الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٦
الحديث رقم ٤٤٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بنيان المسجد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ:
روى عبد الله بن عمر أن المسجد النبوي كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأيامه مبنيًَا باللَّبِن، وهي القِطَع التي يبتنى بها الجدار، وسقف المسجد من الجريد، وهو الذي يجرد عنه الخوص، وأعمدته من خشب النخيل، فلم يزد في المسجد أبو بكر رضي الله عنه شيئًا أي لم يغير شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه عمر رضي الله عنه في الطول والعرض ولم يغير في بنائه بل بناه على بينان النبي عليه الصلاة والسلام باللبن والجريد وأعاد عمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام خشبًا، ثم غيره عثمان رضي الله عنه يعني من جهة التوسيع وتغيير الآلات، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة بدل اللبن، والقَصَّة هي الجص، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة
وسَقَفَه بالسَّاج وهو ضرب من الخشب له قيمة.
وكان عمر رضي الله عنه مع الفتوح التي كانت في أيامه وتمكنه من المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر ولم يزد على أن يجعل مكان اللبن حجارة وقصة وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصر هو وعمر رضي الله عنهما عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات، إلا أن عمر أراد القصد والزهد والبقاء على البناء النبوي، وعثمان فهم أن البناء حسب الوسع والطاقة، وقد فتح الله عليهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا الْمُرَادُ بِهِ عِمَارَتُهَا بِالصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانَهَا، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ الزِّينَةُ، وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَقَبْلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ: مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ، وَظَنَّ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَتُزَخْرِفُنَّهَا مَكْسُورَةٌ وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ لِلْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أُمِرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، قَالَ: وَالنُّونُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ وَتَأْنِيبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: التَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ، وَإِنَّمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَعَابِدَهَا حِينَ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوهَا.
٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ سَعْدٍ. وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (بِاللَّبِنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَمَدَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَمَا، وَكَذَا قَوْلُهُ خَشَبٌ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ) أَيْ: بِجِنْسِ الْآلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ)، أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: التَّوْسِيعُ، وَتَغْيِيرُ الْآلَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ) أَيْ بَدَلَ اللَّبِنِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجَصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تُشْبِهُ الْجَصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَقَفَهُ) بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ، وَبِإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى عُمُدِهِ، وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ؛ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرَ، فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.
وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَرَخَّصَ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين (١) الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و (٢) بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا لبقاء العلَّة.
٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (٣) بن جعفر بن نُجَيْحٍ، المشهور بابن المدينيِّ (٤)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وللأَصيليِّ: «ابن (٥) إبراهيم بْنِ سَعْدٍ» أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ الأصل، العراقيُّ الدَّار (قَالَ: حدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعدٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (كَانَ عَلَى عَهْدِ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ) ﷺ وأيَّامه، وللأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» (ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، وهو الطُّوب النَّيِّء (وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ) بضمِّ العين والميم، وبفتحهما (خَُشَُبُ النَّخْلِ) بفتح الخاء
والشِّين، وبضمِّهما (فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ﵁، أي: لم يغيِّر فيه (شَيْئًا) بالزِّيادة والنُّقصان (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ في الطُّول والعرض (وَ) لم يغيِّر (٢) في بنيانه، بل (بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو (٣) بفتحتين (خَشَبًا) لأنَّها بَلِيَت (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ من جهة التَّوسيع (٤) وتغيير الآلات (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ) بدل اللَّبِن (٥) (وَالقَصَّةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: الجصُّ بلغة أهل الحجاز. يُقال: قصَّص داره إذا (٦) جصَّصها، وللحَمُّويي والمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٧): «بحجارةٍ منقوشةٍ» بالتَّنكير (وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو بفتحتين (مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) بفتح القاف والفاء، بلفظ الماضي عطفًا على «جعل»، وفي فرع «اليونينيَّة» (٨): «وسَقْفَه» من الشَّجر، بإسكان القاف وفتح الفاء عطفًا على «عُمُدَه»، وضبطه البرماويُّ: «وسقَّفه» بتشديد القاف، والسَّاج بالجيم، ضربٌ من الشَّجر يُؤتَى به من الهند، الواحدة ساجةٌ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: رواية الأقران: صالحٍ عن نافعٍ لأنَّهما من طبقةٍ واحدةٍ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة».
(٦٣) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع (﴿مَا كَانَ﴾) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «وقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ﴾» ولابن عساكر: «قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾» (﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾) أي: ما صحَّ لهم (﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد (٣) (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول ﷺ، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ ﵁ في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾) الَّتي (٤) يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها (﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾) لأجله (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ
مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ (١) له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض (٢) المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾) في أبواب الدِّين (﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في (٣) زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و «لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا (٤) في الفرع وأصله (٥)، لكنَّه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَذَاهُ كَمَا يرفع الدّفن أَذَى النخامة فِيهِ عُوقِبَ بحرمان الاسْتِغْفَار من الْمَلَائِكَة لما آذاهم بِهِ من الرَّائِحَة الخبيثة. وَقَالَ ابْن بطال: من أَرَادَ أَن تحط عَنهُ ذنُوبه من غير تَعب فليغتنم مُلَازمَة مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة ليستكثر من دُعَاء الْمَلَائِكَة واستغفارهم لَهُ، فَهُوَ مرجو إجَابَته لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) . وَفِيه: بَيَان فَضِيلَة من انْتظر الصَّلَاة مُطلقًا سَوَاء ثَبت فِي مَجْلِسه ذَلِك من الْمَسْجِد أَو تحول إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد يبطل ذَلِك، وَلَو اسْتمرّ جَالِسا. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد أَشد من النخامة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على من منع الْمُحدث أَن يدْخل الْمَسْجِد أَو يجلس فِيهِ. قلت: قد اخْتلف السّلف فِي جُلُوس الْمُحدث فِي الْمَسْجِد، فَروِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه خرج من الْمَسْجِد فَبَال ثمَّ دخل، فَتحدث مَعَ أَصْحَابه وَلم يمس مَاء. وَعَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، مثله، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير، وَكره ابْن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَن يتَعَمَّد الْجُلُوس فِي الْمجْلس على غير وضوء.
٢٦ - (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة بُنيان الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، والبنيان: الْبناء، يُقَال: بنى يَبْنِي بنياً وبنية وَبِنَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْبُنيان الْحَائِط، يُقَال: بنى فلَان بَيْتا من الْبُنيان، وَبنى على أَهله بِنَاء أَي: زفها، والعامة تَقول: بنى بأَهْله وَهُوَ خطأ.
وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.
١٣
- ٥٠ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد رَوَاهُ مُسْندًا فِي بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر: حدّثنا مُسلم، قَالَ: حدّثنا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة، قَالَ: (سَأَلت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: جَاءَت سَحَابَة فمطرت حَتَّى سَالَ السّقف وَكَانَ من جريد النّخل، فأقيمت الصَّلَاة فَرَأَيْت رَسُول الله يسْجد فِي المَاء والطين حَتَّى رَأَيْت أثر الطين فِي جَبهته) . قَوْله: (كَانَ سقف الْمَسْجِد) أَي: سقف مَسْجِد رَسُول ا، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. وَقَول الْكرْمَانِي: وَأما لجنس الْمَسَاجِد فبعيد. قَوْله: (من جريد النّخل) الجريد: هُوَ الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص وَإِن لم يجرد يُسمى سَعَفًا.
وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
٥٠
- مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد: مَسْجِد رَسُول ا، وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب أَنه رُوِيَ من حَدِيث نَافِع أَن عبد اأخبره أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله مُبينًا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَزَاد فِيهِ عمر وبناه على بُنْيَانه فِي عهد رَسُول الله بِاللَّبنِ والجريد، وَأعَاد عمده خشباً. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال: اللبنة، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الطوب النيء. قَوْله: (وعمده) ، بِضَم الْعين وَالْمِيم وبفتحهما، جمع الْكَثْرَة لعمود الْبَيْت، وَجمع الْقلَّة: أعمدة. قَوْله: (أكن) فِيهِ أوجه. الأول: أكن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَفتح النُّون، على صُورَة الْأَمر من الإكنان، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَهِي الْأَظْهر، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله قبله: (أَمر عمر) وَقَوله بعده: (وَإِيَّاك) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَولا أَمر بِالْبِنَاءِ وخاطب أحدا بذلك ثمَّ حذره من التحمير والتصفير بقوله: (وَإِيَّاك أَن تحمر أَو تصفر) ، والإكنان من أكننت الشَّيْء أَي: صنته وسترته. وَحكى أَبُو زيد وَالْكسَائِيّ: كننته، من الثلاثي بِمَعْنى: أكننته. وَقَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : أكننت الشَّيْء أَي: أخفيته، وكننته إِذا سترته بِشَيْء. وَيُقَال: أكننت الشَّيْء سترته وصنته من الشَّمْس، وأكننته فِي نَفسِي أسررته. وَفِي (كتاب فعل وَافْعل) لأبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: قَالَت تَمِيم: كننت الْجَارِيَة أكنها كُنَّا، بكسرا لكاف، وأكننت الْعلم والسر. وَقَالَت قيس: كننت الْعلم والسر بِغَيْر ألف، وأكننت الْجَارِيَة بِالْألف. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي، فِي (نوادره) : أكنننت السِّرّ، وكننت وَجْهي من الْحر، وكننت سَيفي، قَالَ: وَقد يكون هَذَا بِالْألف أَيْضا. الْوَجْه الثَّانِي: أكن النَّاس، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون المضمومة: بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْفِعْل الْمُضَارع، وَقَالَ ابْن التِّين: هَكَذَا روينَاهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْه الْتِفَات وَهُوَ أَن عمر أخبر عَن نَفسه ثمَّ الْتفت إِلَى الصَّانِع فَقَالَ: وَإِيَّاك، وَيجوز أَن يكون تجريداً، فَكَأَن عمر بعد أَن أخبر عَن نَفسه جرد عَنْهَا شخصا ثمَّ خاطبه بذلك. الْوَجْه
الثَّالِث: قَالَ عِيَاض: كن النَّاس، بِحَذْف الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون: من كن يكن، وَهُوَ صِيغَة أَمر، وَأَصله أكن بِالْهَمْزَةِ حذفت تَخْفِيفًا على غير قِيَاس. الْوَجْه الرَّابِع: كن، بِضَم الْكَاف، من: كن فَهُوَ مَكْنُون، وَهَذَا لَهُ وَجه، وَلَكِن الرِّوَايَة لَا تساعده. قَوْله: (وَإِيَّاك) ، كلمة تحذير أَي: احذر من أَن تحمر. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، ومفعول: تحمر، مَحْذُوف تَقْدِيره: إياك تحمير الْمَسْجِد أَو تصفيره، وَمرَاده الزخرفة. وَقد روى ابْن مَاجَه من طَرِيق عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَرْفُوعا: (مَا سَاءَ عمل قوم قطّ إلَاّ زخرفوا مَسَاجِدهمْ) . قَوْله: (فتفتن النَّاس) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْفَاء: من فتن يفتن، من بَاب ضرب يضْرب، فتنا وفتوناً إِذا امتحنته، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم تَاء الْخطاب من أفتن، والأصمعي أنكر هَذَا، وَأَبُو عبيد أجَازه، وَقَالَ: فتن وافتن بِمَعْنى، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة اسْم وَهُوَ فِي الأَصْل الامتحان والاختبار، ثمَّ كثر اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والقتال والإحراق والإزالة وَالصرْف عَن الشَّيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويفتن من الْفِتْنَة، وَفِي بَعْضهَا من التفتين. قلت: إِذا كَانَ من التفتين يكون من بَاب التفعيل، وماضيه: فتن، بتَشْديد التَّاء، وعَلى ضبط ابْن التِّين يكون من بَاب الإفعال وَهُوَ الإفتان بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى كل حَال هُوَ بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْمَنْصُوب بِكَلِمَة. أَن.
وَقَالَ أنَسٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَها إِلَاّ قَلِيلاً.
هَذَا التَّعْلِيق مَرْفُوع فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْعَبَّاس حدّثنا سعيد بن عَامر عَن أبي عَامر الخراز قَالَ: قَالَ أَبُو قلَابَة: انطلقنا مَعَ أنس نُرِيد الزاوية، نعني قصر أنس، فمررنا بِمَسْجِد فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ أنس: لَو صلينَا فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَقَالَ بعض الْقَوْم: نأتي الْمَسْجِد الآخر، فَقَالَ أنس: إِن رَسُول الله قَالَ: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يتباهون بالمساجد ثمَّ لَا يعمرونها إلَاّ قَلِيلا، أَو قَالَ: يعمرونها قَلِيلا) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي أَيْضا فِي (مُسْنده) ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حدّثنا مُحَمَّد بن عبد االخزاعي حدّثنا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة وَقَتَادَة عَن أنس: (إِن النَّبِي قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يتباهي النَّاس فِي الْمَسَاجِد) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَيْضا، وروى أَبُو نعيم فِي (كتاب الْمَسَاجِد) من حَدِيث مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني: عَن حَمَّاد (يتباهى النَّاس بِبِنَاء الْمَسَاجِد) ، وَمن حَدِيث عَليّ بن حَرْب: عَن سعيد بن عَامر عَن الخراز: (يتباهون بِكَثْرَة الْمَسَاجِد) . قَوْله: (يتباهون) ، بِفَتْح الْهَاء من المباهاة وَهِي الْمُفَاخَرَة، وَالْمعْنَى أَنهم يزخرفون الْمَسَاجِد ويزينونها ثمَّ يقعودن فِيهَا ويتمارون ويتباهون وَلَا يشتغلون بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالمساجد، والسياق يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، بِالنّصب، وَيجوز الرّفْع من جِهَة النَّحْو، فَإِنَّهُ بدل من ضمير الْفَاعِل.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس هَكَذَا مَوْقُوفا، وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا، قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي فَزَارَة عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد) . قَالَ ابْن عَبَّاس: لتزخرفنها كَمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَأَبُو فَزَارَة اسْمه رَاشد ابْن كيسَان، وَإِنَّمَا اقْتصر البُخَارِيّ على الْمَوْقُوف مِنْهُ وَلم يذكر الْمَرْفُوع مِنْهُ للِاخْتِلَاف على يزِيد بن الْأَصَم فِي وَصله وإرساله، وَيزِيد هَذَا روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قَوْله: (لتزخرفنها) أَي: لتزخرفن الْمَسَاجِد، بِضَم الْفَاء وَنون التَّأْكِيد، والضيمر فِيهِ للمذكرين. وَأما اللَّام فِيهِ فقد ذكر الطَّيِّبِيّ فِيهِ وَجْهَيْن. الأول: أَن تكون مَكْسُورَة، وَهِي لَام التَّعْلِيل للنَّفْي قبله، وَالْمعْنَى: مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد: رفع الْبناء والإحكام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة} (النِّسَاء: ٨٧) . الْوَجْه الثَّانِي: فتح اللَّام على أَنَّهَا جَوَاب الْقسم، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَالْأول لم تثبت بِهِ الرِّوَايَة أصلا. قلت: الَّذِي قَالَه الطَّيِّبِيّ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَلَا وَجه لمَنعه، وَدَعوى عدم ثُبُوت الرِّوَايَة يحْتَاج إِلَى برهَان. وَمعنى الزخرفة: التزيين، يُقَال: زخرف الرجل كَلَامه إِذا موهه وزينه بِالْبَاطِلِ، والزخرف: الذَّهَب، وَالْمعْنَى هَهُنَا: تمويه الْمَسَاجِد بِالذَّهَب وَنَحْوه كَمَا زخرفت الْيَهُود كنائسهم وَالنَّصَارَى بيعهم. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى كنائسها وَبَيْعهَا حِين حرفت الْكتب وبدلتها فضيعوا الدّين وعرجوا على الزخاريف والتزيين. وَقَالَ محيي السّنة: إِنَّهُم زخرفوا الْمَسَاجِد عِنْد مَا بدلُوا
دينهم وَأَنْتُم تصيرون إِلَى مثل حَالهم وسيصير أَمركُم إِلَى المراآة بالمساجد والمباهة بتزيينها، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَصْحَابنَا على أَن نقش الْمَسْجِد وتزيينه مَكْرُوه، وَقَول بعض صحابنا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ تَركه أولى وَلَا يجوز من مَال الْوَقْف، وَيغرم الَّذِي يُخرجهُ سَوَاء كَانَ نَاظرا أَو غَيره.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْكَرَاهَة إِذا كَانَ من مَاله دون مَال الْوَقْف؟ قلت: مَا اشْتِغَال الْمُصَلِّي بِهِ، وَإِمَّا إِخْرَاج المَال فِي غير وَجهه.
٦٤٤ - ح دّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ قَالَ حدّثني أبي عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ حدّثنا نافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ مبْنِيًّا باللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبُو بَكْرٍ شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُوَ بَناهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عُمُدَهُ خَشَباً ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنْىَ جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسقَّفَهُ بالسَّاجِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد ابْن جَعْفَر بن نجيح أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة صَالح عَن نَافِع لِأَنَّهُمَا من طبقَة وَاحِدَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن صَالحا ونافعاً كِلَاهُمَا تابعيان. وَفِيه: زَاد الْأصيلِيّ لَفْظَة: ابْن سعد، بعد قَوْله: حدّثنا يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس وَمُجاهد بن مُوسَى وَهُوَ اتم، قَالَا: حدّثنا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ على عهد رَسُول ا) أَي: فِي زَمَانه وأيامه. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكَذَلِكَ معنى الجريد مر عَن قريب. و: (الْعمد) ، بِضَمَّتَيْنِ وفتحتين أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: لم يُغير فِيهِ شَيْئا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: فِي الطول وَالْعرض وَلم يُغير فِي بنائِهِ بل بناه على بينان النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (فِي عهد رَسُول ا) ، إِمَّا صفة للبنيان أَو حَال، وَإِنَّمَا غير عمده لِأَنَّهَا تلفت. قَالَ السُّهيْلي: نخرت عمده فِي خلَافَة عمر فجددها، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَأعَاد عمده خشباً) . قَوْله: (ثمَّ غير عُثْمَان) ، يَعْنِي من جِهَة التوسيع وتغيير الْآلَات. قَوْله: (بحجارة منقوشة) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا (بِالْحِجَارَةِ المنقوشة) ، يَعْنِي: بدل اللَّبن. قَوْله: (والقصة) أَي: وبالقصة، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَهِي الجص بلغَة أهل الْحجاز. قلت: الجص: لُغَة فارسية معربة وَأَصلهَا: كج، وَفِيه لُغَتَانِ: فتح الْجِيم وَكسرهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مصر جيراً، وَأهل الْبِلَاد الشامية يسمونه: كلساً. قَوْله: (وَجعل عمده) عطف على قَوْله: (وَبنى جِدَاره) . قَوْله: (وسقفه) بِلَفْظ الْمَاضِي من التسقيف من بَاب التفعيل عطفا على جعل، ويروى بِلَفْظ الِاسْم عطفا على عمده. قَوْله: (بالساج) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وبالجيم: وَهُوَ ضرب من الْخشب مَعْرُوف يُؤْتى بِهِ من الْهِنْد وَله قيمَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: مَا ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن السّنة فِي بينيان الْمَسَاجِد الْقَصْد وَترك الغلو فِي تشييدها خشيَة الْفِتْنَة والمباهاة ببنيانها، وَكَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَعَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت فِي أَيَّامه وتمكنه
من المَال لم يُغير الْمَسْجِد عَن بُنْيَانه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي، ثمَّ جَاءَ الْأَمر إِلَى عُثْمَان وَالْمَال فِي زَمَانه أَكثر وَلم يزدْ على أَن يَجْعَل مَكَان اللَّبن حِجَارَة وقصة وسقفه بالساج مَكَان الجريد، فَلم يقصر هُوَ وَعمر رَضِي اعنهما، عَن الْبلُوغ فِي تشييده إِلَى أبلغ الغايات، إلَاّ عَن علمهما بِكَرَاهَة النَّبِي ذَلِك، وليقتدي بهما فِي الْأَخْذ من الدُّنْيَا بِالْقَصْدِ والزهد والكفاية فِي معالي أمورها وإيثار الْبلْغَة مِنْهَا.
قلت: أول من زخرف الْمَسَاجِد الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر عصر الصَّحَابَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَسكت كثير من أهل الْعلم عَن إِنْكَار ذَلِك خوفًا من الْفِتْنَة. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: لما شيد النَّاس بُيُوتهم وزخرفوها فَانْتدبَ أَن يصنع ذَلِك بالمساجد صونا لَهَا عَن الاستهانة. وَقَالَ بَعضهم: وَرخّص فِي ذَلِك بَعضهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة إِذا وَقع ذَلِك على سَبِيل التَّعْظِيم للمساجد، وَلم يَقع الصّرْف على ذَلِك من بَيت المَال. قلت: مَذْهَب أَصْحَابنَا أَن ذَلِك مَكْرُوه، وَقَول بعض أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ: تَركه أولى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٣٦ - (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعاون النَّاس بَعضهم بَعْضًا فِي بِنَاء الْمَسْجِد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي ذَلِك أجرا، وَمن زَاد فِي عمله فِي ذَلِك زَاد فِي أجره، وَفِي بعض النّسخ: فِي بَاء الْمَسَاجِد، بِلَفْظ الْجمع.
وَقَوْلُ اللَّهِ {مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) .
١٣
- ٥٠ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ( {مَا كَانَ للْمُشْرِكين إِن يعمروا مَسَاجِد ا} ) إِلَى قَوْله: {المهتدين} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) وَلم يَقع فِي رِوَايَته لفظ: وَقَول اعز وَجل.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَنه لما أسر الْعَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنهُ، يَوْم بدر، أقبل عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فعيرونه بالْكفْر وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، فَقَالَ الْعَبَّاس: مَا لكم تذكرُونَ مساوينا دون محاسننا؟ فَقَالَ لَهُ لي ألكم محَاسِن؟ قَالَ؛ نعم إِنَّا لنعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونحجب الْكَعْبَة ونسقي الْحَاج ونفك العاني، فَأنْزل اتعالى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم فِي تَوْجِيه ذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة هَهُنَا وَذكره هَذِه الْآيَة مصير مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ من أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَلِكَ أَن قَوْله تَعَالَى: {مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مَوَاضِع السُّجُود، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْأَمَاكِن المتخذة لإِقَامَة الصَّلَاة، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بعمارتها بنيانها، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْإِقَامَة فِيهَا لذكر اتعالى قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب معنى هَذِه الْآيَة أصلا، وَإِنَّمَا يُنَاسب معنى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با وَالْيَوْم الآخر ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، على أَن أحدا من الْمُفَسّرين لم يذكر هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذَا تصرف مِنْهُ بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن فَلَا يجوز ذَلِك، وَيجب الْإِعْرَاض عَن هَذَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى هَذِه الْآيَة: مَا يَنْبَغِي للْمُشْرِكين با أَن يعمروا مَسَاجِد االتي بنيت على اسْمه وَحده لَا شريك لَهُ، وَمن قَرَأَ مَسْجِد اأراد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام، أشرف الْمَسَاجِد فِي الأَرْض الَّتِي بنى من أول يَوْم على عبَادَة اتعالى وَحده لَا شريك لَهُ، وأسسه خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا وهم شاهدون على أنفسهم بالْكفْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْجمعِ فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام؟ وَإِنَّمَا قيل: مَسَاجِد الأنه قبْلَة الْمَسَاجِد كلهَا، وإمامها، فعامره كعامر جَمِيع الْمَسَاجِد، وَلِأَن كل بقْعَة مِنْهُ مَسْجِد.
وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ جنس الْمَسَاجِد، فَإِذا لم يصلحوا أَن يعمروا جِنْسهَا دخل تَحت ذَلِك أَن لَا يعمروا الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي هُوَ صدر الْجِنْس ومقدمته، وَهُوَ آكِد، لِأَن طَرِيقه طَرِيق الْكِنَايَة، كَمَا لَو قلت: فلَان لَا يقْرَأ كتب ا، كنت أنفى لقِرَاءَة الْقُرْآن من تصريحك بذلك، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا يطابقها، وَلَو ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة لَكَانَ أَجْدَر وَأقرب للمطابقة وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه ذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ بعض تعسف، وَهُوَ أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التعاون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد الْمُعْتَبر الَّذِي فِيهِ الْأجر إِنَّمَا كَانَ للْمُؤْمِنين، وَلم يكن ذَلِك للْكَافِرِينَ، وَإِن كَانُوا بنوا
مَسَاجِد ليتعبدوا فِيهَا بعبدتهم الْبَاطِلَة، أَلا ترى أَن الْعَبَّاس رَضِي اتعالى عَنهُ، لما أسر يَوْم بدر وعير بِكُفْرِهِ وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، ادّعى أَنهم كَانُوا يعمرون الْمَسْجِد الْحَرَام، فَبين الْهم ذَلِك أَنه غير مَقْبُول مِنْهُم لكفرهم حَيْثُ أنزل على نبيه الْكَرِيم: {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ أنزل فِي حق الْمُسلمين الَّذين يتعاونون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد قَوْله: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا الْعِمَارَة المعتد بهَا عمَارَة من آمن با، فَجعل عمَارَة غَيرهم كلا عمَارَة حَيْثُ ذكرهَا بِكَلِمَة الْحصْر، وروى عبد بن حميد فِي مُسْنده: حدّثنا يُونُس بن مُحَمَّد حدّثنا صَالح الْمزي عَن ثَابت الْبنانِيّ وَمَيْمُون بن سياه وجعفر بن زيد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِن عمار الْمَسْجِد هم أهل ا) ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار أَيْضا، وَلَا شكّ أَن أهل اهم الْمُؤْمِنُونَ.
٧٤٤٧٠١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارٍ قَالَ حدّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِيَ ابنُ عَبَّاس وَلاِبْنِهِ عَلِيّ إنْطَلِقَا إِلى أبي سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فاحْتَبَي ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُنا حَتَّى أتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْملُ لَبنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتْينِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِي فَنَفَضَ الترَابَ عَنْهُ وقالَ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. (الحَدِيث ٧٤٤ طرفه فِي: ٢١٨٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة الأولى ظَاهِرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار أَبُو إِسْحَاق الدّباغ الْبَصْرِيّ الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقد تقدم. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحسن، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، كَانَ مولده لَيْلَة قتل عَليّ بن أبي طَالب فَسمى باسمه وكنى بكنيته، وَكَانَ غَايَة فِي الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم وَالْعَمَل وَحسن الشكل والفقهه، وَكَانَ يُصَلِّي كل يَوْم ألف رَكْعَة، هُوَ جد السفاح والمنصور الخليفتين، وَكَانَ يدعى: السَّجَّاد، لذَلِك. وَكَانَ لَهُ خَمْسمِائَة أصل زيتون يُصَلِّي كل يَوْم عِنْد أصل كل شَجَرَة رَكْعَتَيْنِ، مَاتَ بعد الْعشْرين وَمِائَة، إِمَّا سنة أَربع عشرَة أَو سبع عشرَة أَو عشر، عَن ثَمَان أَو تسع وَسبعين سنة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اعنه.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن إِسْنَاده كُله بَصرِي لِأَن ابْن عَبَّاس أَقَامَ أَمِيرا على الْبَصْرَة مُدَّة، وَعِكْرِمَة مَوْلَاهُ مَعَه.
ذكر تعدد مَوْضِعه: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (ولابنه) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، هَهُنَا للمفاجأة، أَي: فَإِذا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي حَائِط، أَي: بُسْتَان. وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا سقف لَهُ. قَوْله: (يصلحه) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر لقَوْله: هُوَ، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (فأتيناه وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِط لَهما يسقيانه) قيل: أَخُوهُ هَذَا لأمه، وَهُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان، ورد بِأَن هَذَا لَا يَصح، لِأَن عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس ولد فِي آخر خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب، وَمَات قَتَادَة بن النُّعْمَان قبل ذَلِك فِي أَوَاخِر خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي اتعالى عَنهُ، وَلَيْسَ لأبي سعيد أَخ شَقِيق وَلَا أَخ من أَبِيه وَلَا من أمه إلَاّ قَتَادَة، فَيحْتَمل أَن يكون الْمَذْكُور أَخَاهُ من الرضَاعَة، وَا تَعَالَى أعلم. قَوْله: (فاحتبى) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة بعد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال؛ احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقد يحتبي بيدَيْهِ. قَوْله: (أنشأ) بِمَعْنى: طفق، وهما من أَفعَال المقاربة وضعا للدلالة على الشُّرُوع فِي الْخَبَر، ويعملان عمل: كَانَ إلَاّ أَن خبرهما يجب أَن يكون جملَة، ويشاركهما فِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ: جعل وعلق وَأخذ.
قَوْله: (يحدّثنا) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: أنشأ. قَوْله: (حَتَّى أَتَى) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَتَّى إِذا أَتَى) . قَوْله: (بِنَاء الْمَسْجِد) ، أَي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (قَالَ) : أَي أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (لبنة) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا النُّون: وَهِي الطوب النيء، وانتصابها على أَنَّهَا مفعول: نحمل، وانتصاب
الثَّانِيَة بِأَنَّهُ تَأْكِيد لَهَا. قَوْله: (وعمار) أَي: يحمل عمار بن يَاسر لبنتين لبنتين. زَاد معمر فِي رِوَايَته: (لبنة عَنهُ ولبنة عَن رَسُول ا) . وَفِيه زِيَادَة أَيْضا لم يذكرهَا البُخَارِيّ، وَوَقعت عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق خَالِد الوَاسِطِيّ: عَن خَالِد الْحذاء، وَهِي: (فَقَالَ النَّبِي: يَا عمار أَلَاّ تحمل كَمَا يحمل أَصْحَابك؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيد من االأجر) .
قَوْله: (فَرَآهُ النَّبِي) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى عمار. قَوْله: (فنفض التُّرَاب عَنهُ) ، ويروى: (فينفض التُّرَاب عَنهُ) ، وَفِيه التَّعْبِير بِصِيغَة الْمُضَارع فِي مَوضِع الْمَاضِي لاستحضار ذَلِك فِي نفس السَّامع كَأَنَّهُ شَاهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجعل ينفض التُّرَاب عَنهُ) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (عَن رَأسه) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (وَيْح عمار) ، كلمة: وَيْح، كلمة رَحْمَة كَمَا أَن كلمة: ويل، كلمة عَذَاب. تَقول: وَيْح لزيد وويل لَهُ، برفعهما على الِابْتِدَاء، وَلَك أَن تَقول: ويحاً لزيد وويلاً لَهُ، فتنصبهما بإضمار فعل، وَأَن تَقول: وَيحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بِالْإِضَافَة فتنصب أَيْضا بإضمار الْفِعْل، وَهَهُنَا بِنصب الْحَاء لَا غير. قَوْله: (الفئة) هِيَ الْجَمَاعَة: و: (الباغية) هم الَّذين خالفوا الإِمَام وَخَرجُوا عَن طَاعَته بِتَأْوِيل بَاطِل ظنا بمتبوع مُطَاع. قَوْله: (يَدعُوهُم) أَي: يَدْعُو عمار الفئة الباغية وهم الَّذين قَتَلُوهُ فِي وقْعَة صفّين، وأعيد الضَّمِير إِلَيْهِم، وهم غير مذكورين صَرِيحًا. قَوْله: (إِلَى الْجنَّة) أَي: إِلَى سَببهَا، وَهِي الطَّاعَة. كَمَا أَن سَبَب النَّار هُوَ الْمعْصِيَة. قَوْله: (ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَي: يَدْعُو هَؤُلَاءِ الفئة الباغية عمارًا إِلَى النَّار. فَإِن قيل: كَانَ قتل عمار بصفين، وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، وَكَانَ الَّذين قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَة، وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من الصَّحَابَة فَكيف يجوز أَن يَدعُوهُ إِلَى النَّار؟ فَأجَاب ابْن بطال عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح هَذَا فِي الْخَوَارِج الَّذين بعث إِلَيْهِم عَليّ عماراً يَدعُوهُم إِلَى الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ يَصح فِي أحد من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَأَوَّل عَلَيْهِم إلَاّ أفضل التَّأْوِيل. قلت: تبع ابْن بطال فِي ذَلِك الْمُهلب، وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة فِي هَذَا الْجَواب، وَلَكِن لَا يَصح هَذَا، لِأَن الْخَوَارِج إِنَّمَا خَرجُوا على عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، بعد قتل عمار بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بذلك، لِأَن ابْتِدَاء أَمرهم كَانَ عقيب التَّحْكِيم بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَلم يكن التَّحْكِيم إلَاّ بعد انْتِهَاء الْقِتَال بصفين، وَكَانَ قتل عمار قبل ذَلِك قطعا، وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالذين يَدعُونَهُ إِلَى النَّار كفار قُرَيْش، وَهَذَا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة وَغَيرهمَا زِيَادَة توضيح بِأَن الضَّمِير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشَّام. وَقَالَ الْحميدِي: لَعَلَّ هَذِه الزِّيَادَة لم تقع للْبُخَارِيّ، أَو وَقعت فحذفها عمدا وَلم يذكرهَا فِي الْجمع. قَالَ: وَقد أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبرْقَانِي فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِي هَذَا أَنهم كَانُوا مجتهدين ظانين أَنهم يَدعُونَهُ إِلَى الْجنَّة، وَإِن كَانَ فِي نفس الْأَمر خلاف ذَلِك، فَلَا لوم عَلَيْهِم فِي اتِّبَاع ظنونهم، فَإِن قلت: الْمُجْتَهد إِذا أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا أَخطَأ فَلهُ أجر، فَكيف الْأَمر هَهُنَا. قلت: الَّذِي قُلْنَا جَوَاب إقناعي فَلَا يَلِيق أَن يُذكر فِي حق الصَّحَابَة خلاف ذَلِك، لِأَن اتعالى أثنى عَلَيْهِم وَشهد لَهُم بِالْفَضْلِ، بقوله: {كُنْتُم خير أمة أُخرجت للنَّاس} (آل عمرَان: ٠١١) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هم أَصْحَاب مُحَمَّد.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد فِيهِ: أَن التعاون فِي بُنيان الْمَسْجِد من أفضل الْأَعْمَال لِأَنَّهُ مِمَّا يجْرِي للْإنْسَان أجره بعد مَوته، وَمثل ذَلِك حفر الْآبَار وَكري الْأَنْهَار وتحبيس الْأَمْوَال التييعم الْعَامَّة نَفعهَا. وَفِيه: الْحَث على أَخذ الْعلم من كل أحد وَإِن كَانَ الْآخِذ أفضل من الْمَأْخُوذ مِنْهُ، أَلا ترى أَن ابْن عَبَّاس مَعَ سَعَة علمه أَمر ابْنه عليا بِالْأَخْذِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ؟ قيل: يحْتَمل أَن يكون إرْسَال ابْن عَبَّاس إِلَيْهِ لطلب علو الْإِسْنَاد، لِأَن أَبَا سعيد أقدم صُحْبَة وَأكْثر سَمَاعا من النَّبِي. قلت: مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْعَالم لَهُ أَن يتهيأ للْحَدِيث وَيجْلس لَهُ جلْسَة. وَفِيه: ترك التحديث فِي حَالَة المهنة إعظاماً للْحَدِيث وتوقيراً لصحابه. وَهَكَذَا كَانَ السّلف. وَفِيه: أَن للْإنْسَان أَن يَأْخُذ من أَفعَال الْبر مَا يشق عَلَيْهِ إِن شَاءَ كَمَا أَخذ عمار لبنتين. وَفِيه: إكرام الْعَامِل فِي سَبِيل اوالإحسان إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل. وَفِيه: عَلامَة النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَفِيه: إصْلَاح الشَّخْص: بِمَا يتَعَلَّق بِأَمْر ديناه كإصلاح بستانه وَكَرمه بِنَفسِهِ وَكَانَ السّلف على ذَلِك لِأَن فِيهِ إِظْهَار التَّوَاضُع وَدفع الْكبر وهما من أفضل الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لعَلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أَن عليا لم يكن مصيباً فِي حروبه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاسْتِعَاذَة من الْفِتَن لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أحد فِي الْفِتْنَة أمأجور هُوَ أم مأزور؟ إلَاّ بِغَلَبَة الظَّن، وَلَو كَانَ مأّوراً لما استعاذ عمار من الْأجر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا الْمُرَادُ بِهِ عِمَارَتُهَا بِالصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانَهَا، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ الزِّينَةُ، وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَقَبْلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ: مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ، وَظَنَّ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَتُزَخْرِفُنَّهَا مَكْسُورَةٌ وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ لِلْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أُمِرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، قَالَ: وَالنُّونُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ وَتَأْنِيبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: التَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ، وَإِنَّمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَعَابِدَهَا حِينَ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوهَا.
٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ سَعْدٍ. وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (بِاللَّبِنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَمَدَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَمَا، وَكَذَا قَوْلُهُ خَشَبٌ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ) أَيْ: بِجِنْسِ الْآلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ)، أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: التَّوْسِيعُ، وَتَغْيِيرُ الْآلَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ) أَيْ بَدَلَ اللَّبِنِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجَصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تُشْبِهُ الْجَصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَقَفَهُ) بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ، وَبِإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى عُمُدِهِ، وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ؛ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرَ، فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.
وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَرَخَّصَ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين (١) الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و (٢) بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا لبقاء العلَّة.
٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (٣) بن جعفر بن نُجَيْحٍ، المشهور بابن المدينيِّ (٤)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وللأَصيليِّ: «ابن (٥) إبراهيم بْنِ سَعْدٍ» أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ الأصل، العراقيُّ الدَّار (قَالَ: حدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعدٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (كَانَ عَلَى عَهْدِ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ) ﷺ وأيَّامه، وللأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» (ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، وهو الطُّوب النَّيِّء (وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ) بضمِّ العين والميم، وبفتحهما (خَُشَُبُ النَّخْلِ) بفتح الخاء
والشِّين، وبضمِّهما (فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ﵁، أي: لم يغيِّر فيه (شَيْئًا) بالزِّيادة والنُّقصان (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ في الطُّول والعرض (وَ) لم يغيِّر (٢) في بنيانه، بل (بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو (٣) بفتحتين (خَشَبًا) لأنَّها بَلِيَت (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ من جهة التَّوسيع (٤) وتغيير الآلات (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ) بدل اللَّبِن (٥) (وَالقَصَّةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: الجصُّ بلغة أهل الحجاز. يُقال: قصَّص داره إذا (٦) جصَّصها، وللحَمُّويي والمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٧): «بحجارةٍ منقوشةٍ» بالتَّنكير (وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو بفتحتين (مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) بفتح القاف والفاء، بلفظ الماضي عطفًا على «جعل»، وفي فرع «اليونينيَّة» (٨): «وسَقْفَه» من الشَّجر، بإسكان القاف وفتح الفاء عطفًا على «عُمُدَه»، وضبطه البرماويُّ: «وسقَّفه» بتشديد القاف، والسَّاج بالجيم، ضربٌ من الشَّجر يُؤتَى به من الهند، الواحدة ساجةٌ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: رواية الأقران: صالحٍ عن نافعٍ لأنَّهما من طبقةٍ واحدةٍ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة».
(٦٣) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع (﴿مَا كَانَ﴾) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «وقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ﴾» ولابن عساكر: «قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾» (﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾) أي: ما صحَّ لهم (﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد (٣) (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول ﷺ، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ ﵁ في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾) الَّتي (٤) يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها (﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾) لأجله (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ
مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ (١) له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض (٢) المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾) في أبواب الدِّين (﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في (٣) زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و «لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا (٤) في الفرع وأصله (٥)، لكنَّه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَذَاهُ كَمَا يرفع الدّفن أَذَى النخامة فِيهِ عُوقِبَ بحرمان الاسْتِغْفَار من الْمَلَائِكَة لما آذاهم بِهِ من الرَّائِحَة الخبيثة. وَقَالَ ابْن بطال: من أَرَادَ أَن تحط عَنهُ ذنُوبه من غير تَعب فليغتنم مُلَازمَة مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة ليستكثر من دُعَاء الْمَلَائِكَة واستغفارهم لَهُ، فَهُوَ مرجو إجَابَته لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) . وَفِيه: بَيَان فَضِيلَة من انْتظر الصَّلَاة مُطلقًا سَوَاء ثَبت فِي مَجْلِسه ذَلِك من الْمَسْجِد أَو تحول إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد يبطل ذَلِك، وَلَو اسْتمرّ جَالِسا. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد أَشد من النخامة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على من منع الْمُحدث أَن يدْخل الْمَسْجِد أَو يجلس فِيهِ. قلت: قد اخْتلف السّلف فِي جُلُوس الْمُحدث فِي الْمَسْجِد، فَروِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه خرج من الْمَسْجِد فَبَال ثمَّ دخل، فَتحدث مَعَ أَصْحَابه وَلم يمس مَاء. وَعَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، مثله، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير، وَكره ابْن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَن يتَعَمَّد الْجُلُوس فِي الْمجْلس على غير وضوء.
٢٦ - (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة بُنيان الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، والبنيان: الْبناء، يُقَال: بنى يَبْنِي بنياً وبنية وَبِنَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْبُنيان الْحَائِط، يُقَال: بنى فلَان بَيْتا من الْبُنيان، وَبنى على أَهله بِنَاء أَي: زفها، والعامة تَقول: بنى بأَهْله وَهُوَ خطأ.
وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.
١٣
- ٥٠ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد رَوَاهُ مُسْندًا فِي بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر: حدّثنا مُسلم، قَالَ: حدّثنا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة، قَالَ: (سَأَلت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: جَاءَت سَحَابَة فمطرت حَتَّى سَالَ السّقف وَكَانَ من جريد النّخل، فأقيمت الصَّلَاة فَرَأَيْت رَسُول الله يسْجد فِي المَاء والطين حَتَّى رَأَيْت أثر الطين فِي جَبهته) . قَوْله: (كَانَ سقف الْمَسْجِد) أَي: سقف مَسْجِد رَسُول ا، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. وَقَول الْكرْمَانِي: وَأما لجنس الْمَسَاجِد فبعيد. قَوْله: (من جريد النّخل) الجريد: هُوَ الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص وَإِن لم يجرد يُسمى سَعَفًا.
وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
٥٠
- مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد: مَسْجِد رَسُول ا، وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب أَنه رُوِيَ من حَدِيث نَافِع أَن عبد اأخبره أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله مُبينًا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَزَاد فِيهِ عمر وبناه على بُنْيَانه فِي عهد رَسُول الله بِاللَّبنِ والجريد، وَأعَاد عمده خشباً. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال: اللبنة، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الطوب النيء. قَوْله: (وعمده) ، بِضَم الْعين وَالْمِيم وبفتحهما، جمع الْكَثْرَة لعمود الْبَيْت، وَجمع الْقلَّة: أعمدة. قَوْله: (أكن) فِيهِ أوجه. الأول: أكن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَفتح النُّون، على صُورَة الْأَمر من الإكنان، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَهِي الْأَظْهر، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله قبله: (أَمر عمر) وَقَوله بعده: (وَإِيَّاك) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَولا أَمر بِالْبِنَاءِ وخاطب أحدا بذلك ثمَّ حذره من التحمير والتصفير بقوله: (وَإِيَّاك أَن تحمر أَو تصفر) ، والإكنان من أكننت الشَّيْء أَي: صنته وسترته. وَحكى أَبُو زيد وَالْكسَائِيّ: كننته، من الثلاثي بِمَعْنى: أكننته. وَقَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : أكننت الشَّيْء أَي: أخفيته، وكننته إِذا سترته بِشَيْء. وَيُقَال: أكننت الشَّيْء سترته وصنته من الشَّمْس، وأكننته فِي نَفسِي أسررته. وَفِي (كتاب فعل وَافْعل) لأبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: قَالَت تَمِيم: كننت الْجَارِيَة أكنها كُنَّا، بكسرا لكاف، وأكننت الْعلم والسر. وَقَالَت قيس: كننت الْعلم والسر بِغَيْر ألف، وأكننت الْجَارِيَة بِالْألف. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي، فِي (نوادره) : أكنننت السِّرّ، وكننت وَجْهي من الْحر، وكننت سَيفي، قَالَ: وَقد يكون هَذَا بِالْألف أَيْضا. الْوَجْه الثَّانِي: أكن النَّاس، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون المضمومة: بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْفِعْل الْمُضَارع، وَقَالَ ابْن التِّين: هَكَذَا روينَاهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْه الْتِفَات وَهُوَ أَن عمر أخبر عَن نَفسه ثمَّ الْتفت إِلَى الصَّانِع فَقَالَ: وَإِيَّاك، وَيجوز أَن يكون تجريداً، فَكَأَن عمر بعد أَن أخبر عَن نَفسه جرد عَنْهَا شخصا ثمَّ خاطبه بذلك. الْوَجْه
الثَّالِث: قَالَ عِيَاض: كن النَّاس، بِحَذْف الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون: من كن يكن، وَهُوَ صِيغَة أَمر، وَأَصله أكن بِالْهَمْزَةِ حذفت تَخْفِيفًا على غير قِيَاس. الْوَجْه الرَّابِع: كن، بِضَم الْكَاف، من: كن فَهُوَ مَكْنُون، وَهَذَا لَهُ وَجه، وَلَكِن الرِّوَايَة لَا تساعده. قَوْله: (وَإِيَّاك) ، كلمة تحذير أَي: احذر من أَن تحمر. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، ومفعول: تحمر، مَحْذُوف تَقْدِيره: إياك تحمير الْمَسْجِد أَو تصفيره، وَمرَاده الزخرفة. وَقد روى ابْن مَاجَه من طَرِيق عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَرْفُوعا: (مَا سَاءَ عمل قوم قطّ إلَاّ زخرفوا مَسَاجِدهمْ) . قَوْله: (فتفتن النَّاس) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْفَاء: من فتن يفتن، من بَاب ضرب يضْرب، فتنا وفتوناً إِذا امتحنته، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم تَاء الْخطاب من أفتن، والأصمعي أنكر هَذَا، وَأَبُو عبيد أجَازه، وَقَالَ: فتن وافتن بِمَعْنى، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة اسْم وَهُوَ فِي الأَصْل الامتحان والاختبار، ثمَّ كثر اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والقتال والإحراق والإزالة وَالصرْف عَن الشَّيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويفتن من الْفِتْنَة، وَفِي بَعْضهَا من التفتين. قلت: إِذا كَانَ من التفتين يكون من بَاب التفعيل، وماضيه: فتن، بتَشْديد التَّاء، وعَلى ضبط ابْن التِّين يكون من بَاب الإفعال وَهُوَ الإفتان بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى كل حَال هُوَ بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْمَنْصُوب بِكَلِمَة. أَن.
وَقَالَ أنَسٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَها إِلَاّ قَلِيلاً.
هَذَا التَّعْلِيق مَرْفُوع فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْعَبَّاس حدّثنا سعيد بن عَامر عَن أبي عَامر الخراز قَالَ: قَالَ أَبُو قلَابَة: انطلقنا مَعَ أنس نُرِيد الزاوية، نعني قصر أنس، فمررنا بِمَسْجِد فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ أنس: لَو صلينَا فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَقَالَ بعض الْقَوْم: نأتي الْمَسْجِد الآخر، فَقَالَ أنس: إِن رَسُول الله قَالَ: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يتباهون بالمساجد ثمَّ لَا يعمرونها إلَاّ قَلِيلا، أَو قَالَ: يعمرونها قَلِيلا) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي أَيْضا فِي (مُسْنده) ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حدّثنا مُحَمَّد بن عبد االخزاعي حدّثنا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة وَقَتَادَة عَن أنس: (إِن النَّبِي قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يتباهي النَّاس فِي الْمَسَاجِد) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَيْضا، وروى أَبُو نعيم فِي (كتاب الْمَسَاجِد) من حَدِيث مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني: عَن حَمَّاد (يتباهى النَّاس بِبِنَاء الْمَسَاجِد) ، وَمن حَدِيث عَليّ بن حَرْب: عَن سعيد بن عَامر عَن الخراز: (يتباهون بِكَثْرَة الْمَسَاجِد) . قَوْله: (يتباهون) ، بِفَتْح الْهَاء من المباهاة وَهِي الْمُفَاخَرَة، وَالْمعْنَى أَنهم يزخرفون الْمَسَاجِد ويزينونها ثمَّ يقعودن فِيهَا ويتمارون ويتباهون وَلَا يشتغلون بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالمساجد، والسياق يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، بِالنّصب، وَيجوز الرّفْع من جِهَة النَّحْو، فَإِنَّهُ بدل من ضمير الْفَاعِل.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس هَكَذَا مَوْقُوفا، وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا، قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي فَزَارَة عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد) . قَالَ ابْن عَبَّاس: لتزخرفنها كَمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَأَبُو فَزَارَة اسْمه رَاشد ابْن كيسَان، وَإِنَّمَا اقْتصر البُخَارِيّ على الْمَوْقُوف مِنْهُ وَلم يذكر الْمَرْفُوع مِنْهُ للِاخْتِلَاف على يزِيد بن الْأَصَم فِي وَصله وإرساله، وَيزِيد هَذَا روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قَوْله: (لتزخرفنها) أَي: لتزخرفن الْمَسَاجِد، بِضَم الْفَاء وَنون التَّأْكِيد، والضيمر فِيهِ للمذكرين. وَأما اللَّام فِيهِ فقد ذكر الطَّيِّبِيّ فِيهِ وَجْهَيْن. الأول: أَن تكون مَكْسُورَة، وَهِي لَام التَّعْلِيل للنَّفْي قبله، وَالْمعْنَى: مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد: رفع الْبناء والإحكام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة} (النِّسَاء: ٨٧) . الْوَجْه الثَّانِي: فتح اللَّام على أَنَّهَا جَوَاب الْقسم، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَالْأول لم تثبت بِهِ الرِّوَايَة أصلا. قلت: الَّذِي قَالَه الطَّيِّبِيّ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَلَا وَجه لمَنعه، وَدَعوى عدم ثُبُوت الرِّوَايَة يحْتَاج إِلَى برهَان. وَمعنى الزخرفة: التزيين، يُقَال: زخرف الرجل كَلَامه إِذا موهه وزينه بِالْبَاطِلِ، والزخرف: الذَّهَب، وَالْمعْنَى هَهُنَا: تمويه الْمَسَاجِد بِالذَّهَب وَنَحْوه كَمَا زخرفت الْيَهُود كنائسهم وَالنَّصَارَى بيعهم. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى كنائسها وَبَيْعهَا حِين حرفت الْكتب وبدلتها فضيعوا الدّين وعرجوا على الزخاريف والتزيين. وَقَالَ محيي السّنة: إِنَّهُم زخرفوا الْمَسَاجِد عِنْد مَا بدلُوا
دينهم وَأَنْتُم تصيرون إِلَى مثل حَالهم وسيصير أَمركُم إِلَى المراآة بالمساجد والمباهة بتزيينها، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَصْحَابنَا على أَن نقش الْمَسْجِد وتزيينه مَكْرُوه، وَقَول بعض صحابنا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ تَركه أولى وَلَا يجوز من مَال الْوَقْف، وَيغرم الَّذِي يُخرجهُ سَوَاء كَانَ نَاظرا أَو غَيره.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْكَرَاهَة إِذا كَانَ من مَاله دون مَال الْوَقْف؟ قلت: مَا اشْتِغَال الْمُصَلِّي بِهِ، وَإِمَّا إِخْرَاج المَال فِي غير وَجهه.
٦٤٤ - ح دّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ قَالَ حدّثني أبي عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ حدّثنا نافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ مبْنِيًّا باللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبُو بَكْرٍ شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُوَ بَناهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عُمُدَهُ خَشَباً ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنْىَ جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسقَّفَهُ بالسَّاجِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد ابْن جَعْفَر بن نجيح أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة صَالح عَن نَافِع لِأَنَّهُمَا من طبقَة وَاحِدَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن صَالحا ونافعاً كِلَاهُمَا تابعيان. وَفِيه: زَاد الْأصيلِيّ لَفْظَة: ابْن سعد، بعد قَوْله: حدّثنا يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس وَمُجاهد بن مُوسَى وَهُوَ اتم، قَالَا: حدّثنا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ على عهد رَسُول ا) أَي: فِي زَمَانه وأيامه. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكَذَلِكَ معنى الجريد مر عَن قريب. و: (الْعمد) ، بِضَمَّتَيْنِ وفتحتين أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: لم يُغير فِيهِ شَيْئا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: فِي الطول وَالْعرض وَلم يُغير فِي بنائِهِ بل بناه على بينان النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (فِي عهد رَسُول ا) ، إِمَّا صفة للبنيان أَو حَال، وَإِنَّمَا غير عمده لِأَنَّهَا تلفت. قَالَ السُّهيْلي: نخرت عمده فِي خلَافَة عمر فجددها، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَأعَاد عمده خشباً) . قَوْله: (ثمَّ غير عُثْمَان) ، يَعْنِي من جِهَة التوسيع وتغيير الْآلَات. قَوْله: (بحجارة منقوشة) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا (بِالْحِجَارَةِ المنقوشة) ، يَعْنِي: بدل اللَّبن. قَوْله: (والقصة) أَي: وبالقصة، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَهِي الجص بلغَة أهل الْحجاز. قلت: الجص: لُغَة فارسية معربة وَأَصلهَا: كج، وَفِيه لُغَتَانِ: فتح الْجِيم وَكسرهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مصر جيراً، وَأهل الْبِلَاد الشامية يسمونه: كلساً. قَوْله: (وَجعل عمده) عطف على قَوْله: (وَبنى جِدَاره) . قَوْله: (وسقفه) بِلَفْظ الْمَاضِي من التسقيف من بَاب التفعيل عطفا على جعل، ويروى بِلَفْظ الِاسْم عطفا على عمده. قَوْله: (بالساج) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وبالجيم: وَهُوَ ضرب من الْخشب مَعْرُوف يُؤْتى بِهِ من الْهِنْد وَله قيمَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: مَا ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن السّنة فِي بينيان الْمَسَاجِد الْقَصْد وَترك الغلو فِي تشييدها خشيَة الْفِتْنَة والمباهاة ببنيانها، وَكَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَعَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت فِي أَيَّامه وتمكنه
من المَال لم يُغير الْمَسْجِد عَن بُنْيَانه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي، ثمَّ جَاءَ الْأَمر إِلَى عُثْمَان وَالْمَال فِي زَمَانه أَكثر وَلم يزدْ على أَن يَجْعَل مَكَان اللَّبن حِجَارَة وقصة وسقفه بالساج مَكَان الجريد، فَلم يقصر هُوَ وَعمر رَضِي اعنهما، عَن الْبلُوغ فِي تشييده إِلَى أبلغ الغايات، إلَاّ عَن علمهما بِكَرَاهَة النَّبِي ذَلِك، وليقتدي بهما فِي الْأَخْذ من الدُّنْيَا بِالْقَصْدِ والزهد والكفاية فِي معالي أمورها وإيثار الْبلْغَة مِنْهَا.
قلت: أول من زخرف الْمَسَاجِد الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر عصر الصَّحَابَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَسكت كثير من أهل الْعلم عَن إِنْكَار ذَلِك خوفًا من الْفِتْنَة. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: لما شيد النَّاس بُيُوتهم وزخرفوها فَانْتدبَ أَن يصنع ذَلِك بالمساجد صونا لَهَا عَن الاستهانة. وَقَالَ بَعضهم: وَرخّص فِي ذَلِك بَعضهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة إِذا وَقع ذَلِك على سَبِيل التَّعْظِيم للمساجد، وَلم يَقع الصّرْف على ذَلِك من بَيت المَال. قلت: مَذْهَب أَصْحَابنَا أَن ذَلِك مَكْرُوه، وَقَول بعض أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ: تَركه أولى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٣٦ - (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعاون النَّاس بَعضهم بَعْضًا فِي بِنَاء الْمَسْجِد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي ذَلِك أجرا، وَمن زَاد فِي عمله فِي ذَلِك زَاد فِي أجره، وَفِي بعض النّسخ: فِي بَاء الْمَسَاجِد، بِلَفْظ الْجمع.
وَقَوْلُ اللَّهِ {مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) .
١٣
- ٥٠ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ( {مَا كَانَ للْمُشْرِكين إِن يعمروا مَسَاجِد ا} ) إِلَى قَوْله: {المهتدين} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) وَلم يَقع فِي رِوَايَته لفظ: وَقَول اعز وَجل.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَنه لما أسر الْعَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنهُ، يَوْم بدر، أقبل عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فعيرونه بالْكفْر وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، فَقَالَ الْعَبَّاس: مَا لكم تذكرُونَ مساوينا دون محاسننا؟ فَقَالَ لَهُ لي ألكم محَاسِن؟ قَالَ؛ نعم إِنَّا لنعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونحجب الْكَعْبَة ونسقي الْحَاج ونفك العاني، فَأنْزل اتعالى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم فِي تَوْجِيه ذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة هَهُنَا وَذكره هَذِه الْآيَة مصير مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ من أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَلِكَ أَن قَوْله تَعَالَى: {مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مَوَاضِع السُّجُود، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْأَمَاكِن المتخذة لإِقَامَة الصَّلَاة، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بعمارتها بنيانها، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْإِقَامَة فِيهَا لذكر اتعالى قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب معنى هَذِه الْآيَة أصلا، وَإِنَّمَا يُنَاسب معنى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با وَالْيَوْم الآخر ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، على أَن أحدا من الْمُفَسّرين لم يذكر هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذَا تصرف مِنْهُ بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن فَلَا يجوز ذَلِك، وَيجب الْإِعْرَاض عَن هَذَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى هَذِه الْآيَة: مَا يَنْبَغِي للْمُشْرِكين با أَن يعمروا مَسَاجِد االتي بنيت على اسْمه وَحده لَا شريك لَهُ، وَمن قَرَأَ مَسْجِد اأراد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام، أشرف الْمَسَاجِد فِي الأَرْض الَّتِي بنى من أول يَوْم على عبَادَة اتعالى وَحده لَا شريك لَهُ، وأسسه خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا وهم شاهدون على أنفسهم بالْكفْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْجمعِ فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام؟ وَإِنَّمَا قيل: مَسَاجِد الأنه قبْلَة الْمَسَاجِد كلهَا، وإمامها، فعامره كعامر جَمِيع الْمَسَاجِد، وَلِأَن كل بقْعَة مِنْهُ مَسْجِد.
وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ جنس الْمَسَاجِد، فَإِذا لم يصلحوا أَن يعمروا جِنْسهَا دخل تَحت ذَلِك أَن لَا يعمروا الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي هُوَ صدر الْجِنْس ومقدمته، وَهُوَ آكِد، لِأَن طَرِيقه طَرِيق الْكِنَايَة، كَمَا لَو قلت: فلَان لَا يقْرَأ كتب ا، كنت أنفى لقِرَاءَة الْقُرْآن من تصريحك بذلك، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا يطابقها، وَلَو ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة لَكَانَ أَجْدَر وَأقرب للمطابقة وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه ذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ بعض تعسف، وَهُوَ أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التعاون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد الْمُعْتَبر الَّذِي فِيهِ الْأجر إِنَّمَا كَانَ للْمُؤْمِنين، وَلم يكن ذَلِك للْكَافِرِينَ، وَإِن كَانُوا بنوا
مَسَاجِد ليتعبدوا فِيهَا بعبدتهم الْبَاطِلَة، أَلا ترى أَن الْعَبَّاس رَضِي اتعالى عَنهُ، لما أسر يَوْم بدر وعير بِكُفْرِهِ وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، ادّعى أَنهم كَانُوا يعمرون الْمَسْجِد الْحَرَام، فَبين الْهم ذَلِك أَنه غير مَقْبُول مِنْهُم لكفرهم حَيْثُ أنزل على نبيه الْكَرِيم: {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ أنزل فِي حق الْمُسلمين الَّذين يتعاونون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد قَوْله: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا الْعِمَارَة المعتد بهَا عمَارَة من آمن با، فَجعل عمَارَة غَيرهم كلا عمَارَة حَيْثُ ذكرهَا بِكَلِمَة الْحصْر، وروى عبد بن حميد فِي مُسْنده: حدّثنا يُونُس بن مُحَمَّد حدّثنا صَالح الْمزي عَن ثَابت الْبنانِيّ وَمَيْمُون بن سياه وجعفر بن زيد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِن عمار الْمَسْجِد هم أهل ا) ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار أَيْضا، وَلَا شكّ أَن أهل اهم الْمُؤْمِنُونَ.
٧٤٤٧٠١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارٍ قَالَ حدّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِيَ ابنُ عَبَّاس وَلاِبْنِهِ عَلِيّ إنْطَلِقَا إِلى أبي سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فاحْتَبَي ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُنا حَتَّى أتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْملُ لَبنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتْينِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِي فَنَفَضَ الترَابَ عَنْهُ وقالَ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. (الحَدِيث ٧٤٤ طرفه فِي: ٢١٨٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة الأولى ظَاهِرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار أَبُو إِسْحَاق الدّباغ الْبَصْرِيّ الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقد تقدم. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحسن، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، كَانَ مولده لَيْلَة قتل عَليّ بن أبي طَالب فَسمى باسمه وكنى بكنيته، وَكَانَ غَايَة فِي الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم وَالْعَمَل وَحسن الشكل والفقهه، وَكَانَ يُصَلِّي كل يَوْم ألف رَكْعَة، هُوَ جد السفاح والمنصور الخليفتين، وَكَانَ يدعى: السَّجَّاد، لذَلِك. وَكَانَ لَهُ خَمْسمِائَة أصل زيتون يُصَلِّي كل يَوْم عِنْد أصل كل شَجَرَة رَكْعَتَيْنِ، مَاتَ بعد الْعشْرين وَمِائَة، إِمَّا سنة أَربع عشرَة أَو سبع عشرَة أَو عشر، عَن ثَمَان أَو تسع وَسبعين سنة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اعنه.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن إِسْنَاده كُله بَصرِي لِأَن ابْن عَبَّاس أَقَامَ أَمِيرا على الْبَصْرَة مُدَّة، وَعِكْرِمَة مَوْلَاهُ مَعَه.
ذكر تعدد مَوْضِعه: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (ولابنه) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، هَهُنَا للمفاجأة، أَي: فَإِذا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي حَائِط، أَي: بُسْتَان. وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا سقف لَهُ. قَوْله: (يصلحه) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر لقَوْله: هُوَ، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (فأتيناه وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِط لَهما يسقيانه) قيل: أَخُوهُ هَذَا لأمه، وَهُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان، ورد بِأَن هَذَا لَا يَصح، لِأَن عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس ولد فِي آخر خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب، وَمَات قَتَادَة بن النُّعْمَان قبل ذَلِك فِي أَوَاخِر خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي اتعالى عَنهُ، وَلَيْسَ لأبي سعيد أَخ شَقِيق وَلَا أَخ من أَبِيه وَلَا من أمه إلَاّ قَتَادَة، فَيحْتَمل أَن يكون الْمَذْكُور أَخَاهُ من الرضَاعَة، وَا تَعَالَى أعلم. قَوْله: (فاحتبى) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة بعد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال؛ احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقد يحتبي بيدَيْهِ. قَوْله: (أنشأ) بِمَعْنى: طفق، وهما من أَفعَال المقاربة وضعا للدلالة على الشُّرُوع فِي الْخَبَر، ويعملان عمل: كَانَ إلَاّ أَن خبرهما يجب أَن يكون جملَة، ويشاركهما فِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ: جعل وعلق وَأخذ.
قَوْله: (يحدّثنا) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: أنشأ. قَوْله: (حَتَّى أَتَى) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَتَّى إِذا أَتَى) . قَوْله: (بِنَاء الْمَسْجِد) ، أَي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (قَالَ) : أَي أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (لبنة) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا النُّون: وَهِي الطوب النيء، وانتصابها على أَنَّهَا مفعول: نحمل، وانتصاب
الثَّانِيَة بِأَنَّهُ تَأْكِيد لَهَا. قَوْله: (وعمار) أَي: يحمل عمار بن يَاسر لبنتين لبنتين. زَاد معمر فِي رِوَايَته: (لبنة عَنهُ ولبنة عَن رَسُول ا) . وَفِيه زِيَادَة أَيْضا لم يذكرهَا البُخَارِيّ، وَوَقعت عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق خَالِد الوَاسِطِيّ: عَن خَالِد الْحذاء، وَهِي: (فَقَالَ النَّبِي: يَا عمار أَلَاّ تحمل كَمَا يحمل أَصْحَابك؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيد من االأجر) .
قَوْله: (فَرَآهُ النَّبِي) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى عمار. قَوْله: (فنفض التُّرَاب عَنهُ) ، ويروى: (فينفض التُّرَاب عَنهُ) ، وَفِيه التَّعْبِير بِصِيغَة الْمُضَارع فِي مَوضِع الْمَاضِي لاستحضار ذَلِك فِي نفس السَّامع كَأَنَّهُ شَاهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجعل ينفض التُّرَاب عَنهُ) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (عَن رَأسه) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (وَيْح عمار) ، كلمة: وَيْح، كلمة رَحْمَة كَمَا أَن كلمة: ويل، كلمة عَذَاب. تَقول: وَيْح لزيد وويل لَهُ، برفعهما على الِابْتِدَاء، وَلَك أَن تَقول: ويحاً لزيد وويلاً لَهُ، فتنصبهما بإضمار فعل، وَأَن تَقول: وَيحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بِالْإِضَافَة فتنصب أَيْضا بإضمار الْفِعْل، وَهَهُنَا بِنصب الْحَاء لَا غير. قَوْله: (الفئة) هِيَ الْجَمَاعَة: و: (الباغية) هم الَّذين خالفوا الإِمَام وَخَرجُوا عَن طَاعَته بِتَأْوِيل بَاطِل ظنا بمتبوع مُطَاع. قَوْله: (يَدعُوهُم) أَي: يَدْعُو عمار الفئة الباغية وهم الَّذين قَتَلُوهُ فِي وقْعَة صفّين، وأعيد الضَّمِير إِلَيْهِم، وهم غير مذكورين صَرِيحًا. قَوْله: (إِلَى الْجنَّة) أَي: إِلَى سَببهَا، وَهِي الطَّاعَة. كَمَا أَن سَبَب النَّار هُوَ الْمعْصِيَة. قَوْله: (ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَي: يَدْعُو هَؤُلَاءِ الفئة الباغية عمارًا إِلَى النَّار. فَإِن قيل: كَانَ قتل عمار بصفين، وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، وَكَانَ الَّذين قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَة، وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من الصَّحَابَة فَكيف يجوز أَن يَدعُوهُ إِلَى النَّار؟ فَأجَاب ابْن بطال عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح هَذَا فِي الْخَوَارِج الَّذين بعث إِلَيْهِم عَليّ عماراً يَدعُوهُم إِلَى الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ يَصح فِي أحد من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَأَوَّل عَلَيْهِم إلَاّ أفضل التَّأْوِيل. قلت: تبع ابْن بطال فِي ذَلِك الْمُهلب، وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة فِي هَذَا الْجَواب، وَلَكِن لَا يَصح هَذَا، لِأَن الْخَوَارِج إِنَّمَا خَرجُوا على عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، بعد قتل عمار بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بذلك، لِأَن ابْتِدَاء أَمرهم كَانَ عقيب التَّحْكِيم بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَلم يكن التَّحْكِيم إلَاّ بعد انْتِهَاء الْقِتَال بصفين، وَكَانَ قتل عمار قبل ذَلِك قطعا، وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالذين يَدعُونَهُ إِلَى النَّار كفار قُرَيْش، وَهَذَا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة وَغَيرهمَا زِيَادَة توضيح بِأَن الضَّمِير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشَّام. وَقَالَ الْحميدِي: لَعَلَّ هَذِه الزِّيَادَة لم تقع للْبُخَارِيّ، أَو وَقعت فحذفها عمدا وَلم يذكرهَا فِي الْجمع. قَالَ: وَقد أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبرْقَانِي فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِي هَذَا أَنهم كَانُوا مجتهدين ظانين أَنهم يَدعُونَهُ إِلَى الْجنَّة، وَإِن كَانَ فِي نفس الْأَمر خلاف ذَلِك، فَلَا لوم عَلَيْهِم فِي اتِّبَاع ظنونهم، فَإِن قلت: الْمُجْتَهد إِذا أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا أَخطَأ فَلهُ أجر، فَكيف الْأَمر هَهُنَا. قلت: الَّذِي قُلْنَا جَوَاب إقناعي فَلَا يَلِيق أَن يُذكر فِي حق الصَّحَابَة خلاف ذَلِك، لِأَن اتعالى أثنى عَلَيْهِم وَشهد لَهُم بِالْفَضْلِ، بقوله: {كُنْتُم خير أمة أُخرجت للنَّاس} (آل عمرَان: ٠١١) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هم أَصْحَاب مُحَمَّد.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد فِيهِ: أَن التعاون فِي بُنيان الْمَسْجِد من أفضل الْأَعْمَال لِأَنَّهُ مِمَّا يجْرِي للْإنْسَان أجره بعد مَوته، وَمثل ذَلِك حفر الْآبَار وَكري الْأَنْهَار وتحبيس الْأَمْوَال التييعم الْعَامَّة نَفعهَا. وَفِيه: الْحَث على أَخذ الْعلم من كل أحد وَإِن كَانَ الْآخِذ أفضل من الْمَأْخُوذ مِنْهُ، أَلا ترى أَن ابْن عَبَّاس مَعَ سَعَة علمه أَمر ابْنه عليا بِالْأَخْذِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ؟ قيل: يحْتَمل أَن يكون إرْسَال ابْن عَبَّاس إِلَيْهِ لطلب علو الْإِسْنَاد، لِأَن أَبَا سعيد أقدم صُحْبَة وَأكْثر سَمَاعا من النَّبِي. قلت: مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْعَالم لَهُ أَن يتهيأ للْحَدِيث وَيجْلس لَهُ جلْسَة. وَفِيه: ترك التحديث فِي حَالَة المهنة إعظاماً للْحَدِيث وتوقيراً لصحابه. وَهَكَذَا كَانَ السّلف. وَفِيه: أَن للْإنْسَان أَن يَأْخُذ من أَفعَال الْبر مَا يشق عَلَيْهِ إِن شَاءَ كَمَا أَخذ عمار لبنتين. وَفِيه: إكرام الْعَامِل فِي سَبِيل اوالإحسان إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل. وَفِيه: عَلامَة النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَفِيه: إصْلَاح الشَّخْص: بِمَا يتَعَلَّق بِأَمْر ديناه كإصلاح بستانه وَكَرمه بِنَفسِهِ وَكَانَ السّلف على ذَلِك لِأَن فِيهِ إِظْهَار التَّوَاضُع وَدفع الْكبر وهما من أفضل الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لعَلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أَن عليا لم يكن مصيباً فِي حروبه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاسْتِعَاذَة من الْفِتَن لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أحد فِي الْفِتْنَة أمأجور هُوَ أم مأزور؟ إلَاّ بِغَلَبَة الظَّن، وَلَو كَانَ مأّوراً لما استعاذ عمار من الْأجر.