«خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ: إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ تَرَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٥١

الحديث رقم ٤٦٥١ من كتاب «سورة الأنفال» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرج علينا أو: إلينا ابن عمر، فقال رجل: كيف…

«خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ: إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ».

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾

سند حديث: ٤٦٥١ - حَدَّثَنَا⦗٦٣⦘ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ…

٤٦٥١ - حَدَّثَنَا

⦗٦٣⦘

أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ: أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرج علينا أو: إلينا ابن عمر، فقال رجل: كيف…

أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزل قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} عَظُم على المسلمين؛ لما تضمنته من وجوب الثبات أمام هذا العدد، وألا يفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيف بالآية الأخرى، فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين)، فصار الحكم وجوب الثبات أمام الاثنين من العدو لكلِّ واحد من المسلمين، قال ابن عباس: فلما خفف الله عنهم من العِدَّةِ نقص من صبرهم بقدر ما خَفَّفَ عنهم، فصبر العشرين مقابل المائتين أكبر من صبر المائة مقابل المائتين، ولو كان الفرض هو الحكم الأول لأقدرهم ومكَّنهم الله تعالى من القيام به.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • يسر الشريعة وتخفيفها عن المسلمين.
  • تخفيف العِدَّةِ ونقصها أدى إلى تخفيف الصبر ونقصه بنفس القدر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرج علينا أو: إلينا ابن عمر، فقال رجل: كيف…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ: إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَخَتَنُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.

٤٦٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْك"

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى) هُوَ الْبُرُلُّسِيُّ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، صَدُوقٌ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ هُنَا، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَالِ بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَا أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ حَيَّانُ صَاحِبُ الدِّثِنِّيَّةِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ فِي فَوَائِدِهِ أَنَّهُ الْهَيْثَمُ بْنُ حَنَشٍ وَقِيلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَسَأَذْكُرُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلًا آخَرَ، وَلَعَلَّ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ.

قَوْلُهُ: (فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ) لَا زَائِدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ قَوْلُهُ: (أُعَيرُ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فِيهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ يَرَى قِتَالَ مَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ الَّذِي يَعْتَقِدُ طَاعَتُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى تَرْكَ الْقِتَالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُلْكِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ فِيهِمَا لِأَنَّ إِمَّا الَّتِي تَجْزِمُ هِيَ الشَّرْطِيَّةُ وَلَيْسَتْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَوُجِّهَتْ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بِأَنَّ النُّونَ قَدْ تُحْذَفُ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمَ فِي لُغَةٍ شَهِيرَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ إِمَّا تُعَذِّبُوهُ وَإِمَّا تَقْتُلُوهُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ فَيُؤَيِّدُ أَنَّ السَّائِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْخَيْنِ وَيَحُطُّونَ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ بِذِكْرِ مَنَاقِبِهِمَا وَمَنْزِلَتِهِمَا مِنَ النَّبِيِّ وَالِاعْتِذَارُ عَمَّا عَابُوا بِهِ عُثْمَانَ مِنَ الْفِرَارِ يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ سُؤَالُ السَّائِلِ لِابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَابَ عَنْ بَدْرٍ وَعَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَبَيَانُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عُذْرُ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّائِلَ هُنَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على نقل اللَّفظ على وجهه كما سمع، أي: هذه ابنة أو بنت رسول الله (حَيْثُ تَرَوْنَ) منزلها بين منازل أبيها، وفي روايةٍ (١): «وهذه ابنته» بالنُّون «أو بيته» بالتَّحتيَّة (٢) بدلها، واحدُ البيوتِ، وشكَّ الرَّاوي فأتى باللَّفظين مع حرف الشَّكِّ؛ تحرُّجًا من أن يجزم بلفظٍ هو فيه شاكٌّ، وللكُشْمِيهَنيِّ: «أو (٣) أَبْيُتُه» بهمزةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فتحتيَّةٍ مضمومةٍ ففوقيَّةٍ؛ بلفظ جمع القلَّة في البيت، وهو شاذٌّ، قال في «المصابيح»: ويُروَى: «هذه أبنيته أو بيته» بفتح الموحَّدة؛ الأوَّل: جمع بناء، والثَّاني: واحد البيوت، وقال الحافظ ابن حجرٍ: في «مناقب عليٍّ» من (٤) وجهٍ آخر «هو ذاك بيته أوسط بيوت النَّبيِّ » [خ¦٣٧٠٤]، وفي رواية النَّسائيِّ: «ولكن انظر إلى منزلته من رسول الله ، ليس في المسجد غير بيته» قال: وهذا يدلُّ على أنَّه تُصحِّف على بعض الرُّواة فقرأها: بنته؛ بموحَّدةٍ ثمَّ نونٌ، ثمَّ طرأ له الشَّكُّ فقال: بنته (٥) أو بيته، والمعتمد أنَّه البيت فقط؛ لِمَا ذكرنا من الرِّوايات المصرِّحة بذلك، وتأنيث اسم الإشارة باعتبار البقعة، وفيه: بيان قربه من النَّبيِّ مكانةً ومكانًا.

٤٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا بَيَانٌ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة، وبعد الألف نونٌ، ابن بشرٍ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ (أَنَّ وَبَْرَةَ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، وقد تُسكَّن الموحَّدة، ابن عبد الرَّحمن المُسْليَّ (٦) بضمِّ الميم (٧) وسكون المهملة وباللام،

الحارثيَّ (حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا -أَوْ إِلَيْنَا-) بالشَّكِّ (ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ) له (رَجُلٌ) سبق الخُلْفُ في اسمه قريبًا [خ¦٤٦٥٠] (كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الفِتْنَةِ؟ فَقَالَ) ابن عمر، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (وَهَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ (١) يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ) القتال معه (كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وليس بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم، بل كان قتالًا على الدِّين؛ لأنَّ المشركين كانوا يفتنون المسلمين إمَّا بالقتل وإمَّا بالحبس.

(٦) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بالِغْ في حثِّهم (﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾) ولذا قال لأصحابه يوم بدرٍ لمَّا أقبل المشركون في عَدَدهم وعُدَدهم: «قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض» (﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ﴾) أي: صابرةٌ (﴿يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) شرطٌ في معنى الأمر؛ يعني: ليصبر عشرون في مقابلة مئتين، ومئةٌ في مقابلة ألفٍ، كلُّ واحدٍ لعشرةٍ (٣) (﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]) أي: بسبب أنَّهم جهلةٌ بالله واليوم الآخر، يقاتلون لغير طلب (٤) ثوابٍ واعتقاد أجرٍ في الآخرة لتكذيبهم لها، وسقط «﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿الْقِتَالِ﴾: «الآية»، وسقط لفظ «باب» لغيره.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا وبالراء: ابْن عبد الرَّحْمَن المسلمي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وباللام. الْحَارِث من مذْحج.

٦ - (بابٌ: {يَا أيُّهَا النبيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِأَتَيْنِ وَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (الْأَنْفَال: ٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي} الْآيَة. وَلم يذكر لفظ بَاب، عِنْد أحد من الروَاة، وَسِيَاق الْآيَة إِلَى (يفقهُونَ) غير أبي ذَر، وَعِنْده: {يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال} الْآيَة. قَوْله: (حرض الْمُؤمنِينَ) ، من التحريض وَهُوَ الْحَث على الشَّيْء. قَوْله: (وَإِن يكن مِنْكُم مائَة) ، أَي: صابرة محتسبة تثبت عِنْد لِقَاء الْعَسْكَر. قَوْله: (قوم لَا يفقهُونَ) أَي: إِن الْمُشْركين يُقَاتلُون على غير احتساب وَلَا طلب ثَوَاب.

٤٦٥٢ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا لمَّا نَزَلَتْ: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ} فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مَائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ: {الآنَ خَفَّفَ الله عنْكُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مَائَتَيْنِ وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ: {حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابنُ شُبْرَمَةَ وَأُرَى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (فَكتب عَلَيْهِم) أَي: فرض عَلَيْهِم. وَالْآيَة وَإِن كَانَت بِلَفْظ الْخَبَر وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْأَمر فَلذَلِك دَخلهَا النّسخ لِأَنَّهُ لما شقّ ذَلِك عَلَيْهِم حط الْفَرْض إِلَى ثُبُوت الْوَاحِد للاثنين فَهُوَ على هَذَا تَخْفيف لَا نسخ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب أَن الحكم إِذا نسخ بعضه أَو بعض أَوْصَافه أَو غير عدده فَجَائِز أَن يُقَال: إِنَّه نسخ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالْأولِ بل هُوَ غَيره، وَقَالَ قوم: إِنَّه كَانَ يَوْم بدر، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهُوَ خطأ، وَقد نَص مقَاتل على أَنه كَانَ بعد بدر، وَالْآيَة معلقَة بِأَنَّهُم كَانُوا يفقهُونَ مَا يُقَاتلُون بِهِ وَهُوَ الثَّوَاب، وَالْكفَّار لَا يفقهونه. وَقيل: أَنهم كَانُوا فِي أول الْإِسْلَام قَلِيلا فَلَمَّا كَثُرُوا خفف، ثمَّ هَذَا فِي حَقنا، وَأما سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيجب عَلَيْهِ مصابرة الْعَدو الْكثير لِأَنَّهُ مَوْعُود بالنصر كَامِل الْقُوَّة. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان غير مرّة) أَرَادَ بِهِ أَن سُفْيَان كَانَ يرويهِ بِالْمَعْنَى. فَتَارَة يَقُول بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقع فِي الْقُرْآن مُحَافظَة على التِّلَاوَة وَهُوَ الْأَكْثَر، وَتارَة يرويهِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ: أَن لَا يفر وَاحِد من عشرَة، وَيحْتَمل أَن يكون سَمعه باللفظين وَيكون التَّأْوِيل من غَيره. قَوْله: (ثمَّ نزلت أَي) الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {الْآن خفف الله عَنْكُم} قَوْله: (وَزَاد سُفْيَان) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه حدث مرّة بِالزِّيَادَةِ وَمرَّة بِدُونِهَا. قَوْله: (وَقَالَ ابْن شبْرمَة) بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء، واسْمه عبد الله التَّابِعِيّ قَاضِي الْكُوفَة وعالمها مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن سُفْيَان. قَالَ: قَالَ ابْن شبْرمَة، فَذكره وَمَعْنَاهُ أَن لَا يفر من اثْنَيْنِ إِذا كَانَا على مُنكر وَله أَن يفر إِذا كَانَ الَّذِي على الْمُنكر أَكثر مِنْهُمَا. قيل: وهم من زعم أَنه مُعَلّق قَالَ فِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قَالَ سُفْيَان فَذَكرته لِابْنِ شبْرمَة فَذكر مثله. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: مثل الحكم الْمَذْكُور فِي الْجِهَاد وَوجه الْجَامِع بَينهمَا أَعْلَاهُ كلمة الْحق وإخماد كلمة الْبَاطِل.

٧ - (بابٌ الْآن: {خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفا} (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ: إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَخَتَنُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.

٤٦٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْك"

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى) هُوَ الْبُرُلُّسِيُّ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، صَدُوقٌ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ هُنَا، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَالِ بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَا أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ حَيَّانُ صَاحِبُ الدِّثِنِّيَّةِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ فِي فَوَائِدِهِ أَنَّهُ الْهَيْثَمُ بْنُ حَنَشٍ وَقِيلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَسَأَذْكُرُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلًا آخَرَ، وَلَعَلَّ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ.

قَوْلُهُ: (فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ) لَا زَائِدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ قَوْلُهُ: (أُعَيرُ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فِيهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ يَرَى قِتَالَ مَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ الَّذِي يَعْتَقِدُ طَاعَتُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى تَرْكَ الْقِتَالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُلْكِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ فِيهِمَا لِأَنَّ إِمَّا الَّتِي تَجْزِمُ هِيَ الشَّرْطِيَّةُ وَلَيْسَتْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَوُجِّهَتْ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بِأَنَّ النُّونَ قَدْ تُحْذَفُ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمَ فِي لُغَةٍ شَهِيرَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ إِمَّا تُعَذِّبُوهُ وَإِمَّا تَقْتُلُوهُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ فَيُؤَيِّدُ أَنَّ السَّائِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْخَيْنِ وَيَحُطُّونَ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ بِذِكْرِ مَنَاقِبِهِمَا وَمَنْزِلَتِهِمَا مِنَ النَّبِيِّ وَالِاعْتِذَارُ عَمَّا عَابُوا بِهِ عُثْمَانَ مِنَ الْفِرَارِ يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ سُؤَالُ السَّائِلِ لِابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَابَ عَنْ بَدْرٍ وَعَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَبَيَانُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عُذْرُ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّائِلَ هُنَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على نقل اللَّفظ على وجهه كما سمع، أي: هذه ابنة أو بنت رسول الله (حَيْثُ تَرَوْنَ) منزلها بين منازل أبيها، وفي روايةٍ (١): «وهذه ابنته» بالنُّون «أو بيته» بالتَّحتيَّة (٢) بدلها، واحدُ البيوتِ، وشكَّ الرَّاوي فأتى باللَّفظين مع حرف الشَّكِّ؛ تحرُّجًا من أن يجزم بلفظٍ هو فيه شاكٌّ، وللكُشْمِيهَنيِّ: «أو (٣) أَبْيُتُه» بهمزةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فتحتيَّةٍ مضمومةٍ ففوقيَّةٍ؛ بلفظ جمع القلَّة في البيت، وهو شاذٌّ، قال في «المصابيح»: ويُروَى: «هذه أبنيته أو بيته» بفتح الموحَّدة؛ الأوَّل: جمع بناء، والثَّاني: واحد البيوت، وقال الحافظ ابن حجرٍ: في «مناقب عليٍّ» من (٤) وجهٍ آخر «هو ذاك بيته أوسط بيوت النَّبيِّ » [خ¦٣٧٠٤]، وفي رواية النَّسائيِّ: «ولكن انظر إلى منزلته من رسول الله ، ليس في المسجد غير بيته» قال: وهذا يدلُّ على أنَّه تُصحِّف على بعض الرُّواة فقرأها: بنته؛ بموحَّدةٍ ثمَّ نونٌ، ثمَّ طرأ له الشَّكُّ فقال: بنته (٥) أو بيته، والمعتمد أنَّه البيت فقط؛ لِمَا ذكرنا من الرِّوايات المصرِّحة بذلك، وتأنيث اسم الإشارة باعتبار البقعة، وفيه: بيان قربه من النَّبيِّ مكانةً ومكانًا.

٤٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا بَيَانٌ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة، وبعد الألف نونٌ، ابن بشرٍ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ (أَنَّ وَبَْرَةَ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، وقد تُسكَّن الموحَّدة، ابن عبد الرَّحمن المُسْليَّ (٦) بضمِّ الميم (٧) وسكون المهملة وباللام،

الحارثيَّ (حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا -أَوْ إِلَيْنَا-) بالشَّكِّ (ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ) له (رَجُلٌ) سبق الخُلْفُ في اسمه قريبًا [خ¦٤٦٥٠] (كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الفِتْنَةِ؟ فَقَالَ) ابن عمر، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (وَهَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ (١) يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ) القتال معه (كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وليس بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم، بل كان قتالًا على الدِّين؛ لأنَّ المشركين كانوا يفتنون المسلمين إمَّا بالقتل وإمَّا بالحبس.

(٦) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بالِغْ في حثِّهم (﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾) ولذا قال لأصحابه يوم بدرٍ لمَّا أقبل المشركون في عَدَدهم وعُدَدهم: «قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض» (﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ﴾) أي: صابرةٌ (﴿يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) شرطٌ في معنى الأمر؛ يعني: ليصبر عشرون في مقابلة مئتين، ومئةٌ في مقابلة ألفٍ، كلُّ واحدٍ لعشرةٍ (٣) (﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]) أي: بسبب أنَّهم جهلةٌ بالله واليوم الآخر، يقاتلون لغير طلب (٤) ثوابٍ واعتقاد أجرٍ في الآخرة لتكذيبهم لها، وسقط «﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿الْقِتَالِ﴾: «الآية»، وسقط لفظ «باب» لغيره.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا وبالراء: ابْن عبد الرَّحْمَن المسلمي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وباللام. الْحَارِث من مذْحج.

٦ - (بابٌ: {يَا أيُّهَا النبيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِأَتَيْنِ وَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (الْأَنْفَال: ٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي} الْآيَة. وَلم يذكر لفظ بَاب، عِنْد أحد من الروَاة، وَسِيَاق الْآيَة إِلَى (يفقهُونَ) غير أبي ذَر، وَعِنْده: {يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال} الْآيَة. قَوْله: (حرض الْمُؤمنِينَ) ، من التحريض وَهُوَ الْحَث على الشَّيْء. قَوْله: (وَإِن يكن مِنْكُم مائَة) ، أَي: صابرة محتسبة تثبت عِنْد لِقَاء الْعَسْكَر. قَوْله: (قوم لَا يفقهُونَ) أَي: إِن الْمُشْركين يُقَاتلُون على غير احتساب وَلَا طلب ثَوَاب.

٤٦٥٢ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا لمَّا نَزَلَتْ: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ} فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مَائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ: {الآنَ خَفَّفَ الله عنْكُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مَائَتَيْنِ وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ: {حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابنُ شُبْرَمَةَ وَأُرَى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (فَكتب عَلَيْهِم) أَي: فرض عَلَيْهِم. وَالْآيَة وَإِن كَانَت بِلَفْظ الْخَبَر وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْأَمر فَلذَلِك دَخلهَا النّسخ لِأَنَّهُ لما شقّ ذَلِك عَلَيْهِم حط الْفَرْض إِلَى ثُبُوت الْوَاحِد للاثنين فَهُوَ على هَذَا تَخْفيف لَا نسخ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب أَن الحكم إِذا نسخ بعضه أَو بعض أَوْصَافه أَو غير عدده فَجَائِز أَن يُقَال: إِنَّه نسخ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالْأولِ بل هُوَ غَيره، وَقَالَ قوم: إِنَّه كَانَ يَوْم بدر، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهُوَ خطأ، وَقد نَص مقَاتل على أَنه كَانَ بعد بدر، وَالْآيَة معلقَة بِأَنَّهُم كَانُوا يفقهُونَ مَا يُقَاتلُون بِهِ وَهُوَ الثَّوَاب، وَالْكفَّار لَا يفقهونه. وَقيل: أَنهم كَانُوا فِي أول الْإِسْلَام قَلِيلا فَلَمَّا كَثُرُوا خفف، ثمَّ هَذَا فِي حَقنا، وَأما سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيجب عَلَيْهِ مصابرة الْعَدو الْكثير لِأَنَّهُ مَوْعُود بالنصر كَامِل الْقُوَّة. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان غير مرّة) أَرَادَ بِهِ أَن سُفْيَان كَانَ يرويهِ بِالْمَعْنَى. فَتَارَة يَقُول بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقع فِي الْقُرْآن مُحَافظَة على التِّلَاوَة وَهُوَ الْأَكْثَر، وَتارَة يرويهِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ: أَن لَا يفر وَاحِد من عشرَة، وَيحْتَمل أَن يكون سَمعه باللفظين وَيكون التَّأْوِيل من غَيره. قَوْله: (ثمَّ نزلت أَي) الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {الْآن خفف الله عَنْكُم} قَوْله: (وَزَاد سُفْيَان) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه حدث مرّة بِالزِّيَادَةِ وَمرَّة بِدُونِهَا. قَوْله: (وَقَالَ ابْن شبْرمَة) بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء، واسْمه عبد الله التَّابِعِيّ قَاضِي الْكُوفَة وعالمها مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن سُفْيَان. قَالَ: قَالَ ابْن شبْرمَة، فَذكره وَمَعْنَاهُ أَن لَا يفر من اثْنَيْنِ إِذا كَانَا على مُنكر وَله أَن يفر إِذا كَانَ الَّذِي على الْمُنكر أَكثر مِنْهُمَا. قيل: وهم من زعم أَنه مُعَلّق قَالَ فِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قَالَ سُفْيَان فَذَكرته لِابْنِ شبْرمَة فَذكر مثله. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: مثل الحكم الْمَذْكُور فِي الْجِهَاد وَوجه الْجَامِع بَينهمَا أَعْلَاهُ كلمة الْحق وإخماد كلمة الْبَاطِل.

٧ - (بابٌ الْآن: {خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفا} (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ)

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله