الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٢
الحديث رقم ٤٨٢ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
الرسل أكمل الناس عقولاً، وأثبتهم قلوباً، وأحسنهم تحمُّلاً، وأقومهم بحق الله تعالى ومع هذا فإنهم لم يخرجوا عن حدود البشرية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الرسل في هذه الصفات، ومع ذلك فقد طرأ عليه النسيان بحكم بشريته؛ ليشرع الله لعباده أحكام السهو، ويروي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه: إما صلاة الظهر أو العصر، وأن أبا هريرة عينها لكن نسي ابن سِيرِين، فلما صلى الركعتين الأوليين سلّم، ولما كان صلى الله عليه وسلم كاملًا، لا تطمئن نفسه إلا بالعمل التام؛ شعر بنقص وخلل، لا يدرى ما سببه، فقام إلى خشبة مَعْروضة في قبلة المسجد واتَّكأ عليها بنفس قَلِقَة، وَشبَّك بين أصابعه.
وخرج المسرعون من المصلين من أبواب المسجد، وهم يتناجون بينهم، بأن أمراً حدث، وهو قصر الصلاة؛ وكأنهم أكبروا مقام النبوة أن يطرأ عليه النسيان، ولهيبته صلى الله عليه وسلم في صدورهم لم يَجْرُؤ واحد منهم أن يفاتحه في هذا الموضوع الهام، بما في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة وقد شاهدوا منه التأثر والانقباض.
إلا أن رجلًا من الصحابة يقال له ذو اليدين قطع هذا الصمت، بأن سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا رسول الله، أنسيت أم قَصُرَت الصلاة؟ لم يجزم بواحد منهما؛ لأن كل منهما محتمل في ذلك العهد، فقال صلى الله عليه وسلم -بناء على ظنه-: لم أنْسَ ولم تُقْصَر.
حينئذ لما علم ذو اليدين أن الصلاة لم تُقْصَر، وكان متيقنًا أنه لم يصلها إلا ركعتين، علم أنه صلى الله عليه وسلم قد نَسِيَ، فقال: بل نسيت.
فأراد صلى الله عليه وسلم أن يتأكد من صحة خبر ذي اليدين؛ لأنه يخالف ظنه من تمام الصلاة فطلب النبي صلى الله عليه وسلم ما يرجِّح قوله، فقال لمن حوله من أصحابه: أكما يقول ذو اليدين من أني لم أصلِّ إلا ركعتين؟ فقالوا: نعم، حينئذ تقدم صلى الله عليه وسلم فصلى ما ترك من الصلاة.
وبعد التشهد سلَّم، ثم كبَّر وهو جالس، وسجد مثل سجود صُلْب الصلاة أو أطول، ثم رفع رأسه من السجود فكَبَّرَ، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر، ثم سلَّم ولم يتشهد.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كَالبُنْيَانِ) بضمِّ المُوحَّدة، أي: كالحائط (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) نُصِبَ (١) على المفعوليَّة، وسابقه فاعلٌ لسابقه، وللمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٢): «شدَّ» بلفظ الماضي (وَشَبَّكَ ﷺ أَصَابِعَهُ) وللأَصيليِّ: «بين أصابعه».
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون، وفيه رواية الابن (٣) عن جدِّه، ورواية جدِّه عن أبيه والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٢٦] و «المظالم» [خ¦٢٤٤٦]، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» والنَّسائيُّ (٤).
٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصورٍ كما جزم به أبو نُعيمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ) بضمِّ المُعجَمة، ولابن عساكر: «النَّضر بن شميلٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ عَوْنٍ)
بفتح العين وسكون الواو، عبد الله (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ): (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ) بفتح العين المُهمَلة وتشديد الياء، وهو من أوَّل الزَّوال إلى الغروب، وللمُستملي والحَمُّويي: «صلاة العشاء» بالمدِّ، ووهم في ذلك لما صحَّ أنَّها الظُّهر أو العصر. (-قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ: قد (سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا-) أهي الظُّهر أم العصر؟ (قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) أي: موضوعةٍ بالعرض، أو مطروحةٍ (فِي) ناحية (المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ) ﵊ (عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى) ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «على يده اليسرى» (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ووضع يده اليمنى» بدل «خدِّه الأيمن» والرِّواية الأولى أَوْلى لئلَّا يلزم التَّكرار (وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ) بفتح السِّين والرَّاء المُهمَلتين وضمِّ النُّون، فاعل «خرج» أي: أوائل النَّاس الَّذين يتسارعون، وضبطه الأَصيليُّ ممَّا في غير (١) «اليونينيَّة»: «سُرْعان» بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، جمع سريعٍ ككَثِيبٍ وكُثْبَان (٢)، وهو المسرع للخروج، وقول أبي الفرج فيما حكاه الزَّركشيُّ إنَّ فيه ثلاث لغاتٍ: فتح السِّين وكسرها وضمُّها، والرَّاء ساكنةٌ، والنُّون نصبٌ أبدًا، تعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه إنَّما هو في «سرعان» الَّذي هو اسم فعلٍ (٣)، أي: سَرُع ولذا قال: والنُّون نصبٌ أبدًا، أي: مفتوحةٌ لا تتغيَّر (٤) عن الفتح لأنَّها حركة بناءٍ، فأمَّا جمع سريعٍ فمعربٌ، تعتور (٥) نونه (٦) الحركات الثَّلاث (٧)، فنقل
اللَّفظ في غير محلِّه، كما ترى. انتهى. (فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟!) بفتح القاف وضمِّ الصَّاد على البناء للفاعل، أو «قُصِرت» (١) من: قُصِر يُقصَر بضمِّ القاف وكسر الصَّاد على البناء للمفعول، وعُزِي لأصل الحافظ المنذريِّ (وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا) بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي روايةٍ: «فَهَابَاه» أي: خافاه (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) ﵇ إجلالًا له (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) هو الخرباق، وكان (فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) بالفتح ثمَّ الضَّمِّ، أو الضَّمِّ ثمَّ الكسر كالسَّابقة (قَالَ) ﵊: (لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تُقْصَرْ) أي: الصَّلاة (فَقَالَ) ﵊ للحاضرين: (أَكَمَا) أي: الأمر كما (يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ) الأمر كما يقول (فَتَقَدَّمَ) ﵊ (فَصَلَّى مَا تَرَكَ) أي: الَّذي تركه، وهو الرَّكعتان (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ) وسقط لابن عساكر «ثُمَّ كَبَّرَ» (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) أي: سألوا ابن سيرين: هل في الحديث (ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ «يقول»: (نُبِّئْتُ) بضمِّ النُّون أي: أُخبِرت (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ) ولأبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق أشعث عن ابن سيرين: حدَّثني خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن عمِّه أبي المُهلَّب عن عمران بن حصينٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم فَسَها، فسجد سجدتين ثمَّ تشهَّد ثمَّ سلَّم» فبيَّن أشعثُ الواسطة بين ابن سيرين وبين عمران.
ومباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب السَّهو»، ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «السَّهو» [خ¦١٢٢٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمقَام من الْأَنْوَار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أَن كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ، وَأَنه لَو صلى فِي بَيته كَانَ يحصل لَهُ ثَوَاب عشر صلوَات، وَكَذَا لَو صلىَّ فِي سوقه كَانَ لكل صَلَاة عشر، ثمَّ أَنه إِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُضَاعف لَهُ مثله فَيصير ثَوَاب عشْرين صَلَاة، أَو زِيَادَة الْخمس فَلِأَنَّهُ أدّى فرضا من الْفُرُوض الْخَمْسَة، فأنعم اعليه ثَوَاب خمس صلوَات أُخْرَى نَظِير عدد الْفُرُوض الْخَمْسَة زِيَادَة عشْرين إنعاماً وفضلاً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَتَصِير الْجُمْلَة خَمْسَة وَعشْرين. وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: إِن مَرَاتِب الْأَعْدَاد آحَاد وعشرات ومآت وألوف، والمآت من الأوساط، وَخير الْأُمُور أوسطها، والخمسة وَالْعشْرُونَ ربع الْمِائَة، وللربع حكم الْكل. وَأما زِيَادَة السَّبع، فَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمناسبة أعداد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِذْ الْفَرَائِض سَبْعَة عشر والرواتب الْمُؤَكّدَة عشرَة. انْتهى. قلت: الرَّوَاتِب الْمَذْكُورَة اثْنَي عشر، لحَدِيث المثابرة فَتَصِير: تِسْعَة وَعشْرين، فَلَا يُطَابق الْوَاقِع، فَنَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن أَيَّام الْعُمر سَبْعَة، فَإِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُزَاد لَهُ على الْعشْرين ثَوَاب سبع صلوَات، كل صَلَاة من صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة من الْأَيَّام السَّبْعَة. وَأما الْوتر فَلَعَلَّهُ شرع بعد ذَلِك، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا: هَل هَذَا الْفضل لأجل الْجَمَاعَة فَقَط حَيْثُ كَانَت؟ أَو أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الَّتِي تكون فِي الْمَسْجِد لما يلْزم ذَلِك من أَفعَال تخْتَص بالمساجد؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالظَّاهِر الأول، لِأَن الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم. وَا أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن الصَّلَاة فِيهِ للمنفرد دَرَجَة من خمس وَعشْرين دَرَجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يقل يُسَاوِي صلَاته مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين حَتَّى يكون لَهُ دَرَجَة مِنْهَا، بل قَالَ: تزيد، فَلَيْسَ للمنفرد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين شَيْء قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب، فَلَو كَانَ وقف على الرِّوَايَات الَّتِي ذَكرنَاهَا لما قَالَ ذَلِك كَذَلِك. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت والأسواق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن صَلَاة الْجَمَاعَة لَا يفضل بَعْضهَا على بعض بِكَثْرَة الْجَمَاعَة، ورد هَذَا بِمَا ذكرنَا عَن ابْن حبَان، وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى اتعالى، وَإِلَى مطلوبية الْكَثْرَة ذهب الشَّافِعِي وَابْن حبيب الْمَالِكِي.
٨٨ - (بَاب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع، سَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَالْمَوْجُود فِي غَالب النّسخ فِي هَذَا الْبَاب حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْآخر: حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي بعض النّسخ حَدِيث آخر عَن ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، وجد ذَلِك بِخَط البرزالي وَلم يَسْتَخْرِجهُ الحافظان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال أَيْضا، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (كتاب الْأَطْرَاف) أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ، وَهُوَ هَذَا.
٨٧٤٧٣١ - ح دّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قَالَ حدّثنا عاصِمٌ قَالَ حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أوِ ابنِ عَمْروٍ قَالَ شَبَّكَ النبيُّ أصَابِعَهُ. وَقَالَ عاصِمُ بنُ عَلِيٍ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحدِيثَ منْ أبي فَلَمْ أحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ ااِ قَالَ رسولُ اللَّهِ يَا عَبْدَ ابنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَيْدِيّ فِي مْسْنَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النَّبِي أصَابِعَهُ وَقَالَ كَيْفَ أنْتَ يَا عَبْدَ ااِ إذَا بَقِيْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قَالَ فَكَيْفَ أفْعَلُ يَا رَسولَ ااِ قَالَ تأخذُ مَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. (انظرالحديث ٩٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد جزئيها، وَاكْتفى البُخَارِيّ بدلالته على بعض التَّرْجَمَة حَيْثُ دلّ أبي هُرَيْرَة على تَمامهَا.
ذكر رِجَاله فِيهِ تِسْعَة أنفس: الأول: حَامِد بن عمر البكراوي من ذُرِّيَّة أبي بكر الثَّقَفِيّ نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، مَاتَ بنيسابور أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل الرقاشِي الْحجَّة، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيُصلي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد ابْن عمر بن الْخطاب الْعمريّ الْمدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره. الرَّابِع: أَخُو عَاصِم، وَهُوَ: وَاقد، بِالْقَافِ: ابْن مُحَمَّد بن زيد الْمَذْكُور، ثقه أَبُو زرْعَة وَغَيره. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن عبد ا، وَثَّقَهُ غير وَاحِد. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ. الثَّامِن: أَبُو عبد اوهو البُخَارِيّ نَفسه. التَّاسِع: عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ شيخ البُخَارِيّ والدارمي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) : كَانَ من ثِقَات الشُّيُوخ وأعيانهم. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِثِقَة، وَفِي رِوَايَة: كَذَّاب، مَاتَ فِي نصف رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع. وَفِيه: الشَّك بَين عبد ابْن عمر بن الْخطاب وَبَين عبد ابْن عمر بن الْعَاصِ، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من وَاقد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن عَليّ) تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَوَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، قَالَ: حدّثنا عَاصِم بن عَليّ حدّثنا عَاصِم بن مُحَمَّد عَن وَاقد سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ عبد ا، قَالَ: رَسُول ا، فَذكره. قَوْله: (فِي حثالة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا يخرج من الطَّعَام من زوان وَنَحْوه مِمَّا لَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: هُوَ أجل من التُّرَاب والدقاق قَلِيلا، وَخَصه بِالْحِنْطَةِ، والحثالة والحثل: الرَّدِيء من كل شَيْء، وَقيل: هُوَ القشارة من التَّمْر وَالشعِير وَمَا أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قَوْله: (مرجت عهودهم) ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : مرجت عهودهم: إِذا لم تثبت، وَأمر حجوها: إِذا لم يوفوا بهَا وخلطوها، ومرجت أمانتهم فَسدتْ، ومرج الدّين اخْتَلَط واضطرب. وَفِي (الْمُحكم) : مرج الْأَمر مرجاً فَهُوَ مارج ومريج: الْتبس وَاخْتَلَطَ، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، وَرجل ممارج يمرج أُمُوره وَلَا يحكمها ومرج الْعَهْد وَالدّين وَالْأَمَانَة: فسد، وأمرج عَهده: لم يَفِ بِهِ، قَوْله: (وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، أَي: شَبكَ النَّبِي بَين أَصَابِعه ليمثل لَهُم اختلاطهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ: جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع سَوَاء فِي الْمَسْجِد أَو غَيره لإِطْلَاق الحَدِيث، وَلَكِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي الصَّلَاة، وَكره إِبْرَاهِيم ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَهُوَ قَول مَالك، وَرخّص فِي ذَلِك ابْن عمر وَابْنه سَالم، فَكَانَ يشبكان بَين أصابعهما فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يشبك بَين أَصَابِعه فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: إِنَّهُم لينكرون تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَمَا بِهِ بَأْس.
وَإِنَّمَا يكره فِي الصَّلَاة، وقدروه النَّهْي عَن ذَلِك فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، فَقَالَ: حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن عبد اعن عبيد ابْن عمر عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: يَا كَعْب، إِذا تَوَضَّأت فأحسنت الْوضُوء، ثمَّ خرجت إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تشبك بَين أصابعك فَإنَّك فِي صَلَاة) . وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يفعل هَكَذَا، وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن موهب عَن عَمه عَن مولى لأبي سعيد، وَهُوَ مَعَ رَسُول ا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد فَرَأى رجلا جَالِسا وسط النَّاس وَقد شَبكَ بَين أَصَابِعه يحدث نَفسه، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله فَلم يفْطن لَهُ، فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان) . فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لأحاديث الْبَاب قلت: غير مقاومة لَهَا فِي الصِّحَّة، وَلَا مُسَاوِيَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه مُعَارضَة بِمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن
التشبيك فِي الْمَسْجِد، وَقد وَردت فِيهِ مَرَاسِيل، ومسند من طرق غير ثَابِتَة قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالمسند حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث كَعْب هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قلت: فِي اسناده اخْتِلَاف، فضعفه بَعضهم بِسَبَبِهِ، وَقيل: لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن فعل ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو فِي الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة وَفعله لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا مُعَارضَة إِذا، وَبَقِي كل حَدِيث على حياله فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب وَقع تشبيكه وَهُوَ فِي الصَّلَاة قلت: إِنَّمَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة فِي ظَنّه فَهُوَ فِي حكم المنصرف عَن الصَّلَاة، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ذَلِك مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد ضعيفه، لِأَن فِيهَا ضَعِيفا ومجهولاً، وَقد رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان، وَإِن أحدكُم لَا يزَال فِي صَلَاة مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: التَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث تعَارض، إِذا الْمنْهِي عَنهُ فعله على وَجه الْعَبَث وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُود التَّمْثِيل وتصوير الْمَعْنى فِي اللَّفْظ فَإِن قلت: مَا حكمه النَّهْي عَن التشبيك؟ قلت: أُجِيب بأجوبة. الأول: لكَونه من الشَّيْطَان، كَمَا مر الْآن. الثَّانِي: لِأَنَّهُ يجلب النّوم، وَهُوَ من مظان الْحَدث. الثَّالِث: أَن صُورَة التشبيك تشبه صُورَة الِاخْتِلَاف، كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث ابْن عمر، فكره ذَلِك لمن هُوَ فِي حكم الصَّلَاة حَتَّى لَا يَقع فِي الْمنْهِي عَنهُ. قَوْله: للمصلين: (وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبهم) ، وَا تَعَالَى أعلم.
٢٨٤ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قلَ صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ إحْدَى صَلَاتِي العَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتْينِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ووضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وفِي
القَوْمِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَهَابَاهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ يَا رسولَ اللَّهِ أنَسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قالَ لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سلَّمَ ثُم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْولَ ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ فَرُبَّما سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. (الحَدِيث ٢٨٤ أَطْرَافه فِي: ٤١٧، ٥١٧، ٧٢٢١، ٨٢٢١، ٩٢٢١، ١٥٠٦، ٠٥٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يدل على تَمامهَا، لِأَن التشبيك إِذا جَازَ فِي الْمَسْجِد فَفِي غَيره أولى بِالْجَوَازِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، تقدم فِي بَاب فضل من علم. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، بِضَم الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب العنزة. الثَّالِث: عبد ابْن عون، تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور هُوَ المجزوم بِهِ عِنْد أبي نعيم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد ابْن مسلمة عَن مَالك وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَليّ ابْن نصر بن عَليّ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد وَعَن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا.
ذكر مَعْنَاهُ) . قَوْله: (إِحْدَى صَلَاتي الْعشي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (الْعشَاء) ، بِالْمدِّ، وَالظَّاهِر أَنه وهم لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (صلى بِنَا النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (صلى بِنَا النَّبِي الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ. (صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر، وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) . قَوْله: (وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) هُوَ قَول ابْن سِيرِين أَي: أكبر ظَنِّي أَن أَبَا هُرَيْرَة ذكر صَلَاة الظّهْر، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَأطلق على الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، لِأَن العشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال إِلَى الْمغرب فَإِن قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة؟ قلت: الَّذِي ذكره هُوَ أصل الْوَضع، وَفِي الإستعمال يُطلق على مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْعشي، بِفَتْح الْعين وَكسر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مَا بَين زَوَال الشَّمْس وغروبها.
قَوْله: (معروضة) أَي: مَوْضُوعَة بِالْعرضِ أَو مطروحة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. قَوْله: (وضع يَده الْيُمْنَى) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَضع حَال التشبيك وَأَن يكون بعد زَوَاله، وَعند الْكشميهني: (وضع خَدّه الْأَيْمن) بدل: يَده الْيُمْنَى) . قَوْله: (السرعان) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس، بِالتَّحْرِيكِ: أوائلهم، وَيُقَال: أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم، وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة، وَكَذَا ضَبطه المتقنون. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السرعان، بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة، وَيجوز تسكين الرَّاء قلت: وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم، قَالَ: وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ، بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وَمن قَالَ: سرعَان، بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ. وَقيل: يُقَال أَيْضا: سرعَان بِكَسْر السِّين وَالرَّاء وَهُوَ جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وَأما أَقْوَالهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله:، " قصرت الصَّلَاة " بِضَم الْقَاف وَكسر الصَّاد ويروى بِفَتْح الْقَاف وَضم الصَّاد قَوْله " فهاباه " أَي هاب أَبُو بكر وَعمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ويروى: (فَهَابَا) ، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَهُوَ من الهيبة، وَهُوَ: الْخَوْف والاجلال، وَقد هابه يهابه، وَالْأَمر مِنْهُ: هَب، بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (أَن يُكَلِّمَاهُ) كلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: من التكليم. قَوْله: (وَفِي الْقَوْم رجل) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذُو الْيَدَيْنِ) فِيهِ رِوَايَات: فَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَقَامَ رجل طَوِيل الْيَدَيْنِ كَانَ رَسُول الله سَمَّاهُ ذَا الْيَدَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ رجل من بني سليم) ، وَفِي رِوَايَة: (رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق بن عَمْرو، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول) . وَفِي رِوَايَة: (وَكَانَ رجلا بسيط الْيَدَيْنِ) ، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا؟ فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) .
وخرباق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن عبد عَمْرو السّلمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : ذُو الْيَدَيْنِ، وَيُقَال لَهُ: ذُو الشمالين أَيْضا: ابْن عبد عَمْرو بن فضلَة الْخُزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عبد االعدني فِي (مُسْنده) : قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: ذُو الْيَدَيْنِ أحد أجدادنا، وَهُوَ ذُو الشمالين بن عَمْرو بن ثَوْر بن ملكان بن أفْضى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ: (صلى النَّبِي بِالنَّاسِ ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: حدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمَا ذَلِك؟ قَالُوا: لم نصل إلَاّ ثَلَاث رَكْعَات. فَقَالَ: أكذاك يَا ذَا الْيَدَيْنِ؟ وَكَانَ يُسمى ذَا الشمالين، فَقَالَ: نعم. فصلى رَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (معرفَة الصَّحَابَة) : ذُو الْيَدَيْنِ اسْمه الْخِرْبَاق من بني سليم، كَانَ نزل بِذِي خشب من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشمالين خزاعي حَلِيف لبني زهرَة، قتل يَوْم بدر، وَأَن قصَّة ذِي الشمالين كَانَت قبل بدر، ثمَّ أحكمت الْأُمُور بعد ذَلِك.
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فقد ذكر مُسلم فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن اسْمه الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بسيط الْيَدَيْنِ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: رجل من بني سليم وَوَقع للعذري: سلم وَهُوَ خطأ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر مُفَسرًا، فَقَالَ فِيهِ: ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بني سليم، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: ذُو الشمالين رجل من بني زهرَة، وبسبب هَذِه الْكَلِمَة ذهب الحنفيون إِلَى أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالُوا: لِأَن ذَا الشمالين قتل يَوْم بدر فِيمَا ذكره أهل السّير، وَهُوَ من بني سليم، فَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح لَهُم، وَإِن قتل ذُو الشمالين يَوْم بدر فَلَيْسَ هُوَ بالخرباق، وَهُوَ رجل آخر حَلِيف لبني زهرَة اسْمه: عُمَيْر بن عبد عَمْرو من خُزَاعَة، بِدَلِيل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ومشاهدته خَبره، وَلقَوْله: صلى بِنَا رَسُول ا، وَذكر الحَدِيث، وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِخَير بعد يَوْم بدر بِسنتَيْنِ، فَهُوَ غير ذِي الشمالين المستشهد ببدر، وَقد عدوا قَول الزُّهْرِيّ فِيهِ هَذَا من وهمه، وَقد عدهما بَعضهم حديثين فِي نازلتين وَهُوَ الصَّحِيح لاخْتِلَاف صفتهما، لِأَن فِي حَدِيث الْخِرْبَاق ذَا الشمالين أَنه: سلم من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: من اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيث الْخِرْبَاق: إِنَّهَا الْعَصْر، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: الظّهْر لغير شكّ عِنْد نعضهم، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك كُله. اناتهى. وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين الْمَقْتُول ببدر بِدَلِيل مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَنه ذُو الشمالين، فَلم يُتَابع عَلَيْهِ.
قلت: الْجَواب على ذَلِك كُله مَعَ تَحْرِير الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع أَنه: وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ: ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق كَمَا ذكرنَا حَيْثُ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حدّثنا عبد الرَّزَّاق حدّثنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين ابْن عَمْرو: أنقضت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ النَّبِي: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق يَا رَسُول ا، فَأَتمَّ لَهُم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقصتا) ، وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: أَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي حَدثنِي أَبُو ضَمرَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (نسي رَسُول الله فَسلم فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ ذُو الشمالين: اقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَسُول ا: أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم، فَقَامَ رَسُول الله فَأَتمَّ الصَّلَاة) ، وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح صَرِيح فِيهِ أَيْضا أَن: ذَا الشمالين، وَهُوَ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك
عمرَان بن أبي أنس، قَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن زيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رَسُول ا، صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فأدركه ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُول اانقصت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ: لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ: بلَى، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول ا، أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) : وَهَذَا يضاً سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ: عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره نَحوه، فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم ينْفَرد بذلك، وَأَن الْمُخَاطب للنَّبِي ذُو الشمالين، وَأَن من قَالَ ذَلِك لم يهم، وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيح عدم صِحَّته، فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، وَهَذَا أولى من جعله رجلَيْنِ لِأَنَّهُ خلاف الأَصْل فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا وَاسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي، فَقَالَ: الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين بن عبد عَمْرو بن فضلَة، حَلِيف بني زهرَة من خُزَاعَة: وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي، بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي. كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد االحافظ، ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ، قَالَ شُعَيْب: يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول ا: الحَدِيث؛ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ بعض الروَاة: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ ذُو الشمالين: يَا رَسُول اأقصرت الصَّلَاة؟ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد ايقول: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو قلت: سَنَده ضَعِيف لِأَن فِيهِ معدي بن سُلَيْمَان، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يحدث عَن ابْن عجلَان مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الثِّقَات، والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الإحتجاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَفِي سَنَده أَيْضا شهيب لم يعرف حَاله وَولده مطير، قَالَ فِيهِ ابْن الْجَارُود: روى عَنهُ ابْنه شُعَيْب لم يكْتب حَدِيثه، وَفِي (الضُّعَفَاء) للذهبي: لم يَصح حَدِيثه، وَفِي (الكاشف) : مطير بن سليم عَن ذِي الزَّوَائِد وَعنهُ أَبنَاء شُعَيْب وسليم لم يَصح حَدِيثه.
ولضعف هَذَا السَّنَد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) : ذُو الْيَدَيْنِ بَقِي بعد النَّبِي فِيمَا يُقَال، وَلَقَد أنصف وَأحسن فِي هَذِه الْعبارَة، ثمَّ إِن قَول شَيْخه أبي عبد ا: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، غير صَحِيح، روى مَالك فِي (موطئِهِ) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن أبي بكر بن سُلَيْمَان عَن أبي خثيمَةَ: (بَلغنِي أَن رَسُول الله ركعه رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي النَّهَار، الظّهْر أَو الْعَصْر، فَسلم من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين، رجل من بني زهرَة بن كلاب: أقصرت الصَّلَاة؟)
الحَدِيث، وَفِي آخِره: مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه ذُو الشمالين وَأَنه من بني زهرَة فَإِن قلت: هُوَ مُرْسل. قلت: ذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : أَنه مُتَّصِل من وُجُوه صِحَاح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا ذكرنَا مِمَّا رَوَاهُ النَّسَائِيّ آنِفا، ثمَّ قَول الْحَاكِم عَن ذِي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظَاهِرَة أَن ذَا الْيَدَيْنِ أعقب، وَلَا أصل لذَلِك فِيمَا قد علمناه، وَا تَعَالَى أعلم. فَإِن قلت: إِن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين إِذا كَانَا لقباً على شخص وَاحِد على مَا زعمتم فَحِينَئِذٍ يدل على أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يحضر تِلْكَ الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ ذُو الشمالين قتل ببدر، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر وَهُوَ مُتَأَخّر بِزَمَان كثير، وَمَعَ هَذَا فَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي، إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر)
الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول ا)
أخرجه مُسلم وَغَيره. وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا رَسُول ا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ)
الحَدِيث قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن معناد: صلى بِالْمُسْلِمين، وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة، كَمَا رُوِيَ عَن النزل بن سُبْرَة قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول ا: أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف)
الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول ا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك: قَالَ لقومنا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس، قَالَ: (قدم علينا معَاذ ابْن جبل فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: قدم بلدنا، لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول ا، قبل أَن يُولد طَاوس) ، وَمثله مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب: الْبَيَان أَن النَّهْي مَخْصُوص بِبَعْض الْأَمْكِنَة عَن مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ؟ إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُجَاهِد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وَقَوله: (جَاءَنَا) ، أَي: بلدنا. فأفهم.
قَوْله: (لم أنس وَلم تقصر) ، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كل ذَلِك لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كل ذَلِك لم أفعل) ، قَالَ
النَّوَوِيّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لم يكن الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي وجود أَحدهمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّوَاب، مَعْنَاهُ: لم يكن لَا ذَلِك وَلَا ذَا فِي ظَنِّي، بل ظَنِّي أَنِّي أكملت الصَّلَاة أَرْبعا. وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنه لَا يجوز غَيره، أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي قَالَ: (لم نقصر وَلم أنس يرجع إِلَى السَّلَام أَي: لم أنس فِيهِ إِنَّمَا سلمت قصدا، وَلم أنس فِي نفس السَّلَام، وَإِنَّمَا سَهَوْت عَن الْعدَد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون جَوَابا عَمَّا سُئِلَ عَنهُ. وَيُقَال: بَين النسْيَان والسهو فرق، فَقيل: كَانَ يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفي عَن نَفسه النسْيَان، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. قَالَه القَاضِي. وَقَالَ الْقشيرِي: هَذَا افرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يلوح من اللَّفْظ على أَن النسْيَان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق باصلاة، والسهو عدم الذّكر لأمر يتَعَلَّق بهَا، وَيكون النسْيَان الْإِعْرَاض عَن تفقد أمورها حَتَّى يحصل عدم الذّكر، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النَّبِي النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع، بقوله: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر نسيت المضافة إِلَى نَفسه، وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسي) . وَقد قَالَ أَيْضا: لَا أنسى، وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته، فَقَالَ: أنسى أَو أنسّى، وَأَن: أَو للشَّكّ أَو للتقسيم، وَأَن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك أنكرهُ. وَقَالَ: (كل ذَلِك لم يكن) وَفِي الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فَبين، وَكَذَلِكَ: لم أنس، حَقِيقَة من قبل نَفسِي وَلَكِن اتعالى أنساني، وَيُمكن أَن يُجَاب عَمَّا قَالَه القَاضِي: أَن النَّهْي فِي الحَدِيث عَن إِضَافَة نسيت إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ يقبح لِلْمُؤمنِ أَن يضيف إِلَى نَفسه نِسْيَان كَلَام اتعالى، وَلَا يلْزم من هَذَا النَّهْي الْخَاص النَّهْي عَن إِضَافَته إِلَى كل شَيْء. فَافْهَم. وَذكر بَعضهم أَن الْعِصْمَة ثَابِتَة فِي الْإِخْبَار عَن اتعالى، وَأما إخْبَاره عَن الْأُمُور الوجودية فَيجوز فِيهَا النسْيَان قلت: تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: لم ينس وَلم تقصر الصَّلَاة، مثل قَوْله: كل ذَلِك لم يكن، وَالْمعْنَى: كل من الْقصر وَالنِّسْيَان لم يكن، فَيكون فِي معنى: لَا شَيْء مِنْهُمَا بكائن، على شُمُول النَّفْي وعمومه لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن السُّؤَال عَن أحد الْأَمريْنِ: بِأم، وَيكون لطلب التَّعْيِين بعد ثُبُوت أَحدهمَا عِنْد الْمُتَكَلّم، لَا على التَّعْيِين، غير أَنه إِنَّمَا يكون بِالتَّعْيِينِ أَو بنفيهما جَمِيعًا تخطئه للمستفهم لَا بِنَفْي الْجمع بَينهمَا، حَتَّى يكون نفي الْعُمُوم لِأَنَّهُ عَارِف بِأَن الْكَائِن أَحدهمَا.
وَالثَّانِي: لما قَالَ: كل ذَلِك لم يكن، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: قد كَانَ بعض ذَلِك. وَمَعْلُوم أَن الثُّبُوت للْبَعْض إِنَّمَا يُنَافِي النَّفْي عَن كل فَرد لَا النَّفْي عَن الْمَجْمُوع. وَقَوله: قد كَانَ بعض ذَلِك، مُوجبَة جزئية ونقيضها السالبة الْكُلية، وَلَوْلَا أَن ذَا الْيَدَيْنِ فهم السَّلب الْكُلِّي لما ذكر فِي مُقَابلَته الْإِيجَاب الجزئي، وَهَهُنَا قَاعِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن لَفْظَة: كل إِذا وَقعت فِي حيّز النفيي كَانَ النَّفْي مُوجبهَا خَاصَّة، وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد، كَقَوْلِك: مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم. وَقَوله.
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ)
وَإِن وَقع النَّفْي فِي حيزها اقْتضى السَّلب عَن كل فَرد. كَقَوْلِه: (كل ذَلِك لم يكن) .
قَوْله: (أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟) أَي: الْأَمر كَمَا يَقُول. قَوْله: (فَقَالُوا: نعم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ النَّاس: نعم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فأمأوا) أَي: نعم، وَفِي أَكثر الْأَحَادِيث قَالُوا: نعم، وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن بعض أَوْمَأ، وَبَعْضهمْ يكلم. وَسَنذكر وَجه هَذَا عَن قريب. قَوْله: (فَرُبمَا سَأَلُوهُ) فَرُبمَا سَأَلُوا ابْن سِيرِين: هَل فِي الحَدِيث: ثمَّ سلم، يَعْنِي: سَأَلُوا ابْن سِيرِين أَن رَسُول الله بعد هَذَا السُّجُود سلم مرّة أُخْرَى، أَو اكْتفى بِالسَّلَامِ الأول؟ وَكلمَة: رب، أَصْلهَا للتقليل، وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي التكثير، وتلحقها كلمة: مَا، فَتدخل على الْجمل. قَوْله: (فَيَقُول: نبئت) ، بِضَم النُّون: أَي أخْبرت أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: ثمَّ سلم، وَهَذَا يدل على أَنه لم يسمع من عمرَان، وَقد بَين أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن ابْن سِيرِين الْوَاسِطَة بَينه وَبَين عمرَان، فَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس حدّثنا مُحَمَّد بن عبد ابْن الْمثنى قَالَ حَدثنِي أَشْعَث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول ا، صلى بهم وسها، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ والترمزي وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا قلَابَة يحدث عَن عَمه أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا قَالَ: فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأَبُو قلَابَة اسْمه: عبد ابْن زيد الحرمي، وَعَمه أَبُو الْمُهلب اسْمه: عَمْرو بن مُعَاوِيَة، قَالَه النَّسَائِيّ. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، وَقيل: مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن
عَمْرو، وَقيل: النَّضر بن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ.
الثَّانِي: فِيهِ حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهَا قبل السَّلَام.
الثَّالِث: أَن الَّذِي عَلَيْهِ السَّهْو إِذا ذهب من مقَامه ثمَّ عَاد وَقضى مَا عَلَيْهِ هَل يَصح؟ فَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَصح، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (فجَاء فصلى رَكْعَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيره من الْجَمَاعَة: (فَتقدم وَصلى) ، وَهُوَ رِوَايَة اليخاري هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة: (فَرجع رَسُول الله إِلَى مقَامه) ، وَلَكِن اخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِيهَا وَجْهَان: أصَحهمَا: أَنه يَصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم: (أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، مَشى إِلَى الْجذع وَخرج السرعان) . وَفِي رِوَايَة: (دخل منزله) . وَفِي رِوَايَة: (دخل الْحُجْرَة ثمَّ خرج وَرجع النَّاس وَبنى على صلَاته) . وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم: أَن الصَّلَاة تبطل، بذلك قَالَ النَّوَوِيّ، وَهَذَا مُشكل، وَتَأْويل الحَدِيث صَعب على من أبطلها، وَنقل عَن مَالك أَنه مَا لم ينْتَقض وضوؤه يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن طَال الزَّمَان، وَكَذَا رُوِيَ عَن ربيعَة، مستدلين بِحَدِيث عمرَان. وَمذهب أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: إِذا سلم سَاهِيا على الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ لم يصرف وَجهه عَن الْقبْلَة وَلم يتَكَلَّم عَاد إِلَى الْقَضَاء لما عَلَيْهِ، وَلَو اقْتدى بِهِ رجل يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، أما إِذا صرف وَجهه عَن الْقبْلَة فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يتَكَلَّم فَكَذَلِك، لِأَن الْمَسْجِد كُله فِي حكم مَكَان وَاحِد، لِأَنَّهُ مَكَان الصَّلَاة، وَإِن كَانَ خرج فِي الْمَسْجِد ثمَّ تذكر لَا يعود، وتفسد صلَاته. وَأما إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء فَإِن تذكر قبل أَن يُجَاوز الصُّفُوف من خَلفه أَو من قبل الْيَمين أَو الْيَسَار عَاد إِلَى قَضَاء مَا عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا، وَإِن مَشى أَمَامه لم يذكرهُ فِي الْكتاب.
وَقيل: إِن مَشى قدر الصُّفُوف الَّتِي خَلفه تفْسد وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف اعْتِبَارا لأحد الْجَانِبَيْنِ. وَقيل: إِذا جَاوز مَوضِع سُجُوده لَا يعود، وَهُوَ الْأَصَح، وَهَذَا إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ ستْرَة، فَإِن كَانَ يعود مَا لم يجاوزها، لِأَن دَاخل الستْرَة فِي حكم الْمَسْجِد. وَا اعْلَم.
وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: إِنَّه مَنْسُوخ، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب عمل بعد رَسُول الله بِخِلَاف مَا كَانَ عمله يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، وَالْحَال أَنه كَانَ فِيمَن حضر يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا ثَبت عِنْده انتساخ ذَلِك لما عمل بِخِلَاف مَا عمل بِهِ النَّبِي، وَأَيْضًا فَإِن عمر فعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، فَصَارَ ذَلِك مِنْهُم إِجْمَاعًا. وروى الطَّحَاوِيّ ذَلِك عَن ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن عُثْمَان بن الْأسود. قَالَ: (سَمِعت عَطاء يَقُول: صلى عمر بن الْخطاب بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي جهزت عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأقتابها حَتَّى وَردت الْمَدِينَة، قَالَ: فصلى بهم أَربع رَكْعَات) .
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ قوم على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة من الْمَأْمُومين لإمامهم إِذا كَانَ على وَجه إصْلَاح الصَّلَاة لَا يقطع الصَّلَاة، وَأَن الْكَلَام من الإِمَام والمأمومين فِيهَا على السَّهْو لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل ذكره الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ، وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة، وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، لَا يُبْطِلهَا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَعبد ابْن الزبير وأخيه عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجَمِيع الْمُحدثين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري، وَفِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تبطل صلَاته بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا، انْتهى. وَأجْمع الْمُسلمُونَ طرّاً أَن الْكَلَام عَامِدًا فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعلم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَشْهُور عَن مَالك وَأَصْحَابه الْأَخْذ بِحَدِيث
ذِي الْيَدَيْنِ، وروى عَنهُ ترك الْأَخْذ بِهِ، وَأَنه كَانَ يسْتَحبّ أَن يُعِيد وَلَا يَبْنِي. قَالَ: وَإِنَّمَا تكلم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَصْحَابه لأَنهم ظنُّوا أَن الصَّلَاة قصرت وَلَا يجوز ذَلِك لِأَحَدِنَا الْيَوْم. وَقَالَ الْحَارِث بن مِسْكين: أَصْحَاب مَالك كلهم قَالُوا: كَانَ هَذَا أول الْإِسْلَام، وَأما الْآن فَمن تكلم فِيهَا أَعَادَهَا.
الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل على أَن من قَالَ نَاسِيا: لم أفعل كَذَا، وَكَانَ قد فعله، أَنه غير كَاذِب.
السَّادِس: فِيهِ جَوَاز التلقيب الَّذِي سَبيله التَّعْرِيف دون التهجين.
السَّابِع: فِيهِ الْإِجْزَاء بسجدتين عَن السهوات لِأَنَّهُ سَهَا عَن الرَّكْعَتَيْنِ وَتكلم نَاسِيا وَاقْتصر على السَّجْدَتَيْنِ.
الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد، على مَا ترْجم عَلَيْهِ الْبَاب.
الأسئلة والأجوبة الأول: كَيفَ تكلم ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وهم فِي الصَّلَاة بعد؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم لم يَكُونُوا على الْيَقِين من الْبَقَاء فِي الصَّلَاة، لأَنهم كَانُوا مجوزين نسخ الصَّلَاة من أَربع إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن هَذَا كَانَ خطابا للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وجواباً، وَذَلِكَ لَا يبطل عندنَا غَيرنَا، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح: (إِن الْجَمَاعَة أَو مأوا) ، أَي: أشاروا نعم، فعلى هَذِه الرِّوَايَة لم يتكلموا.
الثَّانِي: قيل: فِيهِ إِشْكَال على مَذْهَب الشَّافِعِي، لِأَن عِنْدهم أَنه لَا يجوز للْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي قدر صلَاته إِلَى قَول غَيره إِمَامًا أَو مَأْمُوما، وَلَا يعْمل إلَاّ على يَقِين نَفسه؟ وَأجَاب: النَّوَوِيّ عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ، سَأَلَهُمْ ليتذكر، فَلَمَّا ذَكرُوهُ تذكر فَعلم السَّهْو فَبنى عَلَيْهِ، لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَوْلهم، وَلَو جَازَ ترك يَقِين نَفسه وَالرُّجُوع إِلَى قَول غَيره لرجع ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لم تقصر وَلم أنس) قلت: هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب مخلص لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من الرُّجُوع، سَوَاء كَانَ رُجُوعه للتذكرة أَو لغيره، وَعدم رُجُوع ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ لأجل كَلَام الرَّسُول لَا لأجل يَقِين نَفسه. وَقَالَ ابْن الْقصار: اخْتلف الروَاة فِي هَذَا عَن مَالك، فَمرَّة قَالَ: يرجع إِلَى قَوْلهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ قَالَ: يَبْنِي على غَالب ظَنّه. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: يعْمل على يقينه وَلَا يرجع إِلَى قَوْلهم، كَقَوْل الشَّافِعِي.
الثَّالِث: قد رُوِيَ فِي بعض رِوَايَات مُسلم فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صَلَاة الظّهْر)
الحَدِيث، وَهَذَا صَرِيح أَنه حضر تِلْكَ الصَّلَاة؟ وَالْجَوَاب: عَنهُ قد ذَكرْنَاهُ عَن الطَّحَاوِيّ عَن قريب، وَقيل: يحْتَمل أَن بعض الروَاة فهم من قَول أبي هُرَيْرَة فِي إِحْدَى رواياته: (صلى بِنَا) ، أَنه كَانَ حَاضرا، فَروِيَ الحَدِيث بِالْمَعْنَى على زَعمه، وَقَالَ: بَينا أَنا أُصَلِّي.
الرَّابِع: فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَنه دخل منزله، وَلَا يجوز لأحد الْيَوْم أَن ينْصَرف عَن الْقبْلَة، وَيَمْشي وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من الصَّلَاة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ لَا يرى أَنه فِي الصَّلَاة فَإِن قيل: فَيلْزم على هَذَا لَو أكل أَو شرب أَو بَاعَ أَو اشْترى وَهُوَ لَا يرى فِي الصَّلَاة أَنه لَا يُخرجهُ ذَلِك مِنْهَا؟ قلت: هَذَا كُله مَنْسُوخ فَلَا يعْمل بِهِ الْيَوْم، وَا أعلم.
٩٨ - (بابُ المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ وَالمَوِاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيها النبيُّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَسَاجِد فِي الطّرق الَّتِي بَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَمَكَّة المشرفة، وَفِي أَكثر النّسخ على طرق الْمَدِينَة، والمواضع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي.
٣٨٤٠٤١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدّثنا فضيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدّثنا مُوسَى ابنُ عُقْبَةَ قالَ رَأيْتُ سالِمَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيها وَيُحَدِّثُ أنَّ أباهُ كانَ يُصَلِّي فِيها وأنَّهُ رَأى النبيُّ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ حدّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ وَسألْتُ سالما فَلا أعْلَمْهُ إلَاّ وَافَقَ نافِعاً فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أنَّهُما اخْتَلَفا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الروْحاءَ. (الحَدِيث ٣٨٤ أَطْرَافه فِي: ٥٣٥١، ٦٣٣٢، ٥٤٣٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، على وزن اسْم الْمَفْعُول،
الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: النميري بِضَم النُّون. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب إسباغ الْوضُوء. الرَّابِع: سَالم ابْن عبد ابْن عمر بن الْخطاب، تقدم فِي بَاب الْحيَاء من الْإِيمَان. الْخَامِس: نَافِع، مولى ابْن عمر، وَقد تكَرر ذكره. السَّادِس: عبد ابْن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الرِّوَايَة بِصِيغَة الْمَاضِي للتكلم. وَفِيه: صِيغَة التحديث بِلَفْظ الْمُضَارع الْمُفْرد وبلفظ الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَوْله: (يتحَرَّى) أَي: يقْصد ويختار ويجتهد. قَوْله: (أَن أَبَاهُ) أَي: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. قَوْله: (وَأَنه) أَي: وَأَن أَبَاهُ رأى النَّبِي، وَهَذَا مُرْسل من سَالم إِذا مَا اتَّصل سَنَده. قَوْله: (وحَدثني نَافِع) الْقَائِل ذَلِك هُوَ مُوسَى بن عقبَة، وَهُوَ عطف على: رَأَيْت، أَي: قَالَ مُوسَى: وحَدثني. و: سَأَلت، أَيْضا عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بشرف الروحاء) ، وَهُوَ مَوضِع ارْتَفع من مَكَان الروحاء، وَهِي بحاء مُهْملَة ممدودة. قَالَ أَبُو عبيد االبكري: هِيَ قَرْيَة جَامِعَة لمزينة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ كثير عزة: سميت الروحاء لِكَثْرَة أرواحها وبالروحاء بِنَاء يَزْعمُونَ أَنه قبر مُضر بن نزار. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: روحاني، على غير قِيَاس. وَقد قيل: روحاوي، على الْقيَاس. وَفِي (كتاب الْجبَال) للزمخشري: بَين الْمَدِينَة والروحاء أَرْبَعَة برد إلَاّ ثَلَاثَة أَمْيَال. وَفِي (صَحِيح مُسلم) فِي بَاب الْأَذَان: (سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا) . وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة: على ثَلَاثِينَ ميلًا. وَقَالَ ابْن قرقول: وَهِي من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: روى نَافِع عَن مَوْلَاهُ أَن بِهَذَا الْموضع الْمَسْجِد الصَّغِير دون الْموضع الَّذِي بالشرف، قَالَ: وروى أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن حَنْظَلَة بن عَليّ عَن أبي هُرَيْرَة: (سَمِعت رَسُول الله يَقُول: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليلهن ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام، بفج روحاء حَاجا أَو مُعْتَمِرًا أَو بثنيتها) وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مثله، وروى غير وَاحِد أَن رَسُول الله قَالَ، وَقد وصل الْمَسْجِد الَّذِي بِبَطن الروحاء عِنْد عرق الظبية: هَذَا وَاد من أَوديَة الْجنَّة، وَصلى فِي هَذَا الْوَادي قبلي سَبْعُونَ نَبيا، عَلَيْهِم السَّلَام، وَقد مر بِهِ مُوسَى بن عمرَان حَاجا ومعتمراً فِي سبعين ألفا من بني إِسْرَائِيل.
فَإِن قلت: قد جَاءَ عَن عمر بن الْخطاب خلاف فعل ابْنه، روى الْمَعْرُور بن سُوَيْد: كَانَ عمر فِي سفر فصلى الْغَدَاة، ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه، وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي، فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب أَنهم اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ واتخذوها كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل وإلَاّ فليمض قلت: إِن عمر إِنَّمَا خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع حَتَّى يشكل على من يَأْتِي بعدهمْ فَيرى ذَلِك وَاجِبا، وَعبد ابْن عمر كَانَ مَأْمُونا من ذَلِك، وَكَانَ يتبرك بِتِلْكَ الْأَمَاكِن، وتشدده فِي الإتباع مَشْهُور، وَغَيره لَيْسَ فِي هَذَا الْمقَام.
٤٨٤ - ح دّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدّثنا مْوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ كانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجَدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وكانَ إذَا رَجَعَ مِن غَزْوٍ كانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أوْ فِي حَجٍ أوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وادٍ فإِذَا ظْهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أنَاخَ بالبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شفِيرِ الوَادِي الشَّرقِيَّةِ فَعِرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الأكِمَةِ الَّتِي عَلَيْها المَسْجِدُ كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كانَ رسولُ اللَّهِ ثَمَّ يُصَلِّي فَدَحا السيَّلُ فيهِ بِالبَطْحاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكانَ الذِي كانَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلَّي فِيهِ.
٥٨٤ - وأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنِ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الذِي دُونَ المَسْجِدِ الذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ وقَدْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكانَ الذِي كانَ صَلى فِيهِ
النبيُّ يَقولُ ثَمَّ عنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حافَةِ الطَّرِيق اليُمْنَى وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
٦٨٤ - وأنَّ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي إلَى العِرْقِ عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحاءِ وذَلِكَ العِرْقُ انْتِهاءُ طَرَفِهِ عَلَى حافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ المَسْجِدِ الذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْصَرَفِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ أبْتَنِي ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ ااِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ كانَ يَتْرُكهُ عنْ يَسَارِهِ وورَاءَهُ ويُصَلِّي أمامَهُ إلَى العِرْقِ نَفْسِهِ وكانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِن الرَّوْحاءِ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُهْرَ وإذَا أقْبَلَ منْ مَكَّةَ فإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصبْحِ بِسَاعَةٍ أوْ منْ آخِرِ السَّحَر عَرَّسَ حَتى يُصَلِّي بهَا الصُّبْحَ.
٧٨٤ - وَأنَّ عَبْدُ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ كانَ يَنْزلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ الطَّرِيقِ ووِجاهُ الطَّريق فِي مكانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ منْ أكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بميلَيْنِ وَقَدِ انْكَسَرَ أعْلَاها فانْثَنَى فِي جَوْفِها وَهِي قائِمَةٌ عَلَى ساقٍ وفِي ساقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٍ.
٨٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنُ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عنْدَ ذلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَان أوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِن حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلْمَاتِ الطَّريقِ بَيْنَ أُولئكَ فيُصلَّي السَّلِمَاتِ كانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ بعْدَ أنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بالهَاجِرَةِ الظهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ.
٩٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ رَسولَ ااِ نَزَلَ عِنْدَ سَرْحاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشى بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّرِيقِ قريبٌ مِنْ غَلْوَةٍ وكانَ عَبْدُ ااِ يُصَّلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِى أقْرَبُ السَّرَحاتِ إلَى الطَّرِيقِ وَهْي أطْوَلُهُنَّ.
٠٩٤ - وأنَّ عَبْدَ ااِ بنِ عُمَر حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ فِي المَسْيلِ الَّذِي أدْنَى فِي الظَّهْرَانِ قَبْلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّة لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رسولِ اللَّهِ وبَيْنَ الطَّرِيقِ إلَاّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ.
ب ٠٥ ٠ ١٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَى يُصْبِحَ يُصَلَّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ومُصَلَّى رسولِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أسْفَلَ منْ ذَلِكَ علَى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.
ب ٠٥ ٠ ب ٠٥ ٠ ٢٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُم وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكِمَةِ وَمُصَلَّى النبيِّ أسْفَلَ مِنْهُ عَلَى السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنَ الأكِمَةِ عَشْرَةَ أذْرُعٍ أوْ نَحْوَها ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبَلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الذِي بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَعْبَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الْفَصْلَيْنِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة الْحزَامِي نِسْبَة إِلَى أجداده، ببيانه إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد ابْن الْمُغيرَة بن عبد ابْن خَالِد بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الصَّمد ابْن قصي الْمَدِينِيّ، توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، تقدم فِي هَذَا الْبَاب. الرَّابِع: نَافِع، وَقد تقدم. الْخَامِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف اسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوَاضِع وَاحِد. وَفِيه: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَهُوَ: الْمِيقَات الْمَشْهُور لأهل الْمَدِينَة، وَهُوَ من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال. وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي (مَنَاسِكه) بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان، والميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة عشر مراحل، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي،. قَوْله: (حِين يعْتَمر وَفِي حجَّته حِين حج) إِنَّمَا قَالَ فِي الْعمرَة بِلَفْظ الْمُضَارع، وَفِي الْحَج بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَنَّهُ،، لم يحجّ إلاّ مرّة وتكررت مِنْهُ الْعمرَة؛ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفِعْل الْمُضَارع قد يُفِيد الِاسْتِمْرَار. قلت: الْمَاضِي أقوى فِي إِفَادَة الِاسْتِمْرَار من الْمُضَارع، لِأَن الْمَاضِي قد مضى وَاسْتقر بِخِلَاف الْمُضَارع. قَوْله: (تَحت سَمُرَة) ، بِضَم الْمِيم: وَهُوَ شجر الطلح، وَهُوَ الْعَظِيم من الْأَشْجَار الَّتِي لَهَا شوك وَهِي فِي ألسن النَّاس تعرف بِأم غيلَان. قَوْله: (وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيق) ، أَي: طَرِيق ذِي الحليفة. قَوْله: (وَكَانَ) ، جملَة حَالية، ويروى: كَانَ، بِدُونِ: الْوَاو، وَهِي صفة للغزو، ويروى: من غَزْوَة، بالتأنيث. فَإِن قلت: على هَذَا مَا وَجه التَّذْكِير فِي: كَانَ؟ قلت: بِاعْتِبَار السّفر، وَيجوز أَن يرجع الضَّمِير فِيهِ إِلَى رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لمَ مَا أخر لفظ: كَانَ، فِي تِلْكَ الطَّرِيق عَن الْحَج وَالْعمْرَة. قلت: لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا إِلَّا من تِلْكَ.
قَوْله: (بالبطحاء) . قَالَ فِي (الْمُحكم) : بطحاء الْوَادي: تُرَاب لين مِمَّا جرته السُّيُول، وَالْجمع: بطحاوات وبطاح، فَإِن اتَّسع وَعرض فَهُوَ الأبطح، وَالْجمع: الأباطح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الأبطح لَا ينْبت شَيْئا إِنَّمَا هُوَ بطن السَّيْل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الأبطح والبطحاء: الرمل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَفِي (الواعي) : الْبَطْحَاء: حَصى وَرمل ينْقل من مسيل المَاء، وَقَالَ نضر بن شُمَيْل: بطحاء الْوَادي وأبطحه: حصاؤه اللين، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَهِي حِجَارَة وَرمل وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْبَطْحَاء كل أَرض منحدرة. وَفِي (الْكِفَايَة) الأبطح والبطحاء منعطف الْوَادي. وَفِي (الْمُنْتَهى) الأبطح: مسيل وَاسع فِيهَا دقاق الْحَصَى، وَالْجمع: الأباطح. وَكَذَا الْبَطْحَاء. وَفِي (الصِّحَاح) : البطاح على غير قِيَاس، والبطيحة مثل الأبطح. قَوْله: (شَفير الْوَادي) بِفَتْح الشين الْحَرْف أَي: الطّرف. وَقَالَ ابْن سَيّده: شَفير الْوَادي وشفره ناحيته من أَعْلَاهُ. قَوْله: (الشرقية) ، صفة الْبَطْحَاء.
قَوْله: (فعرس) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عرس المسافرون تعريساً: إِذا نزلُوا نزلة فِي وَجه السحر وأناخوا إبلهم فروحوها سَاعَة حَتَّى ترجع إِلَيْهَا أَنْفسهَا، وَعَن أبي زيد: عرس الْقَوْم تعريساً فِي الْمنزل: حَيْثُ نزلُوا بِأَيّ حِين كَانَ من ليل ونهار. وَفِي (الْمُحكم) : المعرس الَّذِي يسير نَهَاره ويعرس أَي ينزل أول اللَّيْل. وَفِي (الصِّحَاح) : أعرسوا، لُغَة فِيهِ قَليلَة، والموضع: معرس ومعرس، وَفِي (الغريبين) التَّعْرِيس: نومَة الْمُسَافِر بعد إدلاج اللَّيْل، وَفِي (المغيث) : عرس أَي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس النُّزُول لغير إِقَامَة. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، أَي: هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى يصبح) ، بِضَم الْيَاء: أَي يدْخل فِي الصَّباح وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر. قَوْله: (الأكمة) بِفَتْح الْهمزَة وَالْكَاف، قَالَ ابْن سَيّده: هِيَ التل من القف من حِجَارَة وَاحِدَة. وَقيل: هُوَ دون الْجبَال. وَقيل: هُوَ الْموضع الَّذِي قد اشْتَدَّ ارتفاعه مِمَّا حوله، وَهُوَ غليظ لَا يبلغ أَن يكون حجرا، وَالْجمع: أكم وأكم وأكمام وإكمام وأءكم كأفلس، الْأَخِيرَة عَن ابْن جني. وَفِي (الواعي) لأبي مُحَمَّد: الأكام، دون الضراب. وَفِي (الصَّحِيح) : وَالْجمع أكمات، وَجمع الأكم: آكام، مثل: عنق وأعناق. قَوْله: (خليج) . بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام. قَالَ فِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ شرم من الْبَحْر اختلج مِنْهُ، والخليج: النَّهر الْعَظِيم، وَالْجمع: خلجان، وَرُبمَا قيل للنهر الصَّغِير يختلج من النَّهر الْكَبِير: خليج. وَفِي (الْمُحكم) : الخليج مَا انْقَطع من مُعظم المَاء لِأَنَّهُ يختلج مِنْهُ. وَقد اختلج، وَقيل: الخليج شُعْبَة تتشعب من الْوَادي تغير بعض مَائه إِلَى مَكَان آخر، وَالْجمع خلج وخلجان، وَفِي كتاب ابْن التِّين: الخليج وَاد عميق ينشق من آخر أعظم مِنْهُ، وَفِي (كتاب الْأَمَاكِن) للزمخشري: نحيل خليج أحد جبال مَكَّة، شرفها ا.
قَوْله: (يصلى عبد ا) ، أَي: عبد
ابْن عمر. قَوْله: (كتب) بِضَم الْكَاف وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة: جمع كثيب، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ رمل اجْتمع، وكل مَا اجْتمع من شَيْء وانهار فقد انكثب فِيهِ، وَمِنْه اشتق: الْكَثِيب من الرمل، فِي معنى مكثوب لِأَنَّهُ انصب فِي مَكَان وَاجْتمعَ فِيهِ وَالْجمع: كُثْبَان، وَهِي تلال من رمل. وَفِي (الْمُحكم) : الْكَثِيب من الرمل الْقطعَة تبقى محدودبة. وَقيل: هُوَ مَا اجْتمع واحدودب، وَالْجمع: أكثبة وكثب. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: إِنَّمَا سمي كثيباً لِأَن ترابه دقاق كَأَنَّهُ مكثوب أَي منثور بعضه على بعض لرخاوته. قَوْله: (كَانَ رَسُول ا) ، هَذَا مُرْسل من نَافِع. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء وَقد تَكَرَّرت هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: (فدحا) ، الْفَاء للْعَطْف: ودحا، من الدحو، وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهُوَ: الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي دحواً، قَالَه ابْن سَيّده. وَفِي (الغريبين) : كل شَيْء بسطته ووسعته فقد دحوته وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخل، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام ويروى: قد جَاءَ، بِكَلِمَة: قد، للتحقيق، وبكلمة: جَاءَ من الْمَجِيء.
قَوْله: (وَأَن عبد ابْن عمر حَدثهُ) ، أَي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (حَيْثُ الْمَسْجِد الصَّغِير) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: (جنب) ، بِالْجِيم وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمَسْجِد، مَرْفُوع على الرِّوَايَة الأولى لِأَن حَيْثُ، لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجُمْلَة على الْأَصَح. فتقديره: حَيْثُ هُوَ الْمَسْجِد، وَنَحْوه، وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة: مجرور. قَوْله: (بشرف الروحاء) هِيَ: قَرْيَة جَامِعَة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة وَهِي آخر السبالة للمتوجه إِلَى مَكَّة، وَالْمَسْجِد الْأَوْسَط فِي الْوَادي الْمَعْرُوف الْآن بوادي بني سَالم. قَوْله: (وَقد كَانَ عبد ايعلم) ، بِضَم الْيَاء من أعلم من الْعَلامَة وَفِي بعض النّسخ، يعلم، بِفَتْح الْيَاء من الْعلم. قَوْله: (على حافة الطَّرِيق) بتَخْفِيف: الْفَاء أَي على جَانب الطَّرِيق وحافتا الْوَادي: جانباه. قَوْله: (إِلَى الْعرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالقاف، أَي: عرق الظيبة. قَالَ الْكرْمَانِي: جبل صَغِير، وَيُقَال أَيْضا للْأَرْض الْملح الَّتِي لَا تنْبت، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ وَاد مَعْرُوف وَقَالَ ابْن فَارس تنْبت الطرفاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَحمَه ا: تنْبت الشَّجَرَة. وَقَالَ الْخَلِيل: الْعرق: الْجَبَل الدَّقِيق من الرمل المستطيل مَعَ الأَرْض قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع. وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: الْعرق هُوَ الْجَبَل الصَّغِير.
قَوْله: (عِنْد منصرف الروحاء) ، بِفَتْح الرَّاء فِي: منصرف، أَي: عِنْد آخرهَا. قَوْله: (وَقد ابتني) ، بِضَم التَّاء المنثناة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي. قَوْله: (وورائه) بِالْجَرِّ عطف على: يسَاره، وَبِالنَّصبِ بِتَقْدِير: فِي، ظرفا. قَوْله: (وأمامة) أَي: قُدَّام الْمَسْجِد. قَوْله: (من آخر السحر) ، وَهُوَ عبارَة عَمَّا بَين الصُّبْح: الْكَاذِب والصادق، وَالْفرق بَين العبارتين أَعنِي قَوْله: (آخر السحر) ، هُوَ أَنه أَرَادَ بآخر السحر، أقل من سَاعَة. أَو أَرَادَ الْإِبْهَام ليتناول قدر السَّاعَة، وَأَقل وَأكْثر مِنْهُ.
قَوْله: (سرحة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، وَأَرَادَ بهَا: الشَّجَرَة الضخمة أَي: الْعَظِيمَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) إِن أَبَا زيد قَالَ: السَّرْح من العضاه، واحدته سرحة، والسرح طوال فِي السَّمَاء، وَقد تكون السرحة دوحة محلا لَا وَاسِعَة يحل تحتهَا النَّاس فِي الصَّيف ويبنون تحتهَا الْبيُوت، وَقد تكون مِنْهُ العشة القليلة الْفُرُوع وَالْوَرق، وللسرح عِنَب يُسمى: آآء، واحدته: آءة، يَأْكُلهُ النَّاس أَبيض، ويربون مِنْهُ الرب، وورقته صَغِيرَة عريضة تَأْكُله الْمَاشِيَة لَو تقدر عَلَيْهِ، وَلَكِن لَا تقدر لطوله وَلَا صمغ لَهُ وَلَا مَنْفَعَة فِيهِ أَكثر مِمَّا أَخْبَرتك، إلَاّ أَن ظله صَالح فَمن أجل ذَلِك قَالَ الشَّاعِر، عَنْهَا بِامْرَأَة:
فيا سرحة الركْبَان ظلك بَارِد وماؤك عذب لَا يحل لشارب وَلَيْسَ للسرح شوك. وَقَالَ أَبُو عمر: والسرح يشبه الزَّيْتُون، وروى الْفراء عَن أبي الْهَيْثَم: أَن كل شَجَرَة لَا شوك فِيهَا فَهِيَ سرحة، يُقَال: ذهب إِلَى السَّرْح، وَهُوَ أسهل من كل شَيْء، وَأَخْبرنِي أَعْرَابِي قَالَ فِي السرحة غبرة، وَهِي دون الأثل فِي الطول، وورقها صغَار. وَهِي بسيطة الأفنان قَالَ: وَهِي مائلة النبتية أبدا وميلها من بَين جَمِيع الْأَشْجَار فِي شقّ الْيَمين، وَلم أبل على هَذَا الْأَعرَابِي كذبا، وَزعم بعض الروَاة: أَن السَّرْح من نَبَات القف. وَقَالَ غَيره: من نَبَات السهل، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَفِي (الْمُنْتَهى) : السَّرْح شجر عِظَام طوال. وَفِي (الْجَامِع) كل شَجَرَة طَالَتْ فَهِيَ سرحة. وَفِي (الْمطَالع) : قيل: هِيَ الدفلى، وَقَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ نبت. وَقيل: لَهَا هدب وَلَيْسَ لَهَا ورق، وَهُوَ يشبه الصُّوف.
قَوْله: (دون الرُّوَيْثَة) أَي: تحتهَا قريب مِنْهَا: والرويثة بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، على لفظ التصغير، قَالَ الْبكْرِيّ: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة عشر فرسخاً، وَمن الرُّوَيْثَة إِلَى السقيا عشر فراسخ، وَعقبَة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيْثَة، بَينهَا وَبَين العرج ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهِي غير الرُّوَيْثَة مَاء لبني عجل بَين طَرِيق الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَذكره ياقوت قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ الرقشة،
بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وإعجام الشين. قلت: لم يذكر الْبكْرِيّ إِلَّا الرقاش، وَقَالَ: هُوَ بلد. قَوْله: (ووجاه) ، بِضَم الْوَاو وَكسرهَا الْمُقَابل، وَهُوَ عطف على (الْيَمين) ، وَيجوز بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (بطح) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الطَّاء وسكونها: أَي وَاسع. قَوْله: (حَتَّى يُفْضِي) بِالْفَاءِ من الْإِفْضَاء بِمَعْنى الْخُرُوج يُقَال: أفضيت إِذا خرجت إِلَى الفضاء أَو بِمَعْنى الدّفع كَقَوْلِه تَعَالَى: {وفإذا أَفَضْتُم من عَرَفَات} . أَو بِمَعْنى الْوُصُول. قلت: الضَّمِير فِي: يُفْضِي، يرجع إِلَى مَاذَا؟ قلت يرجع إِلَى الرَّسُول،، وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْمَكَان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بِلَفْظ الْخطاب. قَوْله: (دوين) ، مصغر الدون، وَهُوَ نقيض: الفوق، وَيُقَال: هُوَ دون ذَاك. أَي: قريب مِنْهُ. والبريد هُوَ الْمُرَتّب وَاحِد بعد وَاحِد، وَالْمرَاد بِهِ مَوضِع الْبَرِيد، وَالْمعْنَى: بَينه وَبَين الْمَكَان الَّذِي ينزل فِيهِ الْبَرِيد بالرويثة ميلان، وَيُقَال: المُرَاد بالبريد سكَّة الطَّرِيق. قَوْله: (فانثنى) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ: انعطف. قَوْله: (وَهِي قَائِمَة على سَاق) أَي: كالبنيان لَيست متسعة من أَسْفَل وضيقة من فَوق.
قَوْله: (فِي طرف تلعة) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْعين الْمُهْملَة: وَهِي أَرض مُرْتَفعَة عريضة يتَرَدَّد فِيهَا السَّيْل، والتعلة: مجْرى المَاء من أَعلَى الْوَادي، والتلعة مَا انهبط من الأَرْض. وَقيل: التلعة مثل الرحبة، وَالْجمع فِي كل ذَلِك: تلع وتلاع، وَعَن صَاحب (الْعين) : التلعة: أَرض مُرْتَفعَة غَلِيظَة، وَرُبمَا كَانَت على غلظها عريضة. وَفِي (الْجَامِع) : التلعة من الْوَادي مَا اتَّسع من فوهته. وَقيل: هِيَ مسيل من الأَرْض المرتفعة إِلَى بطن الْوَادي، فَإِن صغر عَن ذَلِك فَهِيَ: شُعْبَة، فَإِذا عظم فَكَانَ نصف الْوَادي فَهِيَ: الميثاء وَعَن الرماني: الأَصْل فِي التلعة الِارْتفَاع. قَوْله: (العرج) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ جِيم: قَرْيَة جَامِعَة على طَرِيق مَكَّة من الْمَدِينَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة عشر ميلًا. قَالَ الْبكْرِيّ: قَالَ السكونِي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ على خَمْسَة أَمْيَال متن العرج وَأَنت ذَاهِب إِلَى هضبة عِنْدهَا قبران أَو ثَلَاثَة عَلَيْهَا رضم حِجَارَة. قَالَ كثير: إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه، وَبَين العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا. وَقَالَ ياقوت: العرج قَرْيَة جَامِعَة من نواحي الطَّائِف، وَالْعَرج: عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة على جادة الطَّرِيق، تذكر مَعَ السقيا، وسوق العرج: بلد بَين المحالب والمهجم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العرج وَاد بِالطَّائِف، وَالْعَرج أَيْضا: منزل بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة، وَجَاء فِيهِ فتح الرَّاء أَيْضا.
قَوْله: (إِلَى هضبة) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَقَالَ أَبُو زيد: الهضبة من الْجبَال مَا طَال واتسع وَانْفَرَدَ، وَهِي الهضبات والهضاب، وَعَن سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالُوا: هضبة وهضب. وَقَالَ صَاحب (الْعين) الهضبة كل جبل خلق من صَخْرَة وَاحِدَة، وكل صَخْرَة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة. وَفِي (الْجَامِع) : هِيَ الْقطعَة المرتفعة من أَعلَى الْجَبَل. وَفِي (الْمُجْمل) : هِيَ أكمة ملساء قَليلَة النَّبَات. وَفِي (الْمطَالع) : هِيَ فَوق الْكَثِيب فِي الِارْتفَاع وَدون الْجَبَل. قَوْله: (رضم حِجَارَة) ، الرضم هِيَ الْحِجَارَة الْبيض، والرضمة: الصَّخْرَة الْعَظِيمَة مثل الْجَزُور وَلَيْسَت بثابتة، وَالْجمع: رضم ورضام، ورضم الْحِجَارَة جعل بَعْضهَا على بعض، وكل بِنَاء بني بصخر رضيم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) : ومرضوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: رضم من حِجَارَة بتحريك الضَّاد. قَوْله: (عِنْد سلمات الطَّرِيق) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام فِي رِوَايَة أبي ذرة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ، بِفَتْح اللَّام. قيل: هِيَ بِالْكَسْرِ: الصخرات، وبالفتح: الشجرات. وَقَالَ أَبُو زِيَاد. من الْعضَاة السّلم، وَهُوَ سليب العيدان طولا يشبه القضبان لَيْسَ لَهُ خشب وَإِن عظم، وَله شوك دقاق طوال حَار، إِذا أصَاب رجل الْإِنْسَان وكل شَيْء من السلمة مر يدبغ بِهِ، قَالَه أَبُو حنيفَة. وَقَالَ غَيره من الروَاة: السلمة أطيب الغضاه ريحًا، وبرمتها أطيب الْبرم ريحًا، وَهِي صفراء تُؤْكَل، وَقيل: لَيْسَ شَجَرَة أردى من سَلمَة، وَلم يُوجد فِي ذرى سَلمَة صرد قطّ، وَيجمع على: أسلام، وَأَرْض مسلوم: إِذا كَانَت كَثِيرَة السّلم. وَفِي (الْجَامِع) : يجمع أَيْضا على: سلامى. قَوْله: (بَين أُولَئِكَ السلمات) ، وَفِي بعض النّسخ من أُولَئِكَ السلمات، وَهِي فِي النُّسْخَة الأولى ظَاهر التَّعَلُّق بِمَا قبله، وَفِي الثَّانِيَة بِمَا بعده. قَوْله: (بالهاجرة) وَهِي: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر.
قَوْله: (فِي مسيل) ، بِفَتْح الْمِيم: وَهُوَ الْمَكَان المنحدر. قَوْله: (دون هرشى) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مَقْصُور، على وزن: فعلى. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جبل من بِلَاد تهَامَة، وَهُوَ على ملتقى طَرِيق الشَّام وَالْمَدينَة فِي أَرض مستوية هضبة ململمة لَا تنْبت شَيْئا، وَهِي قَرْيَة بَين الْمَدِينَة وَالشَّام قريبَة من الْجحْفَة. يرى مِنْهَا الْبَحْر وَيقرب مِنْهَا طفيل، بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْفَاء وَهُوَ جبل أسود، على الطَّرِيق من
ثنية هرشى ثَلَاث أَوديَة غزال وَذُو ذوران وكلية، وَكلهَا لخزاعة، وبأعلى كُلية ثَلَاثَة أجبل صغَار يُقَال لَهَا: سنابك، وغدير خم وَاد يصب فِي الْبَحْر، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هرشى ثنية قَرْيَة من الْجحْفَة وَفِي (أَسمَاء الْجبَال) للزمخشري: هرشى هضبة دون الْمَدِينَة. وَقَالَ الشريف: على هرشى نقب فِي حرَّة بَين الأخيمصمي وَبَين السقيا على طَرِيق الْمَدِينَة، ويليه جبال يُقَال لَهَا: طوال هرشى. وَفِي (المغيث) للمديني: قيل سميت هرشى لمهارشة كَانَت بَينهم، والتهريش الْإِفْسَاد بَين النَّاس. قَوْله: (من غلوة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغلوة الْغَايَة مِقْدَار رمية. وَفِي (المغيث) لَا تكون الغلوة إِلَّا مَعَ تصعيد السهْم. وَقَالَ ابْن سَيّده: غلا بِالسَّهْمِ غلواً وغلواً وغالا بِهِ غلاءً وَرفع بِهِ يَده يُرِيد أقْصَى الْغَايَة، وَهُوَ من التجاوز. وَرجل غلاء: بعيد الغلو بِالسَّهْمِ، وغلا السهْم نَفسه: ارْتَفع فِي ذَهَابه، وَجَاوَزَ المدى، وَكَذَلِكَ الْحجر، وكل مرماة: غلوة. وَالْجمع غلواة وَغَلَاء، وَقد تسْتَعْمل الغلوة فِي سباق الْخَيل. قَالَت الْفُقَهَاء: الغلوة أَرْبَعمِائَة ذِرَاع.
قَوْله: (مر الظهْرَان) زعم الْبكْرِيّ أَنه بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه، مُضَاف إِلَى: الظهْرَان، بِظَاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة: بَين مر وَالْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا. قلت: هُوَ الْوَادي الَّذِي تسميه الْعَامَّة بطن مر، وبسكون الرَّاء بعْدهَا وَاو، وَقَالَ كثير عزة سميت مرا لمرارة مَائِهَا. وَقَالَ أَبُو غَسَّان: سميت بذلك لِأَن فِي بطن الْوَادي بِئْرا ونخلة كبابة بعرق من الأَرْض أَبيض هجامر، إلَاّ أَن الْمِيم مَوْصُولَة بالراء، وببطن مر تخزعت خُزَاعَة من أخواتها فَبَقيت بِمَكَّة شرفها اتعالى، وسارت أخواتها إِلَى الشَّام أَيَّام سيل العرم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مر الظهْرَان بتهامة قريب من عَرَفَة. وَعَن صَاحب (الْعين) : الظهْرَان من قَوْلك: مر ظهْرهمْ، وَقَالَ الْفراء: لم أسمع إِلَّا بتثنيته لم يجمع وَلم يوحد. قَوْله: (قبل الْمَدِينَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مقابلها وجهتها. قَوْله: (من الصفراوات) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء جمع صفراء، وَهِي الأودية أَو الْجبَال بعد مر الظهْرَان.
قَوْله: (تنزل) بِلَفْظ الْخطاب ليُوَافق أَنْت. قَوْله: (بِذِي طوى) ، بِضَم الطَّاء فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بِذِي الطوى، بِزِيَادَة الْألف وَاللَّام. وَقَيده الْأصيلِيّ بِالْكَسْرِ، وَحكى عِيَاض وَغَيره الْفَتْح أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ذُو طوى، بِالْفَتْح على الْأَفْصَح، وَيجوز ضمهَا وَكسرهَا، وبفتح الْوَاو المخففة. وَفِيه لُغَتَانِ: الصّرْف وَعَدَمه، عِنْد بَاب مَكَّة بأسفلها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ذُو طوى، بِالضَّمِّ مَوضِع بِمَكَّة وَأما طوى، فَهُوَ اسْم مَوضِع بِالشَّام تكسر طاؤه وتضم. قَوْله: (وَلَكِن أَسْفَل) بِالرَّفْع، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَبِالنَّصبِ أَي: فِي أَسْفَل.
قَوْله: (فرضتي الْجَبَل) ، وَيُقَال أَيْضا لمدخل النَّهر وفرضة الْبِئْر ثلمته الَّتِي تسقى مِنْهَا وَفِي (الْمُحكم) فرضة النَّهر مشرب المَاء مِنْهُ وَالْجمع: فرض وفراض. قَوْله: (نَحْو الْكَعْبَة) ، أَي: ناحيتها، وَهُوَ مُتَعَلق بالطويل أَو ظرف للجبل أَو بدل من الفرضة. قَوْله: (فَجعل) الظَّاهِر أَنه من كَلَام نَافِع، وفاعله: عبد ا، ويسار مفعول ثَان. قَوْله: (بِطرف الأكمة) صفة لِلْمَسْجِدِ الثَّانِي.
ذكر بَاقِي المتعلقات وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي. وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي (كتاب الْمَرَاسِيل) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة: عَم بكير بن عبد االأشج قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَة مَسَاجِد مَعَ مَسْجِد النَّبِي يسمع أَهله تأذين بِلَال، رَضِي اتعالى عَنهُ، فيصلون فِي مَسَاجِدهمْ أقربها مَسْجِد بني عَمْرو بن مبذول، وَمَسْجِد بني سَاعِدَة، وَمَسْجِد بني عبيد، وَمَسْجِد بني سَلمَة، وَمَسْجِد بني رَايِح بن عبد الْأَشْهَل، وَمَسْجِد بني زُرَيْق، وَمَسْجِد غفار، وَمَسْجِد أسلم، وَمَسْجِد جُهَيْنَة، وَشك فِي التَّاسِع. وَفِي كتاب (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد عَمْرو بن شبة النميري النَّحْوِيّ الأخباري، بِسَنَد لَهُ فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ: عَن رَافع بن خديج: صلى النَّبِي، فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأحد فِي شعب الجرار على يَمِينك اللازق بِالْجَبَلِ: وَعَن أسيد بن أبي أسيد عَن أشياخه أَن النَّبِي،، دَعَا على الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِد الْفَتْح. وَصلى فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأَصْل الْجَبَل حِين تصعد الْجَبَل: وَعَن عمَارَة ابْن أبي الْيُسْر: صلى النَّبِي فِي الْمَسْجِد الْأَسْفَل. وَعَن جَابر: دَعَا النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فِي الْمَسْجِد الْمُرْتَفع وَرفع يَدَيْهِ مدا، وَعَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني خدارة، وَعَن عَمْرو بن قَتَادَة أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صلى لَهُم فِي مَسْجِد فِي بني أُميَّة من الْأَنْصَار، وَكَانَ فِي مَوضِع الخربتين اللَّتَيْنِ عِنْد مَال نهيك. وَعَن الْأَعْرَج أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صلى على ذُبَاب وَهُوَ: جبل بِالْمَدِينَةِ، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وبالبائين الموحدتين،
وَفِي لفظٍ كَانَ ضرب قُبَّته يَوْم الخَنْدَق عَلَيْهِ، وَعَن جَابر بن أُسَامَة قَالَ: خطّ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَسْجِد جُهَيْنَة لَيْلًا، وَفِي لفظٍ (وَصلى فِيهِ) ، وَعَن سعد بن إِسْحَاق: (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة الْخَارِج من بيُوت الْمَدِينَة، وَفِي مَسْجِد بني بياضة وَفِي مَسْجِد بني الحبلى وَمَسْجِد بني عصية) . وَعَن الْعَبَّاس بن سهل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة، وَعَن يحيى بن سعد: (كَانَ النَّبِي يخْتَلف إِلَى مَسْجِد أبي فَيصَلي فِيهِ غير مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ لأكثرت الصَّلَاة فِيهِ) . وَعَن يحيى بن النضرة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد أبي بن كَعْب فِي بني جديلة وَمَسْجِد بني عمر بن مبذول وَمَسْجِد بني دِينَار وَمَسْجِد النَّابِغَة وَمَسْجِد ابْن عدي، وَجلسَ فِي كَهْف سلع: وَعَن هِشَام بن عُرْوَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد بلحارث بن الْخَزْرَج وَمَسْجِد السخ وَمَسْجِد بني خطمة وَمَسْجِد الفضيح وَفِي صَدَقَة الزبير وَفِي بني محمم وَفِي بَيت صرمة فِي بني عدي) .
وَعَن الْحَارِث بن سعيد: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني حَارِثَة وَبني ظفر وَبني عبد الْأَشْهَل) . وَعَن اسماعيل بن حَبِيبَة (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد واقم) . وَعَن ابْن عمر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني مُعَاوِيَة) . وَعَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد عَاتِكَة فِي بني سَالم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الخربة، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَمَسْجِد بني حزَام الَّذِي بالقاع) . وَعَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك: (أَن النَّبِي، صلى فِي صدقته) . وَعَن يحيى بن إِبْرَاهِيم: (أَن النَّبِي، فِي مَسْجِد رَايِح) . وَعَن زيد بن سعد: (أَن النَّبِي صلى فِي حَائِط أبي الْهَيْثَم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى الظّهْر يَوْم أحد على عينين) . وَعَن عَليّ بن رَافع: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت امْرَأَة من الْخضر، فَأدْخل ذَلِك فِي الْبَيْت فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة) . وَعَن سَلمَة الخطمي: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت المقعدة عِنْد مَسْجِد وَائِل فِي مَسْجِد العجوزة) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، عرض الْمُسلمين بالسقيا الَّتِي بِالْحرَّةِ مُتَوَجها إِلَى بدر وَصلى بهَا) .
وَعَن الْمطلب: (أَن النَّبِي صلى فِي بني سَاعِدَة، وَصلى فِي الْمَسْجِد الَّذِي عِنْد السخين وَبَات فِيهِ وَهُوَ الَّذِي عِنْد (البَائِع)) . وَعَن هِشَام: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة بالمعرس) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة) . وَعَن ربيعَة بن عُثْمَان: (أَن النَّبِي صلى فِي بَيت إِلَى جنب مَسْجِد بني خدرة) . قَالَ أَبُو غَسَّان: قَالَ لي غير وَاحِد من أهل الْعلم: إِن كل مَسْجِد من مَسَاجِد الْمَدِينَة ونواحيها مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المنقوشة الْمُطَابقَة فقد صلى فِيهِ النَّبِي، وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى مَسْجِد النَّبِي سَأَلَ، وَالنَّاس يَوْمئِذٍ متوافرون، عَن الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي فِي دَار الشفا عَن يَمِين من دخل الدَّار، وَصلى فِي دَار بسرة بنت صَفْوَان، وَفِي دَار عَمْرو بن أُميَّة الضمرى. قلت: قد اندرس أَكثر هَذِه الْمَسَاجِد وَبَقِي من الْمَشْهُور الْآن مَسْجِد قبا، وَمَسْجِد بني قُرَيْظَة، ومشربة أم إِبْرَاهِيم وَهِي شمَالي مَسْجِد قُرَيْظَة، وَمَسْجِد بني ظفر، شَرْقي البقيع وَيعرف: بِمَسْجِد البغلة، وَمَسْجِد بني مُعَاوِيَة وَيعرف بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَمَسْجِد الْفَتْح قريب من جبل سلع، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ فِي بني سَلمَة.
الْوَجْه الثَّانِي فِي بَيَان وَجه تتبع عبد ابْن عمر الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول ا، وَهُوَ أَنه يسْتَحبّ التتبع لآثار النَّبِي والتبرك بهَا، وَلم يزل النَّاس يتبركون بمواضع الصَّالِحين. وَقد روى شُعْبَة عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد، قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي اعنه، فِي سفر فصلى الْغَدَاة ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي. فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب، إِنَّهُم كَانُوا اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ فاتخذوا كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل، وَإِلَّا فليمض. قَالُوا: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه ذكر ذَلِك فَلِأَنَّهُ خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع، فيشكل ذَلِك على من يَأْتِي بعدهمْ، وَيرى ذَلِك وَاجِبا. وَكَذَا يَنْبَغِي للْعَالم إِذا رأى النَّاس يلبتزمون النَّوَافِل التزاماً شَدِيدا أَن يترخص فِيهَا فِي بعض المرات وَيَتْرُكهَا ليعلم بِفِعْلِهِ، ذَلِك أَنَّهَا غير وَاجِبَة، كَمَا فعل ابْن عَبَّاس فِي ترك الْأُضْحِية.
الْوَجْه الثَّالِث: فِيمَا نقل عَن الْفُقَهَاء فِي ذَلِك، روى أَشهب عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا الشَّارِع؟ فَقَالَ: مَا يُعجبنِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كَالبُنْيَانِ) بضمِّ المُوحَّدة، أي: كالحائط (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) نُصِبَ (١) على المفعوليَّة، وسابقه فاعلٌ لسابقه، وللمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٢): «شدَّ» بلفظ الماضي (وَشَبَّكَ ﷺ أَصَابِعَهُ) وللأَصيليِّ: «بين أصابعه».
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون، وفيه رواية الابن (٣) عن جدِّه، ورواية جدِّه عن أبيه والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٢٦] و «المظالم» [خ¦٢٤٤٦]، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» والنَّسائيُّ (٤).
٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصورٍ كما جزم به أبو نُعيمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ) بضمِّ المُعجَمة، ولابن عساكر: «النَّضر بن شميلٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ عَوْنٍ)
بفتح العين وسكون الواو، عبد الله (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ): (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ) بفتح العين المُهمَلة وتشديد الياء، وهو من أوَّل الزَّوال إلى الغروب، وللمُستملي والحَمُّويي: «صلاة العشاء» بالمدِّ، ووهم في ذلك لما صحَّ أنَّها الظُّهر أو العصر. (-قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ: قد (سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا-) أهي الظُّهر أم العصر؟ (قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) أي: موضوعةٍ بالعرض، أو مطروحةٍ (فِي) ناحية (المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ) ﵊ (عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى) ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «على يده اليسرى» (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ووضع يده اليمنى» بدل «خدِّه الأيمن» والرِّواية الأولى أَوْلى لئلَّا يلزم التَّكرار (وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ) بفتح السِّين والرَّاء المُهمَلتين وضمِّ النُّون، فاعل «خرج» أي: أوائل النَّاس الَّذين يتسارعون، وضبطه الأَصيليُّ ممَّا في غير (١) «اليونينيَّة»: «سُرْعان» بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، جمع سريعٍ ككَثِيبٍ وكُثْبَان (٢)، وهو المسرع للخروج، وقول أبي الفرج فيما حكاه الزَّركشيُّ إنَّ فيه ثلاث لغاتٍ: فتح السِّين وكسرها وضمُّها، والرَّاء ساكنةٌ، والنُّون نصبٌ أبدًا، تعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه إنَّما هو في «سرعان» الَّذي هو اسم فعلٍ (٣)، أي: سَرُع ولذا قال: والنُّون نصبٌ أبدًا، أي: مفتوحةٌ لا تتغيَّر (٤) عن الفتح لأنَّها حركة بناءٍ، فأمَّا جمع سريعٍ فمعربٌ، تعتور (٥) نونه (٦) الحركات الثَّلاث (٧)، فنقل
اللَّفظ في غير محلِّه، كما ترى. انتهى. (فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟!) بفتح القاف وضمِّ الصَّاد على البناء للفاعل، أو «قُصِرت» (١) من: قُصِر يُقصَر بضمِّ القاف وكسر الصَّاد على البناء للمفعول، وعُزِي لأصل الحافظ المنذريِّ (وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا) بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي روايةٍ: «فَهَابَاه» أي: خافاه (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) ﵇ إجلالًا له (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) هو الخرباق، وكان (فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) بالفتح ثمَّ الضَّمِّ، أو الضَّمِّ ثمَّ الكسر كالسَّابقة (قَالَ) ﵊: (لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تُقْصَرْ) أي: الصَّلاة (فَقَالَ) ﵊ للحاضرين: (أَكَمَا) أي: الأمر كما (يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ) الأمر كما يقول (فَتَقَدَّمَ) ﵊ (فَصَلَّى مَا تَرَكَ) أي: الَّذي تركه، وهو الرَّكعتان (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ) وسقط لابن عساكر «ثُمَّ كَبَّرَ» (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) أي: سألوا ابن سيرين: هل في الحديث (ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ «يقول»: (نُبِّئْتُ) بضمِّ النُّون أي: أُخبِرت (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ) ولأبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق أشعث عن ابن سيرين: حدَّثني خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن عمِّه أبي المُهلَّب عن عمران بن حصينٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم فَسَها، فسجد سجدتين ثمَّ تشهَّد ثمَّ سلَّم» فبيَّن أشعثُ الواسطة بين ابن سيرين وبين عمران.
ومباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب السَّهو»، ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «السَّهو» [خ¦١٢٢٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمقَام من الْأَنْوَار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أَن كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ، وَأَنه لَو صلى فِي بَيته كَانَ يحصل لَهُ ثَوَاب عشر صلوَات، وَكَذَا لَو صلىَّ فِي سوقه كَانَ لكل صَلَاة عشر، ثمَّ أَنه إِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُضَاعف لَهُ مثله فَيصير ثَوَاب عشْرين صَلَاة، أَو زِيَادَة الْخمس فَلِأَنَّهُ أدّى فرضا من الْفُرُوض الْخَمْسَة، فأنعم اعليه ثَوَاب خمس صلوَات أُخْرَى نَظِير عدد الْفُرُوض الْخَمْسَة زِيَادَة عشْرين إنعاماً وفضلاً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَتَصِير الْجُمْلَة خَمْسَة وَعشْرين. وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: إِن مَرَاتِب الْأَعْدَاد آحَاد وعشرات ومآت وألوف، والمآت من الأوساط، وَخير الْأُمُور أوسطها، والخمسة وَالْعشْرُونَ ربع الْمِائَة، وللربع حكم الْكل. وَأما زِيَادَة السَّبع، فَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمناسبة أعداد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِذْ الْفَرَائِض سَبْعَة عشر والرواتب الْمُؤَكّدَة عشرَة. انْتهى. قلت: الرَّوَاتِب الْمَذْكُورَة اثْنَي عشر، لحَدِيث المثابرة فَتَصِير: تِسْعَة وَعشْرين، فَلَا يُطَابق الْوَاقِع، فَنَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن أَيَّام الْعُمر سَبْعَة، فَإِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُزَاد لَهُ على الْعشْرين ثَوَاب سبع صلوَات، كل صَلَاة من صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة من الْأَيَّام السَّبْعَة. وَأما الْوتر فَلَعَلَّهُ شرع بعد ذَلِك، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا: هَل هَذَا الْفضل لأجل الْجَمَاعَة فَقَط حَيْثُ كَانَت؟ أَو أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الَّتِي تكون فِي الْمَسْجِد لما يلْزم ذَلِك من أَفعَال تخْتَص بالمساجد؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالظَّاهِر الأول، لِأَن الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم. وَا أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن الصَّلَاة فِيهِ للمنفرد دَرَجَة من خمس وَعشْرين دَرَجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يقل يُسَاوِي صلَاته مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين حَتَّى يكون لَهُ دَرَجَة مِنْهَا، بل قَالَ: تزيد، فَلَيْسَ للمنفرد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين شَيْء قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب، فَلَو كَانَ وقف على الرِّوَايَات الَّتِي ذَكرنَاهَا لما قَالَ ذَلِك كَذَلِك. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت والأسواق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن صَلَاة الْجَمَاعَة لَا يفضل بَعْضهَا على بعض بِكَثْرَة الْجَمَاعَة، ورد هَذَا بِمَا ذكرنَا عَن ابْن حبَان، وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى اتعالى، وَإِلَى مطلوبية الْكَثْرَة ذهب الشَّافِعِي وَابْن حبيب الْمَالِكِي.
٨٨ - (بَاب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع، سَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَالْمَوْجُود فِي غَالب النّسخ فِي هَذَا الْبَاب حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْآخر: حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي بعض النّسخ حَدِيث آخر عَن ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، وجد ذَلِك بِخَط البرزالي وَلم يَسْتَخْرِجهُ الحافظان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال أَيْضا، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (كتاب الْأَطْرَاف) أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ، وَهُوَ هَذَا.
٨٧٤٧٣١ - ح دّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قَالَ حدّثنا عاصِمٌ قَالَ حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أوِ ابنِ عَمْروٍ قَالَ شَبَّكَ النبيُّ أصَابِعَهُ. وَقَالَ عاصِمُ بنُ عَلِيٍ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحدِيثَ منْ أبي فَلَمْ أحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ ااِ قَالَ رسولُ اللَّهِ يَا عَبْدَ ابنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَيْدِيّ فِي مْسْنَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النَّبِي أصَابِعَهُ وَقَالَ كَيْفَ أنْتَ يَا عَبْدَ ااِ إذَا بَقِيْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قَالَ فَكَيْفَ أفْعَلُ يَا رَسولَ ااِ قَالَ تأخذُ مَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. (انظرالحديث ٩٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد جزئيها، وَاكْتفى البُخَارِيّ بدلالته على بعض التَّرْجَمَة حَيْثُ دلّ أبي هُرَيْرَة على تَمامهَا.
ذكر رِجَاله فِيهِ تِسْعَة أنفس: الأول: حَامِد بن عمر البكراوي من ذُرِّيَّة أبي بكر الثَّقَفِيّ نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، مَاتَ بنيسابور أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل الرقاشِي الْحجَّة، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيُصلي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد ابْن عمر بن الْخطاب الْعمريّ الْمدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره. الرَّابِع: أَخُو عَاصِم، وَهُوَ: وَاقد، بِالْقَافِ: ابْن مُحَمَّد بن زيد الْمَذْكُور، ثقه أَبُو زرْعَة وَغَيره. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن عبد ا، وَثَّقَهُ غير وَاحِد. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ. الثَّامِن: أَبُو عبد اوهو البُخَارِيّ نَفسه. التَّاسِع: عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ شيخ البُخَارِيّ والدارمي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) : كَانَ من ثِقَات الشُّيُوخ وأعيانهم. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِثِقَة، وَفِي رِوَايَة: كَذَّاب، مَاتَ فِي نصف رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع. وَفِيه: الشَّك بَين عبد ابْن عمر بن الْخطاب وَبَين عبد ابْن عمر بن الْعَاصِ، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من وَاقد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن عَليّ) تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَوَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، قَالَ: حدّثنا عَاصِم بن عَليّ حدّثنا عَاصِم بن مُحَمَّد عَن وَاقد سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ عبد ا، قَالَ: رَسُول ا، فَذكره. قَوْله: (فِي حثالة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا يخرج من الطَّعَام من زوان وَنَحْوه مِمَّا لَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: هُوَ أجل من التُّرَاب والدقاق قَلِيلا، وَخَصه بِالْحِنْطَةِ، والحثالة والحثل: الرَّدِيء من كل شَيْء، وَقيل: هُوَ القشارة من التَّمْر وَالشعِير وَمَا أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قَوْله: (مرجت عهودهم) ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : مرجت عهودهم: إِذا لم تثبت، وَأمر حجوها: إِذا لم يوفوا بهَا وخلطوها، ومرجت أمانتهم فَسدتْ، ومرج الدّين اخْتَلَط واضطرب. وَفِي (الْمُحكم) : مرج الْأَمر مرجاً فَهُوَ مارج ومريج: الْتبس وَاخْتَلَطَ، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، وَرجل ممارج يمرج أُمُوره وَلَا يحكمها ومرج الْعَهْد وَالدّين وَالْأَمَانَة: فسد، وأمرج عَهده: لم يَفِ بِهِ، قَوْله: (وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، أَي: شَبكَ النَّبِي بَين أَصَابِعه ليمثل لَهُم اختلاطهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ: جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع سَوَاء فِي الْمَسْجِد أَو غَيره لإِطْلَاق الحَدِيث، وَلَكِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي الصَّلَاة، وَكره إِبْرَاهِيم ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَهُوَ قَول مَالك، وَرخّص فِي ذَلِك ابْن عمر وَابْنه سَالم، فَكَانَ يشبكان بَين أصابعهما فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يشبك بَين أَصَابِعه فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: إِنَّهُم لينكرون تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَمَا بِهِ بَأْس.
وَإِنَّمَا يكره فِي الصَّلَاة، وقدروه النَّهْي عَن ذَلِك فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، فَقَالَ: حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن عبد اعن عبيد ابْن عمر عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: يَا كَعْب، إِذا تَوَضَّأت فأحسنت الْوضُوء، ثمَّ خرجت إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تشبك بَين أصابعك فَإنَّك فِي صَلَاة) . وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يفعل هَكَذَا، وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن موهب عَن عَمه عَن مولى لأبي سعيد، وَهُوَ مَعَ رَسُول ا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد فَرَأى رجلا جَالِسا وسط النَّاس وَقد شَبكَ بَين أَصَابِعه يحدث نَفسه، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله فَلم يفْطن لَهُ، فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان) . فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لأحاديث الْبَاب قلت: غير مقاومة لَهَا فِي الصِّحَّة، وَلَا مُسَاوِيَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه مُعَارضَة بِمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن
التشبيك فِي الْمَسْجِد، وَقد وَردت فِيهِ مَرَاسِيل، ومسند من طرق غير ثَابِتَة قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالمسند حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث كَعْب هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قلت: فِي اسناده اخْتِلَاف، فضعفه بَعضهم بِسَبَبِهِ، وَقيل: لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن فعل ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو فِي الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة وَفعله لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا مُعَارضَة إِذا، وَبَقِي كل حَدِيث على حياله فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب وَقع تشبيكه وَهُوَ فِي الصَّلَاة قلت: إِنَّمَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة فِي ظَنّه فَهُوَ فِي حكم المنصرف عَن الصَّلَاة، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ذَلِك مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد ضعيفه، لِأَن فِيهَا ضَعِيفا ومجهولاً، وَقد رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان، وَإِن أحدكُم لَا يزَال فِي صَلَاة مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: التَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث تعَارض، إِذا الْمنْهِي عَنهُ فعله على وَجه الْعَبَث وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُود التَّمْثِيل وتصوير الْمَعْنى فِي اللَّفْظ فَإِن قلت: مَا حكمه النَّهْي عَن التشبيك؟ قلت: أُجِيب بأجوبة. الأول: لكَونه من الشَّيْطَان، كَمَا مر الْآن. الثَّانِي: لِأَنَّهُ يجلب النّوم، وَهُوَ من مظان الْحَدث. الثَّالِث: أَن صُورَة التشبيك تشبه صُورَة الِاخْتِلَاف، كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث ابْن عمر، فكره ذَلِك لمن هُوَ فِي حكم الصَّلَاة حَتَّى لَا يَقع فِي الْمنْهِي عَنهُ. قَوْله: للمصلين: (وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبهم) ، وَا تَعَالَى أعلم.
٢٨٤ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قلَ صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ إحْدَى صَلَاتِي العَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتْينِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ووضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وفِي
القَوْمِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَهَابَاهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ يَا رسولَ اللَّهِ أنَسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قالَ لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سلَّمَ ثُم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْولَ ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ فَرُبَّما سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. (الحَدِيث ٢٨٤ أَطْرَافه فِي: ٤١٧، ٥١٧، ٧٢٢١، ٨٢٢١، ٩٢٢١، ١٥٠٦، ٠٥٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يدل على تَمامهَا، لِأَن التشبيك إِذا جَازَ فِي الْمَسْجِد فَفِي غَيره أولى بِالْجَوَازِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، تقدم فِي بَاب فضل من علم. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، بِضَم الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب العنزة. الثَّالِث: عبد ابْن عون، تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور هُوَ المجزوم بِهِ عِنْد أبي نعيم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد ابْن مسلمة عَن مَالك وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَليّ ابْن نصر بن عَليّ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد وَعَن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا.
ذكر مَعْنَاهُ) . قَوْله: (إِحْدَى صَلَاتي الْعشي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (الْعشَاء) ، بِالْمدِّ، وَالظَّاهِر أَنه وهم لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (صلى بِنَا النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (صلى بِنَا النَّبِي الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ. (صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر، وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) . قَوْله: (وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) هُوَ قَول ابْن سِيرِين أَي: أكبر ظَنِّي أَن أَبَا هُرَيْرَة ذكر صَلَاة الظّهْر، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَأطلق على الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، لِأَن العشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال إِلَى الْمغرب فَإِن قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة؟ قلت: الَّذِي ذكره هُوَ أصل الْوَضع، وَفِي الإستعمال يُطلق على مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْعشي، بِفَتْح الْعين وَكسر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مَا بَين زَوَال الشَّمْس وغروبها.
قَوْله: (معروضة) أَي: مَوْضُوعَة بِالْعرضِ أَو مطروحة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. قَوْله: (وضع يَده الْيُمْنَى) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَضع حَال التشبيك وَأَن يكون بعد زَوَاله، وَعند الْكشميهني: (وضع خَدّه الْأَيْمن) بدل: يَده الْيُمْنَى) . قَوْله: (السرعان) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس، بِالتَّحْرِيكِ: أوائلهم، وَيُقَال: أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم، وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة، وَكَذَا ضَبطه المتقنون. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السرعان، بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة، وَيجوز تسكين الرَّاء قلت: وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم، قَالَ: وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ، بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وَمن قَالَ: سرعَان، بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ. وَقيل: يُقَال أَيْضا: سرعَان بِكَسْر السِّين وَالرَّاء وَهُوَ جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وَأما أَقْوَالهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله:، " قصرت الصَّلَاة " بِضَم الْقَاف وَكسر الصَّاد ويروى بِفَتْح الْقَاف وَضم الصَّاد قَوْله " فهاباه " أَي هاب أَبُو بكر وَعمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ويروى: (فَهَابَا) ، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَهُوَ من الهيبة، وَهُوَ: الْخَوْف والاجلال، وَقد هابه يهابه، وَالْأَمر مِنْهُ: هَب، بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (أَن يُكَلِّمَاهُ) كلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: من التكليم. قَوْله: (وَفِي الْقَوْم رجل) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذُو الْيَدَيْنِ) فِيهِ رِوَايَات: فَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَقَامَ رجل طَوِيل الْيَدَيْنِ كَانَ رَسُول الله سَمَّاهُ ذَا الْيَدَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ رجل من بني سليم) ، وَفِي رِوَايَة: (رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق بن عَمْرو، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول) . وَفِي رِوَايَة: (وَكَانَ رجلا بسيط الْيَدَيْنِ) ، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا؟ فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) .
وخرباق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن عبد عَمْرو السّلمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : ذُو الْيَدَيْنِ، وَيُقَال لَهُ: ذُو الشمالين أَيْضا: ابْن عبد عَمْرو بن فضلَة الْخُزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عبد االعدني فِي (مُسْنده) : قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: ذُو الْيَدَيْنِ أحد أجدادنا، وَهُوَ ذُو الشمالين بن عَمْرو بن ثَوْر بن ملكان بن أفْضى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ: (صلى النَّبِي بِالنَّاسِ ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: حدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمَا ذَلِك؟ قَالُوا: لم نصل إلَاّ ثَلَاث رَكْعَات. فَقَالَ: أكذاك يَا ذَا الْيَدَيْنِ؟ وَكَانَ يُسمى ذَا الشمالين، فَقَالَ: نعم. فصلى رَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (معرفَة الصَّحَابَة) : ذُو الْيَدَيْنِ اسْمه الْخِرْبَاق من بني سليم، كَانَ نزل بِذِي خشب من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشمالين خزاعي حَلِيف لبني زهرَة، قتل يَوْم بدر، وَأَن قصَّة ذِي الشمالين كَانَت قبل بدر، ثمَّ أحكمت الْأُمُور بعد ذَلِك.
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فقد ذكر مُسلم فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن اسْمه الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بسيط الْيَدَيْنِ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: رجل من بني سليم وَوَقع للعذري: سلم وَهُوَ خطأ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر مُفَسرًا، فَقَالَ فِيهِ: ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بني سليم، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: ذُو الشمالين رجل من بني زهرَة، وبسبب هَذِه الْكَلِمَة ذهب الحنفيون إِلَى أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالُوا: لِأَن ذَا الشمالين قتل يَوْم بدر فِيمَا ذكره أهل السّير، وَهُوَ من بني سليم، فَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح لَهُم، وَإِن قتل ذُو الشمالين يَوْم بدر فَلَيْسَ هُوَ بالخرباق، وَهُوَ رجل آخر حَلِيف لبني زهرَة اسْمه: عُمَيْر بن عبد عَمْرو من خُزَاعَة، بِدَلِيل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ومشاهدته خَبره، وَلقَوْله: صلى بِنَا رَسُول ا، وَذكر الحَدِيث، وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِخَير بعد يَوْم بدر بِسنتَيْنِ، فَهُوَ غير ذِي الشمالين المستشهد ببدر، وَقد عدوا قَول الزُّهْرِيّ فِيهِ هَذَا من وهمه، وَقد عدهما بَعضهم حديثين فِي نازلتين وَهُوَ الصَّحِيح لاخْتِلَاف صفتهما، لِأَن فِي حَدِيث الْخِرْبَاق ذَا الشمالين أَنه: سلم من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: من اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيث الْخِرْبَاق: إِنَّهَا الْعَصْر، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: الظّهْر لغير شكّ عِنْد نعضهم، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك كُله. اناتهى. وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين الْمَقْتُول ببدر بِدَلِيل مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَنه ذُو الشمالين، فَلم يُتَابع عَلَيْهِ.
قلت: الْجَواب على ذَلِك كُله مَعَ تَحْرِير الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع أَنه: وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ: ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق كَمَا ذكرنَا حَيْثُ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حدّثنا عبد الرَّزَّاق حدّثنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين ابْن عَمْرو: أنقضت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ النَّبِي: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق يَا رَسُول ا، فَأَتمَّ لَهُم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقصتا) ، وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: أَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي حَدثنِي أَبُو ضَمرَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (نسي رَسُول الله فَسلم فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ ذُو الشمالين: اقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَسُول ا: أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم، فَقَامَ رَسُول الله فَأَتمَّ الصَّلَاة) ، وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح صَرِيح فِيهِ أَيْضا أَن: ذَا الشمالين، وَهُوَ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك
عمرَان بن أبي أنس، قَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن زيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رَسُول ا، صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فأدركه ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُول اانقصت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ: لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ: بلَى، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول ا، أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) : وَهَذَا يضاً سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ: عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره نَحوه، فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم ينْفَرد بذلك، وَأَن الْمُخَاطب للنَّبِي ذُو الشمالين، وَأَن من قَالَ ذَلِك لم يهم، وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيح عدم صِحَّته، فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، وَهَذَا أولى من جعله رجلَيْنِ لِأَنَّهُ خلاف الأَصْل فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا وَاسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي، فَقَالَ: الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين بن عبد عَمْرو بن فضلَة، حَلِيف بني زهرَة من خُزَاعَة: وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي، بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي. كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد االحافظ، ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ، قَالَ شُعَيْب: يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول ا: الحَدِيث؛ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ بعض الروَاة: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ ذُو الشمالين: يَا رَسُول اأقصرت الصَّلَاة؟ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد ايقول: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو قلت: سَنَده ضَعِيف لِأَن فِيهِ معدي بن سُلَيْمَان، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يحدث عَن ابْن عجلَان مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الثِّقَات، والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الإحتجاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَفِي سَنَده أَيْضا شهيب لم يعرف حَاله وَولده مطير، قَالَ فِيهِ ابْن الْجَارُود: روى عَنهُ ابْنه شُعَيْب لم يكْتب حَدِيثه، وَفِي (الضُّعَفَاء) للذهبي: لم يَصح حَدِيثه، وَفِي (الكاشف) : مطير بن سليم عَن ذِي الزَّوَائِد وَعنهُ أَبنَاء شُعَيْب وسليم لم يَصح حَدِيثه.
ولضعف هَذَا السَّنَد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) : ذُو الْيَدَيْنِ بَقِي بعد النَّبِي فِيمَا يُقَال، وَلَقَد أنصف وَأحسن فِي هَذِه الْعبارَة، ثمَّ إِن قَول شَيْخه أبي عبد ا: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، غير صَحِيح، روى مَالك فِي (موطئِهِ) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن أبي بكر بن سُلَيْمَان عَن أبي خثيمَةَ: (بَلغنِي أَن رَسُول الله ركعه رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي النَّهَار، الظّهْر أَو الْعَصْر، فَسلم من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين، رجل من بني زهرَة بن كلاب: أقصرت الصَّلَاة؟)
الحَدِيث، وَفِي آخِره: مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه ذُو الشمالين وَأَنه من بني زهرَة فَإِن قلت: هُوَ مُرْسل. قلت: ذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : أَنه مُتَّصِل من وُجُوه صِحَاح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا ذكرنَا مِمَّا رَوَاهُ النَّسَائِيّ آنِفا، ثمَّ قَول الْحَاكِم عَن ذِي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظَاهِرَة أَن ذَا الْيَدَيْنِ أعقب، وَلَا أصل لذَلِك فِيمَا قد علمناه، وَا تَعَالَى أعلم. فَإِن قلت: إِن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين إِذا كَانَا لقباً على شخص وَاحِد على مَا زعمتم فَحِينَئِذٍ يدل على أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يحضر تِلْكَ الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ ذُو الشمالين قتل ببدر، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر وَهُوَ مُتَأَخّر بِزَمَان كثير، وَمَعَ هَذَا فَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي، إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر)
الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول ا)
أخرجه مُسلم وَغَيره. وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا رَسُول ا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ)
الحَدِيث قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن معناد: صلى بِالْمُسْلِمين، وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة، كَمَا رُوِيَ عَن النزل بن سُبْرَة قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول ا: أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف)
الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول ا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك: قَالَ لقومنا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس، قَالَ: (قدم علينا معَاذ ابْن جبل فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: قدم بلدنا، لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول ا، قبل أَن يُولد طَاوس) ، وَمثله مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب: الْبَيَان أَن النَّهْي مَخْصُوص بِبَعْض الْأَمْكِنَة عَن مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ؟ إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُجَاهِد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وَقَوله: (جَاءَنَا) ، أَي: بلدنا. فأفهم.
قَوْله: (لم أنس وَلم تقصر) ، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كل ذَلِك لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كل ذَلِك لم أفعل) ، قَالَ
النَّوَوِيّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لم يكن الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي وجود أَحدهمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّوَاب، مَعْنَاهُ: لم يكن لَا ذَلِك وَلَا ذَا فِي ظَنِّي، بل ظَنِّي أَنِّي أكملت الصَّلَاة أَرْبعا. وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنه لَا يجوز غَيره، أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي قَالَ: (لم نقصر وَلم أنس يرجع إِلَى السَّلَام أَي: لم أنس فِيهِ إِنَّمَا سلمت قصدا، وَلم أنس فِي نفس السَّلَام، وَإِنَّمَا سَهَوْت عَن الْعدَد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون جَوَابا عَمَّا سُئِلَ عَنهُ. وَيُقَال: بَين النسْيَان والسهو فرق، فَقيل: كَانَ يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفي عَن نَفسه النسْيَان، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. قَالَه القَاضِي. وَقَالَ الْقشيرِي: هَذَا افرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يلوح من اللَّفْظ على أَن النسْيَان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق باصلاة، والسهو عدم الذّكر لأمر يتَعَلَّق بهَا، وَيكون النسْيَان الْإِعْرَاض عَن تفقد أمورها حَتَّى يحصل عدم الذّكر، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النَّبِي النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع، بقوله: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر نسيت المضافة إِلَى نَفسه، وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسي) . وَقد قَالَ أَيْضا: لَا أنسى، وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته، فَقَالَ: أنسى أَو أنسّى، وَأَن: أَو للشَّكّ أَو للتقسيم، وَأَن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك أنكرهُ. وَقَالَ: (كل ذَلِك لم يكن) وَفِي الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فَبين، وَكَذَلِكَ: لم أنس، حَقِيقَة من قبل نَفسِي وَلَكِن اتعالى أنساني، وَيُمكن أَن يُجَاب عَمَّا قَالَه القَاضِي: أَن النَّهْي فِي الحَدِيث عَن إِضَافَة نسيت إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ يقبح لِلْمُؤمنِ أَن يضيف إِلَى نَفسه نِسْيَان كَلَام اتعالى، وَلَا يلْزم من هَذَا النَّهْي الْخَاص النَّهْي عَن إِضَافَته إِلَى كل شَيْء. فَافْهَم. وَذكر بَعضهم أَن الْعِصْمَة ثَابِتَة فِي الْإِخْبَار عَن اتعالى، وَأما إخْبَاره عَن الْأُمُور الوجودية فَيجوز فِيهَا النسْيَان قلت: تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: لم ينس وَلم تقصر الصَّلَاة، مثل قَوْله: كل ذَلِك لم يكن، وَالْمعْنَى: كل من الْقصر وَالنِّسْيَان لم يكن، فَيكون فِي معنى: لَا شَيْء مِنْهُمَا بكائن، على شُمُول النَّفْي وعمومه لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن السُّؤَال عَن أحد الْأَمريْنِ: بِأم، وَيكون لطلب التَّعْيِين بعد ثُبُوت أَحدهمَا عِنْد الْمُتَكَلّم، لَا على التَّعْيِين، غير أَنه إِنَّمَا يكون بِالتَّعْيِينِ أَو بنفيهما جَمِيعًا تخطئه للمستفهم لَا بِنَفْي الْجمع بَينهمَا، حَتَّى يكون نفي الْعُمُوم لِأَنَّهُ عَارِف بِأَن الْكَائِن أَحدهمَا.
وَالثَّانِي: لما قَالَ: كل ذَلِك لم يكن، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: قد كَانَ بعض ذَلِك. وَمَعْلُوم أَن الثُّبُوت للْبَعْض إِنَّمَا يُنَافِي النَّفْي عَن كل فَرد لَا النَّفْي عَن الْمَجْمُوع. وَقَوله: قد كَانَ بعض ذَلِك، مُوجبَة جزئية ونقيضها السالبة الْكُلية، وَلَوْلَا أَن ذَا الْيَدَيْنِ فهم السَّلب الْكُلِّي لما ذكر فِي مُقَابلَته الْإِيجَاب الجزئي، وَهَهُنَا قَاعِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن لَفْظَة: كل إِذا وَقعت فِي حيّز النفيي كَانَ النَّفْي مُوجبهَا خَاصَّة، وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد، كَقَوْلِك: مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم. وَقَوله.
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ)
وَإِن وَقع النَّفْي فِي حيزها اقْتضى السَّلب عَن كل فَرد. كَقَوْلِه: (كل ذَلِك لم يكن) .
قَوْله: (أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟) أَي: الْأَمر كَمَا يَقُول. قَوْله: (فَقَالُوا: نعم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ النَّاس: نعم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فأمأوا) أَي: نعم، وَفِي أَكثر الْأَحَادِيث قَالُوا: نعم، وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن بعض أَوْمَأ، وَبَعْضهمْ يكلم. وَسَنذكر وَجه هَذَا عَن قريب. قَوْله: (فَرُبمَا سَأَلُوهُ) فَرُبمَا سَأَلُوا ابْن سِيرِين: هَل فِي الحَدِيث: ثمَّ سلم، يَعْنِي: سَأَلُوا ابْن سِيرِين أَن رَسُول الله بعد هَذَا السُّجُود سلم مرّة أُخْرَى، أَو اكْتفى بِالسَّلَامِ الأول؟ وَكلمَة: رب، أَصْلهَا للتقليل، وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي التكثير، وتلحقها كلمة: مَا، فَتدخل على الْجمل. قَوْله: (فَيَقُول: نبئت) ، بِضَم النُّون: أَي أخْبرت أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: ثمَّ سلم، وَهَذَا يدل على أَنه لم يسمع من عمرَان، وَقد بَين أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن ابْن سِيرِين الْوَاسِطَة بَينه وَبَين عمرَان، فَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس حدّثنا مُحَمَّد بن عبد ابْن الْمثنى قَالَ حَدثنِي أَشْعَث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول ا، صلى بهم وسها، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ والترمزي وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا قلَابَة يحدث عَن عَمه أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا قَالَ: فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأَبُو قلَابَة اسْمه: عبد ابْن زيد الحرمي، وَعَمه أَبُو الْمُهلب اسْمه: عَمْرو بن مُعَاوِيَة، قَالَه النَّسَائِيّ. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، وَقيل: مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن
عَمْرو، وَقيل: النَّضر بن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ.
الثَّانِي: فِيهِ حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهَا قبل السَّلَام.
الثَّالِث: أَن الَّذِي عَلَيْهِ السَّهْو إِذا ذهب من مقَامه ثمَّ عَاد وَقضى مَا عَلَيْهِ هَل يَصح؟ فَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَصح، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (فجَاء فصلى رَكْعَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيره من الْجَمَاعَة: (فَتقدم وَصلى) ، وَهُوَ رِوَايَة اليخاري هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة: (فَرجع رَسُول الله إِلَى مقَامه) ، وَلَكِن اخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِيهَا وَجْهَان: أصَحهمَا: أَنه يَصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم: (أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، مَشى إِلَى الْجذع وَخرج السرعان) . وَفِي رِوَايَة: (دخل منزله) . وَفِي رِوَايَة: (دخل الْحُجْرَة ثمَّ خرج وَرجع النَّاس وَبنى على صلَاته) . وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم: أَن الصَّلَاة تبطل، بذلك قَالَ النَّوَوِيّ، وَهَذَا مُشكل، وَتَأْويل الحَدِيث صَعب على من أبطلها، وَنقل عَن مَالك أَنه مَا لم ينْتَقض وضوؤه يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن طَال الزَّمَان، وَكَذَا رُوِيَ عَن ربيعَة، مستدلين بِحَدِيث عمرَان. وَمذهب أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: إِذا سلم سَاهِيا على الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ لم يصرف وَجهه عَن الْقبْلَة وَلم يتَكَلَّم عَاد إِلَى الْقَضَاء لما عَلَيْهِ، وَلَو اقْتدى بِهِ رجل يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، أما إِذا صرف وَجهه عَن الْقبْلَة فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يتَكَلَّم فَكَذَلِك، لِأَن الْمَسْجِد كُله فِي حكم مَكَان وَاحِد، لِأَنَّهُ مَكَان الصَّلَاة، وَإِن كَانَ خرج فِي الْمَسْجِد ثمَّ تذكر لَا يعود، وتفسد صلَاته. وَأما إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء فَإِن تذكر قبل أَن يُجَاوز الصُّفُوف من خَلفه أَو من قبل الْيَمين أَو الْيَسَار عَاد إِلَى قَضَاء مَا عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا، وَإِن مَشى أَمَامه لم يذكرهُ فِي الْكتاب.
وَقيل: إِن مَشى قدر الصُّفُوف الَّتِي خَلفه تفْسد وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف اعْتِبَارا لأحد الْجَانِبَيْنِ. وَقيل: إِذا جَاوز مَوضِع سُجُوده لَا يعود، وَهُوَ الْأَصَح، وَهَذَا إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ ستْرَة، فَإِن كَانَ يعود مَا لم يجاوزها، لِأَن دَاخل الستْرَة فِي حكم الْمَسْجِد. وَا اعْلَم.
وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: إِنَّه مَنْسُوخ، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب عمل بعد رَسُول الله بِخِلَاف مَا كَانَ عمله يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، وَالْحَال أَنه كَانَ فِيمَن حضر يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا ثَبت عِنْده انتساخ ذَلِك لما عمل بِخِلَاف مَا عمل بِهِ النَّبِي، وَأَيْضًا فَإِن عمر فعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، فَصَارَ ذَلِك مِنْهُم إِجْمَاعًا. وروى الطَّحَاوِيّ ذَلِك عَن ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن عُثْمَان بن الْأسود. قَالَ: (سَمِعت عَطاء يَقُول: صلى عمر بن الْخطاب بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي جهزت عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأقتابها حَتَّى وَردت الْمَدِينَة، قَالَ: فصلى بهم أَربع رَكْعَات) .
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ قوم على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة من الْمَأْمُومين لإمامهم إِذا كَانَ على وَجه إصْلَاح الصَّلَاة لَا يقطع الصَّلَاة، وَأَن الْكَلَام من الإِمَام والمأمومين فِيهَا على السَّهْو لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل ذكره الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ، وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة، وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، لَا يُبْطِلهَا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَعبد ابْن الزبير وأخيه عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجَمِيع الْمُحدثين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري، وَفِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تبطل صلَاته بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا، انْتهى. وَأجْمع الْمُسلمُونَ طرّاً أَن الْكَلَام عَامِدًا فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعلم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَشْهُور عَن مَالك وَأَصْحَابه الْأَخْذ بِحَدِيث
ذِي الْيَدَيْنِ، وروى عَنهُ ترك الْأَخْذ بِهِ، وَأَنه كَانَ يسْتَحبّ أَن يُعِيد وَلَا يَبْنِي. قَالَ: وَإِنَّمَا تكلم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَصْحَابه لأَنهم ظنُّوا أَن الصَّلَاة قصرت وَلَا يجوز ذَلِك لِأَحَدِنَا الْيَوْم. وَقَالَ الْحَارِث بن مِسْكين: أَصْحَاب مَالك كلهم قَالُوا: كَانَ هَذَا أول الْإِسْلَام، وَأما الْآن فَمن تكلم فِيهَا أَعَادَهَا.
الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل على أَن من قَالَ نَاسِيا: لم أفعل كَذَا، وَكَانَ قد فعله، أَنه غير كَاذِب.
السَّادِس: فِيهِ جَوَاز التلقيب الَّذِي سَبيله التَّعْرِيف دون التهجين.
السَّابِع: فِيهِ الْإِجْزَاء بسجدتين عَن السهوات لِأَنَّهُ سَهَا عَن الرَّكْعَتَيْنِ وَتكلم نَاسِيا وَاقْتصر على السَّجْدَتَيْنِ.
الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد، على مَا ترْجم عَلَيْهِ الْبَاب.
الأسئلة والأجوبة الأول: كَيفَ تكلم ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وهم فِي الصَّلَاة بعد؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم لم يَكُونُوا على الْيَقِين من الْبَقَاء فِي الصَّلَاة، لأَنهم كَانُوا مجوزين نسخ الصَّلَاة من أَربع إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن هَذَا كَانَ خطابا للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وجواباً، وَذَلِكَ لَا يبطل عندنَا غَيرنَا، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح: (إِن الْجَمَاعَة أَو مأوا) ، أَي: أشاروا نعم، فعلى هَذِه الرِّوَايَة لم يتكلموا.
الثَّانِي: قيل: فِيهِ إِشْكَال على مَذْهَب الشَّافِعِي، لِأَن عِنْدهم أَنه لَا يجوز للْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي قدر صلَاته إِلَى قَول غَيره إِمَامًا أَو مَأْمُوما، وَلَا يعْمل إلَاّ على يَقِين نَفسه؟ وَأجَاب: النَّوَوِيّ عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ، سَأَلَهُمْ ليتذكر، فَلَمَّا ذَكرُوهُ تذكر فَعلم السَّهْو فَبنى عَلَيْهِ، لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَوْلهم، وَلَو جَازَ ترك يَقِين نَفسه وَالرُّجُوع إِلَى قَول غَيره لرجع ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لم تقصر وَلم أنس) قلت: هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب مخلص لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من الرُّجُوع، سَوَاء كَانَ رُجُوعه للتذكرة أَو لغيره، وَعدم رُجُوع ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ لأجل كَلَام الرَّسُول لَا لأجل يَقِين نَفسه. وَقَالَ ابْن الْقصار: اخْتلف الروَاة فِي هَذَا عَن مَالك، فَمرَّة قَالَ: يرجع إِلَى قَوْلهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ قَالَ: يَبْنِي على غَالب ظَنّه. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: يعْمل على يقينه وَلَا يرجع إِلَى قَوْلهم، كَقَوْل الشَّافِعِي.
الثَّالِث: قد رُوِيَ فِي بعض رِوَايَات مُسلم فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صَلَاة الظّهْر)
الحَدِيث، وَهَذَا صَرِيح أَنه حضر تِلْكَ الصَّلَاة؟ وَالْجَوَاب: عَنهُ قد ذَكرْنَاهُ عَن الطَّحَاوِيّ عَن قريب، وَقيل: يحْتَمل أَن بعض الروَاة فهم من قَول أبي هُرَيْرَة فِي إِحْدَى رواياته: (صلى بِنَا) ، أَنه كَانَ حَاضرا، فَروِيَ الحَدِيث بِالْمَعْنَى على زَعمه، وَقَالَ: بَينا أَنا أُصَلِّي.
الرَّابِع: فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَنه دخل منزله، وَلَا يجوز لأحد الْيَوْم أَن ينْصَرف عَن الْقبْلَة، وَيَمْشي وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من الصَّلَاة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ لَا يرى أَنه فِي الصَّلَاة فَإِن قيل: فَيلْزم على هَذَا لَو أكل أَو شرب أَو بَاعَ أَو اشْترى وَهُوَ لَا يرى فِي الصَّلَاة أَنه لَا يُخرجهُ ذَلِك مِنْهَا؟ قلت: هَذَا كُله مَنْسُوخ فَلَا يعْمل بِهِ الْيَوْم، وَا أعلم.
٩٨ - (بابُ المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ وَالمَوِاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيها النبيُّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَسَاجِد فِي الطّرق الَّتِي بَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَمَكَّة المشرفة، وَفِي أَكثر النّسخ على طرق الْمَدِينَة، والمواضع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي.
٣٨٤٠٤١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدّثنا فضيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدّثنا مُوسَى ابنُ عُقْبَةَ قالَ رَأيْتُ سالِمَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيها وَيُحَدِّثُ أنَّ أباهُ كانَ يُصَلِّي فِيها وأنَّهُ رَأى النبيُّ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ حدّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ وَسألْتُ سالما فَلا أعْلَمْهُ إلَاّ وَافَقَ نافِعاً فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أنَّهُما اخْتَلَفا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الروْحاءَ. (الحَدِيث ٣٨٤ أَطْرَافه فِي: ٥٣٥١، ٦٣٣٢، ٥٤٣٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، على وزن اسْم الْمَفْعُول،
الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: النميري بِضَم النُّون. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب إسباغ الْوضُوء. الرَّابِع: سَالم ابْن عبد ابْن عمر بن الْخطاب، تقدم فِي بَاب الْحيَاء من الْإِيمَان. الْخَامِس: نَافِع، مولى ابْن عمر، وَقد تكَرر ذكره. السَّادِس: عبد ابْن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الرِّوَايَة بِصِيغَة الْمَاضِي للتكلم. وَفِيه: صِيغَة التحديث بِلَفْظ الْمُضَارع الْمُفْرد وبلفظ الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَوْله: (يتحَرَّى) أَي: يقْصد ويختار ويجتهد. قَوْله: (أَن أَبَاهُ) أَي: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. قَوْله: (وَأَنه) أَي: وَأَن أَبَاهُ رأى النَّبِي، وَهَذَا مُرْسل من سَالم إِذا مَا اتَّصل سَنَده. قَوْله: (وحَدثني نَافِع) الْقَائِل ذَلِك هُوَ مُوسَى بن عقبَة، وَهُوَ عطف على: رَأَيْت، أَي: قَالَ مُوسَى: وحَدثني. و: سَأَلت، أَيْضا عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بشرف الروحاء) ، وَهُوَ مَوضِع ارْتَفع من مَكَان الروحاء، وَهِي بحاء مُهْملَة ممدودة. قَالَ أَبُو عبيد االبكري: هِيَ قَرْيَة جَامِعَة لمزينة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ كثير عزة: سميت الروحاء لِكَثْرَة أرواحها وبالروحاء بِنَاء يَزْعمُونَ أَنه قبر مُضر بن نزار. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: روحاني، على غير قِيَاس. وَقد قيل: روحاوي، على الْقيَاس. وَفِي (كتاب الْجبَال) للزمخشري: بَين الْمَدِينَة والروحاء أَرْبَعَة برد إلَاّ ثَلَاثَة أَمْيَال. وَفِي (صَحِيح مُسلم) فِي بَاب الْأَذَان: (سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا) . وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة: على ثَلَاثِينَ ميلًا. وَقَالَ ابْن قرقول: وَهِي من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: روى نَافِع عَن مَوْلَاهُ أَن بِهَذَا الْموضع الْمَسْجِد الصَّغِير دون الْموضع الَّذِي بالشرف، قَالَ: وروى أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن حَنْظَلَة بن عَليّ عَن أبي هُرَيْرَة: (سَمِعت رَسُول الله يَقُول: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليلهن ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام، بفج روحاء حَاجا أَو مُعْتَمِرًا أَو بثنيتها) وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مثله، وروى غير وَاحِد أَن رَسُول الله قَالَ، وَقد وصل الْمَسْجِد الَّذِي بِبَطن الروحاء عِنْد عرق الظبية: هَذَا وَاد من أَوديَة الْجنَّة، وَصلى فِي هَذَا الْوَادي قبلي سَبْعُونَ نَبيا، عَلَيْهِم السَّلَام، وَقد مر بِهِ مُوسَى بن عمرَان حَاجا ومعتمراً فِي سبعين ألفا من بني إِسْرَائِيل.
فَإِن قلت: قد جَاءَ عَن عمر بن الْخطاب خلاف فعل ابْنه، روى الْمَعْرُور بن سُوَيْد: كَانَ عمر فِي سفر فصلى الْغَدَاة، ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه، وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي، فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب أَنهم اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ واتخذوها كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل وإلَاّ فليمض قلت: إِن عمر إِنَّمَا خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع حَتَّى يشكل على من يَأْتِي بعدهمْ فَيرى ذَلِك وَاجِبا، وَعبد ابْن عمر كَانَ مَأْمُونا من ذَلِك، وَكَانَ يتبرك بِتِلْكَ الْأَمَاكِن، وتشدده فِي الإتباع مَشْهُور، وَغَيره لَيْسَ فِي هَذَا الْمقَام.
٤٨٤ - ح دّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدّثنا مْوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ كانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجَدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وكانَ إذَا رَجَعَ مِن غَزْوٍ كانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أوْ فِي حَجٍ أوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وادٍ فإِذَا ظْهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أنَاخَ بالبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شفِيرِ الوَادِي الشَّرقِيَّةِ فَعِرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الأكِمَةِ الَّتِي عَلَيْها المَسْجِدُ كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كانَ رسولُ اللَّهِ ثَمَّ يُصَلِّي فَدَحا السيَّلُ فيهِ بِالبَطْحاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكانَ الذِي كانَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلَّي فِيهِ.
٥٨٤ - وأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنِ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الذِي دُونَ المَسْجِدِ الذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ وقَدْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكانَ الذِي كانَ صَلى فِيهِ
النبيُّ يَقولُ ثَمَّ عنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حافَةِ الطَّرِيق اليُمْنَى وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
٦٨٤ - وأنَّ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي إلَى العِرْقِ عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحاءِ وذَلِكَ العِرْقُ انْتِهاءُ طَرَفِهِ عَلَى حافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ المَسْجِدِ الذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْصَرَفِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ أبْتَنِي ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ ااِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ كانَ يَتْرُكهُ عنْ يَسَارِهِ وورَاءَهُ ويُصَلِّي أمامَهُ إلَى العِرْقِ نَفْسِهِ وكانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِن الرَّوْحاءِ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُهْرَ وإذَا أقْبَلَ منْ مَكَّةَ فإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصبْحِ بِسَاعَةٍ أوْ منْ آخِرِ السَّحَر عَرَّسَ حَتى يُصَلِّي بهَا الصُّبْحَ.
٧٨٤ - وَأنَّ عَبْدُ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ كانَ يَنْزلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ الطَّرِيقِ ووِجاهُ الطَّريق فِي مكانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ منْ أكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بميلَيْنِ وَقَدِ انْكَسَرَ أعْلَاها فانْثَنَى فِي جَوْفِها وَهِي قائِمَةٌ عَلَى ساقٍ وفِي ساقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٍ.
٨٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنُ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عنْدَ ذلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَان أوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِن حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلْمَاتِ الطَّريقِ بَيْنَ أُولئكَ فيُصلَّي السَّلِمَاتِ كانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ بعْدَ أنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بالهَاجِرَةِ الظهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ.
٩٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ رَسولَ ااِ نَزَلَ عِنْدَ سَرْحاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشى بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّرِيقِ قريبٌ مِنْ غَلْوَةٍ وكانَ عَبْدُ ااِ يُصَّلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِى أقْرَبُ السَّرَحاتِ إلَى الطَّرِيقِ وَهْي أطْوَلُهُنَّ.
٠٩٤ - وأنَّ عَبْدَ ااِ بنِ عُمَر حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ فِي المَسْيلِ الَّذِي أدْنَى فِي الظَّهْرَانِ قَبْلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّة لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رسولِ اللَّهِ وبَيْنَ الطَّرِيقِ إلَاّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ.
ب ٠٥ ٠ ١٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَى يُصْبِحَ يُصَلَّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ومُصَلَّى رسولِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أسْفَلَ منْ ذَلِكَ علَى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.
ب ٠٥ ٠ ب ٠٥ ٠ ٢٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُم وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكِمَةِ وَمُصَلَّى النبيِّ أسْفَلَ مِنْهُ عَلَى السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنَ الأكِمَةِ عَشْرَةَ أذْرُعٍ أوْ نَحْوَها ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبَلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الذِي بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَعْبَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الْفَصْلَيْنِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة الْحزَامِي نِسْبَة إِلَى أجداده، ببيانه إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد ابْن الْمُغيرَة بن عبد ابْن خَالِد بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الصَّمد ابْن قصي الْمَدِينِيّ، توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، تقدم فِي هَذَا الْبَاب. الرَّابِع: نَافِع، وَقد تقدم. الْخَامِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف اسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوَاضِع وَاحِد. وَفِيه: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَهُوَ: الْمِيقَات الْمَشْهُور لأهل الْمَدِينَة، وَهُوَ من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال. وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي (مَنَاسِكه) بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان، والميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة عشر مراحل، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي،. قَوْله: (حِين يعْتَمر وَفِي حجَّته حِين حج) إِنَّمَا قَالَ فِي الْعمرَة بِلَفْظ الْمُضَارع، وَفِي الْحَج بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَنَّهُ،، لم يحجّ إلاّ مرّة وتكررت مِنْهُ الْعمرَة؛ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفِعْل الْمُضَارع قد يُفِيد الِاسْتِمْرَار. قلت: الْمَاضِي أقوى فِي إِفَادَة الِاسْتِمْرَار من الْمُضَارع، لِأَن الْمَاضِي قد مضى وَاسْتقر بِخِلَاف الْمُضَارع. قَوْله: (تَحت سَمُرَة) ، بِضَم الْمِيم: وَهُوَ شجر الطلح، وَهُوَ الْعَظِيم من الْأَشْجَار الَّتِي لَهَا شوك وَهِي فِي ألسن النَّاس تعرف بِأم غيلَان. قَوْله: (وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيق) ، أَي: طَرِيق ذِي الحليفة. قَوْله: (وَكَانَ) ، جملَة حَالية، ويروى: كَانَ، بِدُونِ: الْوَاو، وَهِي صفة للغزو، ويروى: من غَزْوَة، بالتأنيث. فَإِن قلت: على هَذَا مَا وَجه التَّذْكِير فِي: كَانَ؟ قلت: بِاعْتِبَار السّفر، وَيجوز أَن يرجع الضَّمِير فِيهِ إِلَى رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لمَ مَا أخر لفظ: كَانَ، فِي تِلْكَ الطَّرِيق عَن الْحَج وَالْعمْرَة. قلت: لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا إِلَّا من تِلْكَ.
قَوْله: (بالبطحاء) . قَالَ فِي (الْمُحكم) : بطحاء الْوَادي: تُرَاب لين مِمَّا جرته السُّيُول، وَالْجمع: بطحاوات وبطاح، فَإِن اتَّسع وَعرض فَهُوَ الأبطح، وَالْجمع: الأباطح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الأبطح لَا ينْبت شَيْئا إِنَّمَا هُوَ بطن السَّيْل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الأبطح والبطحاء: الرمل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَفِي (الواعي) : الْبَطْحَاء: حَصى وَرمل ينْقل من مسيل المَاء، وَقَالَ نضر بن شُمَيْل: بطحاء الْوَادي وأبطحه: حصاؤه اللين، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَهِي حِجَارَة وَرمل وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْبَطْحَاء كل أَرض منحدرة. وَفِي (الْكِفَايَة) الأبطح والبطحاء منعطف الْوَادي. وَفِي (الْمُنْتَهى) الأبطح: مسيل وَاسع فِيهَا دقاق الْحَصَى، وَالْجمع: الأباطح. وَكَذَا الْبَطْحَاء. وَفِي (الصِّحَاح) : البطاح على غير قِيَاس، والبطيحة مثل الأبطح. قَوْله: (شَفير الْوَادي) بِفَتْح الشين الْحَرْف أَي: الطّرف. وَقَالَ ابْن سَيّده: شَفير الْوَادي وشفره ناحيته من أَعْلَاهُ. قَوْله: (الشرقية) ، صفة الْبَطْحَاء.
قَوْله: (فعرس) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عرس المسافرون تعريساً: إِذا نزلُوا نزلة فِي وَجه السحر وأناخوا إبلهم فروحوها سَاعَة حَتَّى ترجع إِلَيْهَا أَنْفسهَا، وَعَن أبي زيد: عرس الْقَوْم تعريساً فِي الْمنزل: حَيْثُ نزلُوا بِأَيّ حِين كَانَ من ليل ونهار. وَفِي (الْمُحكم) : المعرس الَّذِي يسير نَهَاره ويعرس أَي ينزل أول اللَّيْل. وَفِي (الصِّحَاح) : أعرسوا، لُغَة فِيهِ قَليلَة، والموضع: معرس ومعرس، وَفِي (الغريبين) التَّعْرِيس: نومَة الْمُسَافِر بعد إدلاج اللَّيْل، وَفِي (المغيث) : عرس أَي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس النُّزُول لغير إِقَامَة. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، أَي: هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى يصبح) ، بِضَم الْيَاء: أَي يدْخل فِي الصَّباح وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر. قَوْله: (الأكمة) بِفَتْح الْهمزَة وَالْكَاف، قَالَ ابْن سَيّده: هِيَ التل من القف من حِجَارَة وَاحِدَة. وَقيل: هُوَ دون الْجبَال. وَقيل: هُوَ الْموضع الَّذِي قد اشْتَدَّ ارتفاعه مِمَّا حوله، وَهُوَ غليظ لَا يبلغ أَن يكون حجرا، وَالْجمع: أكم وأكم وأكمام وإكمام وأءكم كأفلس، الْأَخِيرَة عَن ابْن جني. وَفِي (الواعي) لأبي مُحَمَّد: الأكام، دون الضراب. وَفِي (الصَّحِيح) : وَالْجمع أكمات، وَجمع الأكم: آكام، مثل: عنق وأعناق. قَوْله: (خليج) . بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام. قَالَ فِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ شرم من الْبَحْر اختلج مِنْهُ، والخليج: النَّهر الْعَظِيم، وَالْجمع: خلجان، وَرُبمَا قيل للنهر الصَّغِير يختلج من النَّهر الْكَبِير: خليج. وَفِي (الْمُحكم) : الخليج مَا انْقَطع من مُعظم المَاء لِأَنَّهُ يختلج مِنْهُ. وَقد اختلج، وَقيل: الخليج شُعْبَة تتشعب من الْوَادي تغير بعض مَائه إِلَى مَكَان آخر، وَالْجمع خلج وخلجان، وَفِي كتاب ابْن التِّين: الخليج وَاد عميق ينشق من آخر أعظم مِنْهُ، وَفِي (كتاب الْأَمَاكِن) للزمخشري: نحيل خليج أحد جبال مَكَّة، شرفها ا.
قَوْله: (يصلى عبد ا) ، أَي: عبد
ابْن عمر. قَوْله: (كتب) بِضَم الْكَاف وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة: جمع كثيب، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ رمل اجْتمع، وكل مَا اجْتمع من شَيْء وانهار فقد انكثب فِيهِ، وَمِنْه اشتق: الْكَثِيب من الرمل، فِي معنى مكثوب لِأَنَّهُ انصب فِي مَكَان وَاجْتمعَ فِيهِ وَالْجمع: كُثْبَان، وَهِي تلال من رمل. وَفِي (الْمُحكم) : الْكَثِيب من الرمل الْقطعَة تبقى محدودبة. وَقيل: هُوَ مَا اجْتمع واحدودب، وَالْجمع: أكثبة وكثب. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: إِنَّمَا سمي كثيباً لِأَن ترابه دقاق كَأَنَّهُ مكثوب أَي منثور بعضه على بعض لرخاوته. قَوْله: (كَانَ رَسُول ا) ، هَذَا مُرْسل من نَافِع. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء وَقد تَكَرَّرت هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: (فدحا) ، الْفَاء للْعَطْف: ودحا، من الدحو، وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهُوَ: الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي دحواً، قَالَه ابْن سَيّده. وَفِي (الغريبين) : كل شَيْء بسطته ووسعته فقد دحوته وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخل، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام ويروى: قد جَاءَ، بِكَلِمَة: قد، للتحقيق، وبكلمة: جَاءَ من الْمَجِيء.
قَوْله: (وَأَن عبد ابْن عمر حَدثهُ) ، أَي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (حَيْثُ الْمَسْجِد الصَّغِير) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: (جنب) ، بِالْجِيم وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمَسْجِد، مَرْفُوع على الرِّوَايَة الأولى لِأَن حَيْثُ، لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجُمْلَة على الْأَصَح. فتقديره: حَيْثُ هُوَ الْمَسْجِد، وَنَحْوه، وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة: مجرور. قَوْله: (بشرف الروحاء) هِيَ: قَرْيَة جَامِعَة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة وَهِي آخر السبالة للمتوجه إِلَى مَكَّة، وَالْمَسْجِد الْأَوْسَط فِي الْوَادي الْمَعْرُوف الْآن بوادي بني سَالم. قَوْله: (وَقد كَانَ عبد ايعلم) ، بِضَم الْيَاء من أعلم من الْعَلامَة وَفِي بعض النّسخ، يعلم، بِفَتْح الْيَاء من الْعلم. قَوْله: (على حافة الطَّرِيق) بتَخْفِيف: الْفَاء أَي على جَانب الطَّرِيق وحافتا الْوَادي: جانباه. قَوْله: (إِلَى الْعرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالقاف، أَي: عرق الظيبة. قَالَ الْكرْمَانِي: جبل صَغِير، وَيُقَال أَيْضا للْأَرْض الْملح الَّتِي لَا تنْبت، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ وَاد مَعْرُوف وَقَالَ ابْن فَارس تنْبت الطرفاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَحمَه ا: تنْبت الشَّجَرَة. وَقَالَ الْخَلِيل: الْعرق: الْجَبَل الدَّقِيق من الرمل المستطيل مَعَ الأَرْض قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع. وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: الْعرق هُوَ الْجَبَل الصَّغِير.
قَوْله: (عِنْد منصرف الروحاء) ، بِفَتْح الرَّاء فِي: منصرف، أَي: عِنْد آخرهَا. قَوْله: (وَقد ابتني) ، بِضَم التَّاء المنثناة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي. قَوْله: (وورائه) بِالْجَرِّ عطف على: يسَاره، وَبِالنَّصبِ بِتَقْدِير: فِي، ظرفا. قَوْله: (وأمامة) أَي: قُدَّام الْمَسْجِد. قَوْله: (من آخر السحر) ، وَهُوَ عبارَة عَمَّا بَين الصُّبْح: الْكَاذِب والصادق، وَالْفرق بَين العبارتين أَعنِي قَوْله: (آخر السحر) ، هُوَ أَنه أَرَادَ بآخر السحر، أقل من سَاعَة. أَو أَرَادَ الْإِبْهَام ليتناول قدر السَّاعَة، وَأَقل وَأكْثر مِنْهُ.
قَوْله: (سرحة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، وَأَرَادَ بهَا: الشَّجَرَة الضخمة أَي: الْعَظِيمَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) إِن أَبَا زيد قَالَ: السَّرْح من العضاه، واحدته سرحة، والسرح طوال فِي السَّمَاء، وَقد تكون السرحة دوحة محلا لَا وَاسِعَة يحل تحتهَا النَّاس فِي الصَّيف ويبنون تحتهَا الْبيُوت، وَقد تكون مِنْهُ العشة القليلة الْفُرُوع وَالْوَرق، وللسرح عِنَب يُسمى: آآء، واحدته: آءة، يَأْكُلهُ النَّاس أَبيض، ويربون مِنْهُ الرب، وورقته صَغِيرَة عريضة تَأْكُله الْمَاشِيَة لَو تقدر عَلَيْهِ، وَلَكِن لَا تقدر لطوله وَلَا صمغ لَهُ وَلَا مَنْفَعَة فِيهِ أَكثر مِمَّا أَخْبَرتك، إلَاّ أَن ظله صَالح فَمن أجل ذَلِك قَالَ الشَّاعِر، عَنْهَا بِامْرَأَة:
فيا سرحة الركْبَان ظلك بَارِد وماؤك عذب لَا يحل لشارب وَلَيْسَ للسرح شوك. وَقَالَ أَبُو عمر: والسرح يشبه الزَّيْتُون، وروى الْفراء عَن أبي الْهَيْثَم: أَن كل شَجَرَة لَا شوك فِيهَا فَهِيَ سرحة، يُقَال: ذهب إِلَى السَّرْح، وَهُوَ أسهل من كل شَيْء، وَأَخْبرنِي أَعْرَابِي قَالَ فِي السرحة غبرة، وَهِي دون الأثل فِي الطول، وورقها صغَار. وَهِي بسيطة الأفنان قَالَ: وَهِي مائلة النبتية أبدا وميلها من بَين جَمِيع الْأَشْجَار فِي شقّ الْيَمين، وَلم أبل على هَذَا الْأَعرَابِي كذبا، وَزعم بعض الروَاة: أَن السَّرْح من نَبَات القف. وَقَالَ غَيره: من نَبَات السهل، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَفِي (الْمُنْتَهى) : السَّرْح شجر عِظَام طوال. وَفِي (الْجَامِع) كل شَجَرَة طَالَتْ فَهِيَ سرحة. وَفِي (الْمطَالع) : قيل: هِيَ الدفلى، وَقَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ نبت. وَقيل: لَهَا هدب وَلَيْسَ لَهَا ورق، وَهُوَ يشبه الصُّوف.
قَوْله: (دون الرُّوَيْثَة) أَي: تحتهَا قريب مِنْهَا: والرويثة بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، على لفظ التصغير، قَالَ الْبكْرِيّ: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة عشر فرسخاً، وَمن الرُّوَيْثَة إِلَى السقيا عشر فراسخ، وَعقبَة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيْثَة، بَينهَا وَبَين العرج ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهِي غير الرُّوَيْثَة مَاء لبني عجل بَين طَرِيق الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَذكره ياقوت قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ الرقشة،
بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وإعجام الشين. قلت: لم يذكر الْبكْرِيّ إِلَّا الرقاش، وَقَالَ: هُوَ بلد. قَوْله: (ووجاه) ، بِضَم الْوَاو وَكسرهَا الْمُقَابل، وَهُوَ عطف على (الْيَمين) ، وَيجوز بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (بطح) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الطَّاء وسكونها: أَي وَاسع. قَوْله: (حَتَّى يُفْضِي) بِالْفَاءِ من الْإِفْضَاء بِمَعْنى الْخُرُوج يُقَال: أفضيت إِذا خرجت إِلَى الفضاء أَو بِمَعْنى الدّفع كَقَوْلِه تَعَالَى: {وفإذا أَفَضْتُم من عَرَفَات} . أَو بِمَعْنى الْوُصُول. قلت: الضَّمِير فِي: يُفْضِي، يرجع إِلَى مَاذَا؟ قلت يرجع إِلَى الرَّسُول،، وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْمَكَان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بِلَفْظ الْخطاب. قَوْله: (دوين) ، مصغر الدون، وَهُوَ نقيض: الفوق، وَيُقَال: هُوَ دون ذَاك. أَي: قريب مِنْهُ. والبريد هُوَ الْمُرَتّب وَاحِد بعد وَاحِد، وَالْمرَاد بِهِ مَوضِع الْبَرِيد، وَالْمعْنَى: بَينه وَبَين الْمَكَان الَّذِي ينزل فِيهِ الْبَرِيد بالرويثة ميلان، وَيُقَال: المُرَاد بالبريد سكَّة الطَّرِيق. قَوْله: (فانثنى) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ: انعطف. قَوْله: (وَهِي قَائِمَة على سَاق) أَي: كالبنيان لَيست متسعة من أَسْفَل وضيقة من فَوق.
قَوْله: (فِي طرف تلعة) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْعين الْمُهْملَة: وَهِي أَرض مُرْتَفعَة عريضة يتَرَدَّد فِيهَا السَّيْل، والتعلة: مجْرى المَاء من أَعلَى الْوَادي، والتلعة مَا انهبط من الأَرْض. وَقيل: التلعة مثل الرحبة، وَالْجمع فِي كل ذَلِك: تلع وتلاع، وَعَن صَاحب (الْعين) : التلعة: أَرض مُرْتَفعَة غَلِيظَة، وَرُبمَا كَانَت على غلظها عريضة. وَفِي (الْجَامِع) : التلعة من الْوَادي مَا اتَّسع من فوهته. وَقيل: هِيَ مسيل من الأَرْض المرتفعة إِلَى بطن الْوَادي، فَإِن صغر عَن ذَلِك فَهِيَ: شُعْبَة، فَإِذا عظم فَكَانَ نصف الْوَادي فَهِيَ: الميثاء وَعَن الرماني: الأَصْل فِي التلعة الِارْتفَاع. قَوْله: (العرج) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ جِيم: قَرْيَة جَامِعَة على طَرِيق مَكَّة من الْمَدِينَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة عشر ميلًا. قَالَ الْبكْرِيّ: قَالَ السكونِي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ على خَمْسَة أَمْيَال متن العرج وَأَنت ذَاهِب إِلَى هضبة عِنْدهَا قبران أَو ثَلَاثَة عَلَيْهَا رضم حِجَارَة. قَالَ كثير: إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه، وَبَين العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا. وَقَالَ ياقوت: العرج قَرْيَة جَامِعَة من نواحي الطَّائِف، وَالْعَرج: عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة على جادة الطَّرِيق، تذكر مَعَ السقيا، وسوق العرج: بلد بَين المحالب والمهجم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العرج وَاد بِالطَّائِف، وَالْعَرج أَيْضا: منزل بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة، وَجَاء فِيهِ فتح الرَّاء أَيْضا.
قَوْله: (إِلَى هضبة) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَقَالَ أَبُو زيد: الهضبة من الْجبَال مَا طَال واتسع وَانْفَرَدَ، وَهِي الهضبات والهضاب، وَعَن سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالُوا: هضبة وهضب. وَقَالَ صَاحب (الْعين) الهضبة كل جبل خلق من صَخْرَة وَاحِدَة، وكل صَخْرَة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة. وَفِي (الْجَامِع) : هِيَ الْقطعَة المرتفعة من أَعلَى الْجَبَل. وَفِي (الْمُجْمل) : هِيَ أكمة ملساء قَليلَة النَّبَات. وَفِي (الْمطَالع) : هِيَ فَوق الْكَثِيب فِي الِارْتفَاع وَدون الْجَبَل. قَوْله: (رضم حِجَارَة) ، الرضم هِيَ الْحِجَارَة الْبيض، والرضمة: الصَّخْرَة الْعَظِيمَة مثل الْجَزُور وَلَيْسَت بثابتة، وَالْجمع: رضم ورضام، ورضم الْحِجَارَة جعل بَعْضهَا على بعض، وكل بِنَاء بني بصخر رضيم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) : ومرضوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: رضم من حِجَارَة بتحريك الضَّاد. قَوْله: (عِنْد سلمات الطَّرِيق) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام فِي رِوَايَة أبي ذرة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ، بِفَتْح اللَّام. قيل: هِيَ بِالْكَسْرِ: الصخرات، وبالفتح: الشجرات. وَقَالَ أَبُو زِيَاد. من الْعضَاة السّلم، وَهُوَ سليب العيدان طولا يشبه القضبان لَيْسَ لَهُ خشب وَإِن عظم، وَله شوك دقاق طوال حَار، إِذا أصَاب رجل الْإِنْسَان وكل شَيْء من السلمة مر يدبغ بِهِ، قَالَه أَبُو حنيفَة. وَقَالَ غَيره من الروَاة: السلمة أطيب الغضاه ريحًا، وبرمتها أطيب الْبرم ريحًا، وَهِي صفراء تُؤْكَل، وَقيل: لَيْسَ شَجَرَة أردى من سَلمَة، وَلم يُوجد فِي ذرى سَلمَة صرد قطّ، وَيجمع على: أسلام، وَأَرْض مسلوم: إِذا كَانَت كَثِيرَة السّلم. وَفِي (الْجَامِع) : يجمع أَيْضا على: سلامى. قَوْله: (بَين أُولَئِكَ السلمات) ، وَفِي بعض النّسخ من أُولَئِكَ السلمات، وَهِي فِي النُّسْخَة الأولى ظَاهر التَّعَلُّق بِمَا قبله، وَفِي الثَّانِيَة بِمَا بعده. قَوْله: (بالهاجرة) وَهِي: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر.
قَوْله: (فِي مسيل) ، بِفَتْح الْمِيم: وَهُوَ الْمَكَان المنحدر. قَوْله: (دون هرشى) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مَقْصُور، على وزن: فعلى. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جبل من بِلَاد تهَامَة، وَهُوَ على ملتقى طَرِيق الشَّام وَالْمَدينَة فِي أَرض مستوية هضبة ململمة لَا تنْبت شَيْئا، وَهِي قَرْيَة بَين الْمَدِينَة وَالشَّام قريبَة من الْجحْفَة. يرى مِنْهَا الْبَحْر وَيقرب مِنْهَا طفيل، بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْفَاء وَهُوَ جبل أسود، على الطَّرِيق من
ثنية هرشى ثَلَاث أَوديَة غزال وَذُو ذوران وكلية، وَكلهَا لخزاعة، وبأعلى كُلية ثَلَاثَة أجبل صغَار يُقَال لَهَا: سنابك، وغدير خم وَاد يصب فِي الْبَحْر، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هرشى ثنية قَرْيَة من الْجحْفَة وَفِي (أَسمَاء الْجبَال) للزمخشري: هرشى هضبة دون الْمَدِينَة. وَقَالَ الشريف: على هرشى نقب فِي حرَّة بَين الأخيمصمي وَبَين السقيا على طَرِيق الْمَدِينَة، ويليه جبال يُقَال لَهَا: طوال هرشى. وَفِي (المغيث) للمديني: قيل سميت هرشى لمهارشة كَانَت بَينهم، والتهريش الْإِفْسَاد بَين النَّاس. قَوْله: (من غلوة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغلوة الْغَايَة مِقْدَار رمية. وَفِي (المغيث) لَا تكون الغلوة إِلَّا مَعَ تصعيد السهْم. وَقَالَ ابْن سَيّده: غلا بِالسَّهْمِ غلواً وغلواً وغالا بِهِ غلاءً وَرفع بِهِ يَده يُرِيد أقْصَى الْغَايَة، وَهُوَ من التجاوز. وَرجل غلاء: بعيد الغلو بِالسَّهْمِ، وغلا السهْم نَفسه: ارْتَفع فِي ذَهَابه، وَجَاوَزَ المدى، وَكَذَلِكَ الْحجر، وكل مرماة: غلوة. وَالْجمع غلواة وَغَلَاء، وَقد تسْتَعْمل الغلوة فِي سباق الْخَيل. قَالَت الْفُقَهَاء: الغلوة أَرْبَعمِائَة ذِرَاع.
قَوْله: (مر الظهْرَان) زعم الْبكْرِيّ أَنه بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه، مُضَاف إِلَى: الظهْرَان، بِظَاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة: بَين مر وَالْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا. قلت: هُوَ الْوَادي الَّذِي تسميه الْعَامَّة بطن مر، وبسكون الرَّاء بعْدهَا وَاو، وَقَالَ كثير عزة سميت مرا لمرارة مَائِهَا. وَقَالَ أَبُو غَسَّان: سميت بذلك لِأَن فِي بطن الْوَادي بِئْرا ونخلة كبابة بعرق من الأَرْض أَبيض هجامر، إلَاّ أَن الْمِيم مَوْصُولَة بالراء، وببطن مر تخزعت خُزَاعَة من أخواتها فَبَقيت بِمَكَّة شرفها اتعالى، وسارت أخواتها إِلَى الشَّام أَيَّام سيل العرم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مر الظهْرَان بتهامة قريب من عَرَفَة. وَعَن صَاحب (الْعين) : الظهْرَان من قَوْلك: مر ظهْرهمْ، وَقَالَ الْفراء: لم أسمع إِلَّا بتثنيته لم يجمع وَلم يوحد. قَوْله: (قبل الْمَدِينَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مقابلها وجهتها. قَوْله: (من الصفراوات) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء جمع صفراء، وَهِي الأودية أَو الْجبَال بعد مر الظهْرَان.
قَوْله: (تنزل) بِلَفْظ الْخطاب ليُوَافق أَنْت. قَوْله: (بِذِي طوى) ، بِضَم الطَّاء فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بِذِي الطوى، بِزِيَادَة الْألف وَاللَّام. وَقَيده الْأصيلِيّ بِالْكَسْرِ، وَحكى عِيَاض وَغَيره الْفَتْح أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ذُو طوى، بِالْفَتْح على الْأَفْصَح، وَيجوز ضمهَا وَكسرهَا، وبفتح الْوَاو المخففة. وَفِيه لُغَتَانِ: الصّرْف وَعَدَمه، عِنْد بَاب مَكَّة بأسفلها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ذُو طوى، بِالضَّمِّ مَوضِع بِمَكَّة وَأما طوى، فَهُوَ اسْم مَوضِع بِالشَّام تكسر طاؤه وتضم. قَوْله: (وَلَكِن أَسْفَل) بِالرَّفْع، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَبِالنَّصبِ أَي: فِي أَسْفَل.
قَوْله: (فرضتي الْجَبَل) ، وَيُقَال أَيْضا لمدخل النَّهر وفرضة الْبِئْر ثلمته الَّتِي تسقى مِنْهَا وَفِي (الْمُحكم) فرضة النَّهر مشرب المَاء مِنْهُ وَالْجمع: فرض وفراض. قَوْله: (نَحْو الْكَعْبَة) ، أَي: ناحيتها، وَهُوَ مُتَعَلق بالطويل أَو ظرف للجبل أَو بدل من الفرضة. قَوْله: (فَجعل) الظَّاهِر أَنه من كَلَام نَافِع، وفاعله: عبد ا، ويسار مفعول ثَان. قَوْله: (بِطرف الأكمة) صفة لِلْمَسْجِدِ الثَّانِي.
ذكر بَاقِي المتعلقات وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي. وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي (كتاب الْمَرَاسِيل) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة: عَم بكير بن عبد االأشج قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَة مَسَاجِد مَعَ مَسْجِد النَّبِي يسمع أَهله تأذين بِلَال، رَضِي اتعالى عَنهُ، فيصلون فِي مَسَاجِدهمْ أقربها مَسْجِد بني عَمْرو بن مبذول، وَمَسْجِد بني سَاعِدَة، وَمَسْجِد بني عبيد، وَمَسْجِد بني سَلمَة، وَمَسْجِد بني رَايِح بن عبد الْأَشْهَل، وَمَسْجِد بني زُرَيْق، وَمَسْجِد غفار، وَمَسْجِد أسلم، وَمَسْجِد جُهَيْنَة، وَشك فِي التَّاسِع. وَفِي كتاب (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد عَمْرو بن شبة النميري النَّحْوِيّ الأخباري، بِسَنَد لَهُ فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ: عَن رَافع بن خديج: صلى النَّبِي، فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأحد فِي شعب الجرار على يَمِينك اللازق بِالْجَبَلِ: وَعَن أسيد بن أبي أسيد عَن أشياخه أَن النَّبِي،، دَعَا على الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِد الْفَتْح. وَصلى فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأَصْل الْجَبَل حِين تصعد الْجَبَل: وَعَن عمَارَة ابْن أبي الْيُسْر: صلى النَّبِي فِي الْمَسْجِد الْأَسْفَل. وَعَن جَابر: دَعَا النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فِي الْمَسْجِد الْمُرْتَفع وَرفع يَدَيْهِ مدا، وَعَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني خدارة، وَعَن عَمْرو بن قَتَادَة أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صلى لَهُم فِي مَسْجِد فِي بني أُميَّة من الْأَنْصَار، وَكَانَ فِي مَوضِع الخربتين اللَّتَيْنِ عِنْد مَال نهيك. وَعَن الْأَعْرَج أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، صلى على ذُبَاب وَهُوَ: جبل بِالْمَدِينَةِ، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وبالبائين الموحدتين،
وَفِي لفظٍ كَانَ ضرب قُبَّته يَوْم الخَنْدَق عَلَيْهِ، وَعَن جَابر بن أُسَامَة قَالَ: خطّ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَسْجِد جُهَيْنَة لَيْلًا، وَفِي لفظٍ (وَصلى فِيهِ) ، وَعَن سعد بن إِسْحَاق: (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة الْخَارِج من بيُوت الْمَدِينَة، وَفِي مَسْجِد بني بياضة وَفِي مَسْجِد بني الحبلى وَمَسْجِد بني عصية) . وَعَن الْعَبَّاس بن سهل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة، وَعَن يحيى بن سعد: (كَانَ النَّبِي يخْتَلف إِلَى مَسْجِد أبي فَيصَلي فِيهِ غير مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ لأكثرت الصَّلَاة فِيهِ) . وَعَن يحيى بن النضرة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد أبي بن كَعْب فِي بني جديلة وَمَسْجِد بني عمر بن مبذول وَمَسْجِد بني دِينَار وَمَسْجِد النَّابِغَة وَمَسْجِد ابْن عدي، وَجلسَ فِي كَهْف سلع: وَعَن هِشَام بن عُرْوَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد بلحارث بن الْخَزْرَج وَمَسْجِد السخ وَمَسْجِد بني خطمة وَمَسْجِد الفضيح وَفِي صَدَقَة الزبير وَفِي بني محمم وَفِي بَيت صرمة فِي بني عدي) .
وَعَن الْحَارِث بن سعيد: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني حَارِثَة وَبني ظفر وَبني عبد الْأَشْهَل) . وَعَن اسماعيل بن حَبِيبَة (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد واقم) . وَعَن ابْن عمر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني مُعَاوِيَة) . وَعَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد عَاتِكَة فِي بني سَالم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الخربة، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَمَسْجِد بني حزَام الَّذِي بالقاع) . وَعَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك: (أَن النَّبِي، صلى فِي صدقته) . وَعَن يحيى بن إِبْرَاهِيم: (أَن النَّبِي، فِي مَسْجِد رَايِح) . وَعَن زيد بن سعد: (أَن النَّبِي صلى فِي حَائِط أبي الْهَيْثَم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى الظّهْر يَوْم أحد على عينين) . وَعَن عَليّ بن رَافع: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت امْرَأَة من الْخضر، فَأدْخل ذَلِك فِي الْبَيْت فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة) . وَعَن سَلمَة الخطمي: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت المقعدة عِنْد مَسْجِد وَائِل فِي مَسْجِد العجوزة) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، عرض الْمُسلمين بالسقيا الَّتِي بِالْحرَّةِ مُتَوَجها إِلَى بدر وَصلى بهَا) .
وَعَن الْمطلب: (أَن النَّبِي صلى فِي بني سَاعِدَة، وَصلى فِي الْمَسْجِد الَّذِي عِنْد السخين وَبَات فِيهِ وَهُوَ الَّذِي عِنْد (البَائِع)) . وَعَن هِشَام: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة بالمعرس) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة) . وَعَن ربيعَة بن عُثْمَان: (أَن النَّبِي صلى فِي بَيت إِلَى جنب مَسْجِد بني خدرة) . قَالَ أَبُو غَسَّان: قَالَ لي غير وَاحِد من أهل الْعلم: إِن كل مَسْجِد من مَسَاجِد الْمَدِينَة ونواحيها مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المنقوشة الْمُطَابقَة فقد صلى فِيهِ النَّبِي، وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى مَسْجِد النَّبِي سَأَلَ، وَالنَّاس يَوْمئِذٍ متوافرون، عَن الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي فِي دَار الشفا عَن يَمِين من دخل الدَّار، وَصلى فِي دَار بسرة بنت صَفْوَان، وَفِي دَار عَمْرو بن أُميَّة الضمرى. قلت: قد اندرس أَكثر هَذِه الْمَسَاجِد وَبَقِي من الْمَشْهُور الْآن مَسْجِد قبا، وَمَسْجِد بني قُرَيْظَة، ومشربة أم إِبْرَاهِيم وَهِي شمَالي مَسْجِد قُرَيْظَة، وَمَسْجِد بني ظفر، شَرْقي البقيع وَيعرف: بِمَسْجِد البغلة، وَمَسْجِد بني مُعَاوِيَة وَيعرف بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَمَسْجِد الْفَتْح قريب من جبل سلع، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ فِي بني سَلمَة.
الْوَجْه الثَّانِي فِي بَيَان وَجه تتبع عبد ابْن عمر الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول ا، وَهُوَ أَنه يسْتَحبّ التتبع لآثار النَّبِي والتبرك بهَا، وَلم يزل النَّاس يتبركون بمواضع الصَّالِحين. وَقد روى شُعْبَة عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد، قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي اعنه، فِي سفر فصلى الْغَدَاة ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي. فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب، إِنَّهُم كَانُوا اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ فاتخذوا كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل، وَإِلَّا فليمض. قَالُوا: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه ذكر ذَلِك فَلِأَنَّهُ خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع، فيشكل ذَلِك على من يَأْتِي بعدهمْ، وَيرى ذَلِك وَاجِبا. وَكَذَا يَنْبَغِي للْعَالم إِذا رأى النَّاس يلبتزمون النَّوَافِل التزاماً شَدِيدا أَن يترخص فِيهَا فِي بعض المرات وَيَتْرُكهَا ليعلم بِفِعْلِهِ، ذَلِك أَنَّهَا غير وَاجِبَة، كَمَا فعل ابْن عَبَّاس فِي ترك الْأُضْحِية.
الْوَجْه الثَّالِث: فِيمَا نقل عَن الْفُقَهَاء فِي ذَلِك، روى أَشهب عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا الشَّارِع؟ فَقَالَ: مَا يُعجبنِي