«إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٤١

الحديث رقم ٢٥٤١ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون…

«إِنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ.»

سند حديث: ٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ…

٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون…

كتب ابن عون إلى نافع مولى ابن عمر يسأله عن الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، فكتب إليه نافع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هجم على بني المُصْطَلِق وهم غافلون، وكانت أنعامهم تسقي من الماء، فقتل الطائفة المقاتلة منهم، وسبى ذراريهم، وهم النساء والأولاد، والسبي التملُّك والاسترقاق، وأصاب عليه الصلاة والسلام جويرية مع السبايا، وكان أبوها سيد قومه، وقيل وقعت في سهم ثابت بن قيس رضي الله عنه، وكاتبته نفسها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها، فأرسل الناس ما في أيديهم من السبايا المصطلقية لأجل مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تُعلَم امرأةٌ أكثرَ بركةٍ على قومها منها، وكان عبد الله بن عمر في ذلك الجيش الذي أغاروا به على بني المصطلق، وأخبر مولاه نافعًا بهذا الحديث.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الإغارة على الكفار الذي بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة.
  • جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، خلافًا لمن قال: لا يسترقون لشرفهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ ذَلِكَ. قَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا، فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ : فَادَيْتُ عَقِيلًا.

٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ"

٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ وَهِيَ كَائِنَةٌ"

٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ .. " وحَدَّثَنِي ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ: يَقُولُ هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقال رسول الله : "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"

[الحديث ٢٥٤٣ - طرفه في: ٤٣٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ الْخِلَافِ فِي اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا سُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا. وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ تَقْوِيمَ الْوَلَدِ وَيُلْزَمُ أَبُوهُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَلَا يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ أَصْلًا، وَقَدْ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْجَوَازِ، وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْهِبَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْفِدَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ سَبْيِ الذُّرِّيَّةِ،

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْجِمَاعِ وَمِنَ الْفِدْيَةِ أَيْضًا، وَيَتَضَمَّنُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ابْتَاعِي كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَافِرُ خَاصَّةً. نَعَمْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يَمْلِكُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا بِشَرْطٍ. وَقَالَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ: فَإِنَّ الْمَالَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِشَرْطٍ. قَالَ: وَحُجَّتُهُ فِي الْبَيْعِ حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ فِي الْعِتْقِ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ بِسَيِّدِهِ.

قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ صُورَةَ إِحْسَانٍ إِلَيْهِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ مَا بِيَدِهِ تَكْمِيلًا لِلْإِحْسَانِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْمُكَاتَبَةُ وَسَاغَ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ تَسَلُّطًا عَلَى مَا بِيَدِهِ فِي صُورَةِ الْعِتْقِ مَا أَغْنَى ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَأَمَّا قِصَّةُ هَوَازِنَ فسَيَأْتِي شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ سَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ.

وَقَوْلُهُ: اسْتَأْنَيْتُ بِالْمُثَنَّاةِ قَبْلَ الْأَلِفِ الْمَهْمُوزَةِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ أَيِ انْتَظَرْتُ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَفِيءَ (١) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ أَيْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدِ الْفَيْءَ الِاصْطِلَاحِيَّ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا قِصَّةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَوْلُهُ: أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ الْمُصْطَلِقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمُصْطَلِقَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ جَذِيمَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْغَزَاةِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: وَهُمْ غَارُّونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ جَمْعُ غَارٍّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ غَافِلٍ، أَيْ أَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ أَبُوهَا سَيِّدَ قَوْمِهِ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ نَافِعًا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ سَاقَهُ هُنَاكَ تَامًّا، وَقَوْلُهُ هُنَا: ابْنِ حَبَّانَ هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَاءٍ وَزَايٍ مُصَغَّرٌ، وَقَوْلُهُ: نَسَمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ: نَفْسٍ.

وأما حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ، كُلٌّ مِنْهُمَا حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ جَرِيرٍ، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا زَادَ فِيهِ عَنْ جَرِيرٍ إِسْنَادًا آخَرَ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى

لَفْظِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ، وَالْحَارِثُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَالْعُكْلِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْكَلَابَاذِيُّ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَقْرَانِ الرَّاوِي عَنْهُ مُغِيرَةَ لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ غَيْرَ طَرَفَيْهِ الصَّحَابِيِّ وَشَيْخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ) أَيِ الْقَبِيلَةَ الْكَبِيرَةَ الْمَشْهُورَةَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ ابْنِ أُدٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ابْنِ طَابِخَةَ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (مُنْذُ ثَلَاثٍ) أَيْ مِنْ حِينِ سَمِعْتُ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَا كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْأَحْيَاءِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُمْ فَأَحْبَبْتُهُمْ اهـ، وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ.

قَوْلُهُ: (هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَامُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخَاصِّ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَلَاحِمِ أَكْبَرَهَا وَهُوَ قِتَالُ الدَّجَّالِ، أَوْ ذَكَرَ الدَّجَّالَ لِيَدْخُلَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) إِنَّمَا نَسَبَهُمْ إِلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ نَسَبِهِمْ بِنَسَبِهِ فِي إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ بِنَعَمٍ مِنْ صَدَقَةِ بَنِي سَعْدٍ، فَلَمَّا رَاعَهُ حُسْنُهَا قَالَ: هَذِهِ صَدَقَةُ قَوْمِي اهـ، وَبَنُو سَعْدٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ شَهِيرٌ مِنْ تَمِيمٍ، يُنْسَبُونَ إِلَى سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، مِنْ أَشْهَرِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ : هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ) أَيْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ بَطْنٌ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ جَرِيرٍ: وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَقَدِمَ سَبْيُ خَوْلَانَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا. فَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ قَالَ: ابْتَاعِي فَإِنَّهُمْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: وَجِيءَ بِسَبْيِ بَنِي الْعَنْبَرِ اهـ، وَبَنُو الْعَنْبَرِ بَطْنٌ شَهِيرٌ أَيْضًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى الْعَنْبَرِ - وَهُوَ بِلَفْظِ الطِّيبِ الْمَعْرُوفِ - ابْنُ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّحِيحَيْنِ سَبِيَّةٌ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مِنَ السَّبْيِ أَوْ مِنَ السَّبَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، لَكِنْ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ جَرِيرٍ نَسَمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ نَفْسٌ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ مُحَرَّرٌ وَبَيَّنَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ الْمُرَادَ بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ كَانَ نَذْرًا وَلَفْظُهُ نَذَرَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْتِقَ مُحَرَّرًا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ دُرَيْحٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرًا ابْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ شُعْثُمٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ الْعَنْبَرِيُّ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ عَتِيقًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : اصْبِرِي حَتَّى يَجِيءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ غَدًا، فَجَاءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ فَقَالَ لَهَا: خُذِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، فَأَخَذَتْ رُدَيْحًا، وَزُبَيْبًا، وَزُخَيًّا، وَسَمُرَةَ اهـ.

فَأَمَّا رُدَيْحٌ فَهُوَ الْمَذْكُورُ، وَأَمَّا زُبَيْبٌ فَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا - وَضَبَطَهُ الْعَسْكَرِيُّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - وَهُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَزُخَيٌّ بِالزَّايِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَوْنٍ بِالرَّاءِ أَوَّلَهُ، وَسَمُرَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: فَمَسَحَ النَّبِيُّ رُءُوسَهُمْ وَبَرَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَصْدًا اهـ.

وَالَّذِي تَعَيَّنَ لِعِتْقِ عَائِشَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ إِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) أي: يرجع إلينا من أموال الكفَّار من غنيمةٍ، أو خراجٍ، أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحيَّ وحده، و «يُفيء» بضمِّ أوَّله، من: أفاء (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «طيَّبنا لك ذلك» (قَالَ) : (إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) زاد في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]: «في ذلك» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) أراد بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى النَّبِيِّ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: النَّاس (طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له أن يردَّ السَّبي إليهم، قال الزُّهريُّ: (فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ) وزاد في «الهبة» [خ¦٢٦٠٧]: هذا آخر قول الزُّهريِّ، يعني: فهذا الذي بلغنا. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَنْ مَلَكَ رقيقًا من العرب فوَهَب».

(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا سبق موصولًا، ونبَّهت عليه قريبًا في «باب إذا أُسِرَ أخو الرَّجل» [خ¦٢٥٣٧]: (قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ : فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) وأوَّله: أُتي النَّبيُّ بمالٍ من البحرين، فقال: «انثروه في المسجد»، وفيه: فجاء العبَّاس فقال: يا رسول الله، أعطني فإنِّي فاديت … إلى آخره [خ¦٤٢١].

٢٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شقيقٍ» أبو عبد الرَّحمن، العبديُّ مولاهم المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك، المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون (٢)، عبد الله بن (٣) أرطبان البصريُّ (قَالَ: كَتَبْتُ) وفي نسخةٍ: «كَتَبَ» (٤) (إِلَى نَافِعٍ)

مولى ابن عمر (فَكَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (١)، أي: نافعٌ: (أَنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ) ولمسلمٍ من طريق سُلَيم بن أخضر عن ابن عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدُّعاء (٢) قبل القتال؟ قال: فكتب إليَّ: إنَّما كان ذلك في أوَّل الإسلام، قد أغارَ رسول الله (عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد وفتح الطَّاء المهملتين وبعد اللَّام المكسورة قافٌ: بطنٍ من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ (وَهُمْ غَارُّونَ) بالغين المُعجَمة وتشديد الرَّاء، جمع غارٍّ، بالتَّشديد، أي: غافلون، أي: أخذهم على غرَّةٍ (وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف (عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ) (٣) أي: الطَّائفة الباغية (٤) (وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ) بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفي هذا جواز الإغارة على الكفَّار الذين بلغتهم الدَّعوة من غير إنذارٍ بالإغارة، لكنَّ الصَّحيحَ استحبابُ الإنذار، وبه قال الشَّافعيُّ واللَّيث وابن المنذر والجمهور، وقال مالكٌ: يجب الإنذار مطلقًا، وفيه جواز استرقاق العرب؛ لأنَّ بني المصطلق عربٌ من خزاعة (٥) كما مرَّ، وهذا قول إمامنا الشَّافعيِّ في الجديد، وبه قال مالكٌ وجمهور أصحابه وأبو حنيفة، وقال جماعةٌ من العلماء: لا يُسْتَرَقُّون لشرفهم، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم (وَأَصَابَ) (يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية وسكون الأولى، بنت الحارث بن أبي ضِرَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الرَّاء- ابن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيِّدَ قومه، وقيل: وقعت في سهم ثابت بن قيسٍ، وكاتبته نفسها، فقضى رسول الله كتابتها وتزوَّجها، فأرسل النَّاس ما في أيديهم من السَّبايا المصطلقيَّة ببركة مُصاهَرة النَّبيِّ ، فلا تُعلَم امرأةٌ أكثر بركةً على قومها

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز كَمَا فِي قتل الْخَطَأ، وَعَن أَحْمد كَقَوْلِنَا وَعنهُ: يجوز مُطلقًا، وَلنَا إِطْلَاق النُّصُوص وَآيَة الْقَتْل مُقَيّدَة بِالْإِيمَان، وَالْأَصْل فِي كل نَص أَن يعْمل بِمُقْتَضَاهُ إطلاقاً وتقييداً.

٣١ - (بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقيقاً فوَهَبَ وباَعَ وجامعَ وفَداى وسَباى الذُّرِّيَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ملك من الْعَرَب رَقِيقا، وَالْعرب الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، والأعراب ساكنوا الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَ بهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالنّسب إِلَيْهَا أَعْرَابِي وعربي. وَاخْتلف فِي نسبتهم، وَالأَصَح: أَنهم نسبوا إِلَى عربة، بِفتْحَتَيْنِ: وَهِي من تهَامَة، لِأَن أباهم إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، نَشأ بهَا. قَوْله: (فوهب) إِلَى آخِره، تَفْصِيل قَوْله: ملك، فَذكر خَمْسَة أَشْيَاء: الْهِبَة وَالْبيع وَالْجِمَاع والفدى والسبي، وَذكر فِي الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث وَبَين فِي كلِّ حديثٍ حُكْمَ كلِّ وَاحِد مِنْهَا غير البيع، وَهُوَ أَيْضا مَذْكُور فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي بعض طرقه، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ومفعولات: وهب وَبَاعَ وجامع وفدى محذوفة. قَوْله: (وسبى) ، عطف على قَوْله: ملك (والذرية) نسل الثقلَيْن، يُقَال: ذرا الله الْخلق، أَي: خلقهمْ وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِعقد هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان الْخلاف فِي استرقاق الْعَرَب، وَالْجُمْهُور على أَن الْعَرَبِيّ إِذا سبي جَازَ أَن يسترق، وَإِذا تزوج أمة بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدهَا رَقِيقا تبعا لَهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ، وحجتهم أَحَادِيث الْبَاب، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ: وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يلْزم سيد الْأمة أَن يقومه على أَبِيه ويلتزم أَبوهُ بأَدَاء الْقيمَة، وَلَا يسترق، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: لَا يسترق ولد عَرَبِيّ من أَبِيه، وَقَالَ اللَّيْث: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من فدَاء ولد الْعَرَب من الولائد، إِنَّمَا كَانَ من أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة، وَفِيمَا أقرّ بِهِ الرجل من نِكَاح الْإِمَاء فَأَما الْيَوْم فَمن تزوج أمة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا أمة، فولده عبد لسَيِّدهَا عَرَبيا كَانَ أَو قريشياً أَو غَيره.

وقوْلِهِ تَعَالَى: {ضرَبَ الله مَثَلاً عبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وجَهْرَاً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (النَّحْل: ٥٧) .

وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (من ملك) ، لِأَنَّهُ فِي مَحل الْجَرّ بِالْإِضَافَة، وَفِيه التَّقْدِير الْمَذْكُور، وَهُوَ: بَاب فِي بَيَان من ملك الْعَرَب، وَفِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {ضرب الله مثلا} (النَّحْل: ٥٧) . وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى.

قيل: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن الله تَعَالَى أطلق العَبْد الْمَمْلُوك وَلم يُقَيِّدهُ بِكَوْنِهِ عجمياً، فَدلَّ على أَن لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعَرَبِيّ والعجمي.

قَوْله: {ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٤٧) . لما نهى الله تَعَالَى الْمُشْركين عَن ضرب الْأَمْثَال بقوله: قبل هَذِه الْآيَة: {فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال} (النَّحْل: ٤٧) . أَي: الْأَشْبَاه والأشكال، إِن الله يعلم مَا يكون قبل أَن يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، علمهمْ كَيفَ يضْرب الْأَمْثَال، فَقَالَ: مثلكُمْ فِي إشراككم بِاللَّه الْأَوْثَان من سوَّى بَين عبد مَمْلُوك عَاجز عَن التَّصَرُّف، وَبَين حر مَالك قد يرزقه الله مَالا، ويتصرف فِيهِ وَينْفق كَيفَ يَشَاء. قَوْله: (عبدا مَمْلُوكا) إِنَّمَا ذكر الْمَمْلُوك ليمين بَينه وَبَين الْحر، لِأَن اسْم العَبْد يَقع عَلَيْهِمَا إِذْ هما من عباد الله تَعَالَى. قَوْله: (لَا يقدر على شَيْء) أَي: لَا يملك مَا بِيَدِهِ وَإِن كَانَ بَاقِيا مَعَه، لِأَن للسَّيِّد انْتِزَاعه مِنْهُ وَيخرج مِنْهُ الْمكَاتب والمأذون لَهُ، لِأَنَّهُمَا يقدران على التَّصَرُّف. فَإِن قلت: من، فِي {وَمن رزقناه} (النَّحْل: ٥٧) . مَا هِيَ؟ قلت: الظَّاهِر أَنَّهَا مَوْصُوفَة كَأَنَّهُ قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبدا، وَلَا يمْتَنع أَن تكون مَوْصُولَة، وَإِنَّمَا قَالَ: هَل يستوون، بِالْجمعِ، لِأَن الْمَعْنى: هَل يَسْتَوِي الْأَحْرَار وَالْعَبِيد، فَالْمُرَاد الشُّيُوع فِي الْجِنْس لَا التَّخْصِيص، ثمَّ قَالَ: {الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ} (النَّحْل: ٥٧) . أَن الْحَمد لي وَجَمِيع النعم مني. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُفَسّرين اخْتلفُوا فِي معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: هَذَا الْمثل لله تَعَالَى وَمن عبد دونه، وَقَالَ قَتَادَة: هَذَا الْمثل لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر، فَذهب إِلَى أَن العَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر، لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع فِي الْآخِرَة بِشَيْء من عمله. قَوْله: {وَمن رزقناه منَّا رزقا حسنا} (النَّحْل: ٥٧) . هُوَ الْمُؤمن.

٠٤٥٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبَرني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ ذكَرَ عُرْزَةُ أأ مَرْوانَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخبراهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وفْدُ هَوازِنَ فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وأحَبُّ الحَدِيثِ إليَّ أصْدَقُهُ فاخْتاروا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا المَالَ وإمَّا السَّبْيَ وقدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِهِمْ وكانَ النبيُّصلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتظرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تبَيَّنَ لهمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غيرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا إنَّا نَخْتارُ سَبْيَنا فقامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فأثْناى علَى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤنا تائِبينَ وإنِّي رأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ على حظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يفيءُ الله علَيْنا فلْيَفْعَلْ فقالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا ذالِكَ قَالَ إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فارْجِعُوا حتَّى يَرْفعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أمْرَكُمْ فرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُم ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبروهُ أنَّهُمْ طَيَّبُوا وأذِنُوا فهاذا الَّذِي بلَغَنا عَنْ سَبْيِ هَوازنَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ملك رَقِيقا من الْعَرَب فوهب) وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وهب شَيْئا لوكيل أَو شَفِيع قومٍ جَازَ إِلَى قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نَصِيبي لكم. وَأخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (ذكر عُرْوَة) ، هُوَ ابْن الزبير، وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوط من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عُرْوَة. قَوْله: (أَن مَرْوَان والمسور بن مخرمَة) مَرْوَان هُوَ ابْن الحكم، قَالَ الْكرْمَانِي: صَحَّ سَماع مسور من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما مَرْوَان فقد قَالَ الْوَاقِدِيّ: رأى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلكنه لم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث مُرْسل، لم يسمع الْمسور من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا، ومروان لم يره قطّ. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْهمزَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَي انتظرت. قَوْله: (حِين قفل) ، أَي: حِين رَحل. قَوْله: (حَتَّى يفِيء الله) ، بِفَتْح الْيَاء، أَي: حَتَّى يرجع الله إِلَيْنَا من مَال الْكفَّار وَيُعْطِينَا خراجاً أَو غنيمَة أَو غير ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد الْفَيْء الاصطلاحي مَخْصُوصًا. قَوْله: (عُرَفَاؤُكُمْ) جمع عريف، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. قَوْله: (فَهَذَا الَّذِي بلغنَا عَن سبي هوَازن) ، هُوَ قَول ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة فِي سنة ثَمَان.

١٤٥٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ الحَسَنِ قَالَ أخْبرنا عبْدُ الله قَالَ أخْبرنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ كتَبْتُ إِلَى نافِعٍ فكتَبَ إلَيَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أغارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وهُمْ غارُّونَ وأنْعامُهُمْ تُسْقى على الماءِ فقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وسباى ذَرَارِيَّهُمْ وأصابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ قَالَ حدَّثني بِهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وكانَ فِي ذالِكَ الْجَيْشِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وسبى ذَرَارِيهمْ) وَفِي التَّرْجَمَة: وسبى الذُّرِّيَّة.

وَعلي بن الْحسن بن شَقِيق، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْقَاف الأولى: الْمروزِي، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ عبد الله بن عون، مر فِي الْعلم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن مَنْصُور عَن إِسْمَاعِيل بن علية. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيع.

قَوْله: (قَالَ كتبت) أَي: قَالَ ابْن عون: كتبت إِلَى نَافِع فِي أَمر بني المصطلق، فَكتب. . إِلَى آخِره، قد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا اخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن أَن الْكِتَابَة حكمهَا حكم الِاتِّصَال لَا الِانْقِطَاع. قَوْله: (أغار) بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: أغار على عدوه إِذا هجم عَلَيْهِ ونهبه، ومصدره الإغارة، والغارة اسْم من الإغارة. ومادته: غين وواو وَرَاء. قَوْله: (بني المصطلق) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالقاف: وَهِي بطن من خُزَاعَة، والمصطلق هُوَ ابْن سعد بن عَمْرو بن ربيعَة ابْن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَيُقَال: إِن المصطلق لقب واسْمه جذيمة، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: ابْن سعد بن عَمْرو. وَعَمْرو هُوَ أَبُو خُزَاعَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي المصطلق لحسن صَوته، مفتعل من الصلق، والصلق شدَّة الصَّوْت وحدته، من قَوْله عز وَجل: {سلقوكم بألسنة حداد} (الْأَحْزَاب: ٩١) . وَيُقَال: صلق بَنو فلَان بني فلَان، إِذا وَقَعُوا بهم وقتلوهم قتلا ذريعاً، قَوْله: (وهم غَارونَ) ، جملَة إسمية حَالية بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء، والغارون جمع غَار، أَي: غافل أَي أَخذهم على غرَّة وبغتة. قَوْله: (وأنعامهم تَسْقِي) أَيْضا جملَة إسمية حَالية، والأنعام، بِفَتْح الْهمزَة جمع: نعم، قَالَ الْجَوْهَرِي: النعم وَاحِد الْأَنْعَام، وَهل المَال الراعية، وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الإسم على الْإِبِل، قَالَ الْفراء: هُوَ ذكر لَا يؤنث، يَقُولُونَ: هَذَا نعم وَارِد وَيجمع على نعْمَان، والأنعام تذكر وتؤنث قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع: {مِمَّا فِي بطونه} (النَّحْل: ٦٦) . وَفِي مَوضِع {مِمَّا فِي بطونها} وَجمع الْجمع: أناعيم. قَوْله: (تسقى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقتل مُقَاتلَتهمْ) أَي: الطَّائِفَة الْبَالِغين الَّذين هم على صدد الْقِتَال. قَوْله: (ذَرَارِيهمْ) ، بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها وَهُوَ جمع ذُرِّيَّة. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، أَي: يَوْم الإغارة على بني المصطلق. قَوْله: (جوَيْرِية) ، مصغر جَارِيَة.

وَمن حَدِيثهَا مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: لما قسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَبَايَا بني المصطلق وَقعت جوَيْرِية بنت الْحَارِث فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته على نَفسهَا وَكَانَت امْرَأَة حلوة ملاحة لَا يَرَاهَا إحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، فَأَتَت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تستعينه فِي كتَابَتهَا، قَالَت: فوَاللَّه مَا هُوَ إلَاّ أَن رَأَيْتهَا على بَاب حُجْرَتي، فكرهتها وَعرفت أَنه سيرى مِنْهَا مَا رَأَيْت، فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَت: يَا رَسُول الله {أَنا جوَيْرِية بنت الْحَارِث بن أبي ضرار سيد قومه، وَقد أصابني من البلايا مَا لم يخف عَلَيْك، فَوَقَعت فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته فجئتك استعينك على كتابتي. قَالَ: فَهَل لَك من خير فِي ذَلِك؟ قَالَت: وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَقْْضِي كتابك وأتزوجك؟ قَالَت: نعم يَا رَسُول الله} قد فعلت. قَالَت: وَخرج الْخَبَر إِلَى النَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تزوج جوَيْرِية بنت الْحَارِث، فَقَالَ النَّاس: أصها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأرسلوا مَا بِأَيْدِيهِم. قَالَت: فَلَقَد اعْتِقْ بتزويجه إِيَّاهَا مائَة أهل بَيت من بني المصطلق، فَمَا أعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا.

وروى مُوسَى بن عقبَة عَن بعض بني المصطلق: أَن أَبَاهَا طلبَهَا وافتداها ثمَّ خطبهَا مِنْهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَزَوجهُ إِيَّاهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَيُقَال: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جعل صَدَاقهَا عتق كل أَسِير من بني المصطلق، وَيُقَال: جعل صَدَاقهَا عتق أَرْبَعِينَ من بني المصطلق، وَكَانَت جوَيْرِية تَحت مسافع بن صَفْوَان المصطلقي، وَقيل: صَفْوَان بن مَالك، وَكَانَ اسْمهَا: برة، فغيرها النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فسماها جوَيْرِية، وَمَاتَتْ فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَخمسين وَلها خمس وَسِتُّونَ سنة.

وَأما غَزْوَة بني المصطلق، فَقَالَ البُخَارِيّ: وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَذَلِكَ سنة سِتّ. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: سنة أَربع. انْتهى. وَقَالَ الصغاني: غَزْوَة الْمُريْسِيع من غزوات رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي سنة خمس من مهاجره، قَالُوا: إِن بني المصطلق من خُزَاعَة يُرِيدُونَ محاربة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا ينزلون على بئرٍ لَهُم يُقَال لَهَا: الْمُريْسِيع، بَينهَا وَبَين الْفَرْع مسيرَة يَوْم، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت غَزْوَة بني المصطلق لليلتين من شعْبَان سنة خمس فِي سَبْعمِائة من أَصْحَابه، وَقَالَ ابْن هِشَام: اسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَذكر ابْن سعد ندب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس إِلَيْهِم، فَأَسْرعُوا الْخُرُوج وقادوا الْخَيل، وَهِي ثَلَاثُونَ فرسا فِي الْمُهَاجِرين مِنْهَا عشرَة، وَفِي الْأَنْصَار عشرُون، واستخلف على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة وَكَانَ مَعَه فرسَان لزار والظرب، وَيُقَال: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَامِل راية الْمُهَاجِرين، وَسعد بن عبَادَة حَامِل راية الْأَنْصَار، فَقتلُوا مِنْهُم عشرَة وأسروا سَائِرهمْ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن بني المصطلق يجمعُونَ لَهُ وَقَائِدهمْ الْحَارِث بن أبي ضرار، أَبُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث الَّتِي تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا سمع بهم خرج إِلَيْهِم حَتَّى لَقِيَهُمْ على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع، من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل، فتزاحف

النَّاس فَاقْتَتلُوا، فَهزمَ الله بني المصطلق وَقتل من قتل، وَنفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ، فأفاءهم عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن سعد: وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأسارى فكتفوا، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم بُرَيْدَة بن الخصيب، وَأمر بالغلام فَجمعت وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شقران مَوْلَاهُ، وَجمع الذُّرِّيَّة نَاحيَة وَاسْتعْمل على سهم الْخمس وسهمان الْمُسلمين محيمة بن جُزْء الزبيدِيّ، وَكَانَت الْإِبِل ألفي بعير، والشياه خَمْسَة آلَاف، وَكَانَ السَّبي مِائَتي بنت، وَغَابَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثَمَانِيَة وَعشْرين وَقدم الْمَدِينَة هِلَال رَمَضَان، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَأُصِيب بني المصطلق نَاس، وَقتل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم رجلَيْنِ مَالِكًا وَابْنه، وَكَانَ شعار الْمُسلمين يَوْمئِذٍ: يَا مَنْصُور أمت أمت.

٢٤٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَال عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن مُحَمَّدِ بنِ يَحْياى بنِ حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ رأيْتُ أَبَا سعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَسألْتُهُ فَقَالَ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فأصَبْنَا سبْياٍ مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّساءَ فاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنا العَزْلَ فسَألْنا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا منْ نَسَمةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلأ وهْيَ كائِنَةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِيهَا: وجامع، يَعْنِي: بعد أَن ملك من الْعَرَب سبياً وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء: الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي شيخ مَالك، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: مر فِي الْوضُوء، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكسر الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْضا وَفِي آخِره زَاي. وَمر الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي محيريز: أَن أَبَا سعيد ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْعَزْل) ، هُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) يَعْنِي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أذا تركْتُم الْعَزْل. قَوْله: (نسمَة) ، بِفَتْح السِّين، وَهِي: الأنسان، أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله إلَاّ وَهِي كائنة فِي الْخَارِج، لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَي: مَا قدر الله أَن يكون الْبَتَّةَ. وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الصَّحَابَة أطبقوا على وَطْء مَا وَقع فِي سُهْمَانهمْ من السَّبي، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ بعد الِاسْتِبْرَاء بِإِجْمَاع الْعلمَاء، من وَهَذَا يدل أَن السباء يقطع الْعِصْمَة بَين الزَّوْجَيْنِ الْكَافرين.

وَاخْتلف السّلف فِي حكم وَطْء الوثنيات والمجوسيات إِذا سبين، فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد، وَهَذَا قَول شَاذ لم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من الْعلمَاء، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على أَنه: لَا يجوز وَطْء الوثنيات بقوله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وَإِنَّمَا أَبَاحَ الله تَعَالَى وَطْء نسَاء أهل الْكتاب خَاصَّة. بقوله: وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ} (الْمَائِدَة: ٥) . وَإِنَّمَا أطبق الصَّحَابَة على وَطْء سَبَايَا الْعَرَب بعد إسلامهن، لِأَن سبي هوَازن كَانَ سنة ثَمَان، وَسبي بني المصطلق سنة سِتّ، وَسورَة الْبَقَرَة من أول مَا نزل بِالْمَدِينَةِ، فقد علمُوا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وتقرر عِنْدهم أَنه لَا يجوز وَطْء الوثنيات الْبَتَّةَ حَتَّى يسلمن، وروى عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا يُونُس ابْن عبيد أَنه سمع الْحسن يَقُول: كُنَّا نغزو مَعَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِذا أصَاب أحدهم جَارِيَة من الفىء فَأَرَادَ أَن يُصِيبهَا أمرهَا فاغتسلت ثمَّ علمهَا الْإِسْلَام وأمرها بِالصَّلَاةِ واستبرأها بِحَيْضَة، ثمَّ أَصَابَهَا. وَعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . يَقْتَضِي تَحْرِيم وَطْء المجوسيات بِالتَّزْوِيجِ وبملك الْيَمين، وعَلى هَذَا أَئِمَّة الْفَتْوَى وَعَامة الْعلمَاء.

وَأما الْعَزْل فقد اخْتلف فِيهِ قَدِيما وإباحته أظهر فِي الحَدِيث عِنْد الشَّافِعِي، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة مَعَ الْإِذْن وبدونه، وروى مَالك عَن سعيد بن أبي وَقاص وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس: أَنهم كَانُوا يعزلون، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر، وَذكر مَالك أَيْضا عَن ابْن عمر أَنه: كره الْعَزْل، وَقيل: رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَاحْتج من كره الْعَزْل بِأَنَّهُ: الوأد الْخَفي، كَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على جَوَاز الْعَزْل عَن الْحرَّة إِذا أَذِنت فِيهِ لزَوجهَا.

وَاخْتلفُوا فِي الْأمة الْمُزَوجَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: الْأذن فِي ذَلِك لمولاها، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: الْإِذْن إِلَيْهَا،

وَقَالَ الشَّافِعِي: يعْزل عَنْهَا بِدُونِ إِذْنهَا وَبِدُون إِذن مَوْلَاهَا.

٣٤٥٢ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَا أزَالُ أُحِبُّ بني تَمِيم ح وحدَّثني ابنُ سَلَامٍ قَالَ أخبرنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الْمُغِيرَةِ عنِ الحَارِثِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقولُ هُمْ أشَدُّ أُمَّتِي على الدَّجَّالِ قَالَ وجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنا وكانَتْ سَبِيَّةٌ منْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّها منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عليهِ السَّلامُ.

(الحَدِيث ٣٤٥٢ طرفه فِي: ٦٦٣٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَبَاعَ، وَلَكِن فِي بعض طرقه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معمر عَن جرير: كَانَت على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، نسمَة من بني إِسْمَاعِيل، فَقدم سبي خولان، فَقَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله! أبتاع مِنْهُم. قَالَ: لَا، فَلَمَّا قدم سبي بني العنبر قَالَ: ابتاعي مِنْهُم فَإِنَّهُم ولد إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَوَقع عِنْد أبي عوَانَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا:. وجىء بسبي بني العنبر. انْتهى. وَبَنُو العنبر بطن من بني تَمِيم، وَقَالَ الرشاطي: الْعَنْبَري فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ: أَن العنبر هَذَا هُوَ ولد عَامر بن عَمْرو، وَفِي تَمِيم أَيْضا: العنبر بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن شيخين لَهُ أَحدهمَا: عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الأولى: ابْن عبد الحميد عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع عَن أبي زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن جرير عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن الْحَارِث بن يزِيد من الزِّيَادَة العكلي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: التَّمِيمِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِيهِ عمَارَة مَقْرُونا بِالْحَارِثِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا زلت أحب بني تَمِيم) ، هِيَ قَبيلَة كَبِيرَة فِي مُضر تنْسب إِلَى تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. قَوْله: (مُنْذُ ثَلَاث) ، أَي: من حِين سَمِعت الْخِصَال الثَّلَاث، وَهِي الَّتِي أَولهَا: هُوَ قَوْله: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) . وَثَانِيها: هُوَ قَوْله: (هَذِه صدقَات قَومنَا) وَثَالِثهَا: أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لعَائِشَة بِعِتْق السبية الْمَذْكُورَة. لكَونهَا من ولد إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَزَاد فِيهِ أَحْمد من وَجه آخر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمَا كَانَ قوم من الْأَحْيَاء أبْغض إِلَيّ مِنْهُم فأحببتهم. انْتهى. وَكَانَ ذَلِك لما كَانَ بَينهم وَبَين قومه فِي الْجَاهِلِيَّة من الْعَدَاوَة. قَوْله: (يَقُول فيهم) أَي: فِي بني تَمِيم. قَوْله: (سمعته يَقُول) ، أَي: سَمِعت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (هم أَشد النَّاس قتالاً فِي الْمَلَاحِم) ، وَرِوَايَة الشّعبِيّ أَعم من رِوَايَة أبي زرْعَة، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ) ، أَي: صدقَات بني تَمِيم، فَقَالَ: (هَذِه صدقَات قَومنَا) ، إِنَّمَا نسبهم إِلَيْهِ لِاجْتِمَاع نسبهم بنسبه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي إلْيَاس بن مُضر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق الشّعبِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث: وأُتي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بنعم من صَدَقَة بني سعد، فَلَمَّا راعه حسنها، قَالَ: (هَذِه صَدَقَة قومِي) . انْتهى. وَبَنُو سعد بطن كَبِير من تَمِيم، ينتسبون إِلَى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَوْله: (سبية مِنْهُم) ، أَي: من بني تَمِيم، وسبية على وزن: فعيلة، بِفَتْح السِّين من السَّبي أَو من السباء، فَإِن كَانَ من الأول يكون بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَإِن كَانَ من الثَّانِي يكون بِالْهَمْزَةِ بعد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يدر اسْمهَا، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هَارُون بن مَعْرُوف عَن جرير: نسمَة، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: وَهِي الْإِنْسَان، وَله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ ذَلِكَ. قَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا، فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ : فَادَيْتُ عَقِيلًا.

٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ"

٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ وَهِيَ كَائِنَةٌ"

٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ .. " وحَدَّثَنِي ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ: يَقُولُ هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقال رسول الله : "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"

[الحديث ٢٥٤٣ - طرفه في: ٤٣٦٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ الْخِلَافِ فِي اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا سُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا. وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ تَقْوِيمَ الْوَلَدِ وَيُلْزَمُ أَبُوهُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَلَا يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ أَصْلًا، وَقَدْ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْجَوَازِ، وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْهِبَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْفِدَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ سَبْيِ الذُّرِّيَّةِ،

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْجِمَاعِ وَمِنَ الْفِدْيَةِ أَيْضًا، وَيَتَضَمَّنُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ابْتَاعِي كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَافِرُ خَاصَّةً. نَعَمْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يَمْلِكُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا بِشَرْطٍ. وَقَالَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ: فَإِنَّ الْمَالَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِشَرْطٍ. قَالَ: وَحُجَّتُهُ فِي الْبَيْعِ حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ فِي الْعِتْقِ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ بِسَيِّدِهِ.

قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ صُورَةَ إِحْسَانٍ إِلَيْهِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ مَا بِيَدِهِ تَكْمِيلًا لِلْإِحْسَانِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْمُكَاتَبَةُ وَسَاغَ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ تَسَلُّطًا عَلَى مَا بِيَدِهِ فِي صُورَةِ الْعِتْقِ مَا أَغْنَى ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَأَمَّا قِصَّةُ هَوَازِنَ فسَيَأْتِي شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ سَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ.

وَقَوْلُهُ: اسْتَأْنَيْتُ بِالْمُثَنَّاةِ قَبْلَ الْأَلِفِ الْمَهْمُوزَةِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ أَيِ انْتَظَرْتُ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَفِيءَ (١) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ أَيْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدِ الْفَيْءَ الِاصْطِلَاحِيَّ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا قِصَّةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَوْلُهُ: أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ الْمُصْطَلِقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمُصْطَلِقَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ جَذِيمَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْغَزَاةِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: وَهُمْ غَارُّونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ جَمْعُ غَارٍّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ غَافِلٍ، أَيْ أَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ أَبُوهَا سَيِّدَ قَوْمِهِ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ نَافِعًا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ سَاقَهُ هُنَاكَ تَامًّا، وَقَوْلُهُ هُنَا: ابْنِ حَبَّانَ هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَاءٍ وَزَايٍ مُصَغَّرٌ، وَقَوْلُهُ: نَسَمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ: نَفْسٍ.

وأما حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ، كُلٌّ مِنْهُمَا حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ جَرِيرٍ، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا زَادَ فِيهِ عَنْ جَرِيرٍ إِسْنَادًا آخَرَ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى

لَفْظِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ، وَالْحَارِثُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَالْعُكْلِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْكَلَابَاذِيُّ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَقْرَانِ الرَّاوِي عَنْهُ مُغِيرَةَ لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ غَيْرَ طَرَفَيْهِ الصَّحَابِيِّ وَشَيْخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ) أَيِ الْقَبِيلَةَ الْكَبِيرَةَ الْمَشْهُورَةَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ ابْنِ أُدٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ابْنِ طَابِخَةَ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (مُنْذُ ثَلَاثٍ) أَيْ مِنْ حِينِ سَمِعْتُ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَا كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْأَحْيَاءِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُمْ فَأَحْبَبْتُهُمْ اهـ، وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ.

قَوْلُهُ: (هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَامُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخَاصِّ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَلَاحِمِ أَكْبَرَهَا وَهُوَ قِتَالُ الدَّجَّالِ، أَوْ ذَكَرَ الدَّجَّالَ لِيَدْخُلَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) إِنَّمَا نَسَبَهُمْ إِلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ نَسَبِهِمْ بِنَسَبِهِ فِي إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ بِنَعَمٍ مِنْ صَدَقَةِ بَنِي سَعْدٍ، فَلَمَّا رَاعَهُ حُسْنُهَا قَالَ: هَذِهِ صَدَقَةُ قَوْمِي اهـ، وَبَنُو سَعْدٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ شَهِيرٌ مِنْ تَمِيمٍ، يُنْسَبُونَ إِلَى سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، مِنْ أَشْهَرِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ : هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ) أَيْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ بَطْنٌ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ جَرِيرٍ: وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَقَدِمَ سَبْيُ خَوْلَانَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا. فَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ قَالَ: ابْتَاعِي فَإِنَّهُمْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: وَجِيءَ بِسَبْيِ بَنِي الْعَنْبَرِ اهـ، وَبَنُو الْعَنْبَرِ بَطْنٌ شَهِيرٌ أَيْضًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى الْعَنْبَرِ - وَهُوَ بِلَفْظِ الطِّيبِ الْمَعْرُوفِ - ابْنُ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّحِيحَيْنِ سَبِيَّةٌ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مِنَ السَّبْيِ أَوْ مِنَ السَّبَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، لَكِنْ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ جَرِيرٍ نَسَمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ نَفْسٌ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ مُحَرَّرٌ وَبَيَّنَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ الْمُرَادَ بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ كَانَ نَذْرًا وَلَفْظُهُ نَذَرَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْتِقَ مُحَرَّرًا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ دُرَيْحٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرًا ابْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ شُعْثُمٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ الْعَنْبَرِيُّ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ عَتِيقًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : اصْبِرِي حَتَّى يَجِيءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ غَدًا، فَجَاءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ فَقَالَ لَهَا: خُذِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، فَأَخَذَتْ رُدَيْحًا، وَزُبَيْبًا، وَزُخَيًّا، وَسَمُرَةَ اهـ.

فَأَمَّا رُدَيْحٌ فَهُوَ الْمَذْكُورُ، وَأَمَّا زُبَيْبٌ فَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا - وَضَبَطَهُ الْعَسْكَرِيُّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - وَهُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَزُخَيٌّ بِالزَّايِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَوْنٍ بِالرَّاءِ أَوَّلَهُ، وَسَمُرَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: فَمَسَحَ النَّبِيُّ رُءُوسَهُمْ وَبَرَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَصْدًا اهـ.

وَالَّذِي تَعَيَّنَ لِعِتْقِ عَائِشَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ إِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) أي: يرجع إلينا من أموال الكفَّار من غنيمةٍ، أو خراجٍ، أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحيَّ وحده، و «يُفيء» بضمِّ أوَّله، من: أفاء (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «طيَّبنا لك ذلك» (قَالَ) : (إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) زاد في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]: «في ذلك» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) أراد بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى النَّبِيِّ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: النَّاس (طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له أن يردَّ السَّبي إليهم، قال الزُّهريُّ: (فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ) وزاد في «الهبة» [خ¦٢٦٠٧]: هذا آخر قول الزُّهريِّ، يعني: فهذا الذي بلغنا. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَنْ مَلَكَ رقيقًا من العرب فوَهَب».

(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا سبق موصولًا، ونبَّهت عليه قريبًا في «باب إذا أُسِرَ أخو الرَّجل» [خ¦٢٥٣٧]: (قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ : فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) وأوَّله: أُتي النَّبيُّ بمالٍ من البحرين، فقال: «انثروه في المسجد»، وفيه: فجاء العبَّاس فقال: يا رسول الله، أعطني فإنِّي فاديت … إلى آخره [خ¦٤٢١].

٢٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شقيقٍ» أبو عبد الرَّحمن، العبديُّ مولاهم المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك، المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون (٢)، عبد الله بن (٣) أرطبان البصريُّ (قَالَ: كَتَبْتُ) وفي نسخةٍ: «كَتَبَ» (٤) (إِلَى نَافِعٍ)

مولى ابن عمر (فَكَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (١)، أي: نافعٌ: (أَنَّ النَّبِيَّ أَغَارَ) ولمسلمٍ من طريق سُلَيم بن أخضر عن ابن عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدُّعاء (٢) قبل القتال؟ قال: فكتب إليَّ: إنَّما كان ذلك في أوَّل الإسلام، قد أغارَ رسول الله (عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد وفتح الطَّاء المهملتين وبعد اللَّام المكسورة قافٌ: بطنٍ من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ (وَهُمْ غَارُّونَ) بالغين المُعجَمة وتشديد الرَّاء، جمع غارٍّ، بالتَّشديد، أي: غافلون، أي: أخذهم على غرَّةٍ (وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف (عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ) (٣) أي: الطَّائفة الباغية (٤) (وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ) بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفي هذا جواز الإغارة على الكفَّار الذين بلغتهم الدَّعوة من غير إنذارٍ بالإغارة، لكنَّ الصَّحيحَ استحبابُ الإنذار، وبه قال الشَّافعيُّ واللَّيث وابن المنذر والجمهور، وقال مالكٌ: يجب الإنذار مطلقًا، وفيه جواز استرقاق العرب؛ لأنَّ بني المصطلق عربٌ من خزاعة (٥) كما مرَّ، وهذا قول إمامنا الشَّافعيِّ في الجديد، وبه قال مالكٌ وجمهور أصحابه وأبو حنيفة، وقال جماعةٌ من العلماء: لا يُسْتَرَقُّون لشرفهم، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم (وَأَصَابَ) (يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية وسكون الأولى، بنت الحارث بن أبي ضِرَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الرَّاء- ابن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيِّدَ قومه، وقيل: وقعت في سهم ثابت بن قيسٍ، وكاتبته نفسها، فقضى رسول الله كتابتها وتزوَّجها، فأرسل النَّاس ما في أيديهم من السَّبايا المصطلقيَّة ببركة مُصاهَرة النَّبيِّ ، فلا تُعلَم امرأةٌ أكثر بركةً على قومها

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز كَمَا فِي قتل الْخَطَأ، وَعَن أَحْمد كَقَوْلِنَا وَعنهُ: يجوز مُطلقًا، وَلنَا إِطْلَاق النُّصُوص وَآيَة الْقَتْل مُقَيّدَة بِالْإِيمَان، وَالْأَصْل فِي كل نَص أَن يعْمل بِمُقْتَضَاهُ إطلاقاً وتقييداً.

٣١ - (بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقيقاً فوَهَبَ وباَعَ وجامعَ وفَداى وسَباى الذُّرِّيَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ملك من الْعَرَب رَقِيقا، وَالْعرب الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، والأعراب ساكنوا الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَ بهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالنّسب إِلَيْهَا أَعْرَابِي وعربي. وَاخْتلف فِي نسبتهم، وَالأَصَح: أَنهم نسبوا إِلَى عربة، بِفتْحَتَيْنِ: وَهِي من تهَامَة، لِأَن أباهم إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، نَشأ بهَا. قَوْله: (فوهب) إِلَى آخِره، تَفْصِيل قَوْله: ملك، فَذكر خَمْسَة أَشْيَاء: الْهِبَة وَالْبيع وَالْجِمَاع والفدى والسبي، وَذكر فِي الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث وَبَين فِي كلِّ حديثٍ حُكْمَ كلِّ وَاحِد مِنْهَا غير البيع، وَهُوَ أَيْضا مَذْكُور فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي بعض طرقه، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ومفعولات: وهب وَبَاعَ وجامع وفدى محذوفة. قَوْله: (وسبى) ، عطف على قَوْله: ملك (والذرية) نسل الثقلَيْن، يُقَال: ذرا الله الْخلق، أَي: خلقهمْ وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِعقد هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان الْخلاف فِي استرقاق الْعَرَب، وَالْجُمْهُور على أَن الْعَرَبِيّ إِذا سبي جَازَ أَن يسترق، وَإِذا تزوج أمة بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدهَا رَقِيقا تبعا لَهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ، وحجتهم أَحَادِيث الْبَاب، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ: وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يلْزم سيد الْأمة أَن يقومه على أَبِيه ويلتزم أَبوهُ بأَدَاء الْقيمَة، وَلَا يسترق، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: لَا يسترق ولد عَرَبِيّ من أَبِيه، وَقَالَ اللَّيْث: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من فدَاء ولد الْعَرَب من الولائد، إِنَّمَا كَانَ من أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة، وَفِيمَا أقرّ بِهِ الرجل من نِكَاح الْإِمَاء فَأَما الْيَوْم فَمن تزوج أمة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا أمة، فولده عبد لسَيِّدهَا عَرَبيا كَانَ أَو قريشياً أَو غَيره.

وقوْلِهِ تَعَالَى: {ضرَبَ الله مَثَلاً عبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وجَهْرَاً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (النَّحْل: ٥٧) .

وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (من ملك) ، لِأَنَّهُ فِي مَحل الْجَرّ بِالْإِضَافَة، وَفِيه التَّقْدِير الْمَذْكُور، وَهُوَ: بَاب فِي بَيَان من ملك الْعَرَب، وَفِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {ضرب الله مثلا} (النَّحْل: ٥٧) . وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى.

قيل: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن الله تَعَالَى أطلق العَبْد الْمَمْلُوك وَلم يُقَيِّدهُ بِكَوْنِهِ عجمياً، فَدلَّ على أَن لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعَرَبِيّ والعجمي.

قَوْله: {ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٤٧) . لما نهى الله تَعَالَى الْمُشْركين عَن ضرب الْأَمْثَال بقوله: قبل هَذِه الْآيَة: {فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال} (النَّحْل: ٤٧) . أَي: الْأَشْبَاه والأشكال، إِن الله يعلم مَا يكون قبل أَن يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، علمهمْ كَيفَ يضْرب الْأَمْثَال، فَقَالَ: مثلكُمْ فِي إشراككم بِاللَّه الْأَوْثَان من سوَّى بَين عبد مَمْلُوك عَاجز عَن التَّصَرُّف، وَبَين حر مَالك قد يرزقه الله مَالا، ويتصرف فِيهِ وَينْفق كَيفَ يَشَاء. قَوْله: (عبدا مَمْلُوكا) إِنَّمَا ذكر الْمَمْلُوك ليمين بَينه وَبَين الْحر، لِأَن اسْم العَبْد يَقع عَلَيْهِمَا إِذْ هما من عباد الله تَعَالَى. قَوْله: (لَا يقدر على شَيْء) أَي: لَا يملك مَا بِيَدِهِ وَإِن كَانَ بَاقِيا مَعَه، لِأَن للسَّيِّد انْتِزَاعه مِنْهُ وَيخرج مِنْهُ الْمكَاتب والمأذون لَهُ، لِأَنَّهُمَا يقدران على التَّصَرُّف. فَإِن قلت: من، فِي {وَمن رزقناه} (النَّحْل: ٥٧) . مَا هِيَ؟ قلت: الظَّاهِر أَنَّهَا مَوْصُوفَة كَأَنَّهُ قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبدا، وَلَا يمْتَنع أَن تكون مَوْصُولَة، وَإِنَّمَا قَالَ: هَل يستوون، بِالْجمعِ، لِأَن الْمَعْنى: هَل يَسْتَوِي الْأَحْرَار وَالْعَبِيد، فَالْمُرَاد الشُّيُوع فِي الْجِنْس لَا التَّخْصِيص، ثمَّ قَالَ: {الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ} (النَّحْل: ٥٧) . أَن الْحَمد لي وَجَمِيع النعم مني. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُفَسّرين اخْتلفُوا فِي معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: هَذَا الْمثل لله تَعَالَى وَمن عبد دونه، وَقَالَ قَتَادَة: هَذَا الْمثل لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر، فَذهب إِلَى أَن العَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر، لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع فِي الْآخِرَة بِشَيْء من عمله. قَوْله: {وَمن رزقناه منَّا رزقا حسنا} (النَّحْل: ٥٧) . هُوَ الْمُؤمن.

٠٤٥٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبَرني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ ذكَرَ عُرْزَةُ أأ مَرْوانَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخبراهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وفْدُ هَوازِنَ فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وأحَبُّ الحَدِيثِ إليَّ أصْدَقُهُ فاخْتاروا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا المَالَ وإمَّا السَّبْيَ وقدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِهِمْ وكانَ النبيُّصلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتظرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تبَيَّنَ لهمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غيرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا إنَّا نَخْتارُ سَبْيَنا فقامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فأثْناى علَى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤنا تائِبينَ وإنِّي رأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ على حظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يفيءُ الله علَيْنا فلْيَفْعَلْ فقالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا ذالِكَ قَالَ إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فارْجِعُوا حتَّى يَرْفعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أمْرَكُمْ فرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُم ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبروهُ أنَّهُمْ طَيَّبُوا وأذِنُوا فهاذا الَّذِي بلَغَنا عَنْ سَبْيِ هَوازنَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ملك رَقِيقا من الْعَرَب فوهب) وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وهب شَيْئا لوكيل أَو شَفِيع قومٍ جَازَ إِلَى قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نَصِيبي لكم. وَأخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (ذكر عُرْوَة) ، هُوَ ابْن الزبير، وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوط من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عُرْوَة. قَوْله: (أَن مَرْوَان والمسور بن مخرمَة) مَرْوَان هُوَ ابْن الحكم، قَالَ الْكرْمَانِي: صَحَّ سَماع مسور من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما مَرْوَان فقد قَالَ الْوَاقِدِيّ: رأى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلكنه لم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث مُرْسل، لم يسمع الْمسور من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا، ومروان لم يره قطّ. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْهمزَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَي انتظرت. قَوْله: (حِين قفل) ، أَي: حِين رَحل. قَوْله: (حَتَّى يفِيء الله) ، بِفَتْح الْيَاء، أَي: حَتَّى يرجع الله إِلَيْنَا من مَال الْكفَّار وَيُعْطِينَا خراجاً أَو غنيمَة أَو غير ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد الْفَيْء الاصطلاحي مَخْصُوصًا. قَوْله: (عُرَفَاؤُكُمْ) جمع عريف، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. قَوْله: (فَهَذَا الَّذِي بلغنَا عَن سبي هوَازن) ، هُوَ قَول ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة فِي سنة ثَمَان.

١٤٥٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ الحَسَنِ قَالَ أخْبرنا عبْدُ الله قَالَ أخْبرنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ كتَبْتُ إِلَى نافِعٍ فكتَبَ إلَيَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أغارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وهُمْ غارُّونَ وأنْعامُهُمْ تُسْقى على الماءِ فقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وسباى ذَرَارِيَّهُمْ وأصابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ قَالَ حدَّثني بِهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وكانَ فِي ذالِكَ الْجَيْشِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وسبى ذَرَارِيهمْ) وَفِي التَّرْجَمَة: وسبى الذُّرِّيَّة.

وَعلي بن الْحسن بن شَقِيق، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْقَاف الأولى: الْمروزِي، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ عبد الله بن عون، مر فِي الْعلم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن مَنْصُور عَن إِسْمَاعِيل بن علية. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيع.

قَوْله: (قَالَ كتبت) أَي: قَالَ ابْن عون: كتبت إِلَى نَافِع فِي أَمر بني المصطلق، فَكتب. . إِلَى آخِره، قد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا اخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن أَن الْكِتَابَة حكمهَا حكم الِاتِّصَال لَا الِانْقِطَاع. قَوْله: (أغار) بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: أغار على عدوه إِذا هجم عَلَيْهِ ونهبه، ومصدره الإغارة، والغارة اسْم من الإغارة. ومادته: غين وواو وَرَاء. قَوْله: (بني المصطلق) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالقاف: وَهِي بطن من خُزَاعَة، والمصطلق هُوَ ابْن سعد بن عَمْرو بن ربيعَة ابْن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَيُقَال: إِن المصطلق لقب واسْمه جذيمة، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: ابْن سعد بن عَمْرو. وَعَمْرو هُوَ أَبُو خُزَاعَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي المصطلق لحسن صَوته، مفتعل من الصلق، والصلق شدَّة الصَّوْت وحدته، من قَوْله عز وَجل: {سلقوكم بألسنة حداد} (الْأَحْزَاب: ٩١) . وَيُقَال: صلق بَنو فلَان بني فلَان، إِذا وَقَعُوا بهم وقتلوهم قتلا ذريعاً، قَوْله: (وهم غَارونَ) ، جملَة إسمية حَالية بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء، والغارون جمع غَار، أَي: غافل أَي أَخذهم على غرَّة وبغتة. قَوْله: (وأنعامهم تَسْقِي) أَيْضا جملَة إسمية حَالية، والأنعام، بِفَتْح الْهمزَة جمع: نعم، قَالَ الْجَوْهَرِي: النعم وَاحِد الْأَنْعَام، وَهل المَال الراعية، وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الإسم على الْإِبِل، قَالَ الْفراء: هُوَ ذكر لَا يؤنث، يَقُولُونَ: هَذَا نعم وَارِد وَيجمع على نعْمَان، والأنعام تذكر وتؤنث قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع: {مِمَّا فِي بطونه} (النَّحْل: ٦٦) . وَفِي مَوضِع {مِمَّا فِي بطونها} وَجمع الْجمع: أناعيم. قَوْله: (تسقى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقتل مُقَاتلَتهمْ) أَي: الطَّائِفَة الْبَالِغين الَّذين هم على صدد الْقِتَال. قَوْله: (ذَرَارِيهمْ) ، بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها وَهُوَ جمع ذُرِّيَّة. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، أَي: يَوْم الإغارة على بني المصطلق. قَوْله: (جوَيْرِية) ، مصغر جَارِيَة.

وَمن حَدِيثهَا مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: لما قسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَبَايَا بني المصطلق وَقعت جوَيْرِية بنت الْحَارِث فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته على نَفسهَا وَكَانَت امْرَأَة حلوة ملاحة لَا يَرَاهَا إحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، فَأَتَت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تستعينه فِي كتَابَتهَا، قَالَت: فوَاللَّه مَا هُوَ إلَاّ أَن رَأَيْتهَا على بَاب حُجْرَتي، فكرهتها وَعرفت أَنه سيرى مِنْهَا مَا رَأَيْت، فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَت: يَا رَسُول الله {أَنا جوَيْرِية بنت الْحَارِث بن أبي ضرار سيد قومه، وَقد أصابني من البلايا مَا لم يخف عَلَيْك، فَوَقَعت فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته فجئتك استعينك على كتابتي. قَالَ: فَهَل لَك من خير فِي ذَلِك؟ قَالَت: وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَقْْضِي كتابك وأتزوجك؟ قَالَت: نعم يَا رَسُول الله} قد فعلت. قَالَت: وَخرج الْخَبَر إِلَى النَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تزوج جوَيْرِية بنت الْحَارِث، فَقَالَ النَّاس: أصها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأرسلوا مَا بِأَيْدِيهِم. قَالَت: فَلَقَد اعْتِقْ بتزويجه إِيَّاهَا مائَة أهل بَيت من بني المصطلق، فَمَا أعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا.

وروى مُوسَى بن عقبَة عَن بعض بني المصطلق: أَن أَبَاهَا طلبَهَا وافتداها ثمَّ خطبهَا مِنْهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَزَوجهُ إِيَّاهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَيُقَال: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جعل صَدَاقهَا عتق كل أَسِير من بني المصطلق، وَيُقَال: جعل صَدَاقهَا عتق أَرْبَعِينَ من بني المصطلق، وَكَانَت جوَيْرِية تَحت مسافع بن صَفْوَان المصطلقي، وَقيل: صَفْوَان بن مَالك، وَكَانَ اسْمهَا: برة، فغيرها النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فسماها جوَيْرِية، وَمَاتَتْ فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَخمسين وَلها خمس وَسِتُّونَ سنة.

وَأما غَزْوَة بني المصطلق، فَقَالَ البُخَارِيّ: وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَذَلِكَ سنة سِتّ. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: سنة أَربع. انْتهى. وَقَالَ الصغاني: غَزْوَة الْمُريْسِيع من غزوات رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي سنة خمس من مهاجره، قَالُوا: إِن بني المصطلق من خُزَاعَة يُرِيدُونَ محاربة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا ينزلون على بئرٍ لَهُم يُقَال لَهَا: الْمُريْسِيع، بَينهَا وَبَين الْفَرْع مسيرَة يَوْم، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت غَزْوَة بني المصطلق لليلتين من شعْبَان سنة خمس فِي سَبْعمِائة من أَصْحَابه، وَقَالَ ابْن هِشَام: اسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَذكر ابْن سعد ندب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس إِلَيْهِم، فَأَسْرعُوا الْخُرُوج وقادوا الْخَيل، وَهِي ثَلَاثُونَ فرسا فِي الْمُهَاجِرين مِنْهَا عشرَة، وَفِي الْأَنْصَار عشرُون، واستخلف على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة وَكَانَ مَعَه فرسَان لزار والظرب، وَيُقَال: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَامِل راية الْمُهَاجِرين، وَسعد بن عبَادَة حَامِل راية الْأَنْصَار، فَقتلُوا مِنْهُم عشرَة وأسروا سَائِرهمْ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن بني المصطلق يجمعُونَ لَهُ وَقَائِدهمْ الْحَارِث بن أبي ضرار، أَبُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث الَّتِي تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا سمع بهم خرج إِلَيْهِم حَتَّى لَقِيَهُمْ على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع، من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل، فتزاحف

النَّاس فَاقْتَتلُوا، فَهزمَ الله بني المصطلق وَقتل من قتل، وَنفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ، فأفاءهم عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن سعد: وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأسارى فكتفوا، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم بُرَيْدَة بن الخصيب، وَأمر بالغلام فَجمعت وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شقران مَوْلَاهُ، وَجمع الذُّرِّيَّة نَاحيَة وَاسْتعْمل على سهم الْخمس وسهمان الْمُسلمين محيمة بن جُزْء الزبيدِيّ، وَكَانَت الْإِبِل ألفي بعير، والشياه خَمْسَة آلَاف، وَكَانَ السَّبي مِائَتي بنت، وَغَابَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثَمَانِيَة وَعشْرين وَقدم الْمَدِينَة هِلَال رَمَضَان، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَأُصِيب بني المصطلق نَاس، وَقتل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم رجلَيْنِ مَالِكًا وَابْنه، وَكَانَ شعار الْمُسلمين يَوْمئِذٍ: يَا مَنْصُور أمت أمت.

٢٤٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَال عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن مُحَمَّدِ بنِ يَحْياى بنِ حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ رأيْتُ أَبَا سعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَسألْتُهُ فَقَالَ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فأصَبْنَا سبْياٍ مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّساءَ فاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنا العَزْلَ فسَألْنا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا منْ نَسَمةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلأ وهْيَ كائِنَةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِيهَا: وجامع، يَعْنِي: بعد أَن ملك من الْعَرَب سبياً وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء: الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي شيخ مَالك، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: مر فِي الْوضُوء، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكسر الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْضا وَفِي آخِره زَاي. وَمر الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي محيريز: أَن أَبَا سعيد ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْعَزْل) ، هُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) يَعْنِي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أذا تركْتُم الْعَزْل. قَوْله: (نسمَة) ، بِفَتْح السِّين، وَهِي: الأنسان، أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله إلَاّ وَهِي كائنة فِي الْخَارِج، لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَي: مَا قدر الله أَن يكون الْبَتَّةَ. وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الصَّحَابَة أطبقوا على وَطْء مَا وَقع فِي سُهْمَانهمْ من السَّبي، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ بعد الِاسْتِبْرَاء بِإِجْمَاع الْعلمَاء، من وَهَذَا يدل أَن السباء يقطع الْعِصْمَة بَين الزَّوْجَيْنِ الْكَافرين.

وَاخْتلف السّلف فِي حكم وَطْء الوثنيات والمجوسيات إِذا سبين، فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد، وَهَذَا قَول شَاذ لم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من الْعلمَاء، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على أَنه: لَا يجوز وَطْء الوثنيات بقوله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وَإِنَّمَا أَبَاحَ الله تَعَالَى وَطْء نسَاء أهل الْكتاب خَاصَّة. بقوله: وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ} (الْمَائِدَة: ٥) . وَإِنَّمَا أطبق الصَّحَابَة على وَطْء سَبَايَا الْعَرَب بعد إسلامهن، لِأَن سبي هوَازن كَانَ سنة ثَمَان، وَسبي بني المصطلق سنة سِتّ، وَسورَة الْبَقَرَة من أول مَا نزل بِالْمَدِينَةِ، فقد علمُوا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وتقرر عِنْدهم أَنه لَا يجوز وَطْء الوثنيات الْبَتَّةَ حَتَّى يسلمن، وروى عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا يُونُس ابْن عبيد أَنه سمع الْحسن يَقُول: كُنَّا نغزو مَعَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِذا أصَاب أحدهم جَارِيَة من الفىء فَأَرَادَ أَن يُصِيبهَا أمرهَا فاغتسلت ثمَّ علمهَا الْإِسْلَام وأمرها بِالصَّلَاةِ واستبرأها بِحَيْضَة، ثمَّ أَصَابَهَا. وَعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} (الْبَقَرَة: ١٢٢) . يَقْتَضِي تَحْرِيم وَطْء المجوسيات بِالتَّزْوِيجِ وبملك الْيَمين، وعَلى هَذَا أَئِمَّة الْفَتْوَى وَعَامة الْعلمَاء.

وَأما الْعَزْل فقد اخْتلف فِيهِ قَدِيما وإباحته أظهر فِي الحَدِيث عِنْد الشَّافِعِي، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة مَعَ الْإِذْن وبدونه، وروى مَالك عَن سعيد بن أبي وَقاص وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس: أَنهم كَانُوا يعزلون، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر، وَذكر مَالك أَيْضا عَن ابْن عمر أَنه: كره الْعَزْل، وَقيل: رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَاحْتج من كره الْعَزْل بِأَنَّهُ: الوأد الْخَفي، كَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على جَوَاز الْعَزْل عَن الْحرَّة إِذا أَذِنت فِيهِ لزَوجهَا.

وَاخْتلفُوا فِي الْأمة الْمُزَوجَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: الْأذن فِي ذَلِك لمولاها، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: الْإِذْن إِلَيْهَا،

وَقَالَ الشَّافِعِي: يعْزل عَنْهَا بِدُونِ إِذْنهَا وَبِدُون إِذن مَوْلَاهَا.

٣٤٥٢ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَا أزَالُ أُحِبُّ بني تَمِيم ح وحدَّثني ابنُ سَلَامٍ قَالَ أخبرنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الْمُغِيرَةِ عنِ الحَارِثِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقولُ هُمْ أشَدُّ أُمَّتِي على الدَّجَّالِ قَالَ وجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنا وكانَتْ سَبِيَّةٌ منْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّها منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عليهِ السَّلامُ.

(الحَدِيث ٣٤٥٢ طرفه فِي: ٦٦٣٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَبَاعَ، وَلَكِن فِي بعض طرقه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معمر عَن جرير: كَانَت على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، نسمَة من بني إِسْمَاعِيل، فَقدم سبي خولان، فَقَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله! أبتاع مِنْهُم. قَالَ: لَا، فَلَمَّا قدم سبي بني العنبر قَالَ: ابتاعي مِنْهُم فَإِنَّهُم ولد إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَوَقع عِنْد أبي عوَانَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا:. وجىء بسبي بني العنبر. انْتهى. وَبَنُو العنبر بطن من بني تَمِيم، وَقَالَ الرشاطي: الْعَنْبَري فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ: أَن العنبر هَذَا هُوَ ولد عَامر بن عَمْرو، وَفِي تَمِيم أَيْضا: العنبر بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن شيخين لَهُ أَحدهمَا: عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الأولى: ابْن عبد الحميد عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع عَن أبي زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن جرير عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن الْحَارِث بن يزِيد من الزِّيَادَة العكلي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: التَّمِيمِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِيهِ عمَارَة مَقْرُونا بِالْحَارِثِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا زلت أحب بني تَمِيم) ، هِيَ قَبيلَة كَبِيرَة فِي مُضر تنْسب إِلَى تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. قَوْله: (مُنْذُ ثَلَاث) ، أَي: من حِين سَمِعت الْخِصَال الثَّلَاث، وَهِي الَّتِي أَولهَا: هُوَ قَوْله: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) . وَثَانِيها: هُوَ قَوْله: (هَذِه صدقَات قَومنَا) وَثَالِثهَا: أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لعَائِشَة بِعِتْق السبية الْمَذْكُورَة. لكَونهَا من ولد إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَزَاد فِيهِ أَحْمد من وَجه آخر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمَا كَانَ قوم من الْأَحْيَاء أبْغض إِلَيّ مِنْهُم فأحببتهم. انْتهى. وَكَانَ ذَلِك لما كَانَ بَينهم وَبَين قومه فِي الْجَاهِلِيَّة من الْعَدَاوَة. قَوْله: (يَقُول فيهم) أَي: فِي بني تَمِيم. قَوْله: (سمعته يَقُول) ، أَي: سَمِعت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (هم أَشد النَّاس قتالاً فِي الْمَلَاحِم) ، وَرِوَايَة الشّعبِيّ أَعم من رِوَايَة أبي زرْعَة، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ) ، أَي: صدقَات بني تَمِيم، فَقَالَ: (هَذِه صدقَات قَومنَا) ، إِنَّمَا نسبهم إِلَيْهِ لِاجْتِمَاع نسبهم بنسبه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي إلْيَاس بن مُضر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق الشّعبِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث: وأُتي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بنعم من صَدَقَة بني سعد، فَلَمَّا راعه حسنها، قَالَ: (هَذِه صَدَقَة قومِي) . انْتهى. وَبَنُو سعد بطن كَبِير من تَمِيم، ينتسبون إِلَى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَوْله: (سبية مِنْهُم) ، أَي: من بني تَمِيم، وسبية على وزن: فعيلة، بِفَتْح السِّين من السَّبي أَو من السباء، فَإِن كَانَ من الأول يكون بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَإِن كَانَ من الثَّانِي يكون بِالْهَمْزَةِ بعد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يدر اسْمهَا، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هَارُون بن مَعْرُوف عَن جرير: نسمَة، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: وَهِي الْإِنْسَان، وَله

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده