الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٢٦
الحديث رقم ٤٥٢٦ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
أفاد الحديث أن عبدًا مملوكًا لرجلٍ سرق نخلًا صغيرًا من بستان رجل آخر، فأخذه وغرسه في أرض سيده، فعلم صاحب النخل المسروق بذلك، فأراد أن يأخذ العبد ليقطع يده عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فأخبره رافع بن خديج رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر أنه لا قطع لليد إذا أخذ السارق الثمر المعلق من النخل أو الشجر، وكذا الجُمَّار وهو شحم النخل الموجود في وسطها، فلما سمع مروان الحكم الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق العبد، مما يدل على أن أخذ الثمار من البساتين ونحوها ليس فيه قطع ولا حد؛ لأنه غير محرز.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُثَقَّلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٩ - بَاب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ الْآيَةَ.
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا ابن شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
[الحديث ٤٥٢٦ - طرفه في: ٤٥٢٧]
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر"
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: "كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَنَّى فَقِيلَ: كَيْفَ، وَقِيلَ: حَيْثُ، وَقِيلَ: مَتَى، وَبِحَسَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أَيْ أَمْسَكْتُ الْمُصْحَفَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَمْسِكْ عَلَيَّ الْمُصْحَفَ يَا نَافِعُ، فَقَرَأَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُبْهِمًا لِمَكَانِ الْآيَةِ وَالتَّفْسِيرِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِسَنَدِهِ، وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِسَنَدِهِ.
قَوْلُهُ: (يَأْتِيهَا فِي) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَ الظَّرْفِ وَهُوَ الْمَجْرُورِ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ يَأْتِيهَا فِي الْفَرْجِ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِهِ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ. ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى سَلَفِهِ فِيهِ وَهُوَ الْبَرْقَانِيُّ فَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ زَادَ الْبَرْقَانِيُّ يَعْنِي الْفَرْجَ وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِمَا سَأَذْكُرُهُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ يَأْتِيهَا فِي وَتَرَكَ بَيَاضًا، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ صَنَّفَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ جُزْءًا، وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ شَعْبَانَ كِتَابًا، وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي
إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أَيِ الْقَطَّانُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) هَكَذَا أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدِ اخْتَصَرَهُ كَمَا تَرَى، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي تَفْسِيرِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: نَزَلَتْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ. وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مِثْلَهُ، وَمَنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكَرَابِيسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ نَحْوَهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فَأَبْهَمَهُ فَقَالَ فِي كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: يَأْتِيهَا فِي الدُّبُرِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَيَرُدُّ قَوْلَ الْحُمَيْدِيِّ. وَهَذَا الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْبُخَارِيُّ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى الِاكْتِفَاءَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ يَحْسُنُ بِسَبَبِهَا اسْتِعْمَالُهُ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْيَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَذْكُورِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ رُخْصَةٌ فِي إِتْيَانِ الدُّبُرِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَرِوَايَاتُهُمْ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي فَوَائِدِ الْأَصْبَهَانِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخِ وَتَارِيخِ نَيْسَابُورَ لِلْحَاكِمِ وَغَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: جَمِيعُ مَا أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُبْهَمٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ مَالِكٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ نَافِعٍ بِالتَّفْسِيرِ، وَعَنْ مَالِكٍ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ اهـ. كَلَامُهُ. وَرِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَدْ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّلَاثَةِ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَأَعْظَمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَقَالَ: لَا، إِلَّا فِي دُبُرِهَا.
وَتَابَعَ نَافِعًا فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَتَكَلَّمَ الْأَزْدِيّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَأَصَابَ قَالَ: وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ بِغَيْرِ نَكِيرٍ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَسَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، وَرِوَايَتُهُمَا عَنْهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ جَرِيرٍ وَلَفْظُهُ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ: إِنَّ نَاسًا يَرْوُونَ عَنْ سَالِمٍ: كَذَبَ الْعَبْدُ عَلَى أَبِي، فَقَالَ مَالِكٌ: أَشْهَدُ عَلَى زَيْدِ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أُفٍّ، أَوَيَقُولُ ذَلِكَ مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَشْهَدُ عَلَى رَبِيعَةَ لَأَخْبَرَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: هَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ اهـ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ رَوْحٍ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ قَوْمُ عَرَبٍ؟ هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ؟ وَعَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ اعْتَمَدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَلَعَلَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ
عُمَرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ صَحِيحَةً عَلَى قَاعِدَتِهِ.
وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عُمَرَ بِسَبَبِ هَذَا النُّزُولِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالُوا: نُعَيِّرُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ وَعَلَّقَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدٍ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَشْهُورٌ، وَكَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَبَلَغَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَهَّمَهُ فِيهِ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ وَهِمَ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتُرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الْأَنْصَارُ عَنْهُمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَلَذَّذُونَ بِنِسَائِهِمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَفْعَلُ فِيهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ، فَسَرَى أَمْرُهُمَا حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فِي الْفَرْجِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ.
حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ، وَهَذَا الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْآيَةُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ كَمَا سَأَذْكُرُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: احْتَمَلَتِ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ حَيْثُ شَاءَ زَوْجُهَا، لِأَنَّ أَنَّى بِمَعْنَى أَيْنَ شِئْتُمْ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ يُرَادَ بِالْحَرْثِ مَوْضِعُ النَّبَاتِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْوَلَدُ هُوَ الْفَرْجُ دُونَ مَا سِوَاهُ، قَالَ: فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلَ مَا وَصَفْتُ مِنِ احْتِمَالِ الْآيَةِ، قَالَ: فَطَلَبْنَا الدَّلَالَةَ فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ وَهُوَ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي التَّحْرِيمِ، فَقَوَّى عِنْدَهُ التَّحْرِيمَ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ ابْنَ الْحَسَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَرْثَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ، فَقَالَ لَهُ: فَيَكُونُ مَا سِوَى الْفَرْجِ مُحَرَّمًا، فَالْتَزَمَهُ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَطِئَهَا بَيْنَ سَاقَهَا أَوْ فِي أَعْكَانِهَا أَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَحْرُمُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِمَا لَا تَقُولُ بِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ، وَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَلْزَمَ مُحَمَّدًا بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا انْتَصَرَ لِأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ، وَالْحُجَّةُ عِنْدَهُ فِي التَّحْرِيمِ غَيْرُ الْمَسْلَكِ الَّذِي سَلَكَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْأُمِّ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ النَّ سُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَانْفَصَلَ عَنْهَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّبَبِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْآتِي. قَالَ: وَالْعُمُومُ إِذَا خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ قُصِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ، لَكِنْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِالْمَنْعِ فَتَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِبَعْضِ خَبَرِ الْآحَادِ خِلَافٌ اهـ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ - كَالْبُخَارِيِّ، وَالذُّهْلِيِّ، وَالْبَزَّارِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ - إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. قُلْتُ: لَكِنْ طُرُقُهَا كَثِيرَةٌ فَمَجْمُوعُهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ أَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ لَلَزِمَ أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ حَرُمَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّالِحَةِ الْإِسْنَادِ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقيل: متى (﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ … ﴾ الاية [البقرة: ٢٢٣]) أي: ما يُدَّخر لكم من (١) الثَّواب، وقيل: هو طلب الولد، وعند ابن جريرٍ عن عطاءٍ قال: أُراه عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ قال: يقول: بسم الله، التَّسمية عند الجماع، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾».
٤٥٢٦ - ٤٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو (٢) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) بالضَّاد المعجمة، و «شُمَيل» بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الميم، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنُّون، عبد الله الفقيه المشهور (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ؛ لَمْ يَتَكَلَّمْ) بغير القرآن (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أي: أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلبٍ، وعند الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالكٍ» من رواية عبيد الله بن عمر عن نافعٍ قال: قال لي ابن عمر: أمسك عليَّ المصحف يا نافعٍ (فَقَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى (٣) إِلَى مَكَانٍ) هو قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (قَالَ: تَدْرِي فِيمَا) بألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ: «فيمَ» (أُنْزِلَتْ؟) قال نافعٌ: (قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا) أي: في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ (ثُمَّ مَضَى) أي: في قراءته، وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث مبهِمًا لمكان الآية والتَّفسير، وقد أخرج إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» و «تفسيره» -بالإسناد المذكور هنا- هذا الحديث (٤) بلفظ: «حتى انتهى إلى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: تدري فيم أُنزِلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال:
نزلت (١) في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ» فبيَّن فيه ما أُبهِم هنا.
ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «أخبرنا النَّضر بن شميلٍ» قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هو ابن عبد الوارث التَّنُّوريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ: يَأْتِيهَا) زوجها (فِي) بحذف المجرور؛ وهو الظَّرف، أي: في الدُّبر؛ كما وقع التَّصريح به عند ابن جريرٍ في هذا الحديث من طريق عبد الصَّمد عن أبيه، قيل: وأسقط المؤلِّف ذلك (٢) لاستنكاره، وقول الكِرمانيِّ: «فيه دليلٌ على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجارِّ» عُورِض: بأنَّ هذا لا يجوز إلَّا عند بعض النَّحويِّين في ضرورة الشِّعر، وقول (٣) الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّه نوعٌ من أنواع البديع يُسمَّى الاكتفاء، ولا بدَّ له (٤) من نكتةٍ يحسن بسببها استعماله» تعقَّبه العينيُّ فقال: ليت شعري! من قال من أهل صناعة البديع: إنَّ حَذْف المجرور وذِكْر الجارِّ وحده من أنواع البديع؟! والاكتفاء إنَّما يكون في شيئين متضادَّين يُذكَر أحدهما ويُكتَفى به عن الآخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبردَ، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ ما ذكره العينيُّ هو أحد أنواع الاكتفاء، والنَّوع الثَّاني: الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثَّالث: أشذُّ منه؛ وهو حذف بعض الكلمة، قال: وهذا المعترِض لا يدري، ويُنكِر على من يدري. انتهى. وفي «سراج المريدين»: أنَّ المؤلِّف ترك بياضًا بعد «في» فقال
بعضهم: لأنَّه لمَّا رأى أحاديث تدلُّ للإباحة كحديث ابن عمر، وأخرى تدلُّ للمنع، ولم يَترَجَّح عنده في ذلك شيءٌ بيَّض له حتى يثبت عنده التَّرجيح، فاخترمته المنيَّة.
(رَوَاهُ) أي: الحديث (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان البصريِّ أبو صالح البصريُّ، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيدٍ بن فَرُّوْخٍ؛ بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة وسكون الواو ثمَّ معجمةٌ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ولفظ الطَّبرانيِّ قال: إنَّما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] رخصةً في إتيان الدُّبر، قال الطَّبرانيُّ: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلَّا يحيى بن سعيدٍ، تفرَّد به ابنه، قال في «الفتح»: لم يتفرَّد به يحيى بن سعيدٍ؛ فقد رواه عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ أيضًا، كما عند الدَّارقطنيِّ (١) في «غرائب مالكٍ» ورواه الدَّارقطنيُّ أيضًا في «الغرائب» من طريق الدَّراورديُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ: «نزلت في رجلٍ من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم النَّاس ذلك، فنزلت، قال: فقلت له: من دبرها في قبلها؟ قال: لا، إلَّا في دبرها» لكن قال الحافظ ابن كثيرٍ: لا يصحُّ، وقال في «الفتح»: وتابع نافعًا على روايته زيد بن أسلم عن ابن (٢) عمر عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ، وتكلَّم الأزديُّ في بعض رواته، وردَّ عليه ابن عبد البرِّ وأصاب، قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحةٌ مشهورةٌ من رواية نافعٍ عنه، فغير نكيرٍ أن يرويها عنه زيد بن أسلم، قال ابن أبي حاتمٍ الرَّازيُّ: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لَمَا أُولِع النَّاس بنافعٍ، قال ابن كثيرٍ: وهذا تعليلٌ منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر أيضًا ابنه عبد الله؛ كما عند النَّسائيِّ، وسالمٌ ابنه، وسعيد بن يسارٍ؛ كما عند النَّسائيِّ وابن جريرٍ، ولم ينفرد ابن عمر بذلك، بل رواه أيضًا أبو سعيدٍ الخدريُّ؛ كما عند ابن جريرٍ والطَّحاويِّ في «مشكله» بلفظ: «إنَّ رجلًا أصاب امرأته (٣) في دبرها، فأنكر النَّاس عليه، فأنزل الله الآية» وقد نُقِل إباحة ذلك عن جماعةٍ من السَّلف؛ لهذه الأحاديث وظاهر الآية، ونسبه ابن شعبان (٤) لكثيرٍ من الصَّحابة والتَّابعين،
ولإمام الأئمَّة مالكٍ في رواياتٍ كثيرةٍ، قال أبو بكرٍ الجصَّاص في «أحكام القرآن» له: المشهور عن مالكٍ إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه. انتهى. لكن روى الخطيب عن مالكٍ من طريق إسرائيل بن رَوْحٍ قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قومٌ عربٌ؟! هل يكون الحرث إلا موضع الزَّرع؟! لا تَعدَّوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنَّهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون عليَّ، يكذبون عليَّ فالظَّاهر أنَّ أصحابه المتأخِّرين اعتمدوا على هذه القصَّة، ولعلَّ مالكًا رجع عن قوله الأوَّل، أو كان يرى العمل على خلاف حديث ابن عمر، فلم يعمل به، وإن (١) كانت الرِّواية فيه صحيحةً على قاعدته؛ ولذا قال بعض المالكيَّة: إنَّ ناقل إباحته عن مالكٍ كاذبٌ مفترٍ، ونُقِل عن ابن وهبٍ أنَّه قال: سألت مالكًا فقلت: حكوا عنك أنَّك تراه، قال: معاذ الله! وتلا: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال: ولا يكون الحرث إلا موضع الزَّرع، وإنَّما نَسَب هذا «كتاب السِّرِّ» وهو كتابٌ مجهولٌ لا يُعتَمد عليه، قال القرطبيُّ: ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له كتابُ سرٍّ، ومذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور: التَّحريم؛ لورود النَّهي عن فعله وتعاطيه، ففي حديث خزيمة بن ثابتٍ عند أحمد: «نهى رسول الله ﷺ أن يأتي الرَّجل امرأته في دبرها» وحديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى امرأته في دبرها» في أحاديث كثيرةٍ يطول ذكرها، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على (٢) أنَّه يأتيها في قبلها من دبرها، وقد روى النَّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي النَّضر أنَّه قال لنافعٍ: «إنَّه قد أكثر عليك القول أنَّك تقول عن ابن عمر: إنَّه أفتى أن تؤتى النِّساء في أدبارهنَّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدِّثك كيف كان الأمر: إنَّ ابن عمر عرض المصحف يومًا -وأنا عنده- حتَّى بلغ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال: يا نافع هل تعلم مِنْ أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنَّا (٣) كنَّا معشر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من الْمُؤمنِينَ كَانَ مظنونا والمتيقن هُوَ تَكْذِيب الَّذين لم يُؤمنُوا أصلا فَإِن قيل: فَمَا وَجه كَلَام ابْن عَبَّاس؟ قيل: وَجهه مَا ذكره الْخطابِيّ: بِأَن يُقَال لَا شكّ أَن مذْهبه أَنه لم يجز على الرُّسُل أَن يكذبوا بِالْوَحْي الَّذِي يَأْتِيهم من قبل الله لَكِن يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّهُم عِنْد تطاول الْبلَاء وإبطاء نجز الْوَعْد توهموا أَن الَّذِي جَاءَهُم من الْوَحْي كَانَ غَلطا مِنْهُم. فالكذب متأول بالغلط. كَقَوْلِهِم: كذبتك نَفسك. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا أَو غلبوا أَنهم قد خلفوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ: وَكَانُوا بشرا وتلا قَوْله: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فَإِن صَحَّ هَذَا فقد أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يهجس فِي الْقلب من شبه الوسوسة. وَحَدِيث النَّفس على مَا عَلَيْهِ البشرية وَأما الظَّن الَّذِي يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر فِيهِ فَغير جَائِز على آحَاد الْأمة فَكيف بالرسل؟ قَوْله: (تقرؤها) أَي: فَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا. تقْرَأ قَوْله وكذبوا، مثقلة أَي: بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ.
٣٩ - (بابٌ: {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ} الآيَةَ (الْبَقَرَة: ٢٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} الْآيَة قَوْله: {حرث لكم} أَي: مَوَاضِع حرث لكم، وَهَذَا مجَاز شبههن بالمحارث تَشْبِيها لما يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بالبذر، وروى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أنزلت هَذِه الْآيَة {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائتها على كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: يَا رَسُول الله {هَلَكت} قَالَ: مَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأوحى الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. قَوْله: (أنَّى شِئْتُم) ، أَي: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة إِذا كَانَ فِي صمام وَاحِد. أَي: فِي مَسْلَك وَاحِد، والصمام مَا يسد بِهِ الفرجة فَسمى بِهِ الْفرج وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع صمام على حذف مُضَاف، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وتحفيف الْمِيم، ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة.
٤٥٢٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخبرنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْما فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فَمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي كَذَا وَكَذَا) لِأَن المُرَاد بِهِ فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن على مَا نذكرهُ عَن قريب. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه يروي عَن النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، بالشين الْمُعْجَمَة مصغر شَمل يروي عَن عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين وبالنون. عَن نَافِع مولى بن عمر عَن عبد الله بن عمر.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بدل قَوْله: (حَتَّى انْتهى إى مَكَان قَالَ: تَدْرِي) إِلَى قَوْله: قلت: لَا. قَالَ: (نزلت فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن) وَهَكَذَا أوردهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن علية عَن ابْن عون مثله، وَهَذَا قد فسر ذَاك الْمُبْهم فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله: (ثمَّ مضى أَي: فِي قِرَاءَته) .
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَّثني أبي حدَّثني أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ {فَأتوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} قَالَ يَأْتِيهَا فِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عَن عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ.
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله أخبرنَا بالنضر بن شُمَيْل، يَعْنِي: النَّضر يروي أَيْضا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا جرير ابْن فِي (التَّفْسِير) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنِي أبي فَذكره بِلَفْظ: يَأْتِيهَا فِي الدبر، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ يَأْتِيهَا فِي وَسكت عَن مجرورها، وَلم يذكر فِي أَي شَيْء، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، وَلَكِن الْحميدِي ذكر
فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) يَأْتِيهَا فِي الْفرج، وَبِهَذَا قد تبين أَن مجرور كَمَا نفي هُوَ الْفرج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عِنْده بِحَسب فهمه وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وأيد كَلَامه بقوله: وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا.
وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله عز وَجل {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هِيَ اللوطية
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُثَقَّلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٩ - بَاب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ الْآيَةَ.
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا ابن شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
[الحديث ٤٥٢٦ - طرفه في: ٤٥٢٧]
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر"
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: "كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَنَّى فَقِيلَ: كَيْفَ، وَقِيلَ: حَيْثُ، وَقِيلَ: مَتَى، وَبِحَسَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أَيْ أَمْسَكْتُ الْمُصْحَفَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَمْسِكْ عَلَيَّ الْمُصْحَفَ يَا نَافِعُ، فَقَرَأَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُبْهِمًا لِمَكَانِ الْآيَةِ وَالتَّفْسِيرِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِسَنَدِهِ، وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِسَنَدِهِ.
قَوْلُهُ: (يَأْتِيهَا فِي) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَ الظَّرْفِ وَهُوَ الْمَجْرُورِ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ يَأْتِيهَا فِي الْفَرْجِ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِهِ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ. ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى سَلَفِهِ فِيهِ وَهُوَ الْبَرْقَانِيُّ فَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ زَادَ الْبَرْقَانِيُّ يَعْنِي الْفَرْجَ وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِمَا سَأَذْكُرُهُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ يَأْتِيهَا فِي وَتَرَكَ بَيَاضًا، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ صَنَّفَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ جُزْءًا، وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ شَعْبَانَ كِتَابًا، وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي
إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أَيِ الْقَطَّانُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) هَكَذَا أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدِ اخْتَصَرَهُ كَمَا تَرَى، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي تَفْسِيرِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: نَزَلَتْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ. وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مِثْلَهُ، وَمَنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكَرَابِيسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ نَحْوَهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فَأَبْهَمَهُ فَقَالَ فِي كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: يَأْتِيهَا فِي الدُّبُرِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَيَرُدُّ قَوْلَ الْحُمَيْدِيِّ. وَهَذَا الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْبُخَارِيُّ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى الِاكْتِفَاءَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ يَحْسُنُ بِسَبَبِهَا اسْتِعْمَالُهُ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْيَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَذْكُورِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ رُخْصَةٌ فِي إِتْيَانِ الدُّبُرِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَرِوَايَاتُهُمْ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي فَوَائِدِ الْأَصْبَهَانِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخِ وَتَارِيخِ نَيْسَابُورَ لِلْحَاكِمِ وَغَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: جَمِيعُ مَا أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُبْهَمٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ مَالِكٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ نَافِعٍ بِالتَّفْسِيرِ، وَعَنْ مَالِكٍ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ اهـ. كَلَامُهُ. وَرِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَدْ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّلَاثَةِ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَأَعْظَمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَقَالَ: لَا، إِلَّا فِي دُبُرِهَا.
وَتَابَعَ نَافِعًا فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَتَكَلَّمَ الْأَزْدِيّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَأَصَابَ قَالَ: وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ بِغَيْرِ نَكِيرٍ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَسَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، وَرِوَايَتُهُمَا عَنْهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ جَرِيرٍ وَلَفْظُهُ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ: إِنَّ نَاسًا يَرْوُونَ عَنْ سَالِمٍ: كَذَبَ الْعَبْدُ عَلَى أَبِي، فَقَالَ مَالِكٌ: أَشْهَدُ عَلَى زَيْدِ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أُفٍّ، أَوَيَقُولُ ذَلِكَ مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَشْهَدُ عَلَى رَبِيعَةَ لَأَخْبَرَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: هَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ اهـ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ رَوْحٍ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ قَوْمُ عَرَبٍ؟ هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ؟ وَعَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ اعْتَمَدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَلَعَلَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ
عُمَرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ صَحِيحَةً عَلَى قَاعِدَتِهِ.
وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عُمَرَ بِسَبَبِ هَذَا النُّزُولِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالُوا: نُعَيِّرُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ وَعَلَّقَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدٍ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَشْهُورٌ، وَكَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَبَلَغَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَهَّمَهُ فِيهِ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ وَهِمَ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتُرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الْأَنْصَارُ عَنْهُمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَلَذَّذُونَ بِنِسَائِهِمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَفْعَلُ فِيهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ، فَسَرَى أَمْرُهُمَا حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فِي الْفَرْجِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ.
حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ، وَهَذَا الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْآيَةُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ كَمَا سَأَذْكُرُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: احْتَمَلَتِ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ حَيْثُ شَاءَ زَوْجُهَا، لِأَنَّ أَنَّى بِمَعْنَى أَيْنَ شِئْتُمْ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ يُرَادَ بِالْحَرْثِ مَوْضِعُ النَّبَاتِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْوَلَدُ هُوَ الْفَرْجُ دُونَ مَا سِوَاهُ، قَالَ: فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلَ مَا وَصَفْتُ مِنِ احْتِمَالِ الْآيَةِ، قَالَ: فَطَلَبْنَا الدَّلَالَةَ فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ وَهُوَ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي التَّحْرِيمِ، فَقَوَّى عِنْدَهُ التَّحْرِيمَ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ ابْنَ الْحَسَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَرْثَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ، فَقَالَ لَهُ: فَيَكُونُ مَا سِوَى الْفَرْجِ مُحَرَّمًا، فَالْتَزَمَهُ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَطِئَهَا بَيْنَ سَاقَهَا أَوْ فِي أَعْكَانِهَا أَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَحْرُمُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِمَا لَا تَقُولُ بِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ، وَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَلْزَمَ مُحَمَّدًا بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا انْتَصَرَ لِأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ، وَالْحُجَّةُ عِنْدَهُ فِي التَّحْرِيمِ غَيْرُ الْمَسْلَكِ الَّذِي سَلَكَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْأُمِّ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ النَّ سُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَانْفَصَلَ عَنْهَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّبَبِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْآتِي. قَالَ: وَالْعُمُومُ إِذَا خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ قُصِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ، لَكِنْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِالْمَنْعِ فَتَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِبَعْضِ خَبَرِ الْآحَادِ خِلَافٌ اهـ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ - كَالْبُخَارِيِّ، وَالذُّهْلِيِّ، وَالْبَزَّارِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ - إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. قُلْتُ: لَكِنْ طُرُقُهَا كَثِيرَةٌ فَمَجْمُوعُهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ أَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ لَلَزِمَ أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ حَرُمَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّالِحَةِ الْإِسْنَادِ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقيل: متى (﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ … ﴾ الاية [البقرة: ٢٢٣]) أي: ما يُدَّخر لكم من (١) الثَّواب، وقيل: هو طلب الولد، وعند ابن جريرٍ عن عطاءٍ قال: أُراه عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ قال: يقول: بسم الله، التَّسمية عند الجماع، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾».
٤٥٢٦ - ٤٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو (٢) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) بالضَّاد المعجمة، و «شُمَيل» بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الميم، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنُّون، عبد الله الفقيه المشهور (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ؛ لَمْ يَتَكَلَّمْ) بغير القرآن (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أي: أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلبٍ، وعند الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالكٍ» من رواية عبيد الله بن عمر عن نافعٍ قال: قال لي ابن عمر: أمسك عليَّ المصحف يا نافعٍ (فَقَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى (٣) إِلَى مَكَانٍ) هو قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (قَالَ: تَدْرِي فِيمَا) بألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ: «فيمَ» (أُنْزِلَتْ؟) قال نافعٌ: (قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا) أي: في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ (ثُمَّ مَضَى) أي: في قراءته، وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث مبهِمًا لمكان الآية والتَّفسير، وقد أخرج إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» و «تفسيره» -بالإسناد المذكور هنا- هذا الحديث (٤) بلفظ: «حتى انتهى إلى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: تدري فيم أُنزِلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال:
نزلت (١) في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ» فبيَّن فيه ما أُبهِم هنا.
ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «أخبرنا النَّضر بن شميلٍ» قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هو ابن عبد الوارث التَّنُّوريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ: يَأْتِيهَا) زوجها (فِي) بحذف المجرور؛ وهو الظَّرف، أي: في الدُّبر؛ كما وقع التَّصريح به عند ابن جريرٍ في هذا الحديث من طريق عبد الصَّمد عن أبيه، قيل: وأسقط المؤلِّف ذلك (٢) لاستنكاره، وقول الكِرمانيِّ: «فيه دليلٌ على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجارِّ» عُورِض: بأنَّ هذا لا يجوز إلَّا عند بعض النَّحويِّين في ضرورة الشِّعر، وقول (٣) الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّه نوعٌ من أنواع البديع يُسمَّى الاكتفاء، ولا بدَّ له (٤) من نكتةٍ يحسن بسببها استعماله» تعقَّبه العينيُّ فقال: ليت شعري! من قال من أهل صناعة البديع: إنَّ حَذْف المجرور وذِكْر الجارِّ وحده من أنواع البديع؟! والاكتفاء إنَّما يكون في شيئين متضادَّين يُذكَر أحدهما ويُكتَفى به عن الآخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبردَ، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ ما ذكره العينيُّ هو أحد أنواع الاكتفاء، والنَّوع الثَّاني: الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثَّالث: أشذُّ منه؛ وهو حذف بعض الكلمة، قال: وهذا المعترِض لا يدري، ويُنكِر على من يدري. انتهى. وفي «سراج المريدين»: أنَّ المؤلِّف ترك بياضًا بعد «في» فقال
بعضهم: لأنَّه لمَّا رأى أحاديث تدلُّ للإباحة كحديث ابن عمر، وأخرى تدلُّ للمنع، ولم يَترَجَّح عنده في ذلك شيءٌ بيَّض له حتى يثبت عنده التَّرجيح، فاخترمته المنيَّة.
(رَوَاهُ) أي: الحديث (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان البصريِّ أبو صالح البصريُّ، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيدٍ بن فَرُّوْخٍ؛ بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة وسكون الواو ثمَّ معجمةٌ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ولفظ الطَّبرانيِّ قال: إنَّما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] رخصةً في إتيان الدُّبر، قال الطَّبرانيُّ: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلَّا يحيى بن سعيدٍ، تفرَّد به ابنه، قال في «الفتح»: لم يتفرَّد به يحيى بن سعيدٍ؛ فقد رواه عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ أيضًا، كما عند الدَّارقطنيِّ (١) في «غرائب مالكٍ» ورواه الدَّارقطنيُّ أيضًا في «الغرائب» من طريق الدَّراورديُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ: «نزلت في رجلٍ من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم النَّاس ذلك، فنزلت، قال: فقلت له: من دبرها في قبلها؟ قال: لا، إلَّا في دبرها» لكن قال الحافظ ابن كثيرٍ: لا يصحُّ، وقال في «الفتح»: وتابع نافعًا على روايته زيد بن أسلم عن ابن (٢) عمر عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ، وتكلَّم الأزديُّ في بعض رواته، وردَّ عليه ابن عبد البرِّ وأصاب، قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحةٌ مشهورةٌ من رواية نافعٍ عنه، فغير نكيرٍ أن يرويها عنه زيد بن أسلم، قال ابن أبي حاتمٍ الرَّازيُّ: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لَمَا أُولِع النَّاس بنافعٍ، قال ابن كثيرٍ: وهذا تعليلٌ منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر أيضًا ابنه عبد الله؛ كما عند النَّسائيِّ، وسالمٌ ابنه، وسعيد بن يسارٍ؛ كما عند النَّسائيِّ وابن جريرٍ، ولم ينفرد ابن عمر بذلك، بل رواه أيضًا أبو سعيدٍ الخدريُّ؛ كما عند ابن جريرٍ والطَّحاويِّ في «مشكله» بلفظ: «إنَّ رجلًا أصاب امرأته (٣) في دبرها، فأنكر النَّاس عليه، فأنزل الله الآية» وقد نُقِل إباحة ذلك عن جماعةٍ من السَّلف؛ لهذه الأحاديث وظاهر الآية، ونسبه ابن شعبان (٤) لكثيرٍ من الصَّحابة والتَّابعين،
ولإمام الأئمَّة مالكٍ في رواياتٍ كثيرةٍ، قال أبو بكرٍ الجصَّاص في «أحكام القرآن» له: المشهور عن مالكٍ إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه. انتهى. لكن روى الخطيب عن مالكٍ من طريق إسرائيل بن رَوْحٍ قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قومٌ عربٌ؟! هل يكون الحرث إلا موضع الزَّرع؟! لا تَعدَّوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنَّهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون عليَّ، يكذبون عليَّ فالظَّاهر أنَّ أصحابه المتأخِّرين اعتمدوا على هذه القصَّة، ولعلَّ مالكًا رجع عن قوله الأوَّل، أو كان يرى العمل على خلاف حديث ابن عمر، فلم يعمل به، وإن (١) كانت الرِّواية فيه صحيحةً على قاعدته؛ ولذا قال بعض المالكيَّة: إنَّ ناقل إباحته عن مالكٍ كاذبٌ مفترٍ، ونُقِل عن ابن وهبٍ أنَّه قال: سألت مالكًا فقلت: حكوا عنك أنَّك تراه، قال: معاذ الله! وتلا: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال: ولا يكون الحرث إلا موضع الزَّرع، وإنَّما نَسَب هذا «كتاب السِّرِّ» وهو كتابٌ مجهولٌ لا يُعتَمد عليه، قال القرطبيُّ: ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له كتابُ سرٍّ، ومذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور: التَّحريم؛ لورود النَّهي عن فعله وتعاطيه، ففي حديث خزيمة بن ثابتٍ عند أحمد: «نهى رسول الله ﷺ أن يأتي الرَّجل امرأته في دبرها» وحديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى امرأته في دبرها» في أحاديث كثيرةٍ يطول ذكرها، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على (٢) أنَّه يأتيها في قبلها من دبرها، وقد روى النَّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي النَّضر أنَّه قال لنافعٍ: «إنَّه قد أكثر عليك القول أنَّك تقول عن ابن عمر: إنَّه أفتى أن تؤتى النِّساء في أدبارهنَّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدِّثك كيف كان الأمر: إنَّ ابن عمر عرض المصحف يومًا -وأنا عنده- حتَّى بلغ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال: يا نافع هل تعلم مِنْ أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنَّا (٣) كنَّا معشر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من الْمُؤمنِينَ كَانَ مظنونا والمتيقن هُوَ تَكْذِيب الَّذين لم يُؤمنُوا أصلا فَإِن قيل: فَمَا وَجه كَلَام ابْن عَبَّاس؟ قيل: وَجهه مَا ذكره الْخطابِيّ: بِأَن يُقَال لَا شكّ أَن مذْهبه أَنه لم يجز على الرُّسُل أَن يكذبوا بِالْوَحْي الَّذِي يَأْتِيهم من قبل الله لَكِن يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّهُم عِنْد تطاول الْبلَاء وإبطاء نجز الْوَعْد توهموا أَن الَّذِي جَاءَهُم من الْوَحْي كَانَ غَلطا مِنْهُم. فالكذب متأول بالغلط. كَقَوْلِهِم: كذبتك نَفسك. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا أَو غلبوا أَنهم قد خلفوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ: وَكَانُوا بشرا وتلا قَوْله: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فَإِن صَحَّ هَذَا فقد أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يهجس فِي الْقلب من شبه الوسوسة. وَحَدِيث النَّفس على مَا عَلَيْهِ البشرية وَأما الظَّن الَّذِي يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر فِيهِ فَغير جَائِز على آحَاد الْأمة فَكيف بالرسل؟ قَوْله: (تقرؤها) أَي: فَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا. تقْرَأ قَوْله وكذبوا، مثقلة أَي: بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ.
٣٩ - (بابٌ: {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ} الآيَةَ (الْبَقَرَة: ٢٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} الْآيَة قَوْله: {حرث لكم} أَي: مَوَاضِع حرث لكم، وَهَذَا مجَاز شبههن بالمحارث تَشْبِيها لما يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بالبذر، وروى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أنزلت هَذِه الْآيَة {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائتها على كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: يَا رَسُول الله {هَلَكت} قَالَ: مَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأوحى الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. قَوْله: (أنَّى شِئْتُم) ، أَي: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة إِذا كَانَ فِي صمام وَاحِد. أَي: فِي مَسْلَك وَاحِد، والصمام مَا يسد بِهِ الفرجة فَسمى بِهِ الْفرج وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع صمام على حذف مُضَاف، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وتحفيف الْمِيم، ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة.
٤٥٢٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخبرنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْما فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فَمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي كَذَا وَكَذَا) لِأَن المُرَاد بِهِ فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن على مَا نذكرهُ عَن قريب. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه يروي عَن النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، بالشين الْمُعْجَمَة مصغر شَمل يروي عَن عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين وبالنون. عَن نَافِع مولى بن عمر عَن عبد الله بن عمر.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بدل قَوْله: (حَتَّى انْتهى إى مَكَان قَالَ: تَدْرِي) إِلَى قَوْله: قلت: لَا. قَالَ: (نزلت فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن) وَهَكَذَا أوردهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن علية عَن ابْن عون مثله، وَهَذَا قد فسر ذَاك الْمُبْهم فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله: (ثمَّ مضى أَي: فِي قِرَاءَته) .
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَّثني أبي حدَّثني أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ {فَأتوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} قَالَ يَأْتِيهَا فِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عَن عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ.
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله أخبرنَا بالنضر بن شُمَيْل، يَعْنِي: النَّضر يروي أَيْضا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا جرير ابْن فِي (التَّفْسِير) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنِي أبي فَذكره بِلَفْظ: يَأْتِيهَا فِي الدبر، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ يَأْتِيهَا فِي وَسكت عَن مجرورها، وَلم يذكر فِي أَي شَيْء، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، وَلَكِن الْحميدِي ذكر
فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) يَأْتِيهَا فِي الْفرج، وَبِهَذَا قد تبين أَن مجرور كَمَا نفي هُوَ الْفرج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عِنْده بِحَسب فهمه وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وأيد كَلَامه بقوله: وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا.
وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله عز وَجل {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هِيَ اللوطية