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فنهاهم عَن إِصَابَة الْبَوْل وَلم ينْتَهوا، فعذب الله تَعَالَى. و: الْفَاء، فِي: فعذب، فَاء السَّبَبِيَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: ١٥) قَوْله: (قرضه) بِالْقَافِ أَي: قطعه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (قرضه بالمقراض) ، وَهَذِه الرِّوَايَة ترد قَول من يَقُول: المُرَاد بالقرض: الْغسْل بِالْمَاءِ. قَوْله: (ليته أمسك) ، قَول حُذَيْفَة أَي: لَيْت أَبَا مُوسَى أمسك نَفسه عَن هَذَا التَّشْدِيد، أَو لِسَانه عَن هَذَا القَوْل، أَو كليهمَا عَن كليهمَا، ومقصوده: أَن هَذَا التَّشْدِيد خلاف السّنة، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَال قَائِما، وَلَا شكّ فِي كَون الْقَائِم معرضًا للرشاش، وَلم يلْتَفت، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلم يتَكَلَّف الْبَوْل فِي القارورة؛ وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة لمن رخص فِي يسير الْبَوْل، لِأَن الْمَعْهُود مِمَّن بَال قَائِما أَن

يتطاير إِلَيْهِ مثل رُؤُوس الأبر، وَفِيه يسر وسماحة على هَذِه الْأمة حَيْثُ لم يُوجب الْقَرْض كَمَا أوجب على بني إِسْرَائِيل، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار رُؤُوس الأبر من الْبَوْل فَقَالَ مَالك: يغسلهَا اسْتِحْبَابا وتنزهاً، وَالشَّافِعِيّ: يغسلهَا وجوبا وَأَبُو حنيفَة سهل فيهمَا كَمَا فِي يسير كل النَّجَاسَات، وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانُوا يرخصون فِي الْقَلِيل من الْبَوْل.

٦٣ - (بابُ غَسْلِ الدَّمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الدَّم، بِفَتْح الْغَيْن، وَأَرَادَ بِهِ دم الْحيض.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي بَيَان إِزَالَة النَّجَاسَة، فَفِي الأول عَن الْبَوْل، وَفِي الثَّانِي عَن الدَّم، وَكِلَاهُمَا فِي النَّجَاسَة سَوَاء.

٢٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المثَنَّي قَالَ حَدثنَا يَحْيىَ عنْ هِشامٍ قَالَ حدثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أَسْمَاءَ قالَتْ جاءَتِ امْرأَةٌ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ أرأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحتهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ وتنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

(الحَدِيث ٢٢٧ طرفه فِي: ٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون: وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ: ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدمُوا فِي بَاب: أحب الدّين إِلَى الله أَدْوَمه، وَفَاطِمَة هِيَ: بنت الْمُنْذر بن الزبير زَوْجَة هِشَام الْمَذْكُور، تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَعْرُوفَة: بِذَات النطاقين، تقدمتا فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الْأُنْثَى؛ وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم عَن يحيى، وَعَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَعَن ابْن وهب عَن يحيى بن عبد الله ابْن سَالم وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد وَعِيسَى بن يُونُس، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سُفْيَان، عشرتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (تَحْتَهُ) من: حت الشي عَن الثَّوْب وَغَيره يحته حتاً: فركه وقشره فانحت، وتحات. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الحت: حتك الْوَرق من الشّجر، والمني وَالدَّم وَنَحْوهمَا من الثَّوْب وَغَيره، وَهُوَ دون النحت. وَعند ابْن طريف: حت الشَّيْء: نفضه. وَقيل: مَعْنَاهُ تحكه، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة. قَوْله: (تقرصه) قَالَ فِي (الْمغرب) : الحت: القرص بِالْيَدِ، والقرص بأطراف الْأَصَابِع. وَفِي (الْمُحكم) القرص التخميش والغمز بالأصبع، والمقرص: المقطع الْمَأْخُوذ من شَيْئَيْنِ، وَقد قرضه وقرصه. وَفِي (الْجَامِع) كل مقطع مقرض. وَفِي (الصِّحَاح) : أقرصيه بِمَاء أَي: اغسليه بأطراف أصابعك، ويروى: قرضيه، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابو عبيد: أَي: قطعيه. وَقَالَ فِي (مجمع الغرائب) : هُوَ أبلغ فِي إذهاب الْأَثر عَن الثَّوْب. وَقَالَ عِيَاض: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْقَاف وَضم الرَّاء وبضم التَّاء وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. قَالَ: وَهُوَ الدَّلْك بأطراف الْأَصَابِع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره. قَوْله: (وتنضحه) أَي: تغسله، قَالَه الْخطابِيّ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، وَهُوَ من بَاب: فتح يفتح، بِفَتْح عين الْفِعْل فيهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: تنضحه، بِكَسْر الضَّاد: وَكَذَا قَالَ مغلطاي فِي شَرحه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (إحدانا) مُبْتَدأ وَقَوله: (تحيض) خَبره، قَوْله: (كَيفَ تصنع) ؟ يتَعَلَّق بقوله: (أَرَأَيْت) .

بَيَان معانية قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) وَقع رِوَايَة الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: أَن أَسمَاء هِيَ السائلة، وَأنكر النَّوَوِيّ هَذَا، وَضعف هَذِه الرِّوَايَة، وَلَا وَجه لإنكاره، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يبهم الرَّاوِي اسْم نَفسه، وَقد وَقع مثل هَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله عَنهُ، فِي قصَّة الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَفِيه تجوز لإِطْلَاق الرُّؤْيَة، وَإِرَادَة الْإِخْبَار، لِأَن الرُّؤْيَة سَبَب الْإِخْبَار، وَجعل الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى الْأَمر بِجَامِع الطّلب. قَوْله: (تحيض فِي الثَّوْب) أَي: يصل دم الْحيض إِلَى الثَّوْب، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. قلت: الْمَعْنى: تحيض حَال كَونهَا فِي الثَّوْب، وَمن ضَرُورَة ذَلِك وُصُول الدَّم إِلَى الثَّوْب. وللبخاري، من طَرِيق مَالك عَن هِشَام: إِذا أصَاب ثوبها الدَّم من الْحيض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أَسمَاء: (سَمِعت امْرَأَة تسْأَل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَيفَ تصنع إحدانا بثوبها إِذا رَأَتْ الطُّهْر أتصلى فِيهِ؟ قَالَ: تنظر، فَإِن رَأَتْ فِيهِ دَمًا فلتقرصه بِشَيْء من مَاء، ولتنضح مَا لم تَرَ ولتصل

فِيهِ) . وَعند مُسلم: (الْمَرْأَة تصيب ثوبها من دم الْحَيْضَة) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: (إقرصيه بِمَاء ثمَّ رشيه) . وَعند ابْن خُزَيْمَة: (كَيفَ تصنع بثيابها الَّتِي كَانَت تلبس؟ فَقَالَ إِن رَأَتْ فِيهَا شَيْئا فلتحكه ثمَّ لتقرصه بِشَيْء من مَاء، وتنضح فِي سَائِر الثَّوْب بِمَاء، ولتصل فِيهِ) . وَفِي لفظ: (إِن رَأَيْت فِيهِ دَمًا فحكيه) . وَفِي لفظ: (رشيه وَصلي فِيهِ) . وَفِي لفظ: (ثمَّ تنضحه وَتصلي فِيهِ) . وَعند أبي نعيم: (لتحته ثمَّ لتقرصه ثمَّ لتنضحه ثمَّ لتصل فِيهِ) . وَفِي حَدِيث مُجَاهِد عَن عَائِشَة البُخَارِيّ: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم قَالَت بريقها، فمعنعته بظفرها) . أَي: عركته. وَاخْتلف فِي سَماع مُجَاهِد عَن عَائِشَة، فَأنكرهُ ابْن حبَان وَيحيى بن معِين وَيحيى بن سعيد وَشعْبَة وَآخَرُونَ، وأثبته البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَمُسلم وَآخَرُونَ، وَعند البُخَارِيّ من حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا: (ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عِنْد طهرهَا فتغسله وتنضح على سائره ثمَّ تصلي فِيهِ) . وَفِي حَدِيث أم قيس بنت مُحصن، عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان: (إغسليه بِالْمَاءِ والسدر وحكيه وَلَو بضلع) ، زَاد ابْن حبَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسليه بِالْمَاءِ) ، أَمر فرض، وَذكر السدر والحك بالضلع أَمر ندب وإرشاد. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ حَدِيث فِي غَايَة الصِّحَّة، وَعَابَ على أبي أَحْمد قَوْله: الْأَحَادِيث الصِّحَاح لَيْسَ فِيهَا ذكر الضلع والسدر، وَعند أبي أَحْمد العسكري: (حكيه بضلع واتبعيه بِمَاء وَسدر) . وَعند أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِن خَوْلَة بنت يسَار قَالَت: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ ثوب وَاحِد، وَأَنا أحيض فِيهِ، قَالَ: فَإِذا طهرت فاغسلي مَوضِع حيضك ثمَّ صلي فِيهِ، قَالَت: يَا رَسُول الله أرى لم يخرج اثره، قَالَ: يَكْفِيك المَاء وَلَا يَضرك أَثَره) . وَلما ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه الْكَبِير) جعله من مُسْند خَوْلَة، وَكَذَلِكَ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن امْرَأَة من غفار: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رأى ثِيَابهَا من الدَّم، قَالَ: أصلحي من نَفسك، ثمَّ خذي إِنَاء من مَاء واطرحي فِيهِ ملحاً، ثمَّ اغسلي مَا أصَاب حقيبة الرجل من الدَّم، ثمَّ عودي لمركبك) . وَعند الدَّارمِيّ، بِسَنَد فِيهِ ضعف عَن أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا: (إِن إِحْدَاهُنَّ تسبقها القطرة من الدَّم. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا أصَاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها. وَعند ابْن خُزَيْمَة: وَقيل لَهَا: كَيفَ كنتن تصنعن بثيابكن إِذا طمثن على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: إِن كُنَّا لنطمث فِي ثيابنا أَو فِي دروعنا، فَمَا نغسل مِنْهُ إلَاّ أثر مَا أَصَابَهُ الدَّم. قَوْله: (تَحْتَهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، وَفِي قَوْله: (ثمَّ تقرصه) يرجع إِلَى الثَّوْب. وَفِي قَوْله: و (تنضحه) يرجع إِلَى المَاء، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الخاطبي قَالَ: تنضحه أَي: تغسله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، لِأَن غسل الدَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: (تقرصه بِالْمَاءِ) ، وَأما النَّضْح فَهُوَ لما شكّ فِيهِ من الثَّوْب. وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا الضَّمِير فِي قَوْله: (تنضحه) يعود على الثَّوْب، بِخِلَاف: تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ يعود على الدَّم، فَيلْزم مِنْهُ إختلاف الضمائر، وَهُوَ على خلاف الأَصْل. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن لفظ: الدَّم، غير مَذْكُور صَرِيحًا، وَالْأَصْل فِي عود الضَّمِير أَن يكون إِلَى شَيْء صَرِيح، وَالْمَذْكُور هُنَا صَرِيحًا: الثَّوْب وَالْمَاء، فالضميران الْأَوَّلَانِ يرجعان إِلَى الثَّوْب لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبلهمَا، وَالضَّمِير الثَّالِث يرجع إِلَى: المَاء، لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبله، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: ثمَّ إِن الرش على الْمَشْكُوك فِيهِ لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَنَّهُ إِن كَانَ طَاهِرا فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ متنجساً لم يتَطَهَّر بذلك، فَالْأَحْسَن مَا قَالَه الخاطبي. قلت: الَّذِي قَالَه الْقُرْطُبِيّ هُوَ الْأَحْسَن لِأَنَّهُ يلْزم التّكْرَار من قَول الخاطبي بِلَا فَائِدَة، لأَنا ذكرنَا أَن الحت هُوَ الفرك، والقرص هُوَ الدَّلْك بأطراف الاصابع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره، لما نَقَلْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض،

ففهم الْغسْل من لَفْظَة القرص، فَإِذا قُلْنَا: الرش بِمَعْنى الْغسْل يلْزم التّكْرَار، ثمَّ قَوْله: ثمَّ إِن الرش ... إِلَى آخِره، كَلَام من غير رُوِيَ، لِأَن الرش هَهُنَا لإِزَالَة الشَّك المتردد فِي الخاطر، كَمَا جَاءَ فِي رش المتوضىء المَاء على سراويله بعد فَرَاغه من الْوضُوء، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: مَا قَالَه الخاطبي: إِن فِيهِ دَلِيلا على أَن النَّجَاسَات إِنَّمَا تَزُول بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات، لَان جَمِيع النَّجَاسَات بِمَثَابَة الدَّم، لَا فرق بَينه وَبَينهَا إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) على أَصْحَابنَا فِي وجوب الطَّهَارَة بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات الطاهرة. قلت: هَذَا خرج مخرج الْغَالِب لَا مخرج الشَّرْط، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم} (النِّسَاء: ٢٣) وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن المَاء أَكثر وجودا من غَيره، أَو نقُول: تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، أَو نقُول: إِنَّه مَفْهُوم لقب، وَلَا يَقُول بِهِ إمامنا.

وَمِنْهَا: أَنه يدل على وجوب غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أَسمَاء أصل عِنْد الْعلمَاء فِي غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول عِنْدهم على الدَّم الْكثير، لِأَن الله تَعَالَى شَرط فِي نَجَاسَته أَن يكون مسفوحاً، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْكثير الْجَارِي إلَاّ أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يتَجَاوَز عَنهُ من الدَّم، فَاعْتبر الْكُوفِيُّونَ فِيهِ، وَفِي النَّجَاسَات دون الدِّرْهَم فِي الْفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره. وَقَالَ مَالك: قَلِيل الدَّم مَعْفُو، وَيغسل قَلِيل سَائِر النَّجَاسَات. وَرُوِيَ عَن ابْن وهب: إِن قَلِيل دم الْحيض ككثيره وكسائر الأنجاس، بِخِلَاف سَائِر الدِّمَاء، وَالْحجّة فِي أَن الْيَسِير من دم الْحيض كالكثير قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسماء: (حتيه ثمَّ اقرصيه) ، حَيْثُ لم يفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا سَأَلَهَا عَن مِقْدَاره وَلم يحد فِيهِ مِقْدَار الدِّرْهَم وَلَا دونه. قلت: حَدِيث عَائِشَة: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثَوَاب وَاحِد فِيهِ تحيض فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها، ثمَّ قصعته بريقها) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (قَالَت بريقها فمصعته) ، يدل على الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا فِي الدَّم الْيَسِير الَّذِي يكون معفواً عَنهُ، وَأما الْكثير مِنْهُ فصح عَنْهَا. أَي: عَن عَائِشَة. أَنَّهَا كَانَت تغسله، فَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم فِي عدم الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير من النَّجَاسَة، وعَلى الشَّافِعِي أَيْضا فِي قَوْله: (إِن يسير الدَّم يغسل كَسَائِر الأنجاس إلَاّ دم الراغيث، فَإِنَّهُ لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ) . وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَا يرى بالقطرة والقطرتين بَأْسا فِي الصَّلَاة، وعصر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بثرة فَخرج مِنْهَا دم فمسحه بِيَدِهِ وَصلى، فالشافعية لَيْسُوا بإكثر إحتياطاً من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، وَلَا أَكثر رِوَايَة عَنْهُمَا حَتَّى خالفوهما، حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْقَلِيل وَالْكثير، على أَن قَلِيل الدَّم مَوضِع ضَرُورَة، لِأَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو فِي غَالب حَاله من بثرة أَو دمل أَو برغوث، فعفى عَنهُ، وَلِهَذَا حرم الله المسفوح مِنْهُ، فَدلَّ أَن غَيره لَيْسَ بِمحرم، وَأما تَقْدِير أَصْحَابنَا الْقَلِيل بِقدر الدِّرْهَم، فَلَمَّا ذكره صَاحب (الاسرار) عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قدرا النَّجَاسَة بالدرهم، وكفي بهما حجَّة فِي الِاقْتِدَاء. وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أَنه قدره بظفره، وَفِي (الْمُحِيط) : وَكَانَ ظفره قَرِيبا من كفنا، فَدلَّ على أَن مَا دون الدِّرْهَم لَا يمْنَع. وَقَالَ فِي (الْمُحِيط) أَيْضا: الدِّرْهَم الْكَبِير مَا يكون مثل عرض الْكَفّ، وَفِي صَلَاة الأَصْل: الدِّرْهَم الْكَبِير المثقال يَعْنِي: يبلغ مِثْقَالا. وَعند السَّرخسِيّ: يعْتَبر بدرهم زَمَانه، وَأما الحَدِيث الَّذِي روايه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن روح بن غطيف عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تُعَاد الصَّلَاة من قدر دِرْهَم من الدَّم) ، وَفِي لفظ: (إِذا كَانَ فِي الثَّوْب قدر الدِّرْهَم من الدَّم غسل الثَّوْب وأعيدت الصَّلَاة) . وَإِن اصحابنا لم يحتجوا بِهِ، لِأَنَّهُ حَدِيث مُنكر، بل قَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه بَاطِل. فَإِن قلت: النَّص وَهُوَ قَوْله: {وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) لم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَلَا يُعْفَى الْقَلِيل. قلت: الْقَلِيل غير مُرَاد مِنْهُ بِالْإِجْمَاع بِدَلِيل عَفْو مَوضِع الِاسْتِنْجَاء فَتعين الْكثير، وَقد قدر الْكثير بالآثار.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الدَّم نجس بِالْإِجْمَاع.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْعدَد لَيْسَ بِشَرْط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بل المُرَاد الإنقاء.

وَمِنْهَا: أَنَّهَا إِذا لم تَرَ فِي ثوبها شَيْئا من الدَّم ترش عَلَيْهِ مَاء وَتصلي فِيهِ.

٢٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا أبُو مُعاويَةَ قَالَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنةُ أبي حُبَيْشٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأةٌ

اُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا إنَّما ذلِكِ عِرْقٌ ولَيْسَ بِحَيْضٍ فاذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعِي الصَّلاةَ وَإِذا أَدْبَرتْ فاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أبي ثُمَّ تَوَضَّئِي لكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجىءَ ذلكِ الوَقْتُ..

هَذَا الحَدِيث أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف: اللَّام، البيكندي، تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) ، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ عِنْد الْأَكْثَرين: حَدثنَا مُحَمَّد، غير مَنْسُوب، وللأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام وَلأبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد، وَهُوَ ابْن سَلام.

الثَّانِي: أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير: مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين، وَقد تقدم عَن قريب. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة، كَذَلِك. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق. السَّادِس: فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: القرشية الأَسدِية، وَاسم أبي حُبَيْش: قيس بن الْمطلب، وَقَالَ بَعضهم: قيس بن عبد الْمطلب. قَالَ بعض الشَّارِحين: وَقع فِي أَكثر نسخ مُسلم: عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط. قلت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : قيس بن الْمطلب بن أَسد، وَهُوَ الْمطلب بن أَسد، وَهِي غير: فَاطِمَة بنت قيس، الَّتِي طلقت ثَلَاثًا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: ذكر أبي مُعَاوِيَة هُنَا بالكنية، وَفِي بَاب غسل الْبَوْل بِالِاسْمِ، رِعَايَة للفظ الشُّيُوخ. وَفِيه: حِكَايَة الصحابية عَن سُؤال الصحابية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَهُنَا عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا ذكرنَا، وَصرح بِهِ فِي النِّكَاح بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ... وَذكر الكلاباذي أَن البُخَارِيّ روى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي مُعَاوِيَة، وَذكر أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى، وَالتِّرْمِذِيّ عَن هناد بن السّري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس، وَعبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَا: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا من مُسْند فَاطِمَة الْمَذْكُور.

بَيَان لغته قَوْله: (استحاض) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَفتح التَّاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: استحيضت الْمَرْأَة أَي: اسْتمرّ بهَا الدَّم بعد أَيَّامهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة. وَفِي الشَّرْع: الْحيض عبارَة عَن الدَّم الْخَارِج من الرَّحِم، وَهُوَ مَوضِع الْجِمَاع والولادة لَا تعقب ولادَة مُقَدرا فِي وَقت مَعْلُوم، وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، والاستحاضة اسْم لما نقص من أقل الْحيض أَو زَاد على أَكْثَره. فان قلت: مَا وَجه بِنَاء الْفِعْل للْفَاعِل فِي الْحيض، وللمفعول فِي الِاسْتِحَاضَة؟ فَقيل: استحيضت؟ قلت: لما كَانَ الأول: مُعْتَادا مَعْرُوفا نسب إِلَيْهَا، وَالثَّانِي: لما كَانَ نَادرا غير مَعْرُوف الْوَقْت، وَكَانَ مَنْسُوبا إِلَى الشَّيْطَان، كَمَا ورد أَنَّهَا ركضة من الشَّيْطَان، بني لما لم يسم فَاعله. فَإِن قلت: يجوز أَن تكون للتحول، كَمَا فِي: استحجر الطين، وَهنا أَيْضا تحول دم الْحيض إِلَى غير دَمه، وَهُوَ دم الأستحاضة. فَافْهَم. قَوْله: (عرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الْمُسَمّى بالعادل، بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، وَحكي إهمالها. قَوْله: (وَلَيْسَ بحيض) لِأَن الْحيض يخرج من قَعْر الرَّحِم كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (حيضتك) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالْفَتْح: الْمرة، وبالكسر: اسْم للدم، والخرقة الَّتِي تستثفر بهَا الْمَرْأَة وَالْحَالة. وَقَالَ الْخطابِيّ: المحدثون يَقُولُونَ بِالْفَتْح، وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب الْكسر، لِأَن المُرَاد بهَا الْحَالة، ورده القَاضِي وَغَيره، وَقَالُوا: الْأَظْهر الْفَتْح، لِأَن المُرَاد إِذا أقبل الْحيض. قَوْله: (وَإِذا أَدْبَرت) من: الإدبار وَهُوَ انْقِطَاع الْحيض.

بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (إِنِّي امْرَأَة) ، قد علم أَن كلمة: لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد إِنْكَار الْمُخَاطب لِلْقَوْلِ أَو التَّرَدُّد فِيهِ، وَمَا كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنْكَار لاستحاضتها وَلَا تردد فِيهَا، فَوجه إستعمالها هَهُنَا يكون لتحقيق نفس الْقَضِيَّة، إِذْ كَانَت بعيدَة الْوُقُوع نادرة الْوُجُود، فَلذَلِك أكدت قَوْلهَا بِكَلِمَة: إِن قَوْله: (أفأدع) أَي: أفأترك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: الْهمزَة

تَقْتَضِي عدم المسبوقية بِالْغَيْر، وَالْفَاء تَقْتَضِي المسبوقية بِهِ، فيكف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر أَي: ايكون لي حكم الْحَائِض فَادع الصَّلَاة، أَو الْهمزَة مقحمة، أَو توسطها جَائِز بَين المعطوفين إِذا كَانَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثَّانِي، أَو الْهمزَة بَاقِيَة على صرافة الاستفهامية، لِأَنَّهَا للتقرير هُنَا، فَلَا يَقْتَضِي الصدارة. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (لَا أَي: لَا تَدعِي الصَّلَاة. قَوْله: (ذَلِك) بِكَسْر الْكَاف. قَوْله: (عرق) أَي: دم عرق، لِأَن الْخَارِج لَيْسَ بعرق. قَوْله: (فَإِذا أَقبلت) أَي: الْحَيْضَة، (فدعي الصَّلَاة) اي: اتركيها، (وَإِذا أَدْبَرت) أَي: إِذا انْقَطَعت. فَإِن قلت: مَا عَلامَة إدبار الْحيض وإنقطاعه، والحصول فِي الطُّهْر. قلت: أما عِنْد أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه: الزَّمَان وَالْعَادَة هُوَ الفيصل بَينهمَا، فَإِذا أضلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ، وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأَصْحَابه اخْتِلَاف الألوان هُوَ الفيصل، فالأسود أقوى من الْأَحْمَر، والأحمر أقوى من الْأَشْقَر، والأشقر أقوى من الْأَصْفَر، والأصفر أقوى من الأكدر إِذا جعلا حيضا، فَتكون حَائِضًا فِي أَيَّام القوى، مُسْتَحَاضَة فِي أَيَّام الضعْف، والتمييز عِنْده بِثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يزِيد الْقوي على خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَالثَّانِي: أَن لَا ينقص عَن يَوْم وَلَيْلَة ليمكن جعله حيضا. وَالثَّالِث: أَن لَا ينقص الضَّعِيف عَن خَمْسَة عشر يَوْمًا، ليمكن جعله طهرا بَين الحيضتين، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ الثَّوْريّ: عَلامَة إنقطاع الْحيض والحصول فِي الطُّهْر أَن يَنْقَطِع خُرُوج الدَّم والصفرة والكدرة، سَوَاء خرجت رُطُوبَة بَيْضَاء أَو لم يخرج شَيْء أصلا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَابْن الصّباغ: الترية رُطُوبَة خَفِيفَة لَا صفرَة فِيهَا وَلَا كدرة، تكون على القطنة أثر لَا لون، وَهَذَا يكون بعد انْقِطَاع الْحيض. قلت: الترية، بِفَتْح الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ ابْن الْأَثِير: الترية، بِالتَّشْدِيدِ: مَا ترَاهُ الْمَرْأَة بعد الْحيض والاغتسال مِنْهُ من كدرة أَو صفرَة. وَقيل: هُوَ الْبيَاض ترَاهُ عِنْد الطُّهْر. وَقيل: هِيَ الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا. و: التَّاء، فِيهَا زَائِدَة، لِأَنَّهُ من الرُّؤْيَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْهَمْز لكِنهمْ تَرَكُوهُ وشددوا الْيَاء، فَصَارَت اللَّفْظَة كَأَنَّهَا فعلية، وَبَعْضهمْ يشدد الرَّاء. قَوْله: (فاغسلي عَنْك الدَّم ثمَّ صلي) ظَاهره مُشكل لِأَنَّهُ لم يذكر الْغسْل وَلَا بُد بعد انْقِضَاء الْحيض من الْغسْل، وَأجِيب، عَنهُ: بِأَن الْغسْل، وَإِن لم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة، فقد ذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة، قَالَ فِيهَا: فاغتسلي ... ، والْحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَجَوَاب آخر هُوَ: بِأَن يحمل الإدبار على انْقِضَاء أَيَّام الْحيض والاغتسال. وَقَوله: (واغسلي عَنْك الدَّم) مَحْمُول على: دم، يَأْتِي بعد الْغسْل، وَالْأول أوجه وَأَصَح، وَأما قَول بَعضهم: فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي، أَي: فاغتسلي، فَغير موجه أصلا. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ أبي) أَي: قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: قَالَ أبي، وَهُوَ عُرْوَة ابْن الزبير. قَوْله: (ثمَّ توضيء لكل صَلَاة) جملَة مقول القَوْل، وَادّعى قوم أَن قَوْله: (ثمَّ توضيء) من كَلَام عُرْوَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: لفظ: (توضئي) الخ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ مَوْقُوف على الصَّحَابِيّ؟ قلت: السِّيَاق يَقْتَضِي الرّفْع، وَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا كَلَام عُرْوَة لقَالَ: ثمَّ تتوضأ، بِصِيغَة الْإِخْبَار، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَة الْأَمر شاكل الْأَمر الَّذِي فِي الْمَرْفُوع، وَهُوَ قَوْله: (فاغسلي) . قلت: كَلَام كل من الْكرْمَانِي وَهَذَا الْقَائِل احْتِمَال، فَلَا يَقع بِهِ الْقطع وَلَا يلْزم من مشاكلة الصيغتين الرّفْع.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ جَوَاز استفتاء الْمَرْأَة بِنَفسِهَا ومشافهتها الرِّجَال فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر من أُمُور الدّين.

الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز اسْتِمَاع صَوت الْمَرْأَة عِنْد الْحَاجة الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ نهي للمستحاضة عَن الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَهُوَ نهي تَحْرِيم، وَيَقْتَضِي فَسَاد الصَّلَاة هُنَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل لظَاهِر الحَدِيث، ويتبعها الطّواف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة وَسجْدَة الشُّكْر.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على نَجَاسَة الدَّم.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الصَّلَاة تجب بِمُجَرَّد انْقِطَاع دم الْحيض. وَأعلم أَنَّهَا إِذا مضى زمن حَيْضهَا وَجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل فِي الْحَال لأوّل صَلَاة تدركها، وَلَا يجوز لَهَا بعد ذَلِك أَن تتْرك صَلَاة أَو صوما، وَيكون حكمهَا حكم الطاهرات، فَلَا تستظهر بِشَيْء أصلا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَعَن مَالك ثَلَاث رِوَايَات: الأولى: تستظهر ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بعد ذَلِك اسْتِحَاضَة. وَالثَّانيَِة: تتْرك الصَّلَاة إِلَى انْتِهَاء خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهِي أَكثر مُدَّة الْحيض عِنْده. وَالثَّالِثَة: كمذهبنا.

السَّادِس: اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا فِي إِيجَاب الْوضُوء من خُرُوج الدَّم من غير السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّهُ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله