«بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيّ�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩

الحديث رقم ٥٩ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم، جاءه…

«بَيْنَمَا النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».

سند حديث: ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ…

٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ (ح). وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم، جاءه…

كان النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يتحدث مع الصحابة، فجاء رجل من سكان البادية وسأله: ما الوقت الذي تقوم فيه الساعة؟ فاستمر عليه الصلاة والسلام في حديثه الذي كان فيه ولم يجبه، فتردد الصحابة فقال بعضهم: سمع النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله فكرهه، وقال بعضهم: بل لم يسمع سؤاله، فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من حديثه، شك الراوي قال: أظن أنه قال: أين السائل عن زمان الساعة؟ فرد عليه: ها أنا يا رسول الله، قال: إذا ضاعت الأمانة فحينها انتظر الساعة، فسأله: وكيف تكون إضاعة الأمانة؟ قال: إذا جُعل الأمر المتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء بولاية غير أهل الدين والأمانات، فانتظر قيام الساعة، والمراد بالأمر بانتظارها الترقب، وأنها قريبة، وليس المراد القعود عن العمل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأئمة ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصح، وإذا قلدوا الأمر لغير المتأهل له فقد ضيعوا الأمانات.
  • الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهال وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته.
  • مشروعية تعليم السائل لقوله عليه الصلاة والسلام: أين السائل؟
  • مراجعة العالم عند عدم فهم السائل لقوله: كيف إضاعتها؟
  • ينبغي للعالم والقاضي ونحوهما رعاية تقدم الأسبق فالأسبق، فهنا إكمال موعظة الصحابة كان مقدَّمًا على إجابة السؤال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم، جاءه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَيْسَ مِنْ فَنِّ الْكِتَابِ، وَكُلُّ مِنَ الْقَدْرَيْنِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَضَعْ كِتَابَةً لِحُدُودِ الْحَقَائِقِ وَتَصَوُّرِهَا، بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى أَسَالِيبِ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةِ، فَإِنَّهُمْ يَبْدَءُونَ بِفَضِيلَةِ الْمَطْلُوبِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَتْ حَقِيقَتُهُ مَكْشُوفَةً مَعْلُومَةً. وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى مَنْ تَصَدَّى لِتَعْرِيفِ الْعِلْمِ وَقَالَ: هُوَ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ. قُلْتُ: وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْغَزَالِيِّ وَشَيْخِهِ الْإِمَامِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِهِ أَوْ لِعُسْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ ضَبَطْنَاهُ فِي الْأُصُولِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى كِتَابٍ أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا: يَرْفَعِ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ الْعَالِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْعَالِمِ. وَرِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ، إِذِ الْمُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، وَبِهَا تَرْتَفِعُ الدَّرَجَاتُ، وَرِفْعَتُهَا تَشْمَلُ الْمَعْنَوِيَّةَ فِي الدُّنْيَا بِعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ وَحُسْنِ الصِّيتِ، وَالْحِسِّيَّةَ فِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيِّ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ - أَنَّهُ لَقِيَهُ بِعُسْفَانَ فَقَالَ لَهُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أَبْزَى مَوْلًى لَنَا. فَقَالَ عُمَرُ: اسْتَخْلَفْتَ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قَالَ: بِالْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وَاضِحُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُفِيدُ مَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَمْرِ عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا الْجَامِعُ الصَّحِيحُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِنَصِيبٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ مُصَنِّفِهِ، وَأَعَانَنَا عَلَى مَا تَصَدَّيْنَا لَهُ مِنْ تَوْضِيحِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُورِدِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ، وَإِمَّا بَيَّضَ لَهُ لِيُلْحِقَ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ، وَإِمَّا أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بَعْدَ بَابِ رَفْعِ الْعِلْمِ وَيَكُونُ وَضْعُهُ هُنَاكَ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ الْأَبْوَابَ وَتَرْجَمَ التَّرَاجِمَ وَكَتَبَ الْأَحَادِيثَ وَرُبَّمَا بَيَّضَ لِبَعْضِهَا لِيُلْحِقَهُ. وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ عَدَمَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا مَحَلُّهُ حَيْثُ لَا يُورِدُ فِيهِ آيَةً أَوْ أَثَرًا. أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ آيَةً أَوْ أَثَرًا فَهُوَ إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ كَافٍ فِي الْبَابِ، وَإِلَى أَنَّ الْأَثَرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ يَقْوَى بِهِ طَرِيقُ الْمَرْفُوعِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فِي الْقُوَّةِ إِلَى شَرْطِهِ. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ كَثِيرَةٌ، صَحَّحَ مُسْلِمٌ مِنْهَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنِ الْتَمَسَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ فِيهِ وَاسِطَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وهو مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ

٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قال: حدثنا فُلَيْحٌ ح وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قال: حدثنِي أَبِي قال: حدثنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ

اللَّهِ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: هَا أَنَا يا رسول الله، قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قال: كيف إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ.

[الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا، وهو مُشْتَغِلٌ) مُحَصَّلُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَدَبِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَرْكِ زَجْرِ السَّائِلِ، بَلْ أَدَّبَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ أَوَّلًا حَتَّى اسْتَوْفَى مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جَوَابِهِ فَرَفَقَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْرَابِ وَهُمْ جُفَاةٌ. وَفِيه الْعِنَايَةِ جَوَابُ سُؤَالِ السَّائِلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مُتَعَيِّنًا وَلَا الْجَوَابُ، وَأَمَّا الْمُتَعَلِّمُ فَلِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أَدَبِ السَّائِلِ أَنْ لَا يَسْأَلَ الْعَالِمَ، وهو مُشْتَغِلٌ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ مُقَدَّمٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَخْذُ الدُّرُوسِ عَلَى السَّبْقِ، وَكَذَلِكَ الْفَتَاوَى وَالْحُكُومَاتِ وَنَحْوُهَا. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ إِذَا لَمْ يَفْهَمْ مَا يُجِيبُ بِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ، لِقَوْلِهِ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ: إِبَاحَةَ إِعْفَاءِ الْمَسْئُولِ عَنِ الْإِجَابَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَلَكِنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالُوا: لَا نَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ، بَلْ إِذَا فَرَغَ نُجِيُبُهُ. وَفَصَلَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ وَاجِبَاتِهَا فَيُؤَخِّرُ الْجَوَابُ، أَوْ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ فَيُجِيبُ.

وَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَلَا سِيَّمَا إِنِ اخْتَصَّ بِالسَّائِلِ فَيُسْتَحَبُّ إِجَابَتُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْخُطْبَةَ، وَكَذَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤَخَّرُ، وَكَذَا قَدْ يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الْوَاجِبِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْجَوَابِ، لَكِنْ إِذَا أَجَابَ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُهِمَّةً فَيُؤَخَّرُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنِ السَّاعَةِ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَأَجَابَهُ. أَخْرَجَاهُ. وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِهِ ضَرُورَةٌ نَاجِزَةٌ فَتُقَدَّمَ إِجَابَتُهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ، وهو يَخْطُبُ: رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا يَدْرِي دِينَهُ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، فَتَرَكَ خُطْبَتَهُ وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا. وَكَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ الضَّبِّ. وَكَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ (١) لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَتِ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَعْرِضُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُ النَّبِيَّ حَتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (فُلَيْحٌ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ، مِنْ طَبَقَةِ مَالِكٍ، وهو صَدُوقٌ، تَكَلَّمَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي حِفْظِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا تُوبِعَ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ لَهُ فِي الْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَمَا شَاكَلَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَفْرَادِهِ وَهَذَا مِنْهَا. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ عَالِيًا عَنْ فُلَيْحٍ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَطْ ثُمَّ أَوْرَدَهُ نَازِلًا بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَطْ، فَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ هُنَا طَرِيقًا أُخْرَى، وَلِأَجْلِ نُزُولِهَا قَرَنَهَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ يُقَالُ لَهُ: هِلَالُ بْنُ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلَة وبالنُّونين، أبو بكرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وفي آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، وهو لَقَبٌ له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (ح) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر «قال: وحدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) المذكور (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت «حدَّثنا» (أَبِي) فُلَيْحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) ويُقَال له: هلال بن أبي (١) ميمونة، وهلال بن أبي هلالٍ، وهلال ابن أسامة؛ نسبةً إلى جدِّه، وقد يظن أنَّهم (٢) أربعةٌ، والكلُّ واحدٌ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ) أي: الرِّجال فقط، أو والنِّساء تبعًا لأنَّ «القومَ» شاملٌ للرِّجال والنِّساء (جَاءَهُ) أي: النَّبيَّ (أَعْرَابِيٌّ) الأعراب سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، ولم يُعرف اسمه. نعم؛ سمَّاه أبو العالية -فيما (٣) نقله عنه البرماويُّ- رُفيعًا، وفيه استعمال «بينما» بدون «إذ» و «إذا»، وهو فصيحٌ (فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟) استفهامٌ عن الوقت الذي تقوم فيه (فَمَضَى رَسُولُ اللهِ يُحَدِّثُ) أي: القوم، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ (٤) عن المُستملي والحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «يحدِّثه» بالهاء، أي: يحدِّث القومَ الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضَّمير المنصوب على الأعرابيِّ (فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ) (مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ) أي: الذي قاله، فحُذِفَ العائد (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) قوله، و «بل»

حرف إضرابٍ وَلِيَهُ هنا جملةٌ؛ وهي «لم يسمع» فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة اعتراضٌ بين «فمضى» وبين قوله (حَتَّى إِذَا قَضَى) (حَدِيثَهُ) فـ «حتَّى إذا» (١) يتعلَّق بقوله: «فمضى يحدِّث» لا بقوله: «لم يسمع»، وإنَّما لم يُجِبْهُ ؛ لأنَّه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي، أو يكون (٢) مشغولًا بجواب سائلٍ آخر، ويُؤخَذ منه: أنَّه ينبغي للعالِم والقاضي ونحوهما رعاية تقدُّم الأسبق فالأسبق (قَالَ) : (أَيْنَ -أُرَاهُ-) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ أنَّه قال: أين (السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟) أي: عن زمانها، والشَّكُّ من محمَّد بن فُلَيْحٍ، ولم يضبط همزة «أُراه» في «اليونينيَّة»، وفي روايةٍ: «أين السَّائل»، وهو في الرِّوايتين: بالرَّفع على الابتداء، وخبره «أين» المقدَّم (٣)، وهو سؤالٌ عنِ المكان، بُنِيَ لتضمُّنه حرف الاستفهام (قَالَ) الأعرابيُّ: (هَا أَنَا) السَّائلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) فـ «السَّائل» المُقدَّر خبرُ المبتدأ الذي هو «أنا»، و «ها» حرف تنبيهٍ (قَالَ) : (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ) الأعرابيُّ: (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) مجيبًا له: (إِذَا وُسِّدَ) بضمِّ الواوِ وتشديد السين، أي: جُعِلَ (الأَمْرُ) المتعلِّق بالدِّين كالخلافة والقضاء والإفتاء (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) أي: بولاية غير أهل الدِّين والأمانات (فَانْتَظِرِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّرْكِيب أَن يكون مجروراً، عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي قَوْله: بَاب فضل الْعلم، على تَقْدِير: وجود الْبَاب، أَو على الْعلم فِي قَوْله: كتاب الْعلم، على تَقْدِير عدم وجوده. وَقَالَ بَعضهم: ضبطناه فِي الْأُصُول بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف. قلت: إِن أَرَادَ بالاستئناف الْجَواب على السُّؤَال فَذا لَا يَصح، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي هَذَا، وَإِن أَرَادَ الِابْتِدَاء الْكَلَام، فَذا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ على تَقْدِير الرّفْع لَا يَتَأَتَّى الْكَلَام، لِأَن قَوْله: وَقَول الله، لَيْسَ بِكَلَام، فَإِذا رفع لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون رَفعه بالفاعلية، أَو بِالِابْتِدَاءِ، وكل مِنْهُمَا لَا يَصح، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فلعدم الْخَبَر. فَإِن قلت: الْخَبَر مَحْذُوف. قلت: حذف الْخَبَر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون جَوَازًا أَو وجوبا. فَالْأول: فِيمَا إِذا قَامَت قرينَة، وَهِي وُقُوعه فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام عَن الْمخبر بِهِ، أَو بعد إِذا المفاجأة، أَو يكون الْخَبَر قبل قَول وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك هَهُنَا. وَالثَّانِي: إِذا الْتزم فِي مَوْضِعه غَيره، وَلَيْسَ هَذَا أَيْضا كَذَلِك، فَتعين بطلَان دَعْوَى الرّفْع.

٢ - (بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْماً وَهوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أجابَ السَّائِلَ.)

الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: أَن بَاب، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى قَوْله: من سُئِلَ، وَمن، مَوْصُولَة. قَوْله: سُئِلَ، على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل وَقعت صلَة لَهَا. وَقَوله: علما، نصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان، وَقَوله: وَهُوَ مشتغل فِي حَدِيثه، جملَة وَقعت حَالا عَن الضَّمِير الَّذِي فِي: سُئِلَ، وَذكر قَوْله: فَأَتمَّ، بِالْفَاءِ وَقَوله: ثمَّ أجَاب، بِكَلِمَة: ثمَّ، لِأَن إتْمَام الحَدِيث حصل عقيب الِاشْتِغَال بِهِ. وَالْجَوَاب بعد الْفَرَاغ مِنْهُ. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ على تَقْدِير وجود الْبَاب السَّابِق فِي بعض النّسخ، من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول، وَإِن كَانَ الْمَذْكُور فِيهِ فضل الْعلم، وَلَكِن المُرَاد التَّنْبِيه على فضل الْعلمَاء، كَمَا حققنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ حَال الْعَالم المسؤول مِنْهُ عَن مَسْأَلَة معضلة، وَلَا يسْأَل عَن الْمسَائِل المعضلات إِلَّا الْعلمَاء الْفُضَلَاء الْعَامِلُونَ الداخلون فِي قَوْله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات} (المجادلة: ١١) . وَأما على تَقْدِير عدم الْبَاب السَّابِق فِي النّسخ، فالابتداء بِهَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى مَا قيل من أَن الْعلم سُؤال وَجَوَاب، وَالسُّؤَال نصف الْعلم، فتميز هَذَا الْبَاب عَن بَقِيَّة الْأَبْوَاب الَّتِي تضمنها كتاب الْعلم، فَاسْتحقَّ بذلك التصدير على بَقِيَّة الْأَبْوَاب. فَافْهَم.

٥٩ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ سِنَان قَالَ: حدّثنا فُلَيْحُ (ح) وحدَّثني إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حدّثني هِلَالُ بْنُ عَليٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَمَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَجْلِس يُحَدِّثُ القَوْمَ جاءَهُ أعْرَابِيُّ فقالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذا قَضى حَدِيثَهُ قَالَ أيْنَ ارَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ قالَ: هَا أَنا يَا رَسولَ! الله قَالَ: (فإذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ) قالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قالَ: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) .

(الحَدِيث ٥٩ طرفه فِي: ٦٤٩٦) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، أَبُو بكر الْبَاهِلِيّ العوقي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة مَأْمُون، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن رجل عَنهُ، توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة، وَهُوَ حنين ابْن أخي عبيد بن حنين، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك، ولقبه فليح واشتهر بلقبه، الْخُزَاعِيّ الْمدنِي، وكنيته أَبُو يحيى، روى عَن نَافِع وعدة، وروى عَنهُ عبد اللَّه بن وهب وَيحيى الوحاظي وَابْن أعين وَشُرَيْح بن النُّعْمَان وَآخَرُونَ، قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ضَعِيف مَا أقربه من ابْن أبي أويس، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: لَيْسَ بِقَوي وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: لَيْسَ بِالْقَوِيّ: وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ، وَقد اعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَقد روى عَنهُ زيد بن أبي أنيسَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: واجتماع البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ فِي إخراجهما عَنهُ فِي الْأُصُول يُؤَكد أمره ويسكن الْقلب فِيهِ إِلَى تَعْدِيل، توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد اللَّه ابْن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة بن عبد اللَّه بن خَالِد بن حزَام بن خويلد

الْقرشِي الْحزَامِي الْمدنِي أَبُو إِسْحَاق، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَابْن مَاجَه وَغَيرهم، وروى البُخَارِيّ عَنهُ، وروى أَيْضا عَن مُحَمَّد بن غَالب عَنهُ، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ. قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. مَاتَ سنة سِتّ، وَقيل: خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن فليح الْمَذْكُور، روى عَن هِشَام بن عُرْوَة وَغَيره، روى عَنهُ هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي وَغَيره، لينه ابْن معِين: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا بِهِ بَأْس لَيْسَ بذلك الْقوي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. الْخَامِس: أَبُو فليح الْمَذْكُور. السَّادِس: هِلَال بن عَليّ، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال لَهُ: هِلَال ابْن أبي هِلَال، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أُسَامَة، نسبته إِلَى جده، وَقد يظنّ أَرْبَعَة وَالْكل وَاحِد. قَالَ مَالك هِلَال بن أبي أُسَامَة: تَابعه على ذَلِك أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ، وَقَالَ: هُوَ الفِهري الْقرشِي الْمدنِي، وَهُوَ من صغَار التَّابِعين، وَشَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث من أوساطهم، سمع أنسا وَغَيره، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَهُوَ شيخ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّابِع: عَطاء بن يسَار، مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَقد تقدم ذكره. الثَّامِن: أَبُو هُرَيْرَة، وَقد تقدم ذكره أَيْضا.

بَيَان الْأَنْسَاب: الْبَاهِلِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى باهلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة ابْن مَالك بن كَذَا، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. العوقي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْوَاو وبالقاف: نِسْبَة إِلَى العوقة، وهم حَيّ من عبد الْقَيْس، وَلم يكن مُحَمَّد بن سِنَان من العوقة، وَإِنَّمَا نزل فيهم، كَانَ لَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ فَنزل عِنْدهم فنسب إِلَى العوقة. الْخُزَاعِيّ، بِضَم الْخَاء وبالزاي المعجمتين: نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة، وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَقَالَ الرشاطي: الْخُزَاعِيّ فِي الأزد وَفِي قضاعة. فَالَّذِي فِي الأزد ينْسب إِلَى خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَفِي قضاعة بطن وَهُوَ خُزَاعَة بن مَالك بن عدي. الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى حزَام أحد الأجداد. وَقَالَ الرشاطي: الْحزَامِي فِي أَسد قُرَيْش وَفِي فَزَارَة. فَالَّذِي فِي قُرَيْش: حزَام بن خويلد بن أَسد، وَالَّذِي فِي فَزَارَة: حزَام بن سعد بن عدي بن فَزَارَة. الفِهري، بِكَسْر الْفَاء نِسْبَة إِلَى فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: إِن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا. وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَهُوَ أَن الشَّيْخ إِذا حدث لَهُ وَهُوَ السَّامع وَحده يَقُول: حَدثنِي، وَإِذا حدث وَمَعَهُ غَيره، يَقُول: حَدثنَا. وَفِيه العنعنة أَيْضا. وَمِنْهَا: أَن هَذَا إسنادان. أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه عَن هِلَال ... إِلَى آخِره، وَهَذَا أنزل من الأول بِوَاحِد. وَمِنْهَا: أَن رجال الْإِسْنَاد الآخير كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِي غَالب النّسخ قبل قَوْله: وحَدثني إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر صُورَة (ح) وَهِي حاء مُهْملَة مُفْردَة. قيل: إِنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى آخر، وَيَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا: حا، وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعْدهَا. وَقيل: إِنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين، وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الإنتهاء إِلَيْهَا بِشَيْء. وَقيل: إِنَّهَا رمز إِلَى قَوْله: الحَدِيث وَأهل الْمغرب إِذا وصلوا إِلَيْهَا يَقُولُونَ الحَدِيث. وَقد كتب جمَاعَة عَن حفاظ عراق الْعَجم موضعهَا صَحَّ، فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحِيح، وَحسن هُنَا كِتَابَة صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول، وَهِي كَثِيرَة فِي (صَحِيح مُسلم) : قَليلَة فِي البُخَارِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق مُخْتَصرا عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح بن سلمَان عَن هِلَال بن عَليّ بِهِ، وَلم يُخرجهُ من أَصْحَاب السِّتَّة غَيره.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أَعْرَابِي) ، هُوَ الَّذِي يسكن الْبَادِيَة، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأَعْرَاب سَاكِني الْبَادِيَة، من الْعَرَب الَّذِي لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، سَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عَرَبِيّ، وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب، وَلم يعرف اسْم هَذَا الْأَعرَابِي. قَوْله: (السَّاعَة) قَالَ الْأَزْهَرِي: السَّاعَة: الْوَقْت الَّذِي تقوم فِيهِ الْقِيَامَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تفجأ النَّاس فِي سَاعَة، فَيَمُوت الْخلق كلهم بصيحة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : السَّاعَة الْقِيَامَة. قلت: أَصله: سوعة، قلبت الْوَاو الْفَا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. قَوْله: (وسد) ، من وسدته الشَّيْء فتوسده إِذا جعله تَحت رَأسه، وَالْمعْنَى: إِذا فوض الْأَمر وَأسْندَ، وَفِي (الْمطَالع) : إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله، كَذَا لكافة الروَاة، أَي: أسْند وَجعل إِلَيْهِم وقلدوه، وَعند الْقَابِسِيّ: أَسد، وَقَالَ: الَّذِي احفظ: وسد، وَقَالَ: هما بِمَعْنى. قَالَ القَاضِي: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد قَالُوا: وساد، وأساد، واشتقاقها وَاحِد، وَالْوَاو هُنَا بعد الْألف، ولعلها صُورَة الْهمزَة. والوساد: مَا يتوسد إِلَيْهِ للنوم. يُقَال: اساد وإسادة ووسادة. وَفِي (الْعباب) : الوساد والوسادة

والوسدة: المخدة وَالْجمع: وسد ووسائد. وسدته كَذَا أَي: جعلته لَهُ وسَادَة، وتوسد الشَّيْء جعله تَحت رَأسه. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله وسد أَي: جعل لَهُ غير أَهله وساداً. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ. كَذَا، بل الْمَعْنى: إِذا وضعت وسَادَة الْأَمر لغير أَهلهَا، وَالْمرَاد من الْأَمر جنس الْأَمر الَّذِي يتَعَلَّق بِالدّينِ، فَإِذا وضعت وسادته لغير أَهلهَا تهان وتحقر، على مَا نبينه عَن قريب. قَوْله: (فانتظر) أَمر من الإنتظار.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) : أَصله: بَين، فزيدت عَلَيْهِ: مَا، وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة. قَوْله: (النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مُبْتَدأ، وَقَوله: (يحدث الْقَوْم) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول خَبره، وَيحدث يَقْتَضِي مفعولين، وَأحد المفعولين هَهُنَا مَحْذُوف لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، وَالْقَوْم: هم الرِّجَال دون النِّسَاء، وَقد تدخل النِّسَاء فِيهِ على سَبِيل التبع، لِأَن قوم كل نَبِي رجال وَنسَاء، جمعه أَقوام، وَجمع الْجمع أقاوم. وَقَوله: (فِي مجْلِس) حَال. قَوْله: (جَاءَهُ أَعْرَابِي) : جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ: أَعْرَابِي، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي جَاءَهُ، الْعَائِد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ جَوَاب: بَيْنَمَا، وَهُوَ الْعَامِل فِي: بَيْنَمَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأَفْصَح فِي جَوَابه أَن لَا يكون بإذ وَإِذا. وَقَالَ غَيره: بِالْعَكْسِ، وَالصَّوَاب مَعَه لوُرُود الحَدِيث هَكَذَا. وَقيل: بَيْنَمَا ظرف يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فَلذَلِك اقْتضى جَوَابا، وَفِيه نظر. قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) مُبْتَدأ وَخبر، وَكلمَة: مَتى، هَهُنَا للاستفهام. قَوْله: (يحدث) أَي: يحدث الْقَوْم، وَفِي بعض الرِّوَايَات بحَديثه، بِحرف الْجَرّ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: يحدثه، بِزِيَادَة الْهَاء، وَلَيْسَت فِي رِوَايَة البَاقِينَ. وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ لَا يعود على الْأَعرَابِي، وَإِنَّمَا التَّقْدِير: يحدث الْقَوْم الحَدِيث الَّذِي كَانَ فِيهِ. فَإِن قلت: مَا مَحل: يحدث، من الْإِعْرَاب؟ قلت: محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي مضى. قَوْله: (فَقَالَ بعض الْقَوْم) من هَهُنَا إِلَى قَوْله: (لم يسمع) جملَة مُعْتَرضَة. فَإِن قلت: هَل يجوز الِاعْتِرَاض بِالْفَاءِ؟ قلت: نعم جَائِز. قَوْله: (سمع) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (مَا قَالَ) أَي الْأَعرَابِي، وَمَا، مَوْصُولَة. وَقَالَ: جملَة صلته، والعائد مَحْذُوف أَي: مَا قَالَه. وَالْجُمْلَة مفعول: سمع. وَيجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة أَي: سمع قَوْله، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (فكره مَا قَالَ) . قَوْله: (بل لم يسمع) قَالَ الْكرْمَانِي: علام عطف: بل لم يسمع؟ إِذْ لَا يَصح أَن يعْطف على مَا تقدم، إِذْ الإضراب إِنَّمَا يكون عَن كَلَام نَفسه، بل لَا يَصح عطف أصلا على كَلَام غير العاطف: قلت: لَا نسلم امْتنَاع صِحَة الْعَطف، والإضراب بَين كَلَام متكلمين، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ سلمنَا، لَكِن يكون الْكل من كَلَام الْبَعْض الأول كَأَنَّهُ قَالَ الْبَعْض الآخر للْبَعْض الأول: قل بل لم يسمع، أَو كَلَام الْبَعْض الآخر بِأَن يقدر لفظ: سمع، قبله كَأَنَّهُ قَالَ: سمع بل لم يسمع. قلت: هَذَا كُله تعسف نَشأ من عدم الْوُقُوف على أسرار الْعَرَبيَّة، فَنَقُول: التَّحْقِيق هَاهُنَا أَن كلمة: بل، حرف إضراب، فَإِن تَلَاهَا جملَة كَانَ معنى الإضراب إِمَّا الْإِبْطَال وَإِمَّا الِانْتِقَال عَن غَرَض إِلَى غَرَض، وَإِن تَلَاهَا مُفْرد فَهِيَ عاطفة، وَهَهُنَا تَلَاهَا جملَة، أَعنِي، قَوْله: لم يسمع، فَكَانَ الإضراب بِمَعْنى الْإِبْطَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا قضى) يتَعَلَّق بقوله: فَمضى يحدث، لَا بقوله: لم يسمع. قَوْله: (قَالَ: أَيْن أرَاهُ السَّائِل؟) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة، مَعْنَاهُ: أَظن، وَهُوَ شكّ من مُحَمَّد بن فليح، وَرَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان وَغَيره عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن يُونُس عَن مُحَمَّد بن فليح من غير شكّ. وَلَفظه: (قَالَ أَيْن السَّائِل؟) فَإِن قلت: السَّائِل، مَرْفُوع بِمَاذَا؟ قلت: مَرْفُوع على ابْتِدَاء، وَخَبره قَوْله: (أَيْن) مقدما، وَأَيْنَ، سُؤال عَن الْمَكَان بنيت لتضمنها حرف الِاسْتِفْهَام. وَقَول بَعضهم: السَّائِل، بِالرَّفْع على الْحِكَايَة خطأ، بل هُوَ رفع على الِابْتِدَاء كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: (أرَاهُ) جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَالْمعْنَى: أَظن أَنه قَالَ: أَيْن السَّائِل. قَوْله: (قَالَ) . أَي: الْأَعرَابِي: هَا، حرف التنبية، وَفِي (الْعباب) : هَاء، بِالْمدِّ تكون تَنْبِيها بِمَعْنى جَوَابا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هَا، قد تكون جَوَاب النداء تمد وتقصر، وَأَيْضًا: هَا، مَقْصُورَة للتقريب إِذا قيل لَك: أَيْن أَنْت؟ تَقول: هَا أناذا. قَوْله: (أَنا) مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: أَنا سَائل، وَإِنَّمَا ترك العاطف عِنْد: قَالَ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ السُّؤَال وَالْجَوَاب، لِأَن الْمقَام كَانَ مقَام المقاولة، والراوي يَحْكِي ذَلِك كَأَنَّهُ، لما قَالَ الْأَعرَابِي ذَلِك، سَأَلَ سَائل: مَاذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه؟ وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (فَإِذا ضيعت الْأَمَانَة) كلمة إِذا، تضمن معنى الشَّرْط، وَلِهَذَا جَاءَ جوابها بِالْفَاءِ. وَهُوَ قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) . قَوْله: (قَالَ: كَيفَ إضاعتها؟) أَي: قَالَ الْأَعرَابِي: كَيفَ إِضَاعَة الْأَمَانَة؟ وَفِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ، وَمَا بعده من قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَا فَاء، وَوَجهه أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الإضاعة متفرع على مَا قبله، فَلهَذَا عقبه بِالْفَاءِ، بِخِلَاف اختيه. قَوْله: (قَالَ: إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) جَوَاب لقَوْله: (كَيفَ إضاعتها؟) . فَإِن قلت: السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ عَن كَيْفيَّة الإضاعة لقَوْله: كَيفَ، وَالْجَوَاب هُوَ بِالزَّمَانِ لَا بَيَان الْكَيْفِيَّة، فَمَا وَجهه؟ قلت: مُتَضَمّن للجواب إِذْ يلْزم مِنْهُ بَيَان

أَن كيفيتها هِيَ بالتوسد الْمَذْكُور. قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) الْفَاء فِيهِ للتفريع، أَو جَوَاب شَرط مَحْذُوف يَعْنِي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فانتظر السَّاعَة. وَلَيْسَت هِيَ جَوَاب إِذا الَّتِي فِي قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّن هَهُنَا معنى الشَّرْط. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: لغير أَهله. قلت: إِنَّمَا قَالَ: إِلَى غير أَهله، ليدل على معنى تضمين الْإِسْنَاد.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) أَي: مَتى يكون قيام السَّاعَة. قَوْله: (فكره مَا قَالَ) : أَي فكره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَه الْأَعرَابِي، وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى الْجَواب. فَلذَلِك حصل للصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، التَّرَدُّد، مِنْهُم من قَالَ: سمع فكره، وَمِنْهُم من قَالَ: لم يسمع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكره السُّؤَال عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بخصوصها. قَوْله: (أَيْن السَّائِل عَن السَّاعَة؟) أَي عَن زمَان السَّاعَة. قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر) المُرَاد بِهِ جنس الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بِالدّينِ: كالخلافة وَالْقَضَاء والإفتاء، وَنَحْو ذَلِك. وَيُقَال: أَي بِولَايَة غير أهل الَّذين والأمانات. وَمن يعينهم على الظُّلم والفجور، وَعند ذَلِك تكون الْأَئِمَّة قد ضيعوا الْأَمَانَة الَّتِي فرض الله عَلَيْهِم حَتَّى يؤتمن الخائن ويخون الْأمين، وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا غلب الْجَهْل وَضعف أهل الْحق عَن الْقيام بِهِ. فَإِن قلت: تَأَخّر الْجَواب عَن السُّؤَال هَهُنَا، وَهل يجوز تَأْخِيره فِيمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ؟ قلت: الْجَواب من وَجْهَيْن: الأول: بطرِيق الْمَنْع، فَنَقُول: لَا نسلم اسْتِحْقَاق الْجَواب هَهُنَا، لِأَن الْمَسْأَلَة لَيست مِمَّا يجب تعلمهَا، بل هِيَ مِمَّا لَا يكون الْعلم بهَا إِلَّا لله تَعَالَى. وَالثَّانِي: بطرِيق التَّسْلِيم فنقوله: سلمنَا ذَلِك، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون، عَلَيْهِ السَّلَام، مشتغلاً فِي ذَلِك الْوَقْت بِمَا كَانَ أهم من جَوَاب هَذَا السَّائِل، وَيحْتَمل أَنه أَخّرهُ انتظاراً للوحي، أَو أَرَادَ أَن يتم حَدِيثه لِئَلَّا يخْتَلط على السامعين، وَيحْتَمل أَن يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فِي جَوَاب سُؤال سَائل آخر مُتَقَدم، فَكَانَ أَحَق بِتمَام الْجَواب.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ وجوب تَعْلِيم السَّائِل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَيْن السَّائِل) ثمَّ إخْبَاره عَن الَّذِي سَأَلَ عَنهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن من آدَاب المتعلم أَن لَا يسْأَل الْعَالم مَا دَامَ مشتغلاً بِحَدِيث أَو غَيره، لِأَن من حق الْقَوْم الَّذين بَدَأَ بِحَدِيثِهِمْ أَن لَا يقطعهُ عَنْهُم حَتَّى يتمه. الثَّالِث: فِيهِ الرِّفْق بالمتعلم وَإِن جَفا فِي سُؤَاله أَو جهل، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يوبخه على سُؤَاله قبل إِكْمَال حَدِيثه. الرَّابِع: فِيهِ مُرَاجعَة الْعَالم عِنْد عدم فهم السَّائِل، لقَوْله: كَيفَ إضاعتها؟ الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز اتساع الْعَالم فِي الْجَواب أَنه يَنْبَغِي مِنْهُ، إِذا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى أَو لمصْلحَة. السَّادِس: فِيهِ التَّنْبِيه على تَقْدِيم الأسبق فِي السُّؤَال لأَنا قُلْنَا: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون تَأْخِير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب لكَونه مَشْغُولًا بِجَوَاب سُؤال سَائل آخر، فنبه بذلك أَنه يجب على القَاضِي والمفتي والمدرس تَقْدِيم الأسبق لاستحقاقه بِالسَّبقِ.

٣ - (بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب من رفع صَوته، فالباب: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، وَهِي مَوْصُولَة، وَرفع صَوته، جملَة صلتها. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر رفع الصَّوْت بِالْعلمِ، وَالْعلم صفة معنوية؟ قلت: هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْمَدْلُول على الدَّال، وَالتَّقْدِير: من رفع صَوته بِكَلَام يدل على الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق سُؤال السَّائِل عَن الْعلم، والعالم قد يحْتَاج إِلَى رفع الصَّوْت فِي الْجَواب لأجل غَفلَة السَّائِل وَنَحْوهَا، لَا سِيمَا إِذا كَانَ سُؤَاله وَقت اشْتِغَال الْعَالم لغيره، وَهَذَا الْبَاب يُنَاسب ذَاك الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

٦٠ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ عَارِمُ بنُ الفَضْلِ قَالَ: حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمُرٍ وَقَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها فأَدْرَكَنا وقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ ونَحْنُ نَتَوضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأعْلى صَوْتِهِ: (ويْلٌ لْلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) مَرَّتَيْن أوْ ثَلَاثاً

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته) ، وَهُوَ رفع الصَّوْت.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، الوضاح الْيَشْكُرِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي وحشية، والواسطي. وَقيل: الْبَصْرِيّ. قَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: يُوسُف بن مَاهك ابْن بهزاد، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بضَمهَا أَيْضا، وَالْأول أصح، وبالزاي الْمُعْجَمَة، الْفَارِسِي الْمَكِّيّ، نزلها. سمع ابْن عمر وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَغَيرهَا، وَسمع أَبَاهُ مَاهك. قَالَ يحيى: ثِقَة، توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. ويوسف فِيهِ سِتَّة أوجه، وَقد ذَكرنَاهَا. وماهك: بِفَتْح الْهَاء، غير منصرف لِأَنَّهُ اسْم اعجمي علم، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ منصرف، وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَنَّهُ لحظ فِيهِ الْوَصْف وَلم يبين مَاذَا الْوَصْف، وَقد أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: العجمة والعلمية فِيهِ عقب قَول الْأصيلِيّ إِنَّه منصرف! ؟ قلت: شَرط العجمة مَفْقُود. وَهُوَ العلمية فِي العجمية. لِأَن مَاهك مَعْنَاهُ القمير، فَهُوَ إِلَى الْوَصْف أقرب. قلت: كل مِنْهُمَا لم يُحَقّق كَلَامه، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن من يمنعهُ الصّرْف يُلَاحظ فِيهِ العلمية والعجمة، أما العلمية فَظَاهر، وَأما العجمة فَإِن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ تَصْغِير ماه، وَهُوَ الْقَمَر بالعربي، وقاعدتهم أَنهم إِذا صغروا الِاسْم أدخلُوا فِي آخِره الْكَاف، وَأما من يصرفهُ فَإِنَّهُ يُلَاحظ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن التصغير من الصِّفَات، وَالصّفة لَا تجامع العلمية، لإن بَينهمَا تضاداً، فَحِينَئِذٍ يبْقى الِاسْم بعلة وَاحِدَة فَلَا يمْنَع من الصّرْف، وَلَو جوز الْكسر فِي الْهَاء يكون عَرَبيا صرفا، فَلَا يمْنَع من الصّرْف أصلا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون اسْم فَاعل، من مهكت الشَّيْء أمهكه مهكاً إِذا بالغت فِي سحقه، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَفِي (الْعباب) : مهكت الشَّيْء إِذا ملسته، أَو يكون من مهكة الشَّبَاب، بِالضَّمِّ: وَهُوَ امتلاؤه وارتواؤه ونماؤه،، وَذكر الصغاني هَذِه الْمَادَّة، ثمَّ قَالَ عقيبها: ويوسف بن مَاهك من التَّابِعين الثِّقَات، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّه عَرَبِيّ مَعَ كَون الْهَاء مَفْتُوحَة بِأَن يكون علما مَنْقُولًا من مَاهك، وَهُوَ فعل مَاض من المماهكة، وَهُوَ: الْجهد فِي الْجِمَاع من الزَّوْجَيْنِ، فعلى هَذَا لَا يجوز صرفه أصلا للعلمية، وَوزن الْفِعْل. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَاهك اسْم أمه، وَالْأَكْثَر على أَنه اسْم أَبِيه، وَاسم أمه مُسَيْكَة. وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: أَن يُوسُف بن مَاهك، ويوسف بن ماهان وَاحِد. قلت: فعلى قَول الدَّارَقُطْنِيّ يمْنَع من الصّرْف أصلا للعلمية والتأنيث. فَافْهَم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ، وَقد تقدم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومكي. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَن الْمُسْتَمْلِي: حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم بن الْفضل، وَاقْتصر غَيره على أبي النُّعْمَان.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن أبي النُّعْمَان، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن مُسَدّد، وَفِيه: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة صَلَاة الْعَصْر) . وَفِي الطَّهَارَة عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَفِيه: (فَأَدْرَكنَا وَقد ارهقتنا الْعَصْر) . واخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن شَيبَان بن فروخ وَأبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة. واخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن ابي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن أبي الْوَلِيد عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك عَن أَبى عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، واخرجه الطَّحَاوِيّ عَن أَحْمد بن دَاوُد الْمَكِّيّ عَن سهل بن بكار عَن أبي عوَانَة بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (تخلف) ، أَي: تَأَخّر خلفنا. قَوْله: (فادركنا) أَي لحق بِنَا، قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) أَي: غشيتنا الصَّلَاة، أَي حملتنا الصَّلَاة على أَدَائِهَا. وَقيل: قد أعجلتنا، لضيق وَقتهَا؛ وَقَالَ القَاضِي: وَمِنْه الْمُرَاهق، بِالْفَتْح فِي الْحَج وَيُقَال بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الَّذِي أعجله ضيق الْوَقْت أَن يطوف. وَفِي (الموعب) : قَالَ أَبُو زيد: رهقتنا الصَّلَاة، بِالْكَسْرِ، رهوقاً: حانت، وأرهقنا عَن الصَّلَاة إرهاقاً: أخرناها عَن وَقتهَا. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : استأخرنا عَنْهَا حَتَّى يدنو وَقت الْأُخْرَى، ورهقت الشَّيْء رهقاً أَي: دَنَوْت مِنْهُ. وَفِي (الْمُحكم) : ارهقنا اللَّيْل دنا منا. ورهقتنا الصَّلَاة رهقاً: حانت وَفِي رهقتنا الصَّلَاة: غشيتنا. وَفِي (الِاشْتِقَاق) ، للرماني: أصل الرهق الغشيان، وكذ قَالَه الزّجاج، وَقَالَ أَبُو النَّصْر: رهقني دنا مني. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رهقته وأرهقته بِمَعْنى: دَنَوْت مِنْهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رهقه، بِالْكَسْرِ، ويرهقه رهقاً، أَي: غشيه؛ قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة} (يُونُس: ٢٦) وَقَالَ أَبُو زيد: أرهقه عسراً: إِذا كلفه إِيَّاه. يُقَال: لَا ترهقني لَا ارهقك، أَي: لَا تعسرني لَا أعسرك. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسرا} (الْكَهْف: ٧٣) أَي: لَا تلْحق بِي، من قَوْلهم: رهقه الشَّيْء إِذا غشيه، وَقيل: لَا تعجلني، وَيَجِيء على قَوْله أبي زيد: لَا تكلفني. قَوْله: (ويل) ، يُقَابل وَيْح،

وَيُقَال لمن وَقع فِيمَا لَا يسْتَحقّهُ ترحماً عَلَيْهِ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ: ويل: وَاد فِي جَهَنَّم لَو أرْسلت فِيهِ الْجبَال لماعت من حره، وَقيل: ويل: صديد أهل النَّار. قلت: ويل من المصادر الَّتِي لَا أَفعَال لَهَا، وَهِي كلمة عَذَاب وهلاك. قَوْله: (للاعقاب) جمع عقب مِثَال كبد، وَهُوَ المستأخر الَّذِي يمسك مُؤخر شِرَاك النَّعْل، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: عقب وعقب مِثَال: كبد وصفر، وَهِي مُؤَنّثَة، وَلم يكسروا الْعين كَمَا فِي: كبد وكتف. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْعقب يكون فِي الْمَتْن والساقين مختلط بِاللَّحْمِ، يمشق مِنْهُ مشقاً ويهذب وينقى من اللَّحْم ويسوى مِنْهُ الْوتر، وَأما العصب فالعلياء الغليظ، وَلَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللَّيْث: الْعقب مُؤخر الْقدَم فَهُوَ من العصب لَا من الْعقب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعقب مَا أصَاب الأَرْض مُؤخر الرجل، إِلَى مَوضِع الشرَاك. وَفِي (الْمُخَصّص) : عرش الْقدَم أصُول سلامياتها المنتشرة الْقَرِيبَة من الْأَصَابِع، وعقبها مؤخرها الَّذِي يفصل عَن مُؤخر الْقدَم، وَهُوَ موقع الشرَاك من خلفهَا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (تخلف) فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فِي سفرة) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (سافرناها) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة: لسفرة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ وَقع مَفْعُولا مُطلقًا، أَي سافرنا تِلْكَ السفرة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم: زيدا أَظُنهُ منطلق، أَي: زيد ينْطَلق أَظن الظَّن، أَو: ظنا. قَوْله: (فادركنا) ، بِفَتْح الْكَاف: جملَة من الْفِعْل، وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ، وَالْمَفْعُول وَهُوَ قَوْله: نَا. قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، جملَة وَقعت حَالا. قَالَ عِيَاض: رُوِيَ بِرَفْع الصَّلَاة على أَنَّهَا الْفَاعِل، وَرُوِيَ: ارهقنا الصَّلَاة، بِالنّصب، على أَنَّهَا مفعول. أَي: أخرنا الصَّلَاة. قلت: رُوِيَ فِي وَجه الرّفْع وَجْهَان أَيْضا، أَحدهمَا: أرهقتنا بتأنيث الْفِعْل بِالنّظرِ إِلَى لفظ الصَّلَاة، وَالْآخر: أَرْهقنَا، بِدُونِ التَّاء لِأَن تَأْنِيث الصَّلَاة غير حَقِيقِيّ. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَجعلنَا) هُوَ من أَفعَال المقاربة، وَيسْتَعْمل اسْتِعْمَال كَاد، وَهُوَ أَنه يرفع الِاسْم، وَخَبره فعل مضارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، نَحْو: كَاد زيد يخرج. أَي: خَارِجا. وَإِنَّمَا ترك: أَن، مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى لِأَن: كَاد، أبلغ فِي تقريب الشَّيْء من الْحَال. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كَادَت الشَّمْس تغرب، كَانَ الْمَعْنى قرب غُرُوبهَا جدا. وَعَسَى، أذهب فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال، أَلا ترى تَقول: عَسى الله أَن يدخلني الْجنَّة، وَإِن لم يكن هَذَا شَدِيد الْقرب من الْحَال، فَلَمَّا كَانَ الْأَمر على ذَا، حذف علم الِاسْتِقْبَال مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى، وَقد شبهه بعسى من قَالَ:

(قد كَانَ من طول الْبلَاء أَن يمصحا)

ثمَّ قَوْله: نَا فِي: فَجعلنَا، اسْم جعل، وَقَوله: نمسح، خَبره. قَوْله: (ويل) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، والمخصص كَونه مصدرا فِي. معنى الدُّعَاء كَمَا فِي سَلام عَلَيْكُم، وَخَبره قَوْله: للاعقاب، قَوْله: (من النَّار) : كلمة من، للْبَيَان كَمَا فِي قَوْله: {فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان} (الْحَج: ٣٠) وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله: تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة قَوْله: (مرَّتَيْنِ) : تَثْنِيَة مرّة، وَتجمع على مَرَّات، وانتصاب: كلهَا، على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) شكّ من عبد اللَّه بن عَمْرو.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (تخلف عَنَّا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي سفرة) هَذِه السفرة قد جَاءَت مبينَة فِي بعض طرق رِوَايَات مُسلم: (رَجعْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كُنَّا فِي الطَّرِيق تعجل قوم عِنْد الْعَصْر، فتوضؤا وهم عِجَال، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء. فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار، أَسْبغُوا الْوضُوء) . قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، وَهِي: صَلَاة الْعَصْر، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم مصرحة. وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق مُسَدّد، على مَا ذكرنَا. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ، فَجعلنَا نمسح على أَرْجُلنَا) قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ نغسل كَمَا هُوَ المُرَاد فِي الْآيَة، بِدَلِيل تبَاين الرِّوَايَات، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعضهم أَنه دَلِيل على أَنهم كَانُوا يمسحون، فنهاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، وَأمرهمْ بِالْغسْلِ. وَقَالُوا أَيْضا: لَو كَانَ غسلا لأمرهم بِالْإِعَادَةِ لما صلوا، وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ لقائله، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قد أعلمهم بِأَنَّهُم مستوجبون النَّار على فعلهم، بقوله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الْوَاجِب. وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ، بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) . وَلم يَأْتِ أَنهم صلوا بِهَذَا الْوضُوء، وَلَا أَنَّهَا كَانَت عَادَتهم قبلُ، فَيلْزم أَمرهم بِالْإِعَادَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، مَا ملخصه: أَنهم كَانُوا يمسحون عَلَيْهَا مثل مسح الرَّأْس، ثمَّ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنعهم عَن ذَلِك وَأمرهمْ بِالْغسْلِ، فَهَذَا يدل على انتساخ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من الْمسْح، وَفِيه نظر، لِأَن قَوْله: نمسح على أَرْجُلنَا، يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: نغسل غسلا خَفِيفا مبقعاً. حَتَّى يرى كَأَنَّهُ مسح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي الرِّوَايَة الآخرى، (رأى قوما توضؤا وَكَأَنَّهُم تركُوا من أَرجُلهم شَيْئا) . فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا قَرِيبا من الْمسْح، فَلذَلِك قَالَ لَهُم: أَسْبغُوا الْوضُوء، وَأَيْضًا إِنَّمَا يكون الْوَعيد على ترك الْفَرْض، وَلَو لم يكن الْغسْل فِي الأول

فرضا عِنْدهم لما توجه الْوَعيد، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ هُوَ المشمول فِيمَا بَينهم كَانَ يَأْمُرهُم بِتَرْكِهِ وانتقالهم إِلَى الْغسْل بِدُونِ الْوَعيد، وَلأَجل ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ: نغسل كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإسباغ الْوضُوء، ووعيده وإنكاره عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْغسْل يدل على أَن وَظِيفَة الرجلَيْن هُوَ الْغسْل الوافي لَا الْغسْل المشابه بِالْمَسْحِ كَغسْل هَؤُلَاءِ. وَقَول عِيَاض: وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، غير مُسلم لِأَن الْأَمر بالإسباغ أَمر بتكميل الْغسْل، وَالْأَمر بِالْغسْلِ فهم من الْوَعيد لِأَنَّهُ لَا يكون إلَاّ فِي ترك وَاجِب، فَلَمَّا فهم ذَلِك من الْوَعيد أكده بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَلِهَذَا ترك العاطف، فَوَقع هَذَا تَأْكِيدًا عَاما يَشْمَل الرجلَيْن وَغَيرهمَا من أَعْضَاء الْوضُوء، لِأَنَّهُ لم يقل: اسبغوا الرجلَيْن: بل قَالَ: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَالْوُضُوء هُوَ غسل الْأَعْضَاء الثَّلَاثَة، وَمسح الرَّأْس، ومطلوبية الإسباغ غير مُخْتَصَّة بِالرجلَيْنِ، فَكَمَا أَنه مَطْلُوب فيهمَا، فَكَذَلِك مَطْلُوب فِي غَيرهمَا. فَإِن قلت: لم ذكر الإسباغ عَاما والوعيد خَاصّا. قلت: لأَنهم مَا قصروا إلَاّ فِي وَظِيفَة الرجلَيْن، فَلذَلِك ذكر لفظ الأعقاب، فَيكون الْوَعيد فِي مُقَابلَة ذَلِك التَّقْصِير الْخَاص.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دَلِيل على وجوب غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ كَافِيا لما أوعد من ترك غسل الْعقب بالنَّار، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي بَابه مُسْتَوفى. الثَّانِي: فِيهِ وجوب تَعْمِيم الْأَعْضَاء بالمطهر، وَإِن ترك الْبَعْض مِنْهَا غير مجزىء. الثَّالِث: تَعْلِيم الْجَاهِل وإرشاده. الرَّابِع: أَن الْجَسَد يعذب، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. الْخَامِس: جَوَاز رفع الصَّوْت فِي المناظرة بِالْعلمِ. السَّادِس: أَن الْعَالم يُنكر مَا يرى من التضييع للفرائض وَالسّنَن، ويغلظ القَوْل فِي ذَلِك، وَيرْفَع صَوته للإنكار. السَّابِع: تكْرَار الْمَسْأَلَة تَأْكِيدًا لَهَا ومبالغة فِي وُجُوبهَا، وَسَيَأْتِي ذكره فِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا ليفهم.

الأسئلة والاجوبة: مِنْهَا مَا قيل: إِن الرجل لَهُ رجلَانِ وَلَيْسَ لَهُ أرجل، فَالْقِيَاس أَن يُقَال على رجلينا. أُجِيب: بِأَن الْجمع إِذا قوبل بِالْجمعِ يُفِيد التَّوْزِيع، فتوزع الأرجل على الرِّجَال. وَمِنْهَا مَا قيل: فعلى هَذَا يكون لكل رجل رجل. أُجِيب: بِأَن جنس الرجل يتَنَاوَل الْوَاحِد والإثنين، وَالْعقل يعين الْمَقْصُود، سِيمَا فِيمَا هُوَ محسوس. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمسْح على ظهر الْقدَم لَا على الرجل كلهَا. أُجِيب: بِأَنَّهُ أطلق الرجل، وَأُرِيد الْبَعْض أَي: ظهر الْقدَم، ولقرينة الْعرف الشَّرْعِيّ إِذْ الْمَعْهُود مسح ذَلِك، وَهَذَا فِيهِ نظر، لأَنهم مَا كَانُوا يمسحون مثل مسح الرَّأْس، وإنماا كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا خَفِيفا، فَلذَلِك أطْلقُوا عَلَيْهِ الْمسْح وَقد حققناه عَن قريب. وَمِنْهَا مَا قيل: لم خص الأعقاب بِالْعَذَابِ؟ أُجِيب: لِأَنَّهَا الْعُضْو الَّتِي لم تغسل. وَفِي (الغريبين) : وَفِي الحَدِيث: (ويل للعقب من النَّار) ، أَي: لصَاحب الْعقب المقصر عَن غسلهَا، كَمَا قَالَ: {واسأل الْقرْيَة} (يُوسُف: ٨٢) أَي: أهل الْقرْيَة، وَقيل: إِن الْعقب يخص بالمؤلم من الْعقَاب إِذا قصر فِي غسلهَا، وَفِي (الْمُنْتَهى فِي اللُّغَة) : وَفِي الحَدِيث: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . أَرَادَ التَّغْلِيظ فِي إسباغ الْوضُوء، وَهُوَ التَّكْمِيل والإتمام والسبوغ: الشُّمُول. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا الْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب؟ أُجِيب: بِأَنَّهَا للْعهد، أَي: لِلْأَعْقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِك لم تمسها المَاء، أَو يكون المُرَاد: الأعقاب الَّتِي صفتهَا هَذِه، لَا كل الأعقاب. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن اللَّام للاختصاص النافع إِذْ الْمَشْهُور أَن اللَّام تسْتَعْمل فِي الْخَيْر، وعَلى فِي الشَّرّ، نَحْو: {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} (الْبَقَرَة: ٢٨٦) وَأجِيب: بِأَنَّهَا للاختصاص هَهُنَا نَحْو: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) وَنَحْو: {وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} (الْبَقَرَة: ١٠، ١٧٤، آل عمرَان: ٧٧، ٩١، ١٧٧، ١٨٨، الْمَائِدَة: ٣٦، التَّوْبَة: ٦١، ٧٩، إِبْرَاهِيم، ٢٢، النَّحْل: ٦٣، ١٠٤، ١١٧، الشورى: ٢١، ٢٤٢، الْحَشْر: ١٥، التغابن: ٥) قلت: وَقد تسْتَعْمل اللَّام فِي مَوضِع: على. وَقَالُوا: إِن اللَّام فِي: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) بِمَعْنى: عَلَيْهَا. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أخرت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْفَاضِل؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم إِنَّمَا أخروها عَنهُ طَمَعا أَن يصلوها مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لفضل الصَّلَاة مَعَه، فَلَمَّا خَافُوا الْفَوات استعجلوا، فانكر عَلَيْهِم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَمِنْهَا مَا قيل: روى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، رأى رجلا لم يغسل عقبه، فَقَالَ: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَكَذَلِكَ حَدِيث مُسلم عَن عبد اللَّه بن عَمْرو الَّذِي مضى ذكره عَن قريب، وَفِيه: (فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء، فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَانِ الحديثان تَصْرِيح بِأَن الْوَعيد وَقع على عدم اسْتِيعَاب الرِجل بِالْمَاءِ، وَحَدِيث البُخَارِيّ يدل على أَن الْمسْح لَا يجزىء عَن الْغسْل فِي الرجل، وَأجِيب: بِأَنَّهُ ترد الْأَحَادِيث إِلَى معنى وَاحِد، وَيكون معنى قَوْله: (لم يَمَسهَا المَاء) ، أَي: بِالْغسْلِ، وَإِن مَسهَا بِالْمَسْحِ فَيكون الْوَعيد وَقع على

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَيْسَ مِنْ فَنِّ الْكِتَابِ، وَكُلُّ مِنَ الْقَدْرَيْنِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَضَعْ كِتَابَةً لِحُدُودِ الْحَقَائِقِ وَتَصَوُّرِهَا، بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى أَسَالِيبِ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةِ، فَإِنَّهُمْ يَبْدَءُونَ بِفَضِيلَةِ الْمَطْلُوبِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَتْ حَقِيقَتُهُ مَكْشُوفَةً مَعْلُومَةً. وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى مَنْ تَصَدَّى لِتَعْرِيفِ الْعِلْمِ وَقَالَ: هُوَ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ. قُلْتُ: وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْغَزَالِيِّ وَشَيْخِهِ الْإِمَامِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِهِ أَوْ لِعُسْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ ضَبَطْنَاهُ فِي الْأُصُولِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى كِتَابٍ أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا: يَرْفَعِ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ الْعَالِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْعَالِمِ. وَرِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ، إِذِ الْمُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، وَبِهَا تَرْتَفِعُ الدَّرَجَاتُ، وَرِفْعَتُهَا تَشْمَلُ الْمَعْنَوِيَّةَ فِي الدُّنْيَا بِعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ وَحُسْنِ الصِّيتِ، وَالْحِسِّيَّةَ فِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيِّ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ - أَنَّهُ لَقِيَهُ بِعُسْفَانَ فَقَالَ لَهُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أَبْزَى مَوْلًى لَنَا. فَقَالَ عُمَرُ: اسْتَخْلَفْتَ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قَالَ: بِالْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وَاضِحُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُفِيدُ مَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَمْرِ عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا الْجَامِعُ الصَّحِيحُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِنَصِيبٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ مُصَنِّفِهِ، وَأَعَانَنَا عَلَى مَا تَصَدَّيْنَا لَهُ مِنْ تَوْضِيحِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُورِدِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ، وَإِمَّا بَيَّضَ لَهُ لِيُلْحِقَ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ، وَإِمَّا أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بَعْدَ بَابِ رَفْعِ الْعِلْمِ وَيَكُونُ وَضْعُهُ هُنَاكَ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ الْأَبْوَابَ وَتَرْجَمَ التَّرَاجِمَ وَكَتَبَ الْأَحَادِيثَ وَرُبَّمَا بَيَّضَ لِبَعْضِهَا لِيُلْحِقَهُ. وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ عَدَمَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا مَحَلُّهُ حَيْثُ لَا يُورِدُ فِيهِ آيَةً أَوْ أَثَرًا. أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ آيَةً أَوْ أَثَرًا فَهُوَ إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ كَافٍ فِي الْبَابِ، وَإِلَى أَنَّ الْأَثَرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ يَقْوَى بِهِ طَرِيقُ الْمَرْفُوعِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فِي الْقُوَّةِ إِلَى شَرْطِهِ. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ كَثِيرَةٌ، صَحَّحَ مُسْلِمٌ مِنْهَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنِ الْتَمَسَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ فِيهِ وَاسِطَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وهو مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ

٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قال: حدثنا فُلَيْحٌ ح وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قال: حدثنِي أَبِي قال: حدثنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ

اللَّهِ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: هَا أَنَا يا رسول الله، قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قال: كيف إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ.

[الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا، وهو مُشْتَغِلٌ) مُحَصَّلُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَدَبِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَرْكِ زَجْرِ السَّائِلِ، بَلْ أَدَّبَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ أَوَّلًا حَتَّى اسْتَوْفَى مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جَوَابِهِ فَرَفَقَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْرَابِ وَهُمْ جُفَاةٌ. وَفِيه الْعِنَايَةِ جَوَابُ سُؤَالِ السَّائِلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مُتَعَيِّنًا وَلَا الْجَوَابُ، وَأَمَّا الْمُتَعَلِّمُ فَلِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أَدَبِ السَّائِلِ أَنْ لَا يَسْأَلَ الْعَالِمَ، وهو مُشْتَغِلٌ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ مُقَدَّمٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَخْذُ الدُّرُوسِ عَلَى السَّبْقِ، وَكَذَلِكَ الْفَتَاوَى وَالْحُكُومَاتِ وَنَحْوُهَا. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ إِذَا لَمْ يَفْهَمْ مَا يُجِيبُ بِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ، لِقَوْلِهِ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ: إِبَاحَةَ إِعْفَاءِ الْمَسْئُولِ عَنِ الْإِجَابَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَلَكِنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالُوا: لَا نَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ، بَلْ إِذَا فَرَغَ نُجِيُبُهُ. وَفَصَلَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ وَاجِبَاتِهَا فَيُؤَخِّرُ الْجَوَابُ، أَوْ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ فَيُجِيبُ.

وَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَلَا سِيَّمَا إِنِ اخْتَصَّ بِالسَّائِلِ فَيُسْتَحَبُّ إِجَابَتُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْخُطْبَةَ، وَكَذَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤَخَّرُ، وَكَذَا قَدْ يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الْوَاجِبِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْجَوَابِ، لَكِنْ إِذَا أَجَابَ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُهِمَّةً فَيُؤَخَّرُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنِ السَّاعَةِ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَأَجَابَهُ. أَخْرَجَاهُ. وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِهِ ضَرُورَةٌ نَاجِزَةٌ فَتُقَدَّمَ إِجَابَتُهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ، وهو يَخْطُبُ: رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا يَدْرِي دِينَهُ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، فَتَرَكَ خُطْبَتَهُ وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا. وَكَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ الضَّبِّ. وَكَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ (١) لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَتِ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَعْرِضُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُ النَّبِيَّ حَتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (فُلَيْحٌ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ، مِنْ طَبَقَةِ مَالِكٍ، وهو صَدُوقٌ، تَكَلَّمَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي حِفْظِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا تُوبِعَ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ لَهُ فِي الْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَمَا شَاكَلَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَفْرَادِهِ وَهَذَا مِنْهَا. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ عَالِيًا عَنْ فُلَيْحٍ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَطْ ثُمَّ أَوْرَدَهُ نَازِلًا بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَطْ، فَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ هُنَا طَرِيقًا أُخْرَى، وَلِأَجْلِ نُزُولِهَا قَرَنَهَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ يُقَالُ لَهُ: هِلَالُ بْنُ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلَة وبالنُّونين، أبو بكرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وفي آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، وهو لَقَبٌ له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (ح) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر «قال: وحدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) المذكور (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت «حدَّثنا» (أَبِي) فُلَيْحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) ويُقَال له: هلال بن أبي (١) ميمونة، وهلال بن أبي هلالٍ، وهلال ابن أسامة؛ نسبةً إلى جدِّه، وقد يظن أنَّهم (٢) أربعةٌ، والكلُّ واحدٌ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ) أي: الرِّجال فقط، أو والنِّساء تبعًا لأنَّ «القومَ» شاملٌ للرِّجال والنِّساء (جَاءَهُ) أي: النَّبيَّ (أَعْرَابِيٌّ) الأعراب سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، ولم يُعرف اسمه. نعم؛ سمَّاه أبو العالية -فيما (٣) نقله عنه البرماويُّ- رُفيعًا، وفيه استعمال «بينما» بدون «إذ» و «إذا»، وهو فصيحٌ (فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟) استفهامٌ عن الوقت الذي تقوم فيه (فَمَضَى رَسُولُ اللهِ يُحَدِّثُ) أي: القوم، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ (٤) عن المُستملي والحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «يحدِّثه» بالهاء، أي: يحدِّث القومَ الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضَّمير المنصوب على الأعرابيِّ (فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ) (مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ) أي: الذي قاله، فحُذِفَ العائد (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) قوله، و «بل»

حرف إضرابٍ وَلِيَهُ هنا جملةٌ؛ وهي «لم يسمع» فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة اعتراضٌ بين «فمضى» وبين قوله (حَتَّى إِذَا قَضَى) (حَدِيثَهُ) فـ «حتَّى إذا» (١) يتعلَّق بقوله: «فمضى يحدِّث» لا بقوله: «لم يسمع»، وإنَّما لم يُجِبْهُ ؛ لأنَّه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي، أو يكون (٢) مشغولًا بجواب سائلٍ آخر، ويُؤخَذ منه: أنَّه ينبغي للعالِم والقاضي ونحوهما رعاية تقدُّم الأسبق فالأسبق (قَالَ) : (أَيْنَ -أُرَاهُ-) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ أنَّه قال: أين (السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟) أي: عن زمانها، والشَّكُّ من محمَّد بن فُلَيْحٍ، ولم يضبط همزة «أُراه» في «اليونينيَّة»، وفي روايةٍ: «أين السَّائل»، وهو في الرِّوايتين: بالرَّفع على الابتداء، وخبره «أين» المقدَّم (٣)، وهو سؤالٌ عنِ المكان، بُنِيَ لتضمُّنه حرف الاستفهام (قَالَ) الأعرابيُّ: (هَا أَنَا) السَّائلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) فـ «السَّائل» المُقدَّر خبرُ المبتدأ الذي هو «أنا»، و «ها» حرف تنبيهٍ (قَالَ) : (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ) الأعرابيُّ: (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) مجيبًا له: (إِذَا وُسِّدَ) بضمِّ الواوِ وتشديد السين، أي: جُعِلَ (الأَمْرُ) المتعلِّق بالدِّين كالخلافة والقضاء والإفتاء (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) أي: بولاية غير أهل الدِّين والأمانات (فَانْتَظِرِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّرْكِيب أَن يكون مجروراً، عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي قَوْله: بَاب فضل الْعلم، على تَقْدِير: وجود الْبَاب، أَو على الْعلم فِي قَوْله: كتاب الْعلم، على تَقْدِير عدم وجوده. وَقَالَ بَعضهم: ضبطناه فِي الْأُصُول بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف. قلت: إِن أَرَادَ بالاستئناف الْجَواب على السُّؤَال فَذا لَا يَصح، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي هَذَا، وَإِن أَرَادَ الِابْتِدَاء الْكَلَام، فَذا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ على تَقْدِير الرّفْع لَا يَتَأَتَّى الْكَلَام، لِأَن قَوْله: وَقَول الله، لَيْسَ بِكَلَام، فَإِذا رفع لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون رَفعه بالفاعلية، أَو بِالِابْتِدَاءِ، وكل مِنْهُمَا لَا يَصح، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فلعدم الْخَبَر. فَإِن قلت: الْخَبَر مَحْذُوف. قلت: حذف الْخَبَر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون جَوَازًا أَو وجوبا. فَالْأول: فِيمَا إِذا قَامَت قرينَة، وَهِي وُقُوعه فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام عَن الْمخبر بِهِ، أَو بعد إِذا المفاجأة، أَو يكون الْخَبَر قبل قَول وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك هَهُنَا. وَالثَّانِي: إِذا الْتزم فِي مَوْضِعه غَيره، وَلَيْسَ هَذَا أَيْضا كَذَلِك، فَتعين بطلَان دَعْوَى الرّفْع.

٢ - (بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْماً وَهوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أجابَ السَّائِلَ.)

الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: أَن بَاب، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى قَوْله: من سُئِلَ، وَمن، مَوْصُولَة. قَوْله: سُئِلَ، على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل وَقعت صلَة لَهَا. وَقَوله: علما، نصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان، وَقَوله: وَهُوَ مشتغل فِي حَدِيثه، جملَة وَقعت حَالا عَن الضَّمِير الَّذِي فِي: سُئِلَ، وَذكر قَوْله: فَأَتمَّ، بِالْفَاءِ وَقَوله: ثمَّ أجَاب، بِكَلِمَة: ثمَّ، لِأَن إتْمَام الحَدِيث حصل عقيب الِاشْتِغَال بِهِ. وَالْجَوَاب بعد الْفَرَاغ مِنْهُ. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ على تَقْدِير وجود الْبَاب السَّابِق فِي بعض النّسخ، من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول، وَإِن كَانَ الْمَذْكُور فِيهِ فضل الْعلم، وَلَكِن المُرَاد التَّنْبِيه على فضل الْعلمَاء، كَمَا حققنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ حَال الْعَالم المسؤول مِنْهُ عَن مَسْأَلَة معضلة، وَلَا يسْأَل عَن الْمسَائِل المعضلات إِلَّا الْعلمَاء الْفُضَلَاء الْعَامِلُونَ الداخلون فِي قَوْله تَعَالَى: {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات} (المجادلة: ١١) . وَأما على تَقْدِير عدم الْبَاب السَّابِق فِي النّسخ، فالابتداء بِهَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى مَا قيل من أَن الْعلم سُؤال وَجَوَاب، وَالسُّؤَال نصف الْعلم، فتميز هَذَا الْبَاب عَن بَقِيَّة الْأَبْوَاب الَّتِي تضمنها كتاب الْعلم، فَاسْتحقَّ بذلك التصدير على بَقِيَّة الْأَبْوَاب. فَافْهَم.

٥٩ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ سِنَان قَالَ: حدّثنا فُلَيْحُ (ح) وحدَّثني إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حدّثني هِلَالُ بْنُ عَليٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَمَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَجْلِس يُحَدِّثُ القَوْمَ جاءَهُ أعْرَابِيُّ فقالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذا قَضى حَدِيثَهُ قَالَ أيْنَ ارَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ قالَ: هَا أَنا يَا رَسولَ! الله قَالَ: (فإذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ) قالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قالَ: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) .

(الحَدِيث ٥٩ طرفه فِي: ٦٤٩٦) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، أَبُو بكر الْبَاهِلِيّ العوقي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة مَأْمُون، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن رجل عَنهُ، توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة، وَهُوَ حنين ابْن أخي عبيد بن حنين، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك، ولقبه فليح واشتهر بلقبه، الْخُزَاعِيّ الْمدنِي، وكنيته أَبُو يحيى، روى عَن نَافِع وعدة، وروى عَنهُ عبد اللَّه بن وهب وَيحيى الوحاظي وَابْن أعين وَشُرَيْح بن النُّعْمَان وَآخَرُونَ، قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ضَعِيف مَا أقربه من ابْن أبي أويس، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: لَيْسَ بِقَوي وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: لَيْسَ بِالْقَوِيّ: وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ، وَقد اعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَقد روى عَنهُ زيد بن أبي أنيسَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: واجتماع البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ فِي إخراجهما عَنهُ فِي الْأُصُول يُؤَكد أمره ويسكن الْقلب فِيهِ إِلَى تَعْدِيل، توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد اللَّه ابْن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة بن عبد اللَّه بن خَالِد بن حزَام بن خويلد

الْقرشِي الْحزَامِي الْمدنِي أَبُو إِسْحَاق، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَابْن مَاجَه وَغَيرهم، وروى البُخَارِيّ عَنهُ، وروى أَيْضا عَن مُحَمَّد بن غَالب عَنهُ، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ. قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. مَاتَ سنة سِتّ، وَقيل: خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن فليح الْمَذْكُور، روى عَن هِشَام بن عُرْوَة وَغَيره، روى عَنهُ هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي وَغَيره، لينه ابْن معِين: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا بِهِ بَأْس لَيْسَ بذلك الْقوي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. الْخَامِس: أَبُو فليح الْمَذْكُور. السَّادِس: هِلَال بن عَليّ، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال لَهُ: هِلَال ابْن أبي هِلَال، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أُسَامَة، نسبته إِلَى جده، وَقد يظنّ أَرْبَعَة وَالْكل وَاحِد. قَالَ مَالك هِلَال بن أبي أُسَامَة: تَابعه على ذَلِك أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ، وَقَالَ: هُوَ الفِهري الْقرشِي الْمدنِي، وَهُوَ من صغَار التَّابِعين، وَشَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث من أوساطهم، سمع أنسا وَغَيره، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَهُوَ شيخ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّابِع: عَطاء بن يسَار، مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَقد تقدم ذكره. الثَّامِن: أَبُو هُرَيْرَة، وَقد تقدم ذكره أَيْضا.

بَيَان الْأَنْسَاب: الْبَاهِلِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى باهلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة ابْن مَالك بن كَذَا، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. العوقي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْوَاو وبالقاف: نِسْبَة إِلَى العوقة، وهم حَيّ من عبد الْقَيْس، وَلم يكن مُحَمَّد بن سِنَان من العوقة، وَإِنَّمَا نزل فيهم، كَانَ لَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ فَنزل عِنْدهم فنسب إِلَى العوقة. الْخُزَاعِيّ، بِضَم الْخَاء وبالزاي المعجمتين: نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة، وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَقَالَ الرشاطي: الْخُزَاعِيّ فِي الأزد وَفِي قضاعة. فَالَّذِي فِي الأزد ينْسب إِلَى خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة. وَفِي قضاعة بطن وَهُوَ خُزَاعَة بن مَالك بن عدي. الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى حزَام أحد الأجداد. وَقَالَ الرشاطي: الْحزَامِي فِي أَسد قُرَيْش وَفِي فَزَارَة. فَالَّذِي فِي قُرَيْش: حزَام بن خويلد بن أَسد، وَالَّذِي فِي فَزَارَة: حزَام بن سعد بن عدي بن فَزَارَة. الفِهري، بِكَسْر الْفَاء نِسْبَة إِلَى فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: إِن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا. وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَهُوَ أَن الشَّيْخ إِذا حدث لَهُ وَهُوَ السَّامع وَحده يَقُول: حَدثنِي، وَإِذا حدث وَمَعَهُ غَيره، يَقُول: حَدثنَا. وَفِيه العنعنة أَيْضا. وَمِنْهَا: أَن هَذَا إسنادان. أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه عَن هِلَال ... إِلَى آخِره، وَهَذَا أنزل من الأول بِوَاحِد. وَمِنْهَا: أَن رجال الْإِسْنَاد الآخير كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِي غَالب النّسخ قبل قَوْله: وحَدثني إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر صُورَة (ح) وَهِي حاء مُهْملَة مُفْردَة. قيل: إِنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى آخر، وَيَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا: حا، وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعْدهَا. وَقيل: إِنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين، وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الإنتهاء إِلَيْهَا بِشَيْء. وَقيل: إِنَّهَا رمز إِلَى قَوْله: الحَدِيث وَأهل الْمغرب إِذا وصلوا إِلَيْهَا يَقُولُونَ الحَدِيث. وَقد كتب جمَاعَة عَن حفاظ عراق الْعَجم موضعهَا صَحَّ، فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحِيح، وَحسن هُنَا كِتَابَة صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول، وَهِي كَثِيرَة فِي (صَحِيح مُسلم) : قَليلَة فِي البُخَارِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق مُخْتَصرا عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح بن سلمَان عَن هِلَال بن عَليّ بِهِ، وَلم يُخرجهُ من أَصْحَاب السِّتَّة غَيره.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أَعْرَابِي) ، هُوَ الَّذِي يسكن الْبَادِيَة، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأَعْرَاب سَاكِني الْبَادِيَة، من الْعَرَب الَّذِي لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، سَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عَرَبِيّ، وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب، وَلم يعرف اسْم هَذَا الْأَعرَابِي. قَوْله: (السَّاعَة) قَالَ الْأَزْهَرِي: السَّاعَة: الْوَقْت الَّذِي تقوم فِيهِ الْقِيَامَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تفجأ النَّاس فِي سَاعَة، فَيَمُوت الْخلق كلهم بصيحة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : السَّاعَة الْقِيَامَة. قلت: أَصله: سوعة، قلبت الْوَاو الْفَا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. قَوْله: (وسد) ، من وسدته الشَّيْء فتوسده إِذا جعله تَحت رَأسه، وَالْمعْنَى: إِذا فوض الْأَمر وَأسْندَ، وَفِي (الْمطَالع) : إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله، كَذَا لكافة الروَاة، أَي: أسْند وَجعل إِلَيْهِم وقلدوه، وَعند الْقَابِسِيّ: أَسد، وَقَالَ: الَّذِي احفظ: وسد، وَقَالَ: هما بِمَعْنى. قَالَ القَاضِي: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد قَالُوا: وساد، وأساد، واشتقاقها وَاحِد، وَالْوَاو هُنَا بعد الْألف، ولعلها صُورَة الْهمزَة. والوساد: مَا يتوسد إِلَيْهِ للنوم. يُقَال: اساد وإسادة ووسادة. وَفِي (الْعباب) : الوساد والوسادة

والوسدة: المخدة وَالْجمع: وسد ووسائد. وسدته كَذَا أَي: جعلته لَهُ وسَادَة، وتوسد الشَّيْء جعله تَحت رَأسه. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله وسد أَي: جعل لَهُ غير أَهله وساداً. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ. كَذَا، بل الْمَعْنى: إِذا وضعت وسَادَة الْأَمر لغير أَهلهَا، وَالْمرَاد من الْأَمر جنس الْأَمر الَّذِي يتَعَلَّق بِالدّينِ، فَإِذا وضعت وسادته لغير أَهلهَا تهان وتحقر، على مَا نبينه عَن قريب. قَوْله: (فانتظر) أَمر من الإنتظار.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) : أَصله: بَين، فزيدت عَلَيْهِ: مَا، وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة. قَوْله: (النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مُبْتَدأ، وَقَوله: (يحدث الْقَوْم) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول خَبره، وَيحدث يَقْتَضِي مفعولين، وَأحد المفعولين هَهُنَا مَحْذُوف لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، وَالْقَوْم: هم الرِّجَال دون النِّسَاء، وَقد تدخل النِّسَاء فِيهِ على سَبِيل التبع، لِأَن قوم كل نَبِي رجال وَنسَاء، جمعه أَقوام، وَجمع الْجمع أقاوم. وَقَوله: (فِي مجْلِس) حَال. قَوْله: (جَاءَهُ أَعْرَابِي) : جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ: أَعْرَابِي، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي جَاءَهُ، الْعَائِد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ جَوَاب: بَيْنَمَا، وَهُوَ الْعَامِل فِي: بَيْنَمَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأَفْصَح فِي جَوَابه أَن لَا يكون بإذ وَإِذا. وَقَالَ غَيره: بِالْعَكْسِ، وَالصَّوَاب مَعَه لوُرُود الحَدِيث هَكَذَا. وَقيل: بَيْنَمَا ظرف يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فَلذَلِك اقْتضى جَوَابا، وَفِيه نظر. قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) مُبْتَدأ وَخبر، وَكلمَة: مَتى، هَهُنَا للاستفهام. قَوْله: (يحدث) أَي: يحدث الْقَوْم، وَفِي بعض الرِّوَايَات بحَديثه، بِحرف الْجَرّ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: يحدثه، بِزِيَادَة الْهَاء، وَلَيْسَت فِي رِوَايَة البَاقِينَ. وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ لَا يعود على الْأَعرَابِي، وَإِنَّمَا التَّقْدِير: يحدث الْقَوْم الحَدِيث الَّذِي كَانَ فِيهِ. فَإِن قلت: مَا مَحل: يحدث، من الْإِعْرَاب؟ قلت: محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي مضى. قَوْله: (فَقَالَ بعض الْقَوْم) من هَهُنَا إِلَى قَوْله: (لم يسمع) جملَة مُعْتَرضَة. فَإِن قلت: هَل يجوز الِاعْتِرَاض بِالْفَاءِ؟ قلت: نعم جَائِز. قَوْله: (سمع) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (مَا قَالَ) أَي الْأَعرَابِي، وَمَا، مَوْصُولَة. وَقَالَ: جملَة صلته، والعائد مَحْذُوف أَي: مَا قَالَه. وَالْجُمْلَة مفعول: سمع. وَيجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة أَي: سمع قَوْله، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (فكره مَا قَالَ) . قَوْله: (بل لم يسمع) قَالَ الْكرْمَانِي: علام عطف: بل لم يسمع؟ إِذْ لَا يَصح أَن يعْطف على مَا تقدم، إِذْ الإضراب إِنَّمَا يكون عَن كَلَام نَفسه، بل لَا يَصح عطف أصلا على كَلَام غير العاطف: قلت: لَا نسلم امْتنَاع صِحَة الْعَطف، والإضراب بَين كَلَام متكلمين، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ سلمنَا، لَكِن يكون الْكل من كَلَام الْبَعْض الأول كَأَنَّهُ قَالَ الْبَعْض الآخر للْبَعْض الأول: قل بل لم يسمع، أَو كَلَام الْبَعْض الآخر بِأَن يقدر لفظ: سمع، قبله كَأَنَّهُ قَالَ: سمع بل لم يسمع. قلت: هَذَا كُله تعسف نَشأ من عدم الْوُقُوف على أسرار الْعَرَبيَّة، فَنَقُول: التَّحْقِيق هَاهُنَا أَن كلمة: بل، حرف إضراب، فَإِن تَلَاهَا جملَة كَانَ معنى الإضراب إِمَّا الْإِبْطَال وَإِمَّا الِانْتِقَال عَن غَرَض إِلَى غَرَض، وَإِن تَلَاهَا مُفْرد فَهِيَ عاطفة، وَهَهُنَا تَلَاهَا جملَة، أَعنِي، قَوْله: لم يسمع، فَكَانَ الإضراب بِمَعْنى الْإِبْطَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا قضى) يتَعَلَّق بقوله: فَمضى يحدث، لَا بقوله: لم يسمع. قَوْله: (قَالَ: أَيْن أرَاهُ السَّائِل؟) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة، مَعْنَاهُ: أَظن، وَهُوَ شكّ من مُحَمَّد بن فليح، وَرَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان وَغَيره عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن يُونُس عَن مُحَمَّد بن فليح من غير شكّ. وَلَفظه: (قَالَ أَيْن السَّائِل؟) فَإِن قلت: السَّائِل، مَرْفُوع بِمَاذَا؟ قلت: مَرْفُوع على ابْتِدَاء، وَخَبره قَوْله: (أَيْن) مقدما، وَأَيْنَ، سُؤال عَن الْمَكَان بنيت لتضمنها حرف الِاسْتِفْهَام. وَقَول بَعضهم: السَّائِل، بِالرَّفْع على الْحِكَايَة خطأ، بل هُوَ رفع على الِابْتِدَاء كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: (أرَاهُ) جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَالْمعْنَى: أَظن أَنه قَالَ: أَيْن السَّائِل. قَوْله: (قَالَ) . أَي: الْأَعرَابِي: هَا، حرف التنبية، وَفِي (الْعباب) : هَاء، بِالْمدِّ تكون تَنْبِيها بِمَعْنى جَوَابا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هَا، قد تكون جَوَاب النداء تمد وتقصر، وَأَيْضًا: هَا، مَقْصُورَة للتقريب إِذا قيل لَك: أَيْن أَنْت؟ تَقول: هَا أناذا. قَوْله: (أَنا) مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: أَنا سَائل، وَإِنَّمَا ترك العاطف عِنْد: قَالَ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ السُّؤَال وَالْجَوَاب، لِأَن الْمقَام كَانَ مقَام المقاولة، والراوي يَحْكِي ذَلِك كَأَنَّهُ، لما قَالَ الْأَعرَابِي ذَلِك، سَأَلَ سَائل: مَاذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه؟ وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (فَإِذا ضيعت الْأَمَانَة) كلمة إِذا، تضمن معنى الشَّرْط، وَلِهَذَا جَاءَ جوابها بِالْفَاءِ. وَهُوَ قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) . قَوْله: (قَالَ: كَيفَ إضاعتها؟) أَي: قَالَ الْأَعرَابِي: كَيفَ إِضَاعَة الْأَمَانَة؟ وَفِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ، وَمَا بعده من قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَا فَاء، وَوَجهه أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الإضاعة متفرع على مَا قبله، فَلهَذَا عقبه بِالْفَاءِ، بِخِلَاف اختيه. قَوْله: (قَالَ: إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) جَوَاب لقَوْله: (كَيفَ إضاعتها؟) . فَإِن قلت: السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ عَن كَيْفيَّة الإضاعة لقَوْله: كَيفَ، وَالْجَوَاب هُوَ بِالزَّمَانِ لَا بَيَان الْكَيْفِيَّة، فَمَا وَجهه؟ قلت: مُتَضَمّن للجواب إِذْ يلْزم مِنْهُ بَيَان

أَن كيفيتها هِيَ بالتوسد الْمَذْكُور. قَوْله: (فانتظر السَّاعَة) الْفَاء فِيهِ للتفريع، أَو جَوَاب شَرط مَحْذُوف يَعْنِي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فانتظر السَّاعَة. وَلَيْسَت هِيَ جَوَاب إِذا الَّتِي فِي قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله) لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّن هَهُنَا معنى الشَّرْط. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: لغير أَهله. قلت: إِنَّمَا قَالَ: إِلَى غير أَهله، ليدل على معنى تضمين الْإِسْنَاد.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَتى السَّاعَة؟) أَي: مَتى يكون قيام السَّاعَة. قَوْله: (فكره مَا قَالَ) : أَي فكره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَه الْأَعرَابِي، وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى الْجَواب. فَلذَلِك حصل للصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، التَّرَدُّد، مِنْهُم من قَالَ: سمع فكره، وَمِنْهُم من قَالَ: لم يسمع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكره السُّؤَال عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بخصوصها. قَوْله: (أَيْن السَّائِل عَن السَّاعَة؟) أَي عَن زمَان السَّاعَة. قَوْله: (إِذا وسد الْأَمر) المُرَاد بِهِ جنس الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بِالدّينِ: كالخلافة وَالْقَضَاء والإفتاء، وَنَحْو ذَلِك. وَيُقَال: أَي بِولَايَة غير أهل الَّذين والأمانات. وَمن يعينهم على الظُّلم والفجور، وَعند ذَلِك تكون الْأَئِمَّة قد ضيعوا الْأَمَانَة الَّتِي فرض الله عَلَيْهِم حَتَّى يؤتمن الخائن ويخون الْأمين، وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا غلب الْجَهْل وَضعف أهل الْحق عَن الْقيام بِهِ. فَإِن قلت: تَأَخّر الْجَواب عَن السُّؤَال هَهُنَا، وَهل يجوز تَأْخِيره فِيمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ؟ قلت: الْجَواب من وَجْهَيْن: الأول: بطرِيق الْمَنْع، فَنَقُول: لَا نسلم اسْتِحْقَاق الْجَواب هَهُنَا، لِأَن الْمَسْأَلَة لَيست مِمَّا يجب تعلمهَا، بل هِيَ مِمَّا لَا يكون الْعلم بهَا إِلَّا لله تَعَالَى. وَالثَّانِي: بطرِيق التَّسْلِيم فنقوله: سلمنَا ذَلِك، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون، عَلَيْهِ السَّلَام، مشتغلاً فِي ذَلِك الْوَقْت بِمَا كَانَ أهم من جَوَاب هَذَا السَّائِل، وَيحْتَمل أَنه أَخّرهُ انتظاراً للوحي، أَو أَرَادَ أَن يتم حَدِيثه لِئَلَّا يخْتَلط على السامعين، وَيحْتَمل أَن يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فِي جَوَاب سُؤال سَائل آخر مُتَقَدم، فَكَانَ أَحَق بِتمَام الْجَواب.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ وجوب تَعْلِيم السَّائِل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَيْن السَّائِل) ثمَّ إخْبَاره عَن الَّذِي سَأَلَ عَنهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن من آدَاب المتعلم أَن لَا يسْأَل الْعَالم مَا دَامَ مشتغلاً بِحَدِيث أَو غَيره، لِأَن من حق الْقَوْم الَّذين بَدَأَ بِحَدِيثِهِمْ أَن لَا يقطعهُ عَنْهُم حَتَّى يتمه. الثَّالِث: فِيهِ الرِّفْق بالمتعلم وَإِن جَفا فِي سُؤَاله أَو جهل، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يوبخه على سُؤَاله قبل إِكْمَال حَدِيثه. الرَّابِع: فِيهِ مُرَاجعَة الْعَالم عِنْد عدم فهم السَّائِل، لقَوْله: كَيفَ إضاعتها؟ الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز اتساع الْعَالم فِي الْجَواب أَنه يَنْبَغِي مِنْهُ، إِذا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى أَو لمصْلحَة. السَّادِس: فِيهِ التَّنْبِيه على تَقْدِيم الأسبق فِي السُّؤَال لأَنا قُلْنَا: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون تَأْخِير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب لكَونه مَشْغُولًا بِجَوَاب سُؤال سَائل آخر، فنبه بذلك أَنه يجب على القَاضِي والمفتي والمدرس تَقْدِيم الأسبق لاستحقاقه بِالسَّبقِ.

٣ - (بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب من رفع صَوته، فالباب: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، وَهِي مَوْصُولَة، وَرفع صَوته، جملَة صلتها. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر رفع الصَّوْت بِالْعلمِ، وَالْعلم صفة معنوية؟ قلت: هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْمَدْلُول على الدَّال، وَالتَّقْدِير: من رفع صَوته بِكَلَام يدل على الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق سُؤال السَّائِل عَن الْعلم، والعالم قد يحْتَاج إِلَى رفع الصَّوْت فِي الْجَواب لأجل غَفلَة السَّائِل وَنَحْوهَا، لَا سِيمَا إِذا كَانَ سُؤَاله وَقت اشْتِغَال الْعَالم لغيره، وَهَذَا الْبَاب يُنَاسب ذَاك الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

٦٠ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ عَارِمُ بنُ الفَضْلِ قَالَ: حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمُرٍ وَقَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها فأَدْرَكَنا وقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ ونَحْنُ نَتَوضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأعْلى صَوْتِهِ: (ويْلٌ لْلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) مَرَّتَيْن أوْ ثَلَاثاً

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته) ، وَهُوَ رفع الصَّوْت.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، الوضاح الْيَشْكُرِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي وحشية، والواسطي. وَقيل: الْبَصْرِيّ. قَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: يُوسُف بن مَاهك ابْن بهزاد، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بضَمهَا أَيْضا، وَالْأول أصح، وبالزاي الْمُعْجَمَة، الْفَارِسِي الْمَكِّيّ، نزلها. سمع ابْن عمر وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَغَيرهَا، وَسمع أَبَاهُ مَاهك. قَالَ يحيى: ثِقَة، توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. ويوسف فِيهِ سِتَّة أوجه، وَقد ذَكرنَاهَا. وماهك: بِفَتْح الْهَاء، غير منصرف لِأَنَّهُ اسْم اعجمي علم، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ منصرف، وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَنَّهُ لحظ فِيهِ الْوَصْف وَلم يبين مَاذَا الْوَصْف، وَقد أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: العجمة والعلمية فِيهِ عقب قَول الْأصيلِيّ إِنَّه منصرف! ؟ قلت: شَرط العجمة مَفْقُود. وَهُوَ العلمية فِي العجمية. لِأَن مَاهك مَعْنَاهُ القمير، فَهُوَ إِلَى الْوَصْف أقرب. قلت: كل مِنْهُمَا لم يُحَقّق كَلَامه، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن من يمنعهُ الصّرْف يُلَاحظ فِيهِ العلمية والعجمة، أما العلمية فَظَاهر، وَأما العجمة فَإِن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ تَصْغِير ماه، وَهُوَ الْقَمَر بالعربي، وقاعدتهم أَنهم إِذا صغروا الِاسْم أدخلُوا فِي آخِره الْكَاف، وَأما من يصرفهُ فَإِنَّهُ يُلَاحظ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن التصغير من الصِّفَات، وَالصّفة لَا تجامع العلمية، لإن بَينهمَا تضاداً، فَحِينَئِذٍ يبْقى الِاسْم بعلة وَاحِدَة فَلَا يمْنَع من الصّرْف، وَلَو جوز الْكسر فِي الْهَاء يكون عَرَبيا صرفا، فَلَا يمْنَع من الصّرْف أصلا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون اسْم فَاعل، من مهكت الشَّيْء أمهكه مهكاً إِذا بالغت فِي سحقه، قَالَه ابْن دُرَيْد، وَفِي (الْعباب) : مهكت الشَّيْء إِذا ملسته، أَو يكون من مهكة الشَّبَاب، بِالضَّمِّ: وَهُوَ امتلاؤه وارتواؤه ونماؤه،، وَذكر الصغاني هَذِه الْمَادَّة، ثمَّ قَالَ عقيبها: ويوسف بن مَاهك من التَّابِعين الثِّقَات، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّه عَرَبِيّ مَعَ كَون الْهَاء مَفْتُوحَة بِأَن يكون علما مَنْقُولًا من مَاهك، وَهُوَ فعل مَاض من المماهكة، وَهُوَ: الْجهد فِي الْجِمَاع من الزَّوْجَيْنِ، فعلى هَذَا لَا يجوز صرفه أصلا للعلمية، وَوزن الْفِعْل. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَاهك اسْم أمه، وَالْأَكْثَر على أَنه اسْم أَبِيه، وَاسم أمه مُسَيْكَة. وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: أَن يُوسُف بن مَاهك، ويوسف بن ماهان وَاحِد. قلت: فعلى قَول الدَّارَقُطْنِيّ يمْنَع من الصّرْف أصلا للعلمية والتأنيث. فَافْهَم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ، وَقد تقدم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومكي. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَن الْمُسْتَمْلِي: حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم بن الْفضل، وَاقْتصر غَيره على أبي النُّعْمَان.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن أبي النُّعْمَان، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن مُسَدّد، وَفِيه: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة صَلَاة الْعَصْر) . وَفِي الطَّهَارَة عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَفِيه: (فَأَدْرَكنَا وَقد ارهقتنا الْعَصْر) . واخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن شَيبَان بن فروخ وَأبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة. واخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن ابي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن أبي الْوَلِيد عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك عَن أَبى عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، واخرجه الطَّحَاوِيّ عَن أَحْمد بن دَاوُد الْمَكِّيّ عَن سهل بن بكار عَن أبي عوَانَة بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (تخلف) ، أَي: تَأَخّر خلفنا. قَوْله: (فادركنا) أَي لحق بِنَا، قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) أَي: غشيتنا الصَّلَاة، أَي حملتنا الصَّلَاة على أَدَائِهَا. وَقيل: قد أعجلتنا، لضيق وَقتهَا؛ وَقَالَ القَاضِي: وَمِنْه الْمُرَاهق، بِالْفَتْح فِي الْحَج وَيُقَال بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الَّذِي أعجله ضيق الْوَقْت أَن يطوف. وَفِي (الموعب) : قَالَ أَبُو زيد: رهقتنا الصَّلَاة، بِالْكَسْرِ، رهوقاً: حانت، وأرهقنا عَن الصَّلَاة إرهاقاً: أخرناها عَن وَقتهَا. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : استأخرنا عَنْهَا حَتَّى يدنو وَقت الْأُخْرَى، ورهقت الشَّيْء رهقاً أَي: دَنَوْت مِنْهُ. وَفِي (الْمُحكم) : ارهقنا اللَّيْل دنا منا. ورهقتنا الصَّلَاة رهقاً: حانت وَفِي رهقتنا الصَّلَاة: غشيتنا. وَفِي (الِاشْتِقَاق) ، للرماني: أصل الرهق الغشيان، وكذ قَالَه الزّجاج، وَقَالَ أَبُو النَّصْر: رهقني دنا مني. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: رهقته وأرهقته بِمَعْنى: دَنَوْت مِنْهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رهقه، بِالْكَسْرِ، ويرهقه رهقاً، أَي: غشيه؛ قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة} (يُونُس: ٢٦) وَقَالَ أَبُو زيد: أرهقه عسراً: إِذا كلفه إِيَّاه. يُقَال: لَا ترهقني لَا ارهقك، أَي: لَا تعسرني لَا أعسرك. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسرا} (الْكَهْف: ٧٣) أَي: لَا تلْحق بِي، من قَوْلهم: رهقه الشَّيْء إِذا غشيه، وَقيل: لَا تعجلني، وَيَجِيء على قَوْله أبي زيد: لَا تكلفني. قَوْله: (ويل) ، يُقَابل وَيْح،

وَيُقَال لمن وَقع فِيمَا لَا يسْتَحقّهُ ترحماً عَلَيْهِ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ: ويل: وَاد فِي جَهَنَّم لَو أرْسلت فِيهِ الْجبَال لماعت من حره، وَقيل: ويل: صديد أهل النَّار. قلت: ويل من المصادر الَّتِي لَا أَفعَال لَهَا، وَهِي كلمة عَذَاب وهلاك. قَوْله: (للاعقاب) جمع عقب مِثَال كبد، وَهُوَ المستأخر الَّذِي يمسك مُؤخر شِرَاك النَّعْل، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: عقب وعقب مِثَال: كبد وصفر، وَهِي مُؤَنّثَة، وَلم يكسروا الْعين كَمَا فِي: كبد وكتف. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْعقب يكون فِي الْمَتْن والساقين مختلط بِاللَّحْمِ، يمشق مِنْهُ مشقاً ويهذب وينقى من اللَّحْم ويسوى مِنْهُ الْوتر، وَأما العصب فالعلياء الغليظ، وَلَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللَّيْث: الْعقب مُؤخر الْقدَم فَهُوَ من العصب لَا من الْعقب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعقب مَا أصَاب الأَرْض مُؤخر الرجل، إِلَى مَوضِع الشرَاك. وَفِي (الْمُخَصّص) : عرش الْقدَم أصُول سلامياتها المنتشرة الْقَرِيبَة من الْأَصَابِع، وعقبها مؤخرها الَّذِي يفصل عَن مُؤخر الْقدَم، وَهُوَ موقع الشرَاك من خلفهَا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (تخلف) فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فِي سفرة) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (سافرناها) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ على أَنَّهَا صفة: لسفرة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ وَقع مَفْعُولا مُطلقًا، أَي سافرنا تِلْكَ السفرة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم: زيدا أَظُنهُ منطلق، أَي: زيد ينْطَلق أَظن الظَّن، أَو: ظنا. قَوْله: (فادركنا) ، بِفَتْح الْكَاف: جملَة من الْفِعْل، وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ، وَالْمَفْعُول وَهُوَ قَوْله: نَا. قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، جملَة وَقعت حَالا. قَالَ عِيَاض: رُوِيَ بِرَفْع الصَّلَاة على أَنَّهَا الْفَاعِل، وَرُوِيَ: ارهقنا الصَّلَاة، بِالنّصب، على أَنَّهَا مفعول. أَي: أخرنا الصَّلَاة. قلت: رُوِيَ فِي وَجه الرّفْع وَجْهَان أَيْضا، أَحدهمَا: أرهقتنا بتأنيث الْفِعْل بِالنّظرِ إِلَى لفظ الصَّلَاة، وَالْآخر: أَرْهقنَا، بِدُونِ التَّاء لِأَن تَأْنِيث الصَّلَاة غير حَقِيقِيّ. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَجعلنَا) هُوَ من أَفعَال المقاربة، وَيسْتَعْمل اسْتِعْمَال كَاد، وَهُوَ أَنه يرفع الِاسْم، وَخَبره فعل مضارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، نَحْو: كَاد زيد يخرج. أَي: خَارِجا. وَإِنَّمَا ترك: أَن، مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى لِأَن: كَاد، أبلغ فِي تقريب الشَّيْء من الْحَال. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كَادَت الشَّمْس تغرب، كَانَ الْمَعْنى قرب غُرُوبهَا جدا. وَعَسَى، أذهب فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال، أَلا ترى تَقول: عَسى الله أَن يدخلني الْجنَّة، وَإِن لم يكن هَذَا شَدِيد الْقرب من الْحَال، فَلَمَّا كَانَ الْأَمر على ذَا، حذف علم الِاسْتِقْبَال مَعَ كَاد، وَأثبت مَعَ عَسى، وَقد شبهه بعسى من قَالَ:

(قد كَانَ من طول الْبلَاء أَن يمصحا)

ثمَّ قَوْله: نَا فِي: فَجعلنَا، اسْم جعل، وَقَوله: نمسح، خَبره. قَوْله: (ويل) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، والمخصص كَونه مصدرا فِي. معنى الدُّعَاء كَمَا فِي سَلام عَلَيْكُم، وَخَبره قَوْله: للاعقاب، قَوْله: (من النَّار) : كلمة من، للْبَيَان كَمَا فِي قَوْله: {فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان} (الْحَج: ٣٠) وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله: تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة قَوْله: (مرَّتَيْنِ) : تَثْنِيَة مرّة، وَتجمع على مَرَّات، وانتصاب: كلهَا، على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) شكّ من عبد اللَّه بن عَمْرو.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (تخلف عَنَّا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي سفرة) هَذِه السفرة قد جَاءَت مبينَة فِي بعض طرق رِوَايَات مُسلم: (رَجعْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كُنَّا فِي الطَّرِيق تعجل قوم عِنْد الْعَصْر، فتوضؤا وهم عِجَال، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء. فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار، أَسْبغُوا الْوضُوء) . قَوْله: (وَقد ارهقتنا الصَّلَاة) ، وَهِي: صَلَاة الْعَصْر، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم مصرحة. وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق مُسَدّد، على مَا ذكرنَا. قَوْله: (وَنحن نَتَوَضَّأ، فَجعلنَا نمسح على أَرْجُلنَا) قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ نغسل كَمَا هُوَ المُرَاد فِي الْآيَة، بِدَلِيل تبَاين الرِّوَايَات، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعضهم أَنه دَلِيل على أَنهم كَانُوا يمسحون، فنهاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، وَأمرهمْ بِالْغسْلِ. وَقَالُوا أَيْضا: لَو كَانَ غسلا لأمرهم بِالْإِعَادَةِ لما صلوا، وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ لقائله، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قد أعلمهم بِأَنَّهُم مستوجبون النَّار على فعلهم، بقوله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الْوَاجِب. وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ، بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) . وَلم يَأْتِ أَنهم صلوا بِهَذَا الْوضُوء، وَلَا أَنَّهَا كَانَت عَادَتهم قبلُ، فَيلْزم أَمرهم بِالْإِعَادَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، مَا ملخصه: أَنهم كَانُوا يمسحون عَلَيْهَا مثل مسح الرَّأْس، ثمَّ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنعهم عَن ذَلِك وَأمرهمْ بِالْغسْلِ، فَهَذَا يدل على انتساخ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من الْمسْح، وَفِيه نظر، لِأَن قَوْله: نمسح على أَرْجُلنَا، يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: نغسل غسلا خَفِيفا مبقعاً. حَتَّى يرى كَأَنَّهُ مسح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي الرِّوَايَة الآخرى، (رأى قوما توضؤا وَكَأَنَّهُم تركُوا من أَرجُلهم شَيْئا) . فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا قَرِيبا من الْمسْح، فَلذَلِك قَالَ لَهُم: أَسْبغُوا الْوضُوء، وَأَيْضًا إِنَّمَا يكون الْوَعيد على ترك الْفَرْض، وَلَو لم يكن الْغسْل فِي الأول

فرضا عِنْدهم لما توجه الْوَعيد، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ هُوَ المشمول فِيمَا بَينهم كَانَ يَأْمُرهُم بِتَرْكِهِ وانتقالهم إِلَى الْغسْل بِدُونِ الْوَعيد، وَلأَجل ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ: نغسل كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإسباغ الْوضُوء، ووعيده وإنكاره عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْغسْل يدل على أَن وَظِيفَة الرجلَيْن هُوَ الْغسْل الوافي لَا الْغسْل المشابه بِالْمَسْحِ كَغسْل هَؤُلَاءِ. وَقَول عِيَاض: وَقد أَمرهم بِالْغسْلِ بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، غير مُسلم لِأَن الْأَمر بالإسباغ أَمر بتكميل الْغسْل، وَالْأَمر بِالْغسْلِ فهم من الْوَعيد لِأَنَّهُ لَا يكون إلَاّ فِي ترك وَاجِب، فَلَمَّا فهم ذَلِك من الْوَعيد أكده بقوله: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَلِهَذَا ترك العاطف، فَوَقع هَذَا تَأْكِيدًا عَاما يَشْمَل الرجلَيْن وَغَيرهمَا من أَعْضَاء الْوضُوء، لِأَنَّهُ لم يقل: اسبغوا الرجلَيْن: بل قَالَ: (اسبغوا الْوضُوء) ، وَالْوُضُوء هُوَ غسل الْأَعْضَاء الثَّلَاثَة، وَمسح الرَّأْس، ومطلوبية الإسباغ غير مُخْتَصَّة بِالرجلَيْنِ، فَكَمَا أَنه مَطْلُوب فيهمَا، فَكَذَلِك مَطْلُوب فِي غَيرهمَا. فَإِن قلت: لم ذكر الإسباغ عَاما والوعيد خَاصّا. قلت: لأَنهم مَا قصروا إلَاّ فِي وَظِيفَة الرجلَيْن، فَلذَلِك ذكر لفظ الأعقاب، فَيكون الْوَعيد فِي مُقَابلَة ذَلِك التَّقْصِير الْخَاص.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دَلِيل على وجوب غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء، لِأَن الْمسْح لَو كَانَ كَافِيا لما أوعد من ترك غسل الْعقب بالنَّار، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي بَابه مُسْتَوفى. الثَّانِي: فِيهِ وجوب تَعْمِيم الْأَعْضَاء بالمطهر، وَإِن ترك الْبَعْض مِنْهَا غير مجزىء. الثَّالِث: تَعْلِيم الْجَاهِل وإرشاده. الرَّابِع: أَن الْجَسَد يعذب، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. الْخَامِس: جَوَاز رفع الصَّوْت فِي المناظرة بِالْعلمِ. السَّادِس: أَن الْعَالم يُنكر مَا يرى من التضييع للفرائض وَالسّنَن، ويغلظ القَوْل فِي ذَلِك، وَيرْفَع صَوته للإنكار. السَّابِع: تكْرَار الْمَسْأَلَة تَأْكِيدًا لَهَا ومبالغة فِي وُجُوبهَا، وَسَيَأْتِي ذكره فِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا ليفهم.

الأسئلة والاجوبة: مِنْهَا مَا قيل: إِن الرجل لَهُ رجلَانِ وَلَيْسَ لَهُ أرجل، فَالْقِيَاس أَن يُقَال على رجلينا. أُجِيب: بِأَن الْجمع إِذا قوبل بِالْجمعِ يُفِيد التَّوْزِيع، فتوزع الأرجل على الرِّجَال. وَمِنْهَا مَا قيل: فعلى هَذَا يكون لكل رجل رجل. أُجِيب: بِأَن جنس الرجل يتَنَاوَل الْوَاحِد والإثنين، وَالْعقل يعين الْمَقْصُود، سِيمَا فِيمَا هُوَ محسوس. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمسْح على ظهر الْقدَم لَا على الرجل كلهَا. أُجِيب: بِأَنَّهُ أطلق الرجل، وَأُرِيد الْبَعْض أَي: ظهر الْقدَم، ولقرينة الْعرف الشَّرْعِيّ إِذْ الْمَعْهُود مسح ذَلِك، وَهَذَا فِيهِ نظر، لأَنهم مَا كَانُوا يمسحون مثل مسح الرَّأْس، وإنماا كَانُوا يغسلون، وَلَكِن غسلا خَفِيفا، فَلذَلِك أطْلقُوا عَلَيْهِ الْمسْح وَقد حققناه عَن قريب. وَمِنْهَا مَا قيل: لم خص الأعقاب بِالْعَذَابِ؟ أُجِيب: لِأَنَّهَا الْعُضْو الَّتِي لم تغسل. وَفِي (الغريبين) : وَفِي الحَدِيث: (ويل للعقب من النَّار) ، أَي: لصَاحب الْعقب المقصر عَن غسلهَا، كَمَا قَالَ: {واسأل الْقرْيَة} (يُوسُف: ٨٢) أَي: أهل الْقرْيَة، وَقيل: إِن الْعقب يخص بالمؤلم من الْعقَاب إِذا قصر فِي غسلهَا، وَفِي (الْمُنْتَهى فِي اللُّغَة) : وَفِي الحَدِيث: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . أَرَادَ التَّغْلِيظ فِي إسباغ الْوضُوء، وَهُوَ التَّكْمِيل والإتمام والسبوغ: الشُّمُول. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا الْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب؟ أُجِيب: بِأَنَّهَا للْعهد، أَي: لِلْأَعْقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِك لم تمسها المَاء، أَو يكون المُرَاد: الأعقاب الَّتِي صفتهَا هَذِه، لَا كل الأعقاب. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن اللَّام للاختصاص النافع إِذْ الْمَشْهُور أَن اللَّام تسْتَعْمل فِي الْخَيْر، وعَلى فِي الشَّرّ، نَحْو: {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} (الْبَقَرَة: ٢٨٦) وَأجِيب: بِأَنَّهَا للاختصاص هَهُنَا نَحْو: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) وَنَحْو: {وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} (الْبَقَرَة: ١٠، ١٧٤، آل عمرَان: ٧٧، ٩١، ١٧٧، ١٨٨، الْمَائِدَة: ٣٦، التَّوْبَة: ٦١، ٧٩، إِبْرَاهِيم، ٢٢، النَّحْل: ٦٣، ١٠٤، ١١٧، الشورى: ٢١، ٢٤٢، الْحَشْر: ١٥، التغابن: ٥) قلت: وَقد تسْتَعْمل اللَّام فِي مَوضِع: على. وَقَالُوا: إِن اللَّام فِي: {وَإِن اسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) بِمَعْنى: عَلَيْهَا. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أخرت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْفَاضِل؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم إِنَّمَا أخروها عَنهُ طَمَعا أَن يصلوها مَعَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لفضل الصَّلَاة مَعَه، فَلَمَّا خَافُوا الْفَوات استعجلوا، فانكر عَلَيْهِم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَمِنْهَا مَا قيل: روى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، رأى رجلا لم يغسل عقبه، فَقَالَ: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَكَذَلِكَ حَدِيث مُسلم عَن عبد اللَّه بن عَمْرو الَّذِي مضى ذكره عَن قريب، وَفِيه: (فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِم وَأَعْقَابهمْ تلوح لم يَمَسهَا المَاء، فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) . وَهَذَانِ الحديثان تَصْرِيح بِأَن الْوَعيد وَقع على عدم اسْتِيعَاب الرِجل بِالْمَاءِ، وَحَدِيث البُخَارِيّ يدل على أَن الْمسْح لَا يجزىء عَن الْغسْل فِي الرجل، وَأجِيب: بِأَنَّهُ ترد الْأَحَادِيث إِلَى معنى وَاحِد، وَيكون معنى قَوْله: (لم يَمَسهَا المَاء) ، أَي: بِالْغسْلِ، وَإِن مَسهَا بِالْمَسْحِ فَيكون الْوَعيد وَقع على

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر