«لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْكِتَابَ وَقَامَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٢٥

الحديث رقم ٥٠٢٥ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اغتباط صاحب القرآن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب…

«لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ».

سند حديث: ٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب…

يُشير النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى أن الحَسَدَ أنواع مختلفة فمنه حسد مَذْمُوم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعمة دينية عند غيره فيتمناها لنفسه. وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلا في أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالا حلالا، فينفقه في سبيل الله تعالى، فيتمنى أن يكون مثله، ويَغْبِطَه على هذه النعمة.
الأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علما نافعا يعمل به، ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس، فيتمنى أن يكون مثله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحَسَدُ داء خطير يجب الابتعاد عنه والحذر منه.
  • حسد الغِبْطَة محمود إذا كان في وجوه الخير.
  • فضل الغني الذي لا يبخل بما آتاه الله .
  • الواجب شكر المُنْعِم على ما أنعم به على العبد وذلك بأن يضعها العبد في موضعها.
  • استحباب الإنفاق وبذل المال والخروج عنه بالكلية في وجوه الخير ما لم يؤد إلى حرمان الورثة أو سؤال الناس ونحو ذلك مما حَرَّمَه الشرع.
  • فضل العلم بأحكام الدين وتعليم الناس ودعوتهم إلى التفقه في الدين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٠ - بَاب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ

٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناء النَّهَارِ.

[الحديث ٥٠٢٥ - طرفه في: ٧٥٢٩]

٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: " لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ".

[الحديث ٥٠٢٦ - طرفاه في: ٧٢٣٣، ٧٥٢٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ تَفْسِيرَ الْغِبْطَةِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَسَدِ، وَأَنَّ الْحَسَدَ فِي الْحَدِيثِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا مَجَازًا، وَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْبَابِ اغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ وَهَذَا فِعْلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ فَهُوَ الَّذِي يَغْتَبِطُ وَإِذَا كَانَ يَغْتَبِطُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَرُّ وَيَرْتَاحُ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مُطَابِقًا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَ دَالًّا عَلَى أَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْقُرْآنِ يَغْتَبِطُ صَاحِبَ الْقُرْآنِ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْقُرْآنِ فَاغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ أَوْلَى إِذَا سَمِعَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ الْوَارِدَةَ فِي حَدِيثِ الصَّادِقِ.

قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ) أَيْ لَا رُخْصَةَ فِي الْحَسَدِ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ، أَوْ لَا يَحْسُنُ الْحَسَدُ إِنْ حَسُنَ، أَوْ أَطْلَقَ الْحَسَدَ مُبَالَغَةً فِي الْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِ الْخَصْلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَحْصُلَا إِلَّا بِالطَّرِيقِ الْمَذْمُومِ لَكَانَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَضْلِ حَامِلًا عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا بِهِ فَكَيْفَ وَالطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُمَا بِهِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السَّبْقِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْمَطْلُوبِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ تِلْوَ هَذَا إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ تَقُولُ حَسَدْتُهُ عَلَى كَذَا أَيْ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا حَسَدْتُهُ فِي كَذَا فَمَعْنَاهُ حَسَدْتُهُ فِي شَأْنِ كَذَا وَكَأَنَّهَا سَبَبِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ تِلَاوَةً وَطَاعَةً.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْمُ جَدِّهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ الْيَشْكُرِيُّ، وَهُوَ ثقة مُتْقِنٌ، عَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنُ أشْكَابَ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أشْكَابَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَدِيٍّ. وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ قَوْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٠) (باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ) أي: تمنِّي مثلَ ما لهُ من نعمةِ القرآن من غيرِ أن تتحوَّل عنه.

٥٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطةَ جائزة (١) في شيءٍ (إِلَّا عَلَى) وجودِ (اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين؛ إحداهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةُ رجلٍ (آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ) أي: القرآنَ (وَقَامَ بِهِ) تلاوةً وعملًا (آنَاءَ اللَّيْلِ) أي: في (٢) ساعاتهِ، وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه»: «وآناءَ النَّهار» (وَ) ثانيهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةٌ (أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ) على المحتاجِ (آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ) أي: ساعاتهما، بإثبات (٣): «آناءَ النَّهار» هنا، وحذفها في الأوَّل، كما مرَّ. وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحةِ نوعٍ من الحسدِ، وإن كانت جملتهُ محظورة، وإنَّما رخَّص فيه لما يتضمَّن (٤) مصلحةً في الدِّين. قال أبو تمَّام:

وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بحاسِدِ

وكما رخَّص في الكذبِ لتضمُّن فائدةٍ هي فوقَ آفةِ الكذبِ.

وقال في «شرح المشكاة»: أثبتَ الحسدَ لإرادةِ المبالغة في تحصيلِ النِّعمتين الخطيرتين، يعني: ولو حصلتا (٥) بهذا الطَّريق المذمومِ فينبغي أن يتحرَّى ويجتهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودِ، لا سيَّما وكل واحدةٍ من الخصلتينِ بلغت غايةً لا أمدَ فوقها، ولو اجتمعتَا في امرئٍ بلغَ من العلياءِ كلَّ مكان (٦).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن أبي مليكَة أَنه تَحْسِين الصَّوْت، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالنضْر بن شُمَيْل، وَمِمَّنْ أجَاز الألحان فِي الْقِرَاءَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول لأبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ذكّرنا رَبنَا، فَيقْرَأ أَبُو مُوسَى ويتلاحن، وَقَالَ مرّة: من اسْتَطَاعَ أَن يُغني بِالْقُرْآنِ غناء أبي مُوسَى فَلْيفْعَل، وَكَانَ عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعرض عَليّ سُورَة كَذَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَبكى عمر، وَقَالَ: مَا كنت أَظن أَنَّهَا نزلت، وَاخْتَارَهُ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَاحْتج بِحَدِيث عبيد بن عُمَيْر، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد يتتبع الصَّوْت الْحسن فِي الْمَسَاجِد فِي شهر رَمَضَان، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه أَنهم كَانُوا يَسْتَمِعُون الْقُرْآن بألحان، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الحكم رَأَيْت أبي وَالشَّافِعِيّ ويوسف بن عَمْرو يسمعُونَ الْقُرْآن بألحان، وَاحْتج الطَّبَرِيّ لهَذَا القَوْل، وَأَن معنى الحَدِيث: تَحْسِين الصَّوْت، بِمَا رُوِيَ سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (مَا أذن الله لشَيْء وَمَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ) ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ومعقول: إِن الترنم لَا يكون إلَاّ بالصوت إِذا حسنه وطرب بِهِ وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: تحمل الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت فِي حسن الصَّوْت على التحزن والتخويف والتشويق، وَرُوِيَ سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ: أَي النَّاس أحسن صَوتا بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الَّذِي إِذا سمعته رَأَيْته خشِي الله تَعَالَى وَعند الْآجُرِيّ من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي الزبير عَن جَابر يرفعهُ: أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعته يقْرَأ حسبته يخْشَى الله عز وَجل.

قَوْله: (وَقَالَ صَاحب لَهُ) أَي: لأبي سَلمَة، والصاحب هُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بَينه الزبيدِيّ عَن ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث أخرجه ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي الزهريات من طَرِيقه بِلَفْظ: (مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) ، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ، فَكَأَن هَذَا التَّفْسِير لم يسمعهُ ابْن شهَاب من أبي سَلمَة، وسَمعه من عبد الحميد عَنهُ فَكَانَ تَارَة يُسَمِّيه وَتارَة يبهمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجْهر بِهِ مَعْنَاهُ بتحسين صَوته وتحزينه وترقيقه، وَيسْتَحب ذَلِك مَا لم تخرجه الألحان عَن حد الْقِرَاءَة فَإِن أفرط حَتَّى زَاد حرفا أَو أخْفى حرفا فَهُوَ حرَام.

٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٠٢ - (بابُ اغْتِباطِ صاحِبِ القُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اغتباط صَاحب الْقُرْآن، والاغتباط من الْغِبْطَة وَهُوَ حسد خَاص، يُقَال: غبطت الرجل أغبطه غبطا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثل مَاله، وَأَن يَدُوم عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، وحسدته أحسده حسدا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثله، وَأَن يَزُول عَنهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتِرَاض على هَذِه التَّرْجَمَة بِأَن صَاحب الْقُرْآن لَا يغتبط نَفسه بل يغتبطه غَيره، وَأجَاب عَنهُ بَعضهم بِأَن الحَدِيث لما كَانَ دَالا على أَن غير صَاحب الْقُرْآن يغتبط صَاحب الْقُرْآن بِمَا أعْطِيه من الْعَمَل بِالْقُرْآنِ، فاغتباط صَاحب الْقُرْآن بِعَمَل نَفسه أولى. قلت: هَذَا لَيْسَ بِذَاكَ، وَكَيف يُوَجه هَذَا الْكَلَام وَقد علم أَن الْغِبْطَة اشتهاه مثل مَا أعْطى فلَان مثلا، وَكَيف يتَصَوَّر اغتباط من أعْطى مثل مَا أعْطى غَيره، وَالْأَحْسَن فِيهِ أَن يقدر فِي التَّرْجَمَة مَحْذُوف تَقْدِيره: بَاب باغتياط الرجل صَاحب الْقُرْآن، وَلَا يحْتَاج إِلَى تعسفات بعيدَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٠ - بَاب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ

٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناء النَّهَارِ.

[الحديث ٥٠٢٥ - طرفه في: ٧٥٢٩]

٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: " لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ".

[الحديث ٥٠٢٦ - طرفاه في: ٧٢٣٣، ٧٥٢٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ تَفْسِيرَ الْغِبْطَةِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَسَدِ، وَأَنَّ الْحَسَدَ فِي الْحَدِيثِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا مَجَازًا، وَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْبَابِ اغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ وَهَذَا فِعْلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ فَهُوَ الَّذِي يَغْتَبِطُ وَإِذَا كَانَ يَغْتَبِطُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَرُّ وَيَرْتَاحُ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مُطَابِقًا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَ دَالًّا عَلَى أَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْقُرْآنِ يَغْتَبِطُ صَاحِبَ الْقُرْآنِ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْقُرْآنِ فَاغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ أَوْلَى إِذَا سَمِعَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ الْوَارِدَةَ فِي حَدِيثِ الصَّادِقِ.

قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ) أَيْ لَا رُخْصَةَ فِي الْحَسَدِ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ، أَوْ لَا يَحْسُنُ الْحَسَدُ إِنْ حَسُنَ، أَوْ أَطْلَقَ الْحَسَدَ مُبَالَغَةً فِي الْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِ الْخَصْلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَحْصُلَا إِلَّا بِالطَّرِيقِ الْمَذْمُومِ لَكَانَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَضْلِ حَامِلًا عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا بِهِ فَكَيْفَ وَالطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُمَا بِهِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السَّبْقِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْمَطْلُوبِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ تِلْوَ هَذَا إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ تَقُولُ حَسَدْتُهُ عَلَى كَذَا أَيْ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا حَسَدْتُهُ فِي كَذَا فَمَعْنَاهُ حَسَدْتُهُ فِي شَأْنِ كَذَا وَكَأَنَّهَا سَبَبِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ تِلَاوَةً وَطَاعَةً.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْمُ جَدِّهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ الْيَشْكُرِيُّ، وَهُوَ ثقة مُتْقِنٌ، عَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنُ أشْكَابَ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أشْكَابَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَدِيٍّ. وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ قَوْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٠) (باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ) أي: تمنِّي مثلَ ما لهُ من نعمةِ القرآن من غيرِ أن تتحوَّل عنه.

٥٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطةَ جائزة (١) في شيءٍ (إِلَّا عَلَى) وجودِ (اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين؛ إحداهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةُ رجلٍ (آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ) أي: القرآنَ (وَقَامَ بِهِ) تلاوةً وعملًا (آنَاءَ اللَّيْلِ) أي: في (٢) ساعاتهِ، وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه»: «وآناءَ النَّهار» (وَ) ثانيهما: (رَجُلٌ) أي: خصلةٌ (أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ) على المحتاجِ (آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ) أي: ساعاتهما، بإثبات (٣): «آناءَ النَّهار» هنا، وحذفها في الأوَّل، كما مرَّ. وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحةِ نوعٍ من الحسدِ، وإن كانت جملتهُ محظورة، وإنَّما رخَّص فيه لما يتضمَّن (٤) مصلحةً في الدِّين. قال أبو تمَّام:

وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بحاسِدِ

وكما رخَّص في الكذبِ لتضمُّن فائدةٍ هي فوقَ آفةِ الكذبِ.

وقال في «شرح المشكاة»: أثبتَ الحسدَ لإرادةِ المبالغة في تحصيلِ النِّعمتين الخطيرتين، يعني: ولو حصلتا (٥) بهذا الطَّريق المذمومِ فينبغي أن يتحرَّى ويجتهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودِ، لا سيَّما وكل واحدةٍ من الخصلتينِ بلغت غايةً لا أمدَ فوقها، ولو اجتمعتَا في امرئٍ بلغَ من العلياءِ كلَّ مكان (٦).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن أبي مليكَة أَنه تَحْسِين الصَّوْت، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالنضْر بن شُمَيْل، وَمِمَّنْ أجَاز الألحان فِي الْقِرَاءَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول لأبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ذكّرنا رَبنَا، فَيقْرَأ أَبُو مُوسَى ويتلاحن، وَقَالَ مرّة: من اسْتَطَاعَ أَن يُغني بِالْقُرْآنِ غناء أبي مُوسَى فَلْيفْعَل، وَكَانَ عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعرض عَليّ سُورَة كَذَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَبكى عمر، وَقَالَ: مَا كنت أَظن أَنَّهَا نزلت، وَاخْتَارَهُ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَاحْتج بِحَدِيث عبيد بن عُمَيْر، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد يتتبع الصَّوْت الْحسن فِي الْمَسَاجِد فِي شهر رَمَضَان، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه أَنهم كَانُوا يَسْتَمِعُون الْقُرْآن بألحان، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الحكم رَأَيْت أبي وَالشَّافِعِيّ ويوسف بن عَمْرو يسمعُونَ الْقُرْآن بألحان، وَاحْتج الطَّبَرِيّ لهَذَا القَوْل، وَأَن معنى الحَدِيث: تَحْسِين الصَّوْت، بِمَا رُوِيَ سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (مَا أذن الله لشَيْء وَمَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ) ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ومعقول: إِن الترنم لَا يكون إلَاّ بالصوت إِذا حسنه وطرب بِهِ وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: تحمل الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت فِي حسن الصَّوْت على التحزن والتخويف والتشويق، وَرُوِيَ سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ: أَي النَّاس أحسن صَوتا بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الَّذِي إِذا سمعته رَأَيْته خشِي الله تَعَالَى وَعند الْآجُرِيّ من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي الزبير عَن جَابر يرفعهُ: أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعته يقْرَأ حسبته يخْشَى الله عز وَجل.

قَوْله: (وَقَالَ صَاحب لَهُ) أَي: لأبي سَلمَة، والصاحب هُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بَينه الزبيدِيّ عَن ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث أخرجه ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي الزهريات من طَرِيقه بِلَفْظ: (مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) ، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ، فَكَأَن هَذَا التَّفْسِير لم يسمعهُ ابْن شهَاب من أبي سَلمَة، وسَمعه من عبد الحميد عَنهُ فَكَانَ تَارَة يُسَمِّيه وَتارَة يبهمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجْهر بِهِ مَعْنَاهُ بتحسين صَوته وتحزينه وترقيقه، وَيسْتَحب ذَلِك مَا لم تخرجه الألحان عَن حد الْقِرَاءَة فَإِن أفرط حَتَّى زَاد حرفا أَو أخْفى حرفا فَهُوَ حرَام.

٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٠٢ - (بابُ اغْتِباطِ صاحِبِ القُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اغتباط صَاحب الْقُرْآن، والاغتباط من الْغِبْطَة وَهُوَ حسد خَاص، يُقَال: غبطت الرجل أغبطه غبطا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثل مَاله، وَأَن يَدُوم عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، وحسدته أحسده حسدا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثله، وَأَن يَزُول عَنهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتِرَاض على هَذِه التَّرْجَمَة بِأَن صَاحب الْقُرْآن لَا يغتبط نَفسه بل يغتبطه غَيره، وَأجَاب عَنهُ بَعضهم بِأَن الحَدِيث لما كَانَ دَالا على أَن غير صَاحب الْقُرْآن يغتبط صَاحب الْقُرْآن بِمَا أعْطِيه من الْعَمَل بِالْقُرْآنِ، فاغتباط صَاحب الْقُرْآن بِعَمَل نَفسه أولى. قلت: هَذَا لَيْسَ بِذَاكَ، وَكَيف يُوَجه هَذَا الْكَلَام وَقد علم أَن الْغِبْطَة اشتهاه مثل مَا أعْطى فلَان مثلا، وَكَيف يتَصَوَّر اغتباط من أعْطى مثل مَا أعْطى غَيره، وَالْأَحْسَن فِيهِ أَن يقدر فِي التَّرْجَمَة مَحْذُوف تَقْدِيره: بَاب باغتياط الرجل صَاحب الْقُرْآن، وَلَا يحْتَاج إِلَى تعسفات بعيدَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.8 / 29.5
الإضاءة 74%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله