الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٩٢
الحديث رقم ٤٩٩٢ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أنزل القرآن على سبعة أحرف.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ
⦗١٨٥⦘
بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ:
يحكي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشامَ بن حَكِيم رضي الله عنهما يقرأ سورةَ الفُرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقراءة تختلف عما يقرؤه عمر في ألفاظ كثيرة، وقد كان عمر قد قرأ هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فظن عمر رضي الله عنه أن ذلك غلط من هشام، فكاد أن يثب عليه ويأخذ برأسه وهو في الصلاة، ولكنه صبر حتى سلَّم من صلاته، ثم أمسك بردائه وجمعه من جهة رقبته، وقال له: مَن أقرأكَ هذه السورةَ؟ قال: أَقْرَأنيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عمر: كذبتَ، فواللهِ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقرأني هذه السورة بقراءةٍ غير التي قرأتها. ثم ذهب به يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر رضي الله عنه شديدًا في أمر الله تعالى ، فقال عمر: يا رسول الله، إنِّي سمعتُ هذا يقرأ بسورة الفُرْقان على ألفاظ لم أسمعك تقرؤها، وأنت أقرأتني سورةَ الفُرقان. فأمره رسول الله أن يطلقه، ثم أمر هشامًا أن يقرأ سورة الفرقان، فلما قرأها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هكذا أُنْزِلت» يعني: أُنزلت هذه السورة من عند الله على ما قرأه هشام، ولم يكن مخطئا كما ظنه عمر رضي الله عنه . ثم أمر عمر أن يقرأ فقرأ فقال صلى الله عليه وسلم : «هكذا أُنْزِلَت» يعني: أن الله أنزل هذه السورة على ما قرأه عمر كما أنزلها على ما قرأه هشام. ثم قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ هذا القرآنَ أُنْزِل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه» فعمر وهشام كلاهما مصيب في قراءته؛ لأن القرآن نزل على أكثر من حرف، بل على سبعة أحرف، وليس في قراءة هشام زيادة عما عند عمر في الآيات، وإنما هناك اختلاف في الحروف فقط، ومن أجل ذلك قال لكل واحد منهما بعد ما سمع قراءته: «كذلك أُنزلت» ويوضح ذلك قوله: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه» أي: لا تتكلفوا التزام حرف واحد، فإن الله تعالى قد أوسع عليكم، ويسر لكم قراءة القرآن على سبعة أحرف، رحمة منه وفضلاً، فله الحمد والمنة، وقد اختلف العلماء في تعيين الحروف السبعة اختلافاً كثيراً، والمقصود بها -فيما يظهر والله أعلم- أوجه من أوجه لغة العرب، فالقرآن نزل على هذه الوجوه للتخفيف في أول الأمر؛ لأن العرب كانوا متفرقين وكانوا مختلفين وكلٌّ له لغته، ويكون عند هذه القبيلة ما ليس عند القبيلة الأخرى، ولكن لما جمع بينهم الإسلام، واتصل بعضهم ببعض، وذهب ما بينهم من العداوة والشحناء بسبب الإسلام، وعرف كل ما عند الآخرين من اللغة، قام عثمان بن عفان رضي الله عنه فجمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ وأحرق ما سوى ذلك؛ حتى لا يحصل الاختلاف.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ ابنِ مسلمِ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّامِ (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، ابن نوفل الزُّهريَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ) بتنوين «عبدٍ» من غير إضافة إلى شيءٍ (القَارِيَّ) بتشديد التحتية، نسبة إلى القارة بطنٌ من خزيمةَ بنِ مدركة، والقاريُّ لقبٌ (١)، واسمه: أُثيع -بالمثلثة- مصغَّرًا (حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «ابنِ حزامٍ» وهو أسديٌّ على الصَّحيح (يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ) لا سورةَ الأحزابِ إذ هو غلطٌ (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بهمزة مضمومة وسين مهملة مفتوحة (٢) أي: آخذ برأسهِ، أو أواثبه (فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ) أي: تكلَّفت الصَّبر (حَتَّى سَلَّمَ) أي: فرغَ من صلاتهِ (فَلَبَّبْتُهُ) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى في الفرع وأصله، وقال عياضٌ: التَّخفيف أعرف (بِرِدَائِهِ) أي: جمعتهُ (٣) عليه
عند لبَّته لئلَّا ينفلتَ منِّي، وهذا من عمر على عادتهِ في الشِّدة بالأمرِ بالمعروفِ (فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ) ها؟ (١) بحذف الضَّمير (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» (٢) هشام: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) قال عمرُ ﵁: (فَقُلْتُ) له: (كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَـ) ها، فيه إطلاقُ التَّكذيب على غلبةِ الظَّنِّ، فإنِّه إنَّما فعل ذلك عن اجتهادٍ منه لظنِّه أنَّ هشامًا خالفَ الصَّواب، وساغَ له ذلك لرسوخِ قدمه في الإسلامِ وسابقته، بخلاف هشامٍ، فإنَّه من مسلمةَ الفتح، فخشيَ أن لا يكونَ أتقنَ القراءة، ولعلَّ عمر لم يكن سمعَ حديثَ: «أنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» قبل ذلك (فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ) أجرُّه بردائه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ): يا رسولَ الله (إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ) بباء الجر، وللأربعةِ «سورةَ الفرقانِ» (عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْسِلْهُ) بهمزة قطع؛ أي: أطلقه، ثمَّ قال له ﵊: (اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ) ولم يقفْ الحافظُ ابن حجرٍ على تعيينِ الأحرف الَّتي اختلفَ فيها عمرُ وهشام من سورةِ الفرقانِ. نعم، جمعَ ما اختلفَ فيهِ من المتواترِ (٣) والشَّاذِّ من هذهِ السُّورة، وسبقهُ إلى ذلك ابنُ عبدِ البرِّ مع فوتٍ، ثمَّ قالَ: والله أعلمُ بما أنكرَ منها عمر على هشام وما قرأ به عمرُ (٤). ثمَّ قال ﵊ تطييبًا لقلبِ عمر؛ لئلا ينكرَ تصويبَ الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) جمع: حرف، مثل فلس وأفلس؛ أي: لغات أو قراءات، فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللُّغات؛ لأنَّ أحدَ معاني الحرف في اللُّغةِ الوجه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وعلى الثَّاني يكونُ من إطلاقِ الحرفِ على الكلمةِ مجازًا لكونهِ بعضها (٥). (فَاقْرَؤُوْا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أي: من الأحرفِ المنزَّل بها (٦)،
فالمرادُ بالتَّيسر (١) في الآيةِ غير المراد بهِ في الحديثِ؛ لأنَّ الَّذي في الآيةِ المرادُ بهِ القلَّة والكثرة، والَّذي في الحديثِ ما يستحضرهُ القارئُ من القراءاتِ، فالأوَّل من الكميَّة والثَّاني من الكيفيَّة (٢).
وقد وقعَ لجماعةٍ من الصَّحابة نظيرُ ما وقعَ لعمر مع هشام؛ منها لأبيِّ بنِ كعب مع ابنِ مسعودٍ في سورةِ النَّحل، وعَمرو بن العاص مع رجلٍ في آيةٍ من القرآنِ. رواه أحمد، وابن مسعود مع رجل في سورةِ من آل حم. رواه ابن حبَّان والحاكم، وأمَّا ما رواهُ الحاكمُ عن سمرة رفعه: «أنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ» فقال أبو عبد اللهِ: تواترتِ الأخبارُ بالسَّبعةِ إلَّا في هذا الحديثِ.
قال أبو شامةَ: يحتملُ أن يكون بعضهُ أنزلَ على ثلاثةِ أحرفٍ كجذوة والرَّهب، أو أرادَ أنزلَ ابتداءً على ثلاثةِ أحرف، ثمَّ زيد إلى (٣) سبعة توسعةً على العبادِ، والأكثر أنَّها محصورةٌ في السَّبعة، وهل هي باقيةٌ إلى الآنِ يقرأُ بها أم كان ذلك ثمَّ استقرَ الأمرُ على بعضها؟ وإلى الثَّاني ذهبَ الأكثرُ، كسفيانَ بن عيينةَ وابنِ وهبٍ والطَّبريِّ والطَّحاويِّ، وهل استقرَّ ذلك في الزَّمنِ النَّبويِّ أم بعده؟ والأكثرُ على الأوَّل (٤)، واختارهُ القاضِي أبو بكر بن الطَّيب، وابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ العربيِّ وغيرهم؛ لأنَّ ضرورةَ اختلافِ اللُّغات ومشقَّةَ نطقهم بغير لغتِهم اقتضَتْ التَّوسعة عليهم في أوَّل الأمرِ، فأذنَ لكلٍّ أن يقرأَ على حرفهِ؛ أي: طريقتهِ في اللُّغة إلى أن انضبطَ الأمرُ وتدرَّبت الألسنُ، وتمكَّن النَّاس من الاقتصارِ على الطَّريقة الواحدةِ، فعارضَ جبريلُ ﵇ النَّبيَّ ﷺ القرآنَ مرَّتين في السَّنةِ الأخيرةِ، واستقرَّ على ما هو عليه الآن، فنسخَ اللهُ تعالى تلك القراءةَ المأذون فيها بما أوجبهُ من الاقتصارِ على هذهِ القراءةِ الَّتي تلقَّاها النَّاس.
ويشهدُ له ما عندَ التِّرمذيِّ عن أبيٍّ: أنَّه ﷺ قال لجبريل: «إنِّي بُعثتُ إلى أمَّةٍ أميَّة فيهم الشَّيخ الفانِي، والعَجوز الكبيرة، والغُلام. قال: فمرهُم أن يقرؤوا على سبعةِ أحرفٍ» وفي بعضِها كقولهِ: هلمَّ وتعالَ وأقبلْ وأسرعْ واذهب واعجل، لكنَّ (٥) الإباحةِ المذكورةِ لم تقع
بالتَّشهي؛ أي: أنَّ كلَّ أحدٍ يغيِّر الكلمةَ بمرادفها في لغتهِ، بل ذلكَ مقصورٌ على السَّماع من رسولِ الله ﷺ، كما يشيرُ إليه قولُ كلٍّ من عمرَ وهشامَ: أقرأني النَّبيُّ ﷺ. ولئن سلَّمنا إطلاقَ الإباحةِ بقراءةِ المرادفِ ولو لم يُسمع، لكنَّ الإجماعَ من الصَّحابة في زمنِ عثمانَ الموافق للعرضةِ الأخيرةِ يمنعُ ذلك، كما مرَّ.
واختلفَ في المرادِ بالسَّبعةِ: قال ابنُ العربيِّ: لم يأت في ذلك نصٌّ ولا أثرٌ. وقالَ (١) ابنُ حبَّان: إنَّه اختلفَ فيها على خمسةٍ وثلاثينَ قولًا. قال المنذريُّ: إنَّ أكثرهَا غير مختارٍ، وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن سعدانِ النَّحويُّ: هذا من المشكل الَّذي لا يُدرى معناهُ؛ لأنَّ الحرف يأتي لمعانٍ. وعن الخليلِ بن أحمدٍ: سبعُ قراءاتٍ، وهذا أضعفُ الوجوهِ، فقد بيَّن الطَّبري وغيرهُ أنَّ اختلافَ القرَّاء إنَّما هو حرفٌ واحدٌ من الأحرفِ السَّبعة، وقيل: سبعة أنواعٍ، كلُّ نوعٍ منها جزءٌ من أجزاءِ (٢) القرآنِ، فبعضها أمرٌ ونهيٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، وقصصٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ، وأمثالٌ، وفيه حديثٌ ضعيفٌ من طريقِ ابنِ مسعودٍ، ورواه البيهقيُّ بسندٍ مرسلٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، وقيل: سبعُ لغاتٍ لسبعِ قبائل من العربِ متفرِّقة في القرآنِ، فبعضه بلغةِ تميمٍ، وبعضهُ بلغةِ أزدٍ وربيعة، وبعضهُ بلغةِ هوازنَ وبكْرٍ، وكذلك سائرُ اللُّغات، ومعانيها واحدةٌ، وإلى هذا ذهبَ أبو عُبيد (٣) وثعلب، وحكاهُ ابنُ دريدٍ، عن أبي حاتمٍ، وبعضهم عن القاضِي أبي بكرٍ، وقال الأزهريُّ وابنُ حبَّان: إنَّه المختارُ، وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، واستنكرهُ ابنُ قتيبةَ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وأجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من هذهِ الآيةِ أن يكونَ أرسل بلسانِ قريشٍ فقط لكونهم قومهُ، بل أرسلَ بلسانِ جميعِ العربِ، ولا يردُّ عليه كونهُ بعثَ إلى النَّاس كافَّة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآنَ أنزلَ باللُّغة العربيَّة، وهو بلَّغه (٤) إلى طوائفِ العربِ، وهم يترجمونهُ لغيرِ العربِ بألسنتهم.
وقال ابنُ الجزريِّ: تتبَّعتُ القراءات صحيحَهَا وشاذَّهَا، وضعيفَهَا ومنكرَهَا؛ فإذا هي ترجعُ
إلى سبعةِ أوجهٍ من الاختلافِ (١)، لا تخرجُ عن ذلك، وذلك إمَّا في الحركاتِ بلا تغيُّرٍ في المعنى والصُّورة؛ نحو: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و ﴿بِالْبَخَلِ﴾ (٢) ويحسب بوجهين، أو بتغيُّر في المعنى فقط؛ نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و (أَمَةٍ) [يوسف: ٤٥]، وإمَّا في الحروفِ بتغيُّرِ المعنى لا الصُّورة؛ نحو: ﴿تَبْلُو﴾ و ﴿تَتْلُوا﴾ [يونس: ٣٠]، و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ و (نُنَحِّيك بِبَدَنِكَ) [يونس: ٩٢]، أو عكسَ ذلك نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ و ﴿بَصْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أو بتغيُّرهما نحو: ﴿أَشَدَّ مِنكُمْ﴾ و ﴿مِنْهُم﴾ [التوبة: ٦٩] و ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿تَأَتْلَّ﴾ [النور: ٢٢]، و (فامضوا إلى ذكرِ الله) [الجمعة: ٩]، وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ و (جاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموت) (٣)، أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ (٤) وَ ﴿وَوَصَّى﴾ (والذَّكر والأُنثى)، وإمَّا نحو اختلافِ الإظهارِ والإدغامِ ممَّا يعبَّر عنهُ بالأصولِ، فليسَ من الاختلافِ الَّذي يتنوَّعُ فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذهِ الصِّفات في أدائهِ لا تخرجهُ عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرضَ فيكون (٥) من الأوَّل. انتهى.
وحديثُ البابِ مضى في «كتاب الخصوماتِ» [خ¦٢٤١٩].
(٦) (باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ) أي: جمع آياتِ السُّورة، أو جمعُ السُّور مرتَّبة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٠٩٩٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ إسْرَائيلَ عنْ إسحاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ: لما نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجعاهِدُونَ فِي سَبِيل الله قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُ لِي زَيْدا ولْيَجىءُ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ أَو الكَتِفِ والدَّوَاةِ ثُمَّ قَالَ: اكْتُب: { (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} (النِّسَاء: ٥٩) وخَلْفَ ظهْرِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى قَالَ: يَا رسولَ الله! فَما تأمُرُني فإِنِّي رَجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ مَكانَها { (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فِي سَبِيل الله { (٤) غير ولي الضَّرَر} (النِّسَاء: ٥٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْبَراء بن عَازِب والْحَدِيث قد مر فِي سُورَة النِّسَاء.
قَوْله: (أَو الدواة والكتف) شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم الدواة على الْكَتف، وتأخيرها. قَوْله: (مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْآيَة أَي فِي الْحَال. قَوْله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ فِي سَبِيل الله غير أولي الضَّرَر} (النِّسَاء: ٥٩) ، وَقد وَقع لفظ غير أولى الضَّرَر، بعد لفظ: فِي سَبِيل الله، وَفِي الْقُرْآن بعد لفظ: الْمُؤمنِينَ، وَقد تقدم عَن إِسْرَائِيل من وَجه آخر على الصَّوَاب.
٥ - (بابٌ أنْزِلَ القُرآنُ علَى سَبْعةِ أحْرُف)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف) أَي: سَبْعَة أوجه، وَهُوَ سبع لُغَات، يَعْنِي يجوز أَن يقْرَأ بِكُل لُغَة مِنْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن كل كلمة مِنْهُ تقْرَأ على سَبْعَة أوجه قيل: قد يُوجد بعض الْكَلِمَات يقْرَأ على أَكثر من سَبْعَة أوجه وَأجِيب: بِأَن غَالب ذَلِك من قبيل الِاخْتِلَاف فِي كَيْفيَّة الْأَدَاء، كَمَا فِي الْمَدّ والإمالة وَنَحْوهمَا، وَقيل: لَيْسَ المُرَاد بالسبعة حَقِيقَة الْعدَد بل المُرَاد التَّيْسِير والتسهيل، وَلَفظ السَّبْعَة يُطلق على إِرَادَة الْكَثْرَة فِي الْآحَاد كَمَا يُطلق السبعون فِي المشرات، والسبعمائة فِي المئات وَلَا يُرَاد الْعدَد الْمعِين، وَإِلَى هَذَا مَال عِيَاض وَمن تبعه.
١٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنخ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللّيْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنْ ابنِ شهَاب قَالَ: حَدثنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضِيَ الله عَنْهُمَا حدَّثه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أقْرَأْني جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فرَاجَعْتُهُ، فلَمْ أزَلْ أسْتَزيِدُهُ ويَزِيدُني حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة ينْسب إِلَى جده وَهُوَ من حفاظ المصريين وثقاتهم وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَفِيه ابْن عَبَّاس لم يُصَرح بِسَمَاعِهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَأَنَّهُ سَمعه عَن أبي بن كَعْب لِأَن النَّسَائِيّ أخرجه من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي بن كَعْب نَحوه.
قَوْله: (فراجعته) وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَرددت إِلَيْهِ أَن هوّن عَليّ أمتِي، وَفِي رِوَايَة: إِن أمتِي لَا تطِيق ذَلِك. قَوْله: (إِلَى سَبْعَة أحرف) أَي: سبع قراآت أَو سبع لُغَات.
٢٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني الليْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابْن شهابٍ، قَالَ: حدّثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عبدٍ القارِيَّ حدَّثاهُ أنَّهُما سَمِعا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشام بنَ حَكِيمٍ يقرَأ سورَةَ الفُرْقانِ فِي حيَاةِ رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فإِذَا هُوَ يَقْرَأُ علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنيها رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكِدْتُ أُساورُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سلَمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أقْرَأَكَ هاذِهِ السُّورَةَ الَّتي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ . قَالَ: أقْرَأْنِيها رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقُلْت: كَذَبْتَ، فإِنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدْ أقْرَأْنِيها علَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بهِ أقُودُهُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ
إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفرْقان علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْسِلْهُ: اقْرَأ يَا هِشامُ فَقَرَأ علَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةُ الَّتِي أقْرَأني، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذالِكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هاذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْخُصُومَات وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَعبد الرَّحْمَن بن عبد) بِالتَّنْوِينِ غير مُضَاف إِلَى شَيْء (والقاري) بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بطن من خُزَيْمَة بن مدركة. قَوْله: (هِشَام بن حَكِيم) ابْن حزَام هُوَ الْأَسدي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَكَانَ إسلامهما يَوْم الْفَتْح، وَهِشَام مَاتَ قبل أَبِيه وَلَيْسَ لَهُ فيالبخاري رِوَايَة، وَأخرجه لَهُ مُسلم حَدِيث وَاحِدًا مَرْفُوعا من رِوَايَة عُرْوَة عَنهُ. قَوْله: (أساوره) أَي: أواثبه. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أَي آخذه بِرَأْسِهِ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (حَتَّى سلّم) أَي: من صلَاته. قَوْله: (فلببته برادئه) أَي: جمعت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لبته لِئَلَّا ينفلت مني. قَوْله: (كذبت) ، فِيهِ إِطْلَاق ذَلِك على غَلَبَة الظَّن أَو المُرَاد بقوله لَهُ: كَذبك أَخْطَأت، لِأَن أهل الْحجاز يطلقون الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَوْله: (أقوده) كَأَنَّهُ لما لببه صَار يجره. قَوْله: (إِن هَذَا الْقُرْآن) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطمينا لعَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِئَلَّا يُنكر تصويب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين، قَوْله: (مَا تيَسّر مِنْهُ) ، أَي: من الْمنزل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّعَدُّد فِي الْقِرَاءَة للتيسير على القارىء، هَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: المُرَاد بالأحرف تأدية الْمَعْنى بِاللَّفْظِ المرادف وَلَو كَانَ من لُغَة وَاحِدَة، لِأَن لُغَة هِشَام بِلِسَان قُرَيْش وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومه ذَلِك فقد اخْتلفت قراءتهما، قَالَ ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَنقل ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالأحرف السَّبع، وَالله أعلم.
٦ - (بابُ تأليفِ القُرْآن)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تأليف الْقُرْآن أَي: جمع آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة، أَو جمع السُّور مرتبَة.
٣٩٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْ أخْبَرَهُمْ قَالَ: وأخْبَرَني يُوسُفُ بنُ ماهَكٍ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ. رَضِي الله عَنْهَا إذْ جاءَها عِرَاقيٌ فَقَالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ {وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ} أرِيني مُصْحَفَكِ. قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ فإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤُلَّفٍ. قالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أيَّةُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حَتَّى إِذا ثابَ الناسُ إِلَى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْر لَقالُوا: لَا تَدَعُ الخَمْرَ أبَدا، ولَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا لَقالُوا: لَا تَدَعُ الزِّنا أبَدا لقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنِّي لَجارِيَة ألْعَبُ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) وَمَا نَزَلْتُ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلاّ وَأَنا عِندَهُ عِنْدَهُ، قَالَ: فأخْرَجَتْ لهُ المُصْحَفَ فأمْلَتْ علَيْهِ آيَ السُّورَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٧٨٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَابْن جريج ويوسف بن مَاهك بِفَتْح الْهَاء مُعرب لِأَن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ قمير مصغر الْقَمَر وماه اسْم الْقَمَر والتصغير عِنْدهم بِالْحَقِّ الْكَاف فِي آخر الِاسْم قَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح فِيهِ الِانْصِرَاف قلت: الْأَصَح فِيهِ عدم الِانْصِرَاف للعجمة والعلمية.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يُوسُف بن سعيد بن مُسلم.
قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي يُوسُف) ، أَي: قَالَ ابْن جريج:
وَأَخْبرنِي يُوسُف قَالَ بَعضهم: وَمَا عرفت مَاذَا عطف عَلَيْهِ، ثمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. قلت: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحْذُوف تَقْدِيره أَن يُقَال: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي فلَان بِكَذَا وَأَخْبرنِي يُوسُف بن مَاهك إِلَى آخِره قَوْله: (إِذْ جاءها) ، كلمة إِذْ للمفاجأة. قَوْله: (عراقي) أَي: رجل من أهل الْعرَاق وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي الْكَفَن خير؟) يحْتَمل أَن يكون سُؤَاله عَن الْكمّ يَعْنِي لفافه أَو أَكثر؟ وَعَن الكيف يَعْنِي: أَبيض أَو غَيره وناعما أَو خشنا؟ وَعَن النَّوْع أَنه قطن أَو كتَّان مثلا؟ قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم. قَوْله: (وَمَا يَضرك؟) أَي: أَي شَيْء يَضرك بعد موتك وَسُقُوط التَّكْلِيف عَنْك فِي أَي كفن كفنت؟ لبُطْلَان حسك بالنعومة والخشونة وَغير ذَلِك قَوْله: (قَالَت: لِمَ) أَي: لم أريك مصحفي؟ قَالَ: لعَلي أؤلف عَلَيْهِ الْقُرْآن. قيل: قصَّة الْعِرَاقِيّ كَانَت قبل أَن يُرْسل عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق. ورد عَلَيْهِ بِأَن يُوسُف بن مَاهك لم يدْرك زمَان إرْسَال عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق، وَقد صرح يُوسُف فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّن أَخذ بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لما حضر مصحف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لم يُوَافق على الرُّجُوع عَن قِرَاءَته وَلَا على إعدام مصحفه، وَكَانَ تأليف مصحف الْعِرَاقِيّ مغايرا لتأليف مصحف عُثْمَان، فَلذَلِك جَاءَ إِلَى عَائِشَة وَسَأَلَ الْإِمْلَاء من مصحفها. قَوْله: (آيَة) بِالنّصب أَي: أَي آي الْقُرْآن قَرَأت قَوْله: (قبل) أَي: قبل قِرَاءَة السُّورَة الْأُخْرَى. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: (من الْمفصل) قَالَ الْخطابِيّ: سمي مفصلا لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من فُصُول التَّسْمِيَة بَين السُّور، وَقد اخْتلف فِي أول الْمفصل. فَقيل: هُوَ سُورَة، وَقيل: سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ النَّوَوِيّ: سمي بِالْفَصْلِ لقصر سُورَة وَقرب انفصالهن بَعضهنَّ من بعض. قَوْله: (أول مَا أنزل مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَأول مَا نزل إِمَّا المدثر وَإِمَّا اقْرَأ، فَفِي كل مِنْهُمَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، أما فِي المدثر فصريح وَهُوَ قَوْله: {وَمَا أدْرك مَا سقر} (المدثر: ٧٢) وَقَوله: {فِي جنَّات يتساءلون} (المدثر: ٠٤) وَأما فِي اقْرَأ فَيلْزم ذكرهمَا من قَوْله: {كذب وَتَوَلَّى} (العلق: ٣١) {وسندع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) وَقَوله: {إِن كَانَ على الْهدى} (العلق: ١١) وَبِهَذَا التَّقْرِير يرد على بَعضهم فِي قَوْله: هَذَا ظَاهره يغاير مَا تقدم أَن أول شَيْء نزل {اقْرَأ باسم رَبك} (العلق: ١) وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار. قَوْله: (حَتَّى إِذا تَابَ) ، أَي: رَجَعَ. قَوْله: (نزل الْحَلَال وَالْحرَام) ، أشارت بِهِ إِلَى الْحِكْمَة الإل هية فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل. وَأَنه أول مَا نزل من الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والتبشير للْمُؤْمِنين والمطيعين بِالْجنَّةِ، والإنذار والتخويف للْكَافِرِينَ بالنَّار، فَلَمَّا اطمأنت النُّفُوس على ذَلِك أنزلت الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَت: (وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر) إِلَى آخِره. وَذَلِكَ لانطباع النُّفُوس بالنفرة عَن ترك المألوف. قَوْله: (لقد نزل مَكَّة) ، إِلَى آخِره إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَة مَا ظهر لَهَا من الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ تقدم سُورَة الْقَمَر وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَحْكَام على نزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة اشتمالهما على الْأَحْكَام. قَوْله: (إلَاّ وَأَنا عِنْده) ، يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ، لِأَن دُخُوله عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بعد الْهِجْرَة بِلَا خلاف. قَوْله: (فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ) ، أَي أملت عَائِشَة على الْعِرَاقِيّ من الْإِمْلَاء، ويروى من الإملا. وهما بِمَعْنى وَاحِد، قيل: فِي الحَدِيث رد على النّحاس فِي قَوْله: إِن سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة، مُسْتَندا إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} (النِّسَاء: ٨٥) نزلت بِمَكَّة اتِّفَاقًا فِي قصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَهِي حجَّة واهية لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نزُول آيَة أَو آيَات من سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذا أنزل معظمها بِالْمَدِينَةِ أَن تكون مَكِّيَّة، وَالله أعلم.
٤٩٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يقُولُ: فِي بَنِي إسْرَائِيلَ والْكَهْفِ ومَرْيَمَ وطَهَ والأنْبِياء: إنّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأولِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة نزلت بِمَكَّة وَأَنَّهَا مرتبَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مصحف عُثْمَان. وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي عَمْرو بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس النَّخعِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ.
قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) أَي: فِي شَأْن هَذِه السُّورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي بِدُونِ كلمة فِي فَالْقِيَاس أَن يَقُول: بَنو إِسْرَائِيل، فَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وابقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله أَي، سُورَة بني إِسْرَائِيل، أَو على سَبِيل الْحِكَايَة عَمَّا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله: {وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل} (السَّجْدَة: ٣٢) . قَوْله: (الْعتاق) ، جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّور لما
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ ابنِ مسلمِ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّامِ (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، ابن نوفل الزُّهريَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ) بتنوين «عبدٍ» من غير إضافة إلى شيءٍ (القَارِيَّ) بتشديد التحتية، نسبة إلى القارة بطنٌ من خزيمةَ بنِ مدركة، والقاريُّ لقبٌ (١)، واسمه: أُثيع -بالمثلثة- مصغَّرًا (حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «ابنِ حزامٍ» وهو أسديٌّ على الصَّحيح (يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ) لا سورةَ الأحزابِ إذ هو غلطٌ (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بهمزة مضمومة وسين مهملة مفتوحة (٢) أي: آخذ برأسهِ، أو أواثبه (فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ) أي: تكلَّفت الصَّبر (حَتَّى سَلَّمَ) أي: فرغَ من صلاتهِ (فَلَبَّبْتُهُ) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى في الفرع وأصله، وقال عياضٌ: التَّخفيف أعرف (بِرِدَائِهِ) أي: جمعتهُ (٣) عليه
عند لبَّته لئلَّا ينفلتَ منِّي، وهذا من عمر على عادتهِ في الشِّدة بالأمرِ بالمعروفِ (فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ) ها؟ (١) بحذف الضَّمير (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» (٢) هشام: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) قال عمرُ ﵁: (فَقُلْتُ) له: (كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَـ) ها، فيه إطلاقُ التَّكذيب على غلبةِ الظَّنِّ، فإنِّه إنَّما فعل ذلك عن اجتهادٍ منه لظنِّه أنَّ هشامًا خالفَ الصَّواب، وساغَ له ذلك لرسوخِ قدمه في الإسلامِ وسابقته، بخلاف هشامٍ، فإنَّه من مسلمةَ الفتح، فخشيَ أن لا يكونَ أتقنَ القراءة، ولعلَّ عمر لم يكن سمعَ حديثَ: «أنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» قبل ذلك (فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ) أجرُّه بردائه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ): يا رسولَ الله (إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ) بباء الجر، وللأربعةِ «سورةَ الفرقانِ» (عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْسِلْهُ) بهمزة قطع؛ أي: أطلقه، ثمَّ قال له ﵊: (اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ) ولم يقفْ الحافظُ ابن حجرٍ على تعيينِ الأحرف الَّتي اختلفَ فيها عمرُ وهشام من سورةِ الفرقانِ. نعم، جمعَ ما اختلفَ فيهِ من المتواترِ (٣) والشَّاذِّ من هذهِ السُّورة، وسبقهُ إلى ذلك ابنُ عبدِ البرِّ مع فوتٍ، ثمَّ قالَ: والله أعلمُ بما أنكرَ منها عمر على هشام وما قرأ به عمرُ (٤). ثمَّ قال ﵊ تطييبًا لقلبِ عمر؛ لئلا ينكرَ تصويبَ الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) جمع: حرف، مثل فلس وأفلس؛ أي: لغات أو قراءات، فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللُّغات؛ لأنَّ أحدَ معاني الحرف في اللُّغةِ الوجه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وعلى الثَّاني يكونُ من إطلاقِ الحرفِ على الكلمةِ مجازًا لكونهِ بعضها (٥). (فَاقْرَؤُوْا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أي: من الأحرفِ المنزَّل بها (٦)،
فالمرادُ بالتَّيسر (١) في الآيةِ غير المراد بهِ في الحديثِ؛ لأنَّ الَّذي في الآيةِ المرادُ بهِ القلَّة والكثرة، والَّذي في الحديثِ ما يستحضرهُ القارئُ من القراءاتِ، فالأوَّل من الكميَّة والثَّاني من الكيفيَّة (٢).
وقد وقعَ لجماعةٍ من الصَّحابة نظيرُ ما وقعَ لعمر مع هشام؛ منها لأبيِّ بنِ كعب مع ابنِ مسعودٍ في سورةِ النَّحل، وعَمرو بن العاص مع رجلٍ في آيةٍ من القرآنِ. رواه أحمد، وابن مسعود مع رجل في سورةِ من آل حم. رواه ابن حبَّان والحاكم، وأمَّا ما رواهُ الحاكمُ عن سمرة رفعه: «أنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ» فقال أبو عبد اللهِ: تواترتِ الأخبارُ بالسَّبعةِ إلَّا في هذا الحديثِ.
قال أبو شامةَ: يحتملُ أن يكون بعضهُ أنزلَ على ثلاثةِ أحرفٍ كجذوة والرَّهب، أو أرادَ أنزلَ ابتداءً على ثلاثةِ أحرف، ثمَّ زيد إلى (٣) سبعة توسعةً على العبادِ، والأكثر أنَّها محصورةٌ في السَّبعة، وهل هي باقيةٌ إلى الآنِ يقرأُ بها أم كان ذلك ثمَّ استقرَ الأمرُ على بعضها؟ وإلى الثَّاني ذهبَ الأكثرُ، كسفيانَ بن عيينةَ وابنِ وهبٍ والطَّبريِّ والطَّحاويِّ، وهل استقرَّ ذلك في الزَّمنِ النَّبويِّ أم بعده؟ والأكثرُ على الأوَّل (٤)، واختارهُ القاضِي أبو بكر بن الطَّيب، وابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ العربيِّ وغيرهم؛ لأنَّ ضرورةَ اختلافِ اللُّغات ومشقَّةَ نطقهم بغير لغتِهم اقتضَتْ التَّوسعة عليهم في أوَّل الأمرِ، فأذنَ لكلٍّ أن يقرأَ على حرفهِ؛ أي: طريقتهِ في اللُّغة إلى أن انضبطَ الأمرُ وتدرَّبت الألسنُ، وتمكَّن النَّاس من الاقتصارِ على الطَّريقة الواحدةِ، فعارضَ جبريلُ ﵇ النَّبيَّ ﷺ القرآنَ مرَّتين في السَّنةِ الأخيرةِ، واستقرَّ على ما هو عليه الآن، فنسخَ اللهُ تعالى تلك القراءةَ المأذون فيها بما أوجبهُ من الاقتصارِ على هذهِ القراءةِ الَّتي تلقَّاها النَّاس.
ويشهدُ له ما عندَ التِّرمذيِّ عن أبيٍّ: أنَّه ﷺ قال لجبريل: «إنِّي بُعثتُ إلى أمَّةٍ أميَّة فيهم الشَّيخ الفانِي، والعَجوز الكبيرة، والغُلام. قال: فمرهُم أن يقرؤوا على سبعةِ أحرفٍ» وفي بعضِها كقولهِ: هلمَّ وتعالَ وأقبلْ وأسرعْ واذهب واعجل، لكنَّ (٥) الإباحةِ المذكورةِ لم تقع
بالتَّشهي؛ أي: أنَّ كلَّ أحدٍ يغيِّر الكلمةَ بمرادفها في لغتهِ، بل ذلكَ مقصورٌ على السَّماع من رسولِ الله ﷺ، كما يشيرُ إليه قولُ كلٍّ من عمرَ وهشامَ: أقرأني النَّبيُّ ﷺ. ولئن سلَّمنا إطلاقَ الإباحةِ بقراءةِ المرادفِ ولو لم يُسمع، لكنَّ الإجماعَ من الصَّحابة في زمنِ عثمانَ الموافق للعرضةِ الأخيرةِ يمنعُ ذلك، كما مرَّ.
واختلفَ في المرادِ بالسَّبعةِ: قال ابنُ العربيِّ: لم يأت في ذلك نصٌّ ولا أثرٌ. وقالَ (١) ابنُ حبَّان: إنَّه اختلفَ فيها على خمسةٍ وثلاثينَ قولًا. قال المنذريُّ: إنَّ أكثرهَا غير مختارٍ، وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن سعدانِ النَّحويُّ: هذا من المشكل الَّذي لا يُدرى معناهُ؛ لأنَّ الحرف يأتي لمعانٍ. وعن الخليلِ بن أحمدٍ: سبعُ قراءاتٍ، وهذا أضعفُ الوجوهِ، فقد بيَّن الطَّبري وغيرهُ أنَّ اختلافَ القرَّاء إنَّما هو حرفٌ واحدٌ من الأحرفِ السَّبعة، وقيل: سبعة أنواعٍ، كلُّ نوعٍ منها جزءٌ من أجزاءِ (٢) القرآنِ، فبعضها أمرٌ ونهيٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، وقصصٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ، وأمثالٌ، وفيه حديثٌ ضعيفٌ من طريقِ ابنِ مسعودٍ، ورواه البيهقيُّ بسندٍ مرسلٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، وقيل: سبعُ لغاتٍ لسبعِ قبائل من العربِ متفرِّقة في القرآنِ، فبعضه بلغةِ تميمٍ، وبعضهُ بلغةِ أزدٍ وربيعة، وبعضهُ بلغةِ هوازنَ وبكْرٍ، وكذلك سائرُ اللُّغات، ومعانيها واحدةٌ، وإلى هذا ذهبَ أبو عُبيد (٣) وثعلب، وحكاهُ ابنُ دريدٍ، عن أبي حاتمٍ، وبعضهم عن القاضِي أبي بكرٍ، وقال الأزهريُّ وابنُ حبَّان: إنَّه المختارُ، وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، واستنكرهُ ابنُ قتيبةَ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وأجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من هذهِ الآيةِ أن يكونَ أرسل بلسانِ قريشٍ فقط لكونهم قومهُ، بل أرسلَ بلسانِ جميعِ العربِ، ولا يردُّ عليه كونهُ بعثَ إلى النَّاس كافَّة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآنَ أنزلَ باللُّغة العربيَّة، وهو بلَّغه (٤) إلى طوائفِ العربِ، وهم يترجمونهُ لغيرِ العربِ بألسنتهم.
وقال ابنُ الجزريِّ: تتبَّعتُ القراءات صحيحَهَا وشاذَّهَا، وضعيفَهَا ومنكرَهَا؛ فإذا هي ترجعُ
إلى سبعةِ أوجهٍ من الاختلافِ (١)، لا تخرجُ عن ذلك، وذلك إمَّا في الحركاتِ بلا تغيُّرٍ في المعنى والصُّورة؛ نحو: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و ﴿بِالْبَخَلِ﴾ (٢) ويحسب بوجهين، أو بتغيُّر في المعنى فقط؛ نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و (أَمَةٍ) [يوسف: ٤٥]، وإمَّا في الحروفِ بتغيُّرِ المعنى لا الصُّورة؛ نحو: ﴿تَبْلُو﴾ و ﴿تَتْلُوا﴾ [يونس: ٣٠]، و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ و (نُنَحِّيك بِبَدَنِكَ) [يونس: ٩٢]، أو عكسَ ذلك نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ و ﴿بَصْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أو بتغيُّرهما نحو: ﴿أَشَدَّ مِنكُمْ﴾ و ﴿مِنْهُم﴾ [التوبة: ٦٩] و ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿تَأَتْلَّ﴾ [النور: ٢٢]، و (فامضوا إلى ذكرِ الله) [الجمعة: ٩]، وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ و (جاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموت) (٣)، أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ (٤) وَ ﴿وَوَصَّى﴾ (والذَّكر والأُنثى)، وإمَّا نحو اختلافِ الإظهارِ والإدغامِ ممَّا يعبَّر عنهُ بالأصولِ، فليسَ من الاختلافِ الَّذي يتنوَّعُ فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذهِ الصِّفات في أدائهِ لا تخرجهُ عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرضَ فيكون (٥) من الأوَّل. انتهى.
وحديثُ البابِ مضى في «كتاب الخصوماتِ» [خ¦٢٤١٩].
(٦) (باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ) أي: جمع آياتِ السُّورة، أو جمعُ السُّور مرتَّبة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٠٩٩٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ إسْرَائيلَ عنْ إسحاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ: لما نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجعاهِدُونَ فِي سَبِيل الله قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُ لِي زَيْدا ولْيَجىءُ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ أَو الكَتِفِ والدَّوَاةِ ثُمَّ قَالَ: اكْتُب: { (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} (النِّسَاء: ٥٩) وخَلْفَ ظهْرِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى قَالَ: يَا رسولَ الله! فَما تأمُرُني فإِنِّي رَجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ مَكانَها { (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فِي سَبِيل الله { (٤) غير ولي الضَّرَر} (النِّسَاء: ٥٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْبَراء بن عَازِب والْحَدِيث قد مر فِي سُورَة النِّسَاء.
قَوْله: (أَو الدواة والكتف) شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم الدواة على الْكَتف، وتأخيرها. قَوْله: (مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْآيَة أَي فِي الْحَال. قَوْله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ فِي سَبِيل الله غير أولي الضَّرَر} (النِّسَاء: ٥٩) ، وَقد وَقع لفظ غير أولى الضَّرَر، بعد لفظ: فِي سَبِيل الله، وَفِي الْقُرْآن بعد لفظ: الْمُؤمنِينَ، وَقد تقدم عَن إِسْرَائِيل من وَجه آخر على الصَّوَاب.
٥ - (بابٌ أنْزِلَ القُرآنُ علَى سَبْعةِ أحْرُف)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف) أَي: سَبْعَة أوجه، وَهُوَ سبع لُغَات، يَعْنِي يجوز أَن يقْرَأ بِكُل لُغَة مِنْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن كل كلمة مِنْهُ تقْرَأ على سَبْعَة أوجه قيل: قد يُوجد بعض الْكَلِمَات يقْرَأ على أَكثر من سَبْعَة أوجه وَأجِيب: بِأَن غَالب ذَلِك من قبيل الِاخْتِلَاف فِي كَيْفيَّة الْأَدَاء، كَمَا فِي الْمَدّ والإمالة وَنَحْوهمَا، وَقيل: لَيْسَ المُرَاد بالسبعة حَقِيقَة الْعدَد بل المُرَاد التَّيْسِير والتسهيل، وَلَفظ السَّبْعَة يُطلق على إِرَادَة الْكَثْرَة فِي الْآحَاد كَمَا يُطلق السبعون فِي المشرات، والسبعمائة فِي المئات وَلَا يُرَاد الْعدَد الْمعِين، وَإِلَى هَذَا مَال عِيَاض وَمن تبعه.
١٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنخ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللّيْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنْ ابنِ شهَاب قَالَ: حَدثنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضِيَ الله عَنْهُمَا حدَّثه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أقْرَأْني جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فرَاجَعْتُهُ، فلَمْ أزَلْ أسْتَزيِدُهُ ويَزِيدُني حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة ينْسب إِلَى جده وَهُوَ من حفاظ المصريين وثقاتهم وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَفِيه ابْن عَبَّاس لم يُصَرح بِسَمَاعِهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَأَنَّهُ سَمعه عَن أبي بن كَعْب لِأَن النَّسَائِيّ أخرجه من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي بن كَعْب نَحوه.
قَوْله: (فراجعته) وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَرددت إِلَيْهِ أَن هوّن عَليّ أمتِي، وَفِي رِوَايَة: إِن أمتِي لَا تطِيق ذَلِك. قَوْله: (إِلَى سَبْعَة أحرف) أَي: سبع قراآت أَو سبع لُغَات.
٢٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني الليْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابْن شهابٍ، قَالَ: حدّثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عبدٍ القارِيَّ حدَّثاهُ أنَّهُما سَمِعا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشام بنَ حَكِيمٍ يقرَأ سورَةَ الفُرْقانِ فِي حيَاةِ رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فإِذَا هُوَ يَقْرَأُ علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنيها رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكِدْتُ أُساورُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سلَمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أقْرَأَكَ هاذِهِ السُّورَةَ الَّتي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ . قَالَ: أقْرَأْنِيها رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقُلْت: كَذَبْتَ، فإِنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدْ أقْرَأْنِيها علَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بهِ أقُودُهُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ
إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفرْقان علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْسِلْهُ: اقْرَأ يَا هِشامُ فَقَرَأ علَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةُ الَّتِي أقْرَأني، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَذالِكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هاذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْخُصُومَات وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَعبد الرَّحْمَن بن عبد) بِالتَّنْوِينِ غير مُضَاف إِلَى شَيْء (والقاري) بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بطن من خُزَيْمَة بن مدركة. قَوْله: (هِشَام بن حَكِيم) ابْن حزَام هُوَ الْأَسدي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَكَانَ إسلامهما يَوْم الْفَتْح، وَهِشَام مَاتَ قبل أَبِيه وَلَيْسَ لَهُ فيالبخاري رِوَايَة، وَأخرجه لَهُ مُسلم حَدِيث وَاحِدًا مَرْفُوعا من رِوَايَة عُرْوَة عَنهُ. قَوْله: (أساوره) أَي: أواثبه. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أَي آخذه بِرَأْسِهِ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (حَتَّى سلّم) أَي: من صلَاته. قَوْله: (فلببته برادئه) أَي: جمعت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لبته لِئَلَّا ينفلت مني. قَوْله: (كذبت) ، فِيهِ إِطْلَاق ذَلِك على غَلَبَة الظَّن أَو المُرَاد بقوله لَهُ: كَذبك أَخْطَأت، لِأَن أهل الْحجاز يطلقون الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَوْله: (أقوده) كَأَنَّهُ لما لببه صَار يجره. قَوْله: (إِن هَذَا الْقُرْآن) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطمينا لعَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِئَلَّا يُنكر تصويب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين، قَوْله: (مَا تيَسّر مِنْهُ) ، أَي: من الْمنزل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّعَدُّد فِي الْقِرَاءَة للتيسير على القارىء، هَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: المُرَاد بالأحرف تأدية الْمَعْنى بِاللَّفْظِ المرادف وَلَو كَانَ من لُغَة وَاحِدَة، لِأَن لُغَة هِشَام بِلِسَان قُرَيْش وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومه ذَلِك فقد اخْتلفت قراءتهما، قَالَ ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَنقل ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالأحرف السَّبع، وَالله أعلم.
٦ - (بابُ تأليفِ القُرْآن)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تأليف الْقُرْآن أَي: جمع آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة، أَو جمع السُّور مرتبَة.
٣٩٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْ أخْبَرَهُمْ قَالَ: وأخْبَرَني يُوسُفُ بنُ ماهَكٍ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ. رَضِي الله عَنْهَا إذْ جاءَها عِرَاقيٌ فَقَالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ {وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ} أرِيني مُصْحَفَكِ. قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ فإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤُلَّفٍ. قالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أيَّةُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حَتَّى إِذا ثابَ الناسُ إِلَى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْر لَقالُوا: لَا تَدَعُ الخَمْرَ أبَدا، ولَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا لَقالُوا: لَا تَدَعُ الزِّنا أبَدا لقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنِّي لَجارِيَة ألْعَبُ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) وَمَا نَزَلْتُ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلاّ وَأَنا عِندَهُ عِنْدَهُ، قَالَ: فأخْرَجَتْ لهُ المُصْحَفَ فأمْلَتْ علَيْهِ آيَ السُّورَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٧٨٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَابْن جريج ويوسف بن مَاهك بِفَتْح الْهَاء مُعرب لِأَن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ قمير مصغر الْقَمَر وماه اسْم الْقَمَر والتصغير عِنْدهم بِالْحَقِّ الْكَاف فِي آخر الِاسْم قَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح فِيهِ الِانْصِرَاف قلت: الْأَصَح فِيهِ عدم الِانْصِرَاف للعجمة والعلمية.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يُوسُف بن سعيد بن مُسلم.
قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي يُوسُف) ، أَي: قَالَ ابْن جريج:
وَأَخْبرنِي يُوسُف قَالَ بَعضهم: وَمَا عرفت مَاذَا عطف عَلَيْهِ، ثمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. قلت: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحْذُوف تَقْدِيره أَن يُقَال: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي فلَان بِكَذَا وَأَخْبرنِي يُوسُف بن مَاهك إِلَى آخِره قَوْله: (إِذْ جاءها) ، كلمة إِذْ للمفاجأة. قَوْله: (عراقي) أَي: رجل من أهل الْعرَاق وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي الْكَفَن خير؟) يحْتَمل أَن يكون سُؤَاله عَن الْكمّ يَعْنِي لفافه أَو أَكثر؟ وَعَن الكيف يَعْنِي: أَبيض أَو غَيره وناعما أَو خشنا؟ وَعَن النَّوْع أَنه قطن أَو كتَّان مثلا؟ قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم. قَوْله: (وَمَا يَضرك؟) أَي: أَي شَيْء يَضرك بعد موتك وَسُقُوط التَّكْلِيف عَنْك فِي أَي كفن كفنت؟ لبُطْلَان حسك بالنعومة والخشونة وَغير ذَلِك قَوْله: (قَالَت: لِمَ) أَي: لم أريك مصحفي؟ قَالَ: لعَلي أؤلف عَلَيْهِ الْقُرْآن. قيل: قصَّة الْعِرَاقِيّ كَانَت قبل أَن يُرْسل عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق. ورد عَلَيْهِ بِأَن يُوسُف بن مَاهك لم يدْرك زمَان إرْسَال عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق، وَقد صرح يُوسُف فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّن أَخذ بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لما حضر مصحف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لم يُوَافق على الرُّجُوع عَن قِرَاءَته وَلَا على إعدام مصحفه، وَكَانَ تأليف مصحف الْعِرَاقِيّ مغايرا لتأليف مصحف عُثْمَان، فَلذَلِك جَاءَ إِلَى عَائِشَة وَسَأَلَ الْإِمْلَاء من مصحفها. قَوْله: (آيَة) بِالنّصب أَي: أَي آي الْقُرْآن قَرَأت قَوْله: (قبل) أَي: قبل قِرَاءَة السُّورَة الْأُخْرَى. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: (من الْمفصل) قَالَ الْخطابِيّ: سمي مفصلا لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من فُصُول التَّسْمِيَة بَين السُّور، وَقد اخْتلف فِي أول الْمفصل. فَقيل: هُوَ سُورَة، وَقيل: سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ النَّوَوِيّ: سمي بِالْفَصْلِ لقصر سُورَة وَقرب انفصالهن بَعضهنَّ من بعض. قَوْله: (أول مَا أنزل مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَأول مَا نزل إِمَّا المدثر وَإِمَّا اقْرَأ، فَفِي كل مِنْهُمَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، أما فِي المدثر فصريح وَهُوَ قَوْله: {وَمَا أدْرك مَا سقر} (المدثر: ٧٢) وَقَوله: {فِي جنَّات يتساءلون} (المدثر: ٠٤) وَأما فِي اقْرَأ فَيلْزم ذكرهمَا من قَوْله: {كذب وَتَوَلَّى} (العلق: ٣١) {وسندع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) وَقَوله: {إِن كَانَ على الْهدى} (العلق: ١١) وَبِهَذَا التَّقْرِير يرد على بَعضهم فِي قَوْله: هَذَا ظَاهره يغاير مَا تقدم أَن أول شَيْء نزل {اقْرَأ باسم رَبك} (العلق: ١) وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار. قَوْله: (حَتَّى إِذا تَابَ) ، أَي: رَجَعَ. قَوْله: (نزل الْحَلَال وَالْحرَام) ، أشارت بِهِ إِلَى الْحِكْمَة الإل هية فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل. وَأَنه أول مَا نزل من الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والتبشير للْمُؤْمِنين والمطيعين بِالْجنَّةِ، والإنذار والتخويف للْكَافِرِينَ بالنَّار، فَلَمَّا اطمأنت النُّفُوس على ذَلِك أنزلت الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَت: (وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر) إِلَى آخِره. وَذَلِكَ لانطباع النُّفُوس بالنفرة عَن ترك المألوف. قَوْله: (لقد نزل مَكَّة) ، إِلَى آخِره إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَة مَا ظهر لَهَا من الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ تقدم سُورَة الْقَمَر وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَحْكَام على نزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة اشتمالهما على الْأَحْكَام. قَوْله: (إلَاّ وَأَنا عِنْده) ، يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ، لِأَن دُخُوله عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بعد الْهِجْرَة بِلَا خلاف. قَوْله: (فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ) ، أَي أملت عَائِشَة على الْعِرَاقِيّ من الْإِمْلَاء، ويروى من الإملا. وهما بِمَعْنى وَاحِد، قيل: فِي الحَدِيث رد على النّحاس فِي قَوْله: إِن سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة، مُسْتَندا إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} (النِّسَاء: ٨٥) نزلت بِمَكَّة اتِّفَاقًا فِي قصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَهِي حجَّة واهية لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نزُول آيَة أَو آيَات من سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذا أنزل معظمها بِالْمَدِينَةِ أَن تكون مَكِّيَّة، وَالله أعلم.
٤٩٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يقُولُ: فِي بَنِي إسْرَائِيلَ والْكَهْفِ ومَرْيَمَ وطَهَ والأنْبِياء: إنّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأولِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة نزلت بِمَكَّة وَأَنَّهَا مرتبَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مصحف عُثْمَان. وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي عَمْرو بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس النَّخعِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ.
قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) أَي: فِي شَأْن هَذِه السُّورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي بِدُونِ كلمة فِي فَالْقِيَاس أَن يَقُول: بَنو إِسْرَائِيل، فَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وابقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله أَي، سُورَة بني إِسْرَائِيل، أَو على سَبِيل الْحِكَايَة عَمَّا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله: {وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل} (السَّجْدَة: ٣٢) . قَوْله: (الْعتاق) ، جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّور لما