«إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيّ�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٩٣

الحديث رقم ٤٩٩٣ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تأليف القرآن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي…

«إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ. قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ، قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ، قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ، فَأمَْلَّتِْ عَلَيْهِ آيَ السُّورَةِ».

سند حديث: ٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي…

جاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رجل من أهل العراق فسألها: أي الكفن خير؟ يعني أي أنواع الكفن أفضل، ويحتمل أن يكون سؤاله عن الكم يعني لفافة أو أكثر؟ وعن الكيف، مثل اللون، هل الأفضل الأبيض أو غيره، ومثل النوع، هل الأفضل الناعم أو الخشن؟ وعن النوع أنه قطن أو كتان مثلا؟ قالت: ويحك وهي كلمة ترحم، وما يضرك؟ أي: أي شيء يضرك بعد موتك وسقوط التكليف عنك في أي كفن كُفِّنت؟ لبطلان حسك بالنعومة والخشونة وغير ذلك، فقال لها: يا أم المؤمنين أريني مصحفك لينظر فيه، قالت: لم؟ أي لم أريك مصحفي؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يُقرأ غير مؤلف؛ لأن هذا العراقي كان ممن أخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه - في بادئ الأمر - وكان تأليف مصحف هذا العراقي مغايرًا لتأليف مصحف عثمان، فلذلك جاء إلى عائشة وسأل الإملاء من مصحفها، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ أي وما يضرك أيُّ سورة من القرآن قرأت قبل قراءة السورة الأخرى، إنما نزل أول ما نزل منه أي من القرآن سورة من المفصل، وسمي مفصلًا لكثرة ما يقع فيها من فصول بالبسملة بين السور، وهذه السورة فيها ذكر الجنة والنار، وأول ما نزل إما المدثر وإما اقرأ، والقول الثاني أصح وأشهر، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام أي رجعوا إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، أي تحريم الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، وذلك لانطباع النفوس بالنفرة عن ترك المألوف، فأشارت به إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأنه أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمنين والمطيعين بالجنة، والإنذار والتخويف للكافرين بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أُنزلت الأحكام، ولقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46]، إشارة منها إلى تقوية ما ظهر لها من الحكمة المذكورة، وهو تقدم سورة القمر، وليس فيها شيء من الأحكام على نزول سورة البقرة والنساء مع كثرة اشتمالهما على الأحكام، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده يعني: بالمدينة، لأن دخوله عليها إنما كان بعد الهجرة بلا خلاف، فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السور أي قرأت على العراقي آيات السور.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعظيم فقهها وعلمها.
  • الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل والتدرج في الأحكام.
  • تأكيد نزول سورتي البقرة والنساء بالمدينة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اسْمُ كَانَ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَدْعُونَ﴾ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ﴾ قَرَأَ ابْنُ جَامِعٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَقَرَأَهَا مُعَاذٌ كَذَلِكَ لَكِنْ بِأَلِفٍ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَثَامًا﴾ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ (إِثْمًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ قَبْلَ الْمِيمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (آثَامًا).

قَوْلُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ قَرَأَ عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي عَبْلَةَ، وَأَبَانَ، وَابْنِ مُجَالِدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو عُمَارَةَ، وَالْبَرْهَمِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قَرَأَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بِنُونٍ بَدَلَ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: ذُكِّرُ وا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، قَرَأَ تَمِيمُ بْنُ زِيَادٍ بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْكَافِ.

قَوْلُهُ: بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، قَرَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ بِآيَةِ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: قُرَّةَ أَعْيُنٍ، قَرَأَ مَعْرُوفُ بْنُ حَكِيمٍ (قُرَّةُ عَيْنٍ) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا أَبُو صَالِحٍ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ: (قُرَّاتُ عَيْنٍ).

قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (وَاجْعَلْ لَنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ إِمَامًا).

قَوْلُهُ: يُجْزَوْنَ قَرَأَ أُبَيٌّ فِي رِوَايَةٍ (يُجَازَوْنَ).

قَوْلُهُ: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ قَرَأَ أَبُو حَامِدٍ (الْغُرُفَاتِ).

قَوْلُهُ: تَحِيَّةً قَرَأَ ابْنُ عُمَيْرٍ (تَحِيَّاتٍ) بِالْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: وَسَلَامًا قَرَأَ الْحَارِثُ (وَسِلْمًا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قَرَأَ عُمَيْرُ بْنُ عِمْرَانَ (وَمَقَامًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قَرَأَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ. فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مَوْضِعًا لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْمَشْهُورِ شَيْءٌ، فَلْيُضَفْ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا فَتَكُونُ جُمْلَتُهَا نَحْوًا مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ شُرُوطٌ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهَا، فَمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ مُعْتَمَدَةً، وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو شَامَةَ فِي الْوَجِيزِ تَقْرِيرًا بَلِيغًا وَقَالَ: لَا يُقْطَعُ بِالْقِرَاءَةِ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا إِذَا اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ الَّذِي قَامَ بِإِمَامَةِ الْمِصْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى إِمَامَتِهِ فِي ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ عَنْهُ فَلَا، فَلَوِ اشْتَمَلَتِ الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى قِرَاآتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْتَلُّ الْمَعْنَى وَلَا يَتَغَيَّرَ الْإِعْرَابُ. وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي الْوَجِيزِ أَنَّ فَتْوَى وَرَدَتْ مِنَ الْعَجَمِ لِدِمَشْقَ سَأَلُوا عَنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ عَشْرًا مِنَ الْقُرْآنِ فَيَخْلِطُ الْقِرَاآتِ، فَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ بِالْجَوَازِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. كَمَنْ يَقْرَأُ مَثَلًا: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ، فَلَا يُقْرَأُ لِابْنِ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ وَلِأَبِي عَمْرٍو بِنَصْبِ كَلِمَاتٍ، وَكَمَنْ يَقْرَأُ نَغْفِرُ لَكُمْ بِالنُّونِ خَطَايَاتُكُمْ بِالرَّفْعِ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: لَا شَكَّ فِي مَنْعِ مِثْلِ هَذَا، وَمَا عَدَاهُ فَجَائِزٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ شَاعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْقُرَّاءِ إِنْكَارُ ذَلِكَ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِهِ فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُعْتَمَدًا فَتَابَعُوهُمْ وَقَالُوا: أَهْلُ كُلِّ فَنٍّ أَدْرَى بِفَنِّهِمْ، وَهَذَا ذُهُولٌ مِمَّنْ قَالَهُ، فَإِنَّ عِلْمَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِنَّمَا يُتَلَقَّى مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالَّذِي مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ بِرِوَايَةٍ خَاصَّةٍ فَإِنَّهُ مَتَى خَلَطَهَا كَانَ كَاذِبًا عَلَى ذَلِكَ الْقَارِئِ الْخَاصِّ الَّذِي شَرَعَ فِي إِقْرَاءِ رِوَايَتِهِ، فَمَنْ أَقْرَأَ رِوَايَةً لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ، وَذَلِكَ مِنَ الْأَوْلَوِيَّةِ لَا عَلَى الْحَتْمِ، أَمَّا الْمَنْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب: تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ

٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضِي صنعاءَ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملكِ بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ): أخبرني فلانٌ بكذا (وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَِكٍَ) بفتح الهاء وكسرها، يصرف ولا يصرف للعجمة والعلميَّة، فالعطف على مقدَّر، وقال ابنُ حجرٍ: وما عرفتُ ماذا عطفَ عليه، ثمَّ رأيتُ الواو ساقطة من رواية النَّسفي (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا) رجلٌ (عِرَاقِيٌّ) لم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسمه (فَقَالَ) لها (أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ) الأبيض أو غيره؟ (قَالَتْ: وَيْحَكَ) كلمة ترحُّم (وَمَا) أي: أيُّ شيء (يَضُرُّكَ) بعد موتكَ في أيِّ كفنٍ كفِّنتَ؟ (قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ) أريكه؟ (قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ) قال في «الفتح»: الظَّاهر لي أنَّ هذا العراقيَّ كان ممَّن (١) يأخذ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وكانَ ابنُ مسعود لمَّا حضر مصحفُ عثمان إلى الكوفةِ لم يرجعْ عن قراءتهِ، ولا على إعدامِ مصحفهِ، فكان تأليفُ مصحفهِ مغايرًا لتأليفِ عثمان، ولا ريبَ أنَّ تأليف المصحفِ العثمانيِّ أكثرُ مناسبةً من غيرهِ، فلهذا أطلقَ العراقيُّ أنَّه غير مؤلَّف، وهذا كلُّه على أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن ترتيبِ السُّور؛ ولذا (قَالَتْ) له عائشة: (وَمَا يَضُرُّكَ) بضم الضاد المعجمة والراء المشددة، من الضَّرر، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «يضِيْرك» بكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، من الضَّير (٢) (أَيَّهُ) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء مضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أيَّةٌ» بفوقية بدل الهاء منونة (قَرَأْتَ قَبْلُ) أي: قبلَ قراءةِ السُّورة الأخرى (إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قولهِ فيها: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أو المدَّثر، وذكرهُما صريحٌ فيها في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] و ﴿فِي جَنَّاتٍ

يَتَسَاءلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] لكن الَّذي نزل أولًا من سورةِ «اقرأ» خمسُ آياتٍ فقط، أو المرادُ بالأوَّلية بعد الفترة وهي المدَّثر، فلعلَّ آخرها نزلَ قبل نزولِ بقيَّة اقرأ، أو بتقدير: من؛ أي: من أوَّل ما نزلَ (حَتَّى إِذَا ثَابَ) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: رجعَ (النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ) واطمأنَّت نفوسهُم عليه، وتيقَّنوا أنَّ الجنَّة للمطيعِ والنَّار للعاصي (نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا: لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا) وذلك لمَا طبعَتْ عليه النُّفوس من النَّفرة عن تركِ المألوفِ، فاقتضتِ الحكمةُ الإلهيَّة ترتيب النُّزول على ما ذكر (لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) صغيرةٌ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]) من سورةِ القمر الَّتي ليسَ فيها ذكرُ شيءٍ من الأحكامِ (وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ) المشتملتانِ (١) على الأحكامِ من الحلالِ والحرامِ (إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ) بعد الهجرةِ بالمدينة، وأرادتْ بذلك تأخُّر نزولِ الأحكامِ، وسقط لأبي ذرٍّ «سورة» فالبقرةُ ومعطوفُها مرفوعان (٢).

(قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ) أي: للعراقيِّ (المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها مع فتح الميم، وفي «اليونينية»: بتشديد الميم، فليحرَّر (٣) (عَلَيْهِ آيَ السُّوَرَة) ولأبي ذرٍّ: «السُّور» أي: آياتِ كلِّ سورة، كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا كذا آية، وهذا يؤِّيد أنَّ السَّؤال وقعَ عن تفصيلِ آياتِ كلِّ سورةٍ، وقد ذكرَ بعضُ الأئمةِ (٤) آياتِ السُّور مفردة، كابن شيطى والجعبريِّ، وفي مجموعي «لطائفِ الإشارات لفنونِ القراءاتِ» ما يكفي ويشفي.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفرْقان علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْسِلْهُ: اقْرَأ يَا هِشامُ فَقَرَأ علَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةُ الَّتِي أقْرَأني، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذالِكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هاذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْخُصُومَات وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (وَعبد الرَّحْمَن بن عبد) بِالتَّنْوِينِ غير مُضَاف إِلَى شَيْء (والقاري) بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بطن من خُزَيْمَة بن مدركة. قَوْله: (هِشَام بن حَكِيم) ابْن حزَام هُوَ الْأَسدي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَكَانَ إسلامهما يَوْم الْفَتْح، وَهِشَام مَاتَ قبل أَبِيه وَلَيْسَ لَهُ فيالبخاري رِوَايَة، وَأخرجه لَهُ مُسلم حَدِيث وَاحِدًا مَرْفُوعا من رِوَايَة عُرْوَة عَنهُ. قَوْله: (أساوره) أَي: أواثبه. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أَي آخذه بِرَأْسِهِ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (حَتَّى سلّم) أَي: من صلَاته. قَوْله: (فلببته برادئه) أَي: جمعت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لبته لِئَلَّا ينفلت مني. قَوْله: (كذبت) ، فِيهِ إِطْلَاق ذَلِك على غَلَبَة الظَّن أَو المُرَاد بقوله لَهُ: كَذبك أَخْطَأت، لِأَن أهل الْحجاز يطلقون الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَوْله: (أقوده) كَأَنَّهُ لما لببه صَار يجره. قَوْله: (إِن هَذَا الْقُرْآن) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطمينا لعَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِئَلَّا يُنكر تصويب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين، قَوْله: (مَا تيَسّر مِنْهُ) ، أَي: من الْمنزل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّعَدُّد فِي الْقِرَاءَة للتيسير على القارىء، هَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: المُرَاد بالأحرف تأدية الْمَعْنى بِاللَّفْظِ المرادف وَلَو كَانَ من لُغَة وَاحِدَة، لِأَن لُغَة هِشَام بِلِسَان قُرَيْش وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومه ذَلِك فقد اخْتلفت قراءتهما، قَالَ ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَنقل ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالأحرف السَّبع، وَالله أعلم.

٦ - (بابُ تأليفِ القُرْآن)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تأليف الْقُرْآن أَي: جمع آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة، أَو جمع السُّور مرتبَة.

٣٩٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْ أخْبَرَهُمْ قَالَ: وأخْبَرَني يُوسُفُ بنُ ماهَكٍ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ. رَضِي الله عَنْهَا إذْ جاءَها عِرَاقيٌ فَقَالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ {وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ} أرِيني مُصْحَفَكِ. قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ فإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤُلَّفٍ. قالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أيَّةُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حَتَّى إِذا ثابَ الناسُ إِلَى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْر لَقالُوا: لَا تَدَعُ الخَمْرَ أبَدا، ولَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا لَقالُوا: لَا تَدَعُ الزِّنا أبَدا لقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنِّي لَجارِيَة ألْعَبُ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) وَمَا نَزَلْتُ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلاّ وَأَنا عِندَهُ عِنْدَهُ، قَالَ: فأخْرَجَتْ لهُ المُصْحَفَ فأمْلَتْ علَيْهِ آيَ السُّورَةِ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٧٨٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَابْن جريج ويوسف بن مَاهك بِفَتْح الْهَاء مُعرب لِأَن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ قمير مصغر الْقَمَر وماه اسْم الْقَمَر والتصغير عِنْدهم بِالْحَقِّ الْكَاف فِي آخر الِاسْم قَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح فِيهِ الِانْصِرَاف قلت: الْأَصَح فِيهِ عدم الِانْصِرَاف للعجمة والعلمية.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يُوسُف بن سعيد بن مُسلم.

قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي يُوسُف) ، أَي: قَالَ ابْن جريج:

وَأَخْبرنِي يُوسُف قَالَ بَعضهم: وَمَا عرفت مَاذَا عطف عَلَيْهِ، ثمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. قلت: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحْذُوف تَقْدِيره أَن يُقَال: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي فلَان بِكَذَا وَأَخْبرنِي يُوسُف بن مَاهك إِلَى آخِره قَوْله: (إِذْ جاءها) ، كلمة إِذْ للمفاجأة. قَوْله: (عراقي) أَي: رجل من أهل الْعرَاق وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي الْكَفَن خير؟) يحْتَمل أَن يكون سُؤَاله عَن الْكمّ يَعْنِي لفافه أَو أَكثر؟ وَعَن الكيف يَعْنِي: أَبيض أَو غَيره وناعما أَو خشنا؟ وَعَن النَّوْع أَنه قطن أَو كتَّان مثلا؟ قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم. قَوْله: (وَمَا يَضرك؟) أَي: أَي شَيْء يَضرك بعد موتك وَسُقُوط التَّكْلِيف عَنْك فِي أَي كفن كفنت؟ لبُطْلَان حسك بالنعومة والخشونة وَغير ذَلِك قَوْله: (قَالَت: لِمَ) أَي: لم أريك مصحفي؟ قَالَ: لعَلي أؤلف عَلَيْهِ الْقُرْآن. قيل: قصَّة الْعِرَاقِيّ كَانَت قبل أَن يُرْسل عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق. ورد عَلَيْهِ بِأَن يُوسُف بن مَاهك لم يدْرك زمَان إرْسَال عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق، وَقد صرح يُوسُف فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّن أَخذ بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لما حضر مصحف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لم يُوَافق على الرُّجُوع عَن قِرَاءَته وَلَا على إعدام مصحفه، وَكَانَ تأليف مصحف الْعِرَاقِيّ مغايرا لتأليف مصحف عُثْمَان، فَلذَلِك جَاءَ إِلَى عَائِشَة وَسَأَلَ الْإِمْلَاء من مصحفها. قَوْله: (آيَة) بِالنّصب أَي: أَي آي الْقُرْآن قَرَأت قَوْله: (قبل) أَي: قبل قِرَاءَة السُّورَة الْأُخْرَى. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: (من الْمفصل) قَالَ الْخطابِيّ: سمي مفصلا لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من فُصُول التَّسْمِيَة بَين السُّور، وَقد اخْتلف فِي أول الْمفصل. فَقيل: هُوَ سُورَة، وَقيل: سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ النَّوَوِيّ: سمي بِالْفَصْلِ لقصر سُورَة وَقرب انفصالهن بَعضهنَّ من بعض. قَوْله: (أول مَا أنزل مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَأول مَا نزل إِمَّا المدثر وَإِمَّا اقْرَأ، فَفِي كل مِنْهُمَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، أما فِي المدثر فصريح وَهُوَ قَوْله: {وَمَا أدْرك مَا سقر} (المدثر: ٧٢) وَقَوله: {فِي جنَّات يتساءلون} (المدثر: ٠٤) وَأما فِي اقْرَأ فَيلْزم ذكرهمَا من قَوْله: {كذب وَتَوَلَّى} (العلق: ٣١) {وسندع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) وَقَوله: {إِن كَانَ على الْهدى} (العلق: ١١) وَبِهَذَا التَّقْرِير يرد على بَعضهم فِي قَوْله: هَذَا ظَاهره يغاير مَا تقدم أَن أول شَيْء نزل {اقْرَأ باسم رَبك} (العلق: ١) وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار. قَوْله: (حَتَّى إِذا تَابَ) ، أَي: رَجَعَ. قَوْله: (نزل الْحَلَال وَالْحرَام) ، أشارت بِهِ إِلَى الْحِكْمَة الإل هية فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل. وَأَنه أول مَا نزل من الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والتبشير للْمُؤْمِنين والمطيعين بِالْجنَّةِ، والإنذار والتخويف للْكَافِرِينَ بالنَّار، فَلَمَّا اطمأنت النُّفُوس على ذَلِك أنزلت الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَت: (وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر) إِلَى آخِره. وَذَلِكَ لانطباع النُّفُوس بالنفرة عَن ترك المألوف. قَوْله: (لقد نزل مَكَّة) ، إِلَى آخِره إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَة مَا ظهر لَهَا من الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ تقدم سُورَة الْقَمَر وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَحْكَام على نزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة اشتمالهما على الْأَحْكَام. قَوْله: (إلَاّ وَأَنا عِنْده) ، يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ، لِأَن دُخُوله عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بعد الْهِجْرَة بِلَا خلاف. قَوْله: (فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ) ، أَي أملت عَائِشَة على الْعِرَاقِيّ من الْإِمْلَاء، ويروى من الإملا. وهما بِمَعْنى وَاحِد، قيل: فِي الحَدِيث رد على النّحاس فِي قَوْله: إِن سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة، مُسْتَندا إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} (النِّسَاء: ٨٥) نزلت بِمَكَّة اتِّفَاقًا فِي قصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَهِي حجَّة واهية لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نزُول آيَة أَو آيَات من سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذا أنزل معظمها بِالْمَدِينَةِ أَن تكون مَكِّيَّة، وَالله أعلم.

٤٩٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يقُولُ: فِي بَنِي إسْرَائِيلَ والْكَهْفِ ومَرْيَمَ وطَهَ والأنْبِياء: إنّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأولِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.

(انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة نزلت بِمَكَّة وَأَنَّهَا مرتبَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مصحف عُثْمَان. وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي عَمْرو بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس النَّخعِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ.

قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) أَي: فِي شَأْن هَذِه السُّورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي بِدُونِ كلمة فِي فَالْقِيَاس أَن يَقُول: بَنو إِسْرَائِيل، فَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وابقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله أَي، سُورَة بني إِسْرَائِيل، أَو على سَبِيل الْحِكَايَة عَمَّا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله: {وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل} (السَّجْدَة: ٣٢) . قَوْله: (الْعتاق) ، جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّور لما

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اسْمُ كَانَ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَدْعُونَ﴾ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ﴾ قَرَأَ ابْنُ جَامِعٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَقَرَأَهَا مُعَاذٌ كَذَلِكَ لَكِنْ بِأَلِفٍ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَثَامًا﴾ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ (إِثْمًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ قَبْلَ الْمِيمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (آثَامًا).

قَوْلُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ قَرَأَ عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي عَبْلَةَ، وَأَبَانَ، وَابْنِ مُجَالِدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو عُمَارَةَ، وَالْبَرْهَمِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قَرَأَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بِنُونٍ بَدَلَ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: ذُكِّرُ وا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، قَرَأَ تَمِيمُ بْنُ زِيَادٍ بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْكَافِ.

قَوْلُهُ: بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، قَرَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ بِآيَةِ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: قُرَّةَ أَعْيُنٍ، قَرَأَ مَعْرُوفُ بْنُ حَكِيمٍ (قُرَّةُ عَيْنٍ) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا أَبُو صَالِحٍ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ: (قُرَّاتُ عَيْنٍ).

قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (وَاجْعَلْ لَنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ إِمَامًا).

قَوْلُهُ: يُجْزَوْنَ قَرَأَ أُبَيٌّ فِي رِوَايَةٍ (يُجَازَوْنَ).

قَوْلُهُ: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ قَرَأَ أَبُو حَامِدٍ (الْغُرُفَاتِ).

قَوْلُهُ: تَحِيَّةً قَرَأَ ابْنُ عُمَيْرٍ (تَحِيَّاتٍ) بِالْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: وَسَلَامًا قَرَأَ الْحَارِثُ (وَسِلْمًا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قَرَأَ عُمَيْرُ بْنُ عِمْرَانَ (وَمَقَامًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قَرَأَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ. فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مَوْضِعًا لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْمَشْهُورِ شَيْءٌ، فَلْيُضَفْ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا فَتَكُونُ جُمْلَتُهَا نَحْوًا مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ شُرُوطٌ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهَا، فَمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ مُعْتَمَدَةً، وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو شَامَةَ فِي الْوَجِيزِ تَقْرِيرًا بَلِيغًا وَقَالَ: لَا يُقْطَعُ بِالْقِرَاءَةِ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا إِذَا اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ الَّذِي قَامَ بِإِمَامَةِ الْمِصْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى إِمَامَتِهِ فِي ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ عَنْهُ فَلَا، فَلَوِ اشْتَمَلَتِ الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى قِرَاآتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْتَلُّ الْمَعْنَى وَلَا يَتَغَيَّرَ الْإِعْرَابُ. وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي الْوَجِيزِ أَنَّ فَتْوَى وَرَدَتْ مِنَ الْعَجَمِ لِدِمَشْقَ سَأَلُوا عَنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ عَشْرًا مِنَ الْقُرْآنِ فَيَخْلِطُ الْقِرَاآتِ، فَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ بِالْجَوَازِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. كَمَنْ يَقْرَأُ مَثَلًا: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ، فَلَا يُقْرَأُ لِابْنِ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ وَلِأَبِي عَمْرٍو بِنَصْبِ كَلِمَاتٍ، وَكَمَنْ يَقْرَأُ نَغْفِرُ لَكُمْ بِالنُّونِ خَطَايَاتُكُمْ بِالرَّفْعِ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: لَا شَكَّ فِي مَنْعِ مِثْلِ هَذَا، وَمَا عَدَاهُ فَجَائِزٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ شَاعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْقُرَّاءِ إِنْكَارُ ذَلِكَ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِهِ فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُعْتَمَدًا فَتَابَعُوهُمْ وَقَالُوا: أَهْلُ كُلِّ فَنٍّ أَدْرَى بِفَنِّهِمْ، وَهَذَا ذُهُولٌ مِمَّنْ قَالَهُ، فَإِنَّ عِلْمَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِنَّمَا يُتَلَقَّى مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالَّذِي مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ بِرِوَايَةٍ خَاصَّةٍ فَإِنَّهُ مَتَى خَلَطَهَا كَانَ كَاذِبًا عَلَى ذَلِكَ الْقَارِئِ الْخَاصِّ الَّذِي شَرَعَ فِي إِقْرَاءِ رِوَايَتِهِ، فَمَنْ أَقْرَأَ رِوَايَةً لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ، وَذَلِكَ مِنَ الْأَوْلَوِيَّةِ لَا عَلَى الْحَتْمِ، أَمَّا الْمَنْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب: تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ

٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضِي صنعاءَ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملكِ بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ): أخبرني فلانٌ بكذا (وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَِكٍَ) بفتح الهاء وكسرها، يصرف ولا يصرف للعجمة والعلميَّة، فالعطف على مقدَّر، وقال ابنُ حجرٍ: وما عرفتُ ماذا عطفَ عليه، ثمَّ رأيتُ الواو ساقطة من رواية النَّسفي (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا) رجلٌ (عِرَاقِيٌّ) لم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسمه (فَقَالَ) لها (أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ) الأبيض أو غيره؟ (قَالَتْ: وَيْحَكَ) كلمة ترحُّم (وَمَا) أي: أيُّ شيء (يَضُرُّكَ) بعد موتكَ في أيِّ كفنٍ كفِّنتَ؟ (قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ) أريكه؟ (قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ) قال في «الفتح»: الظَّاهر لي أنَّ هذا العراقيَّ كان ممَّن (١) يأخذ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وكانَ ابنُ مسعود لمَّا حضر مصحفُ عثمان إلى الكوفةِ لم يرجعْ عن قراءتهِ، ولا على إعدامِ مصحفهِ، فكان تأليفُ مصحفهِ مغايرًا لتأليفِ عثمان، ولا ريبَ أنَّ تأليف المصحفِ العثمانيِّ أكثرُ مناسبةً من غيرهِ، فلهذا أطلقَ العراقيُّ أنَّه غير مؤلَّف، وهذا كلُّه على أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن ترتيبِ السُّور؛ ولذا (قَالَتْ) له عائشة: (وَمَا يَضُرُّكَ) بضم الضاد المعجمة والراء المشددة، من الضَّرر، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «يضِيْرك» بكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، من الضَّير (٢) (أَيَّهُ) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء مضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أيَّةٌ» بفوقية بدل الهاء منونة (قَرَأْتَ قَبْلُ) أي: قبلَ قراءةِ السُّورة الأخرى (إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قولهِ فيها: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أو المدَّثر، وذكرهُما صريحٌ فيها في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] و ﴿فِي جَنَّاتٍ

يَتَسَاءلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] لكن الَّذي نزل أولًا من سورةِ «اقرأ» خمسُ آياتٍ فقط، أو المرادُ بالأوَّلية بعد الفترة وهي المدَّثر، فلعلَّ آخرها نزلَ قبل نزولِ بقيَّة اقرأ، أو بتقدير: من؛ أي: من أوَّل ما نزلَ (حَتَّى إِذَا ثَابَ) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: رجعَ (النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ) واطمأنَّت نفوسهُم عليه، وتيقَّنوا أنَّ الجنَّة للمطيعِ والنَّار للعاصي (نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا: لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا) وذلك لمَا طبعَتْ عليه النُّفوس من النَّفرة عن تركِ المألوفِ، فاقتضتِ الحكمةُ الإلهيَّة ترتيب النُّزول على ما ذكر (لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) صغيرةٌ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]) من سورةِ القمر الَّتي ليسَ فيها ذكرُ شيءٍ من الأحكامِ (وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ) المشتملتانِ (١) على الأحكامِ من الحلالِ والحرامِ (إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ) بعد الهجرةِ بالمدينة، وأرادتْ بذلك تأخُّر نزولِ الأحكامِ، وسقط لأبي ذرٍّ «سورة» فالبقرةُ ومعطوفُها مرفوعان (٢).

(قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ) أي: للعراقيِّ (المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها مع فتح الميم، وفي «اليونينية»: بتشديد الميم، فليحرَّر (٣) (عَلَيْهِ آيَ السُّوَرَة) ولأبي ذرٍّ: «السُّور» أي: آياتِ كلِّ سورة، كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا كذا آية، وهذا يؤِّيد أنَّ السَّؤال وقعَ عن تفصيلِ آياتِ كلِّ سورةٍ، وقد ذكرَ بعضُ الأئمةِ (٤) آياتِ السُّور مفردة، كابن شيطى والجعبريِّ، وفي مجموعي «لطائفِ الإشارات لفنونِ القراءاتِ» ما يكفي ويشفي.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفرْقان علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْسِلْهُ: اقْرَأ يَا هِشامُ فَقَرَأ علَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةُ الَّتِي أقْرَأني، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذالِكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هاذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْخُصُومَات وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (وَعبد الرَّحْمَن بن عبد) بِالتَّنْوِينِ غير مُضَاف إِلَى شَيْء (والقاري) بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بطن من خُزَيْمَة بن مدركة. قَوْله: (هِشَام بن حَكِيم) ابْن حزَام هُوَ الْأَسدي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَكَانَ إسلامهما يَوْم الْفَتْح، وَهِشَام مَاتَ قبل أَبِيه وَلَيْسَ لَهُ فيالبخاري رِوَايَة، وَأخرجه لَهُ مُسلم حَدِيث وَاحِدًا مَرْفُوعا من رِوَايَة عُرْوَة عَنهُ. قَوْله: (أساوره) أَي: أواثبه. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أَي آخذه بِرَأْسِهِ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (حَتَّى سلّم) أَي: من صلَاته. قَوْله: (فلببته برادئه) أَي: جمعت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لبته لِئَلَّا ينفلت مني. قَوْله: (كذبت) ، فِيهِ إِطْلَاق ذَلِك على غَلَبَة الظَّن أَو المُرَاد بقوله لَهُ: كَذبك أَخْطَأت، لِأَن أهل الْحجاز يطلقون الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَوْله: (أقوده) كَأَنَّهُ لما لببه صَار يجره. قَوْله: (إِن هَذَا الْقُرْآن) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطمينا لعَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِئَلَّا يُنكر تصويب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين، قَوْله: (مَا تيَسّر مِنْهُ) ، أَي: من الْمنزل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّعَدُّد فِي الْقِرَاءَة للتيسير على القارىء، هَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: المُرَاد بالأحرف تأدية الْمَعْنى بِاللَّفْظِ المرادف وَلَو كَانَ من لُغَة وَاحِدَة، لِأَن لُغَة هِشَام بِلِسَان قُرَيْش وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومه ذَلِك فقد اخْتلفت قراءتهما، قَالَ ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَنقل ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالأحرف السَّبع، وَالله أعلم.

٦ - (بابُ تأليفِ القُرْآن)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تأليف الْقُرْآن أَي: جمع آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة، أَو جمع السُّور مرتبَة.

٣٩٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْ أخْبَرَهُمْ قَالَ: وأخْبَرَني يُوسُفُ بنُ ماهَكٍ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ. رَضِي الله عَنْهَا إذْ جاءَها عِرَاقيٌ فَقَالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ {وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ} أرِيني مُصْحَفَكِ. قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ فإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤُلَّفٍ. قالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أيَّةُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حَتَّى إِذا ثابَ الناسُ إِلَى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْر لَقالُوا: لَا تَدَعُ الخَمْرَ أبَدا، ولَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا لَقالُوا: لَا تَدَعُ الزِّنا أبَدا لقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنِّي لَجارِيَة ألْعَبُ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) وَمَا نَزَلْتُ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلاّ وَأَنا عِندَهُ عِنْدَهُ، قَالَ: فأخْرَجَتْ لهُ المُصْحَفَ فأمْلَتْ علَيْهِ آيَ السُّورَةِ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٧٨٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَابْن جريج ويوسف بن مَاهك بِفَتْح الْهَاء مُعرب لِأَن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ قمير مصغر الْقَمَر وماه اسْم الْقَمَر والتصغير عِنْدهم بِالْحَقِّ الْكَاف فِي آخر الِاسْم قَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح فِيهِ الِانْصِرَاف قلت: الْأَصَح فِيهِ عدم الِانْصِرَاف للعجمة والعلمية.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يُوسُف بن سعيد بن مُسلم.

قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي يُوسُف) ، أَي: قَالَ ابْن جريج:

وَأَخْبرنِي يُوسُف قَالَ بَعضهم: وَمَا عرفت مَاذَا عطف عَلَيْهِ، ثمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. قلت: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحْذُوف تَقْدِيره أَن يُقَال: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي فلَان بِكَذَا وَأَخْبرنِي يُوسُف بن مَاهك إِلَى آخِره قَوْله: (إِذْ جاءها) ، كلمة إِذْ للمفاجأة. قَوْله: (عراقي) أَي: رجل من أهل الْعرَاق وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي الْكَفَن خير؟) يحْتَمل أَن يكون سُؤَاله عَن الْكمّ يَعْنِي لفافه أَو أَكثر؟ وَعَن الكيف يَعْنِي: أَبيض أَو غَيره وناعما أَو خشنا؟ وَعَن النَّوْع أَنه قطن أَو كتَّان مثلا؟ قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم. قَوْله: (وَمَا يَضرك؟) أَي: أَي شَيْء يَضرك بعد موتك وَسُقُوط التَّكْلِيف عَنْك فِي أَي كفن كفنت؟ لبُطْلَان حسك بالنعومة والخشونة وَغير ذَلِك قَوْله: (قَالَت: لِمَ) أَي: لم أريك مصحفي؟ قَالَ: لعَلي أؤلف عَلَيْهِ الْقُرْآن. قيل: قصَّة الْعِرَاقِيّ كَانَت قبل أَن يُرْسل عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق. ورد عَلَيْهِ بِأَن يُوسُف بن مَاهك لم يدْرك زمَان إرْسَال عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق، وَقد صرح يُوسُف فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّن أَخذ بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لما حضر مصحف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لم يُوَافق على الرُّجُوع عَن قِرَاءَته وَلَا على إعدام مصحفه، وَكَانَ تأليف مصحف الْعِرَاقِيّ مغايرا لتأليف مصحف عُثْمَان، فَلذَلِك جَاءَ إِلَى عَائِشَة وَسَأَلَ الْإِمْلَاء من مصحفها. قَوْله: (آيَة) بِالنّصب أَي: أَي آي الْقُرْآن قَرَأت قَوْله: (قبل) أَي: قبل قِرَاءَة السُّورَة الْأُخْرَى. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: (من الْمفصل) قَالَ الْخطابِيّ: سمي مفصلا لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من فُصُول التَّسْمِيَة بَين السُّور، وَقد اخْتلف فِي أول الْمفصل. فَقيل: هُوَ سُورَة، وَقيل: سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ النَّوَوِيّ: سمي بِالْفَصْلِ لقصر سُورَة وَقرب انفصالهن بَعضهنَّ من بعض. قَوْله: (أول مَا أنزل مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَأول مَا نزل إِمَّا المدثر وَإِمَّا اقْرَأ، فَفِي كل مِنْهُمَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، أما فِي المدثر فصريح وَهُوَ قَوْله: {وَمَا أدْرك مَا سقر} (المدثر: ٧٢) وَقَوله: {فِي جنَّات يتساءلون} (المدثر: ٠٤) وَأما فِي اقْرَأ فَيلْزم ذكرهمَا من قَوْله: {كذب وَتَوَلَّى} (العلق: ٣١) {وسندع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) وَقَوله: {إِن كَانَ على الْهدى} (العلق: ١١) وَبِهَذَا التَّقْرِير يرد على بَعضهم فِي قَوْله: هَذَا ظَاهره يغاير مَا تقدم أَن أول شَيْء نزل {اقْرَأ باسم رَبك} (العلق: ١) وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار. قَوْله: (حَتَّى إِذا تَابَ) ، أَي: رَجَعَ. قَوْله: (نزل الْحَلَال وَالْحرَام) ، أشارت بِهِ إِلَى الْحِكْمَة الإل هية فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل. وَأَنه أول مَا نزل من الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والتبشير للْمُؤْمِنين والمطيعين بِالْجنَّةِ، والإنذار والتخويف للْكَافِرِينَ بالنَّار، فَلَمَّا اطمأنت النُّفُوس على ذَلِك أنزلت الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَت: (وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر) إِلَى آخِره. وَذَلِكَ لانطباع النُّفُوس بالنفرة عَن ترك المألوف. قَوْله: (لقد نزل مَكَّة) ، إِلَى آخِره إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَة مَا ظهر لَهَا من الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ تقدم سُورَة الْقَمَر وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَحْكَام على نزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة اشتمالهما على الْأَحْكَام. قَوْله: (إلَاّ وَأَنا عِنْده) ، يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ، لِأَن دُخُوله عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بعد الْهِجْرَة بِلَا خلاف. قَوْله: (فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ) ، أَي أملت عَائِشَة على الْعِرَاقِيّ من الْإِمْلَاء، ويروى من الإملا. وهما بِمَعْنى وَاحِد، قيل: فِي الحَدِيث رد على النّحاس فِي قَوْله: إِن سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة، مُسْتَندا إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} (النِّسَاء: ٨٥) نزلت بِمَكَّة اتِّفَاقًا فِي قصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَهِي حجَّة واهية لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نزُول آيَة أَو آيَات من سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذا أنزل معظمها بِالْمَدِينَةِ أَن تكون مَكِّيَّة، وَالله أعلم.

٤٩٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يقُولُ: فِي بَنِي إسْرَائِيلَ والْكَهْفِ ومَرْيَمَ وطَهَ والأنْبِياء: إنّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأولِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.

(انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة نزلت بِمَكَّة وَأَنَّهَا مرتبَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مصحف عُثْمَان. وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي عَمْرو بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس النَّخعِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ.

قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) أَي: فِي شَأْن هَذِه السُّورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي بِدُونِ كلمة فِي فَالْقِيَاس أَن يَقُول: بَنو إِسْرَائِيل، فَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وابقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله أَي، سُورَة بني إِسْرَائِيل، أَو على سَبِيل الْحِكَايَة عَمَّا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله: {وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل} (السَّجْدَة: ٣٢) . قَوْله: (الْعتاق) ، جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّور لما

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله