«صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢

الحديث رقم ٧٢ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الفهم في العلم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن…

«صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ».

سند حديث: ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا…

٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَفَقَهَ بِالْفَتْحِ إِذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَفَقِهَ بِالْكَسْرِ إِذَا فَهِمَ. وَنَكَّرَ خَيْرًا لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ. وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ - أَيْ: يَتَعَلَّمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْفُرُوعِ - فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِهِ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمُورَ دِينِهِ لَا يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا طَالِبَ فِقْهٍ، فَيَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ ظَاهِرٌ لِفَضْلِ الْعُلَمَاءِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَلِفَضْلِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مَوْضِعِهِمَا مِنَ الْخُمُسِ وَالِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: لَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ، يَعْنِي بَعْضَ الْأُمَّةِ كَمَا يَجِيءُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٤ - بَاب الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ

٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِيُّ هِيَ النَّخْلَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْفَهْمِ) أَيْ: فَضْلُ الْفَهْمِ (فِي الْعِلْمِ) أَيْ: فِي الْعُلُومِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ.

قَوْلُهُ: (صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ) فِيهِ مَا كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مِنْ تَوَقِّي الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ خَشْيَةَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ ابْنِ عُمَرَ وَوَالِدِهِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَعَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْتِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ إِحْضَارِ الْجُمَّارِ إِلَيْهِ فَهِمَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ النَّخْلَةُ، فَالْفَهْمُ فِطْنَةٌ يَفْهَمُ بِهَا صَاحِبُهَا مِنَ الْكَلَامِ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ فَهِمَ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْمُخَيَّرٌ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

١٥ - بَاب الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ

٧٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.

[الحديث ٧٣ - أطرافه في: ٧٣١٦، ٧١٤١، ١٤٠٩]

قوله: (بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ) هو بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) فِيهِ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ، لَكِنَّ هَذَا عَكْسُ ذَاكَ، أَوْ هُوَ مِنَ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: تُجْعَلُوا سَادَةً. زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيِ: الْبُخَارِيُّ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا - إِلَى قَوْلِهِ - سِنِّهِمْ. أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ. فَذَكَرَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا لِيُبَيِّنَ أَنْ لَا مَفْهُومَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفْهَمَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السِّيَادَةَ مَانِعَةٌ مِنَ التَّفَقُّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَنْعِ ; لِأَنَّ الرَّئِيسَ قَدْ يَمْنَعُهُ الْكِبْرُ وَالِاحْتِشَامُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِسَ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ عَنْ عَيْبِ الْقَضَاءِ: إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عُزِلَ لَا يَرْجِعُ إِلَى مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا تَصَدَّرَ الْحَدَثُ فَاتَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ. وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ: غَرِيبِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ تَفَقَّهُوا وَأَنْتُمْ صِغَارٌ، قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً فَتَمْنَعُكُمُ الْأَنَفَةُ عَنِ الْأَخْذِ عَمَّنْ هُوَ دُونَكُمْ فَتَبْقُوا جُهَّالًا. وَفَسَّرَهُ شِمْرٌ اللُّغَوِيُّ بِالتَّزَوُّجِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ صَارَ سَيِّدَ أَهْلِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وُلِدَ لَهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ عُمَرُ الْكَفَّ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ لِأَنَّ الَّذِي يَتَفَقَّهُ يَعْرِفُ مَا فِيهَا مِنَ الْغَوَائِلِ فَيَجْتَنِبُهَا.

وَهُوَ حَمْلٌ بَعِيدٌ، إِذِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: تُسَوَّدُوا السِّيَادَةُ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّزْوِيجِ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الشَّاغِلَةِ لِأَصْحَابِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعَلِم. وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّوَادِ فِي اللِّحْيَةِ فَيَكُونُ أَمْرًا لِلشَّابِّ بِالتَّفَقُّهِ قَبْلَ أَنْ تَسْوَدَّ لِحْيَتُهُ، أَوْ أَمْرًا لِلْكَهْلِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ سَوَادُ اللِّحْيَةِ إِلَى الشَّيْبِ. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ قَوْلِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَعَلَ السِّيَادَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ، وَأَوْصَى الطَّالِبَ بِاغْتِنَامِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ بُلُوغِ دَرَجَةِ السِّيَادَةِ. وَذَلِكَ يُحَقِّقُ اسْتِحْقَاقَ الْعِلْمِ بِأَنْ يُغْبَطَ صَاحِبُهُ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِسِيَادَتِهِ. كَذَا قَالَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ: إنَّ الرِّيَاسَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغْبَطُ بِهَا صَاحِبُهَا فِي الْعَادَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْغِبْطَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْعِلْمِ، أَوِ الْجُودِ، وَلَا يَكُونُ الْجُودُ مَحْمُودًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِعِلْمٍ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ حُصُولِ الرِّيَاسَةِ لِتُغْبَطُوا إِذَا غُبِطْتُمْ بِحَقٍّ. وَيَقُولُ أَيْضًا: إِنْ تَعَجَّلْتُمُ الرِّيَاسَةَ الَّتِي مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَمْنَعَ صَاحِبَهَا مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ فَاتْرُكُوا تِلْكَ الْعَادَةَ وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الْغِبْطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ. وَمَعْنَى الْغِبْطَةِ تَمَنِّي الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرُ مَا لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَسَدِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي الْخَبَرِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) يَعْنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ سُفْيَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظٍ غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ، وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، عَنْ سَالِمٍ. وَرَوَاهَا مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. سَاقَهُ مُسْلِمٌ تَامًّا، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَامًّا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. . . فَذَكَرَهُ وَسَنَذْكُرُ مَا تَخَالَفَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَمِعْتُ) الْقَائِلُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَى مَا حَرَّرْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ) الْحَسَدُ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَتَمَنَّى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَعَمُّ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ، فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُ لَهُ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ، أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ. وَصَاحِبُهُ مَذْمُومٌ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ تَصْمِيمٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَهَهُ كَمَا يَكْرَهُ مَا وُضِعَ فِي طَبْعِهِ مِنْ حُبِّ

الْمَنْهِيَّاتِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. فَهَذَا حُكْمُ الْحَسَدِ بِحَسَبِ حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا الْحَسَدُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَأَطْلَقَ الْحَسَدَ عَلَيْهَا مَجَازًا، وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ، وَالْحِرْصُ عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَمِنْهُ: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْهُ: وَلَا تَنَافَسُوا. وَإِنْ كَانَ فِي الْجَائِزَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: لَا غِبْطَةَ أَعْظَمُ - أَوْ أَفْضَلُ - مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.

وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الطَّاعَاتِ إِمَّا بَدَنِيَّةٌ أَوْ مَالِيَّةٌ أَوْ كَائِنَةٌ عَنْهُمَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْيَانِ الْحِكْمَةِ وَالْقَضَاءِ بِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ مُطْلَقًا، أَعَمُّ مِنْ تِلَاوَتِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَمِنْ تَعْلِيمِهِ، وَالْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمُقْتَضَاهُ، فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ. وَيَجُوزُ حَمْلُ الْحَسَدِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ نَفْيُ الْحَسَدِ مُطْلَقًا، لَكِنْ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مَحْمُودَتَانِ، وَلَا حَسَدَ فِيهِمَا فَلَا حَسَدَ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ اثْنَتَيْنِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، أَيْ: لَا حَسَدَ مَحْمُودٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: رَجُلٌ بِالرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ: خَصْلَةُ رَجُلٍ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ: إِلَّا فِي اثْنَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: رَجُلٍ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَيْ: خَصْلَةُ رَجُلَيْنِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ.

قَوْلُهُ: (مَالًا) نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ.

قَوْلُهُ: (فَسُلِّطَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ فَسَلَّطَهُ، وَعَبَّرَ بِالتَّسْلِيطِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَهْرِ النَّفْسِ الْمَجْبُولَةِ عَلَى الشُّحِّ.

قَوْلُهُ: (هَلَكَتِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْكَافِ أَيْ: إِهْلَاكِهِ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا. وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ: فِي الْحَقِّ أَيْ: فِي الطَّاعَاتِ لِيُزِيلَ عَنْهُ إِيهَامَ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ.

قَوْلُهُ: (الْحِكْمَةُ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الْجَهْلِ وَزَجَرَ عَنِ الْقَبِيحِ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْغِبْطَةُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ اسْتِوَاءُ الْعَالِمِ فِي الْمَالِ بِالْحَقِّ وَالْمُتَمَنِّي فِي الْأَجْرِ، وَلَفْظُهُ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَذَكَرَ فِي ضِدِّهِمَا: أَنَّهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِطْلَاقُ كَوْنِهِمَا سَوَاءٌ يَرُدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَالِ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقِيرِ. نَعَمْ يَكُونُ أَفْضَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَعْرَضَ وَلَمْ يَتَمَنَّ ; لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْهُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْخَصْلَةِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا. وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَدِيثِ: الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٦ - بَاب مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«لا يضرُّهم» لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.

(١٤) هذا (١) (بابُ الفَهْمِ) بإسكان الهاء وفتحها، لغتان (فِي العِلْمِ) أي: المعلوم (٢)، أي: إدراك المعلومات، وإلَّا فالفهم نفس العلم كما فسَّره به الجوهريُّ، كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ تبعًا للكِرمانيِّ، وعُورِضَ بأنَّ العلم عبارةٌ عن الإدراكِ الجَلِيِّ، والفهم جودة الذِّهن، والذهن قوَّةٌ تُقتنَص بها الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقليَّة والحسيَّة، وقال اللَّيث: يُقَال: فهمت الشَّيء؛ أي (٣) عقلته وعرفته، ويُقَال: «فهَْمٌ» بتسكين الهاء وفتحها، وهذا قد فسَّر الفهم بالمعرفة، وهو عين (٤) العلم.

٧٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «بن عبد الله (٥)» أي: المدينيُّ، أَعْلم أهل (٦) زمانه بهذا الشَّأن، المُتوفَّى -فيما قاله المؤلِّف- لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنةَ (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون؛ هو عبد الله، واسم أبيه يسارٌ، القدريُّ، المُوثَّق من أبي زرعةَ، المُتوفَّى سنة إحدى

وثلاثين ومئةٍ، وفي «مُسنَد الحميديِّ»: عن سفيان: حدَّثني ابن أبي نجيح (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، وقِيلَ: جُبَيْرٍ مُصغَّرًا، المخزوميِّ الإمام، المُتفَّق على جلالته وتوثيقه، المُتوفَّى سنة مئةٍ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا (١) (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة (فَلَمْ أَسْمَعْهُ) حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا) ولغير أبي الوقت: «واحدًا، كنَّا» (عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِجُمَّارٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم؛ وهو شحم النَّخيل (فَقَالَ) : (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة فيهما، أي: صفتها العجيبة كصفة (المُسْلِمِ) قال ابن عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ) في جواب قول الرَّسول : «حدِّثوني ما هِيَ؟» كما صرَّح به في غير هذه الرِّواية [خ¦٦١] (هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ) تعظيمًا للأكابر (قَالَ) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «فقال» (النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ) فإن قلت: ما وجه مُناسَبَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيب: من كون ابن عمر لمَّا ذكر النَّبيُّ المسألةَ عند إحضار الجُمَّار إليه فَهِمَ أنَّ المسؤول عنه النَّخلة بقرينة الإتيان بجُمَّارها.

(١٥) هذا (بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط بالغين المُعجَمَة: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

{أُولَئِكَ حزب الله أَلا أَن حزب الله هم المفلحون} (المجادلة: ٢٢) قَوْله: (وَالله يُعْطي) فِيهِ تَقْدِيم لَفْظَة الله لإِفَادَة التقوية عِنْد السكاكي، وَلَا يحْتَمل التَّخْصِيص أَي: الله يُعْطي لَا محَالة، وَأما عِنْد الزَّمَخْشَرِيّ فيحتمله أَيْضا، وحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: الله يُعْطي لَا غَيره. فَإِن قلت: إِذا كَانَت هَذِه الْجُمْلَة حَالية، أَعنِي قَوْله: (وَالله يُعْطي) ، فَمَا يكون معنى الْحصْر حِينَئِذٍ؟ قلت: الْحصْر بإنما دَائِما فِي الْجُزْء الْأَخير فَيكون مَعْنَاهُ: مَا أَنا بقاسم إلَاّ فِي حَال إِعْطَاء الله لَا فِي حَال غَيره، وَفِيه حذف الْمَفْعُول أَعنِي: مفعول يُعْطي، لِأَنَّهُ جعله كاللازم إعلاماً بِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان اتخاد هَذِه الْحَقِيقَة، أَي: حَقِيقَة الْإِعْطَاء لَا بَيَان الْمَفْعُول، أَي الْمُعْطِي. قَوْله: (وَلنْ تزَال)

الخ، أَرَادَ بِهِ أَن أمته آخر الْأُمَم، وَأَن عَلَيْهَا تقوم السَّاعَة، وَإِن ظَهرت أشراطها وَضعف الدّين فَلَا بُد أَن يبْقى من أمته من يقوم بِهِ، فَإِن قيل: قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يَقُول أحد الله) ، وَقَالَ أَيْضا: (لَا تقوم السَّاعَة إلَاّ على شرار الْخلق) . قُلْنَا: هَذِه الْأَحَادِيث لَفظهَا الْعُمُوم وَالْمرَاد مِنْهَا الْخُصُوص، فَمَعْنَاه: لَا تقوم على أحد يوحد الله تَعَالَى إلَاّ بِموضع كَذَا، إِذْ لَا يجوز أَن تكون الطَّائِفَة الْقَائِمَة بِالْحَقِّ توَحد الله هِيَ شرار الْخلق، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ. أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم، قيل: وَأَيْنَ هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بِبَيْت الْمُقَدّس، أَو أكناف بَيت الْمُقَدّس) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا مُخَالفَة بَين الْأَحَادِيث، لِأَن المُرَاد من أَمر الله الرّيح اللينة الَّتِي تَأتي قريب الْقِيَامَة، فتأخذ روح كل مُؤمن ومؤمنة، وَهَذَا قبل الْقِيَامَة. وَأما الحديثان الأخيران فهما على ظاهرهما إِذْ ذَلِك عِنْد الْقِيَامَة. فَإِن قلت: من هَؤُلَاءِ الطَّائِفَة؟ قلت: قَالَ البُخَارِيّ: هم أهل الْعلم. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِن لم يَكُونُوا أهل الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا أَرَادَ الإِمَام أَحْمد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الطَّائِفَة مفرقة من أَنْوَاع الْمُؤمنِينَ، فَمنهمْ مُقَاتِلُونَ وَمِنْهُم فُقَهَاء وَمِنْهُم محدثون وَمِنْهُم زهاد إِلَى غَيره ذَلِك.

بَيَان استنبطاط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على حجية الْإِجْمَاع، لِأَن مفهومة أَن الْحق لَا يعدو الْأمة، وَحَدِيث: لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة، ضَعِيف. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على امْتنَاع خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد. الثَّالِث: فِيهِ فضل الْعلمَاء على سَائِر النَّاس. الرَّابِع: فِيهِ فضل الْفِقْه فِي الدّين على سَائِر الْعُلُوم، وَإِنَّمَا ثَبت فَضله لِأَنَّهُ يَقُود إِلَى خشيَة الله تَعَالَى والتزام طَاعَته. الْخَامِس: فِيهِ إخْبَاره، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، بالمغيبات. وَقد وَقع مَا أخبر بِهِ، وَللَّه الْحَمد، فَلم تزل هَذِه الطَّائِفَة من زَمَنه وهلم جراً، وَلَا تَزُول حَتَّى يَأْتِي أَمر الله تَعَالَى.

١٤ - (بَاب الفَهمِ فِي العِلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفَهم فِي الْعلم. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء، أَي: عَلمته، فالفهم وَالْعلم بِمَعْنى وَاحِد، فَكيف يَصح أَن يُقَال: الْفَهم فِي الْعلم؟ ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد من الْعلم الْمَعْلُوم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب إِدْرَاك المعلومات. قلت: تَفْسِير الْفَهم بِالْعلمِ غير صَحِيح، لِأَن الْعلم عبارَة عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي، والفهم جودة الذِّهْن، والذهن قُوَّة تقتنص الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات الْعَقْلِيَّة والحسية. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: فهمت الشَّيْء، أَي: عقلته وعرفته، وَيُقَال: فهم وَفهم، بتسكين الْهَاء وَفتحهَا، وَهَذَا قد فسر الْفَهم بالمعرفة، وَهُوَ غير الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْفَهم فِي الْعلم دَاخل فِي قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) . وَقد مر أَن الْفِقْه هُوَ الْفَهم. فَافْهَم.

٧٢ - حدّثناعَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أبي نَجِيحٍ: عَن مُجاهدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إلَى المَدِينَةِ فَلْم أسْمَعه يُحدِّثُ عَن رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ حَدِيثاً واحِداً، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُتَي بِجُمَّارٍ فَقَالَ: (إنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثلُها كَمثَلِ المُسْلِمِ) ، فَأرَدْتُ أَن أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فإذَا أَنا أصْغَرُ القَوْم، فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هِيَ النَّخْلَةُ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من الشّجر)

الحَدِيث، كَانَ على سَبِيل الاستعلام مِنْهُم،

وَأَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فهم ذَلِك الْعلم، وَلكنه مَنعه عَن الإبداء حياؤه وصغره.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد اللَّه بن جَعْفَر بن نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، السَّعْدِيّ، مَوْلَاهُم أَبُو الْحسن الْمَدِينِيّ الإِمَام المبرز فِي هَذَا الشَّأْن. وَقَالَ البُخَارِيّ: مَا استصغرت نَفسِي عِنْد أحد قطّ إلَاّ عِنْد ابْن الْمَدِينِيّ. وَقَالَ: عَليّ خير من عشرَة آلَاف مثل الشَّاذكُونِي. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: عَليّ أعلم النَّاس بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، خَاصَّة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ وَغَيره: كَانَ أعلم أهل زَمَانه بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَعنهُ قَالَ: تركت من حَدِيثي مائَة ألف حَدِيث، مِنْهَا ثَلَاثُونَ ألفا لعباد بن صُهَيْب. وَقَالَ الْأَعْين: رَأَيْت عَليّ بن الْمَدِينِيّ مُسْتَلْقِيا، وَأحمد بن حَنْبَل عَن يَمِينه، وَيحيى بن معِين عَن يسَاره، وَهُوَ يملي عَلَيْهِمَا. روى عَنهُ أَحْمد وَإِسْمَاعِيل القَاضِي والذهلي وَأَبُو حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، أخرج البُخَارِيّ عَنهُ عَن ابْن عُيَيْنَة وَابْن علية وَعَن الْقطَّان ومروان بن مُعَاوِيَة وَغَيرهم، ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة بسامرا، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ بالعسكر لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد تقدم. الثَّالِث: عبد اللَّه بن يسَار، وكنية يسَار: أَبُو نجيح، مولى الْأَخْنَس بن شريق. قَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ قدرياً. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مكي ثِقَة، يُقَال فِيهِ: يرى الْقدر صَالح الحَدِيث. وَقَالَ عَليّ: سَمِعت يحيى يَقُول: ابْن أبي نجيح من رُؤَسَاء الدعاة، أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والجنائز، وَفِي غير مَوضِع عَن شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع وَابْن علية عَنهُ عَن عَطاء، وَمُجاهد وَعبد اللَّه بن كثير، وَعَن أَبِيه عَن مُسلم، وَلم يخرج البُخَارِيّ لِأَبِيهِ شَيْئا، توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: مُجَاهِد بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: جُبَير، أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي، مولى عبد اللَّه بن السَّائِب من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من تَابِعِيّ أهل مَكَّة وفقهائها، إِمَام مُتَّفق على جلالته وإمامته وتوثيقه، وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث، روى عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي بَاب: إِثْم من قتل معاهداً بِغَيْر جرم، عَن الْحسن بن عمر، وَعنهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ مَرْفُوعا: (من قتل معاهداً لم يرح رَائِحَة الْجنَّة) . وَهُوَ مُرْسل. كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مُجَاهِد لم يسمع من عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَإِنَّمَا سَمعه من جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن ابْن عَمْرو، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَرْوَان عَن الْحسن بن عَمْرو عَنهُ، وَأنكر شُعْبَة وَابْن أبي حَاتِم سَمَاعه من عَائِشَة، وَكَذَا ابْن معِين: لَكِن حَدِيثه عَنْهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَقَالَ مُجَاهِد: قَالَ لي ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وددت أَن نَافِعًا يحفظ كحفظك. وَقَالَ يحيى الْقطَّان: مرسلات مُجَاهِد أحب إِلَيّ من مرسلات عَطاء. وَقَالَ مُجَاهِد: عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، ثَلَاثِينَ مرّة. مَاتَ سنة مائَة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ، وَقيل: ثَلَاث، وَقيل: أَربع عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة، وَقد رأى هاروت وماروت وَكَاد يتْلف، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: مُجَاهِد بن جبر، غير هَذَا. وَفِي مُسلم وَالْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ، شيخ ابْن عُيَيْنَة، وَفِي الْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن وردان عَن عُرْوَة. الْخَامِس: عبد اللَّه ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

بَيَان الْأَنْسَاب: السَّعْدِيّ: فِي قبائل، فَفِي قيس غيلَان: سعد بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة، بن حَفْصَة بن قيس غيلَان. وَفِي كنَانَة: سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد منَاف، وَفِي أَسد بن خُزَيْمَة: سعد بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد، وَفِي مُرَاد: سعد بن غطيف ابْن عبد اللَّه بن نَاجِية بن مُرَاد، وَفِي طَيء: سعد بن نَبهَان بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَفِي تَمِيم: سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَفِي خولان قضاعة: سعد بن خولان، وَفِي جذام: سعد بن إِيَاس بن حرَام بن حزَام، وَفِي خثعم: سعد بن مَالك. الْمَدِينِيّ: بِإِثْبَات الْيَاء آخر الْحُرُوف، نِسْبَة إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ أَصله من الْمَدِينَة وَنزل الْبَصْرَة، وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: وَالْأَصْل فِيمَن ينْسب إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُقَال فِيهِ: مدنِي: بِحَذْف الْيَاء، وَإِلَى غَيرهَا بِإِثْبَات الْيَاء، واستثنوا هَذِه، فَقَالُوا: الْمَدِينِيّ بِإِثْبَات الْيَاء. المَخْزُومِي: نِسْبَة إِلَى مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي عبس أَيْضا: مَخْزُوم بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان، قَالَ: قَالَ لي ابْن نجيح، وَلم يقل: حَدثنِي، وَفِي (مُسْند الْحميدِي) عَن سُفْيَان: حَدثنِي ابْن أبي نجيح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَن

مُجَاهِد مُعَنْعنًا، وَعَن ابْن أبي نجيح بِلَفْظ: قَالَ، وَالْبُخَارِيّ لَا يذكر المعنعن إلاّ إِذا ثَبت السماع، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد إِمْكَان السماع، كَمَا اكْتفى بِهِ مُسلم، فالمعنعن إِذا لم يكن من المدلس كَانَ أَعلَى دَرَجَة من: قَالَ، لِأَن: قَالَ: إِنَّمَا تذكر عِنْد الْمُجَاورَة، لَا على سَبِيل النَّقْل والتحميل، ثمَّ فِي لَفْظَة: لي، إِشَارَة إِلَى أَنه جاور مَعَه وحدة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كلما قلت: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، فَمَا رُوِيَ عَن سُفْيَان يحْتَمل أَن يكون عرضا لِسُفْيَان أَيْضا.

وَبَقِيَّة مَا فِيهِ من الْكَلَام من تعدد مَوْضِعه. وَمن أخرجه، ولغاته، وَإِعْرَابه ومعانيه، قد مرت فِي أَوَائِل كتاب الْعلم.

قَوْله: (صَحِبت ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إِلَى الْمَدِينَة) اللَّام فِيهَا للْعهد، أَي: مَدِينَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يذكر مُبْتَدأ الصُّحْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَنه من مَكَّة، وَفِيه الدّلَالَة على أَن ابْن عمر كَانَ متوقياً للْحَدِيث، وَقد كَانَ علم قَول أَبِيه: أقلوا الحَدِيث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه ابْن بطال. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: قد يكون تَركه لغير هَذَا الْوَجْه، إِمَّا لعدم نشاط الِاشْتِغَال بمؤونة السّفر وتعبه، أَو لعدم السُّؤَال. قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهم بِأَنَّهُ كَانَ يتوقى الحَدِيث مَا لم يسْأَل، فَإِذا سُئِلَ أجَاب، واكثر الْجَواب عِنْد كَثْرَة السُّؤَال فَإِنَّهُ كَانَ من المكثرين فِي الحَدِيث. قَوْله: (يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) حَال عَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي لم اسْمَعْهُ. قَوْله: (إِلَّا حَدِيثا) أَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي بعده مُتَّصِلا بِهِ. قَوْله: (فَأتي) بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (بجمار) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم: وَهُوَ شَحم النخيل، وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَل مِنْهُ. وَفِي (الْعباب) : وَيُقَال لَهُ الجامور أَيْضا. قَوْله: (مثلهَا) ، بِفَتْح الْمِيم: أَي صفتهاالعجيبة، والمثل، وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَة الصّفة، لَكِن لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد الصّفة العجيبة. قَوْله: (فَأَرَدْت أَن أَقُول) أَي: فِي جَوَاب الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ قَالَ: حَدثُونِي مَا هِيَ! كَمَا علم من سَائِر الرِّوَايَات. قَوْله: (فَسكت) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمُتَكَلّم، وسكوته كَانَ استحياء وتعظيماً للأكابر.

١٥ - (بَاب الاغْتِباطِ فِي العِلْمِ والحِكْمَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاغْتِبَاط، وَهُوَ افتعال من: غبطه يغبطه، من بَاب: ضرب يضْرب، غبطاً وغبطةً، وَالْغِبْطَة أَن يتَمَنَّى مثل حَال المغبوط من غير أَن يُرِيد زَوَالهَا عَنهُ، وَلَيْسَ بحسد. والحسد أَن: يتَمَنَّى زَوَال مَا فِيهِ. وَقَالَ ابْن بزرج: غبط يغبط، مِثَال: سمع يسمع، لُغَة فِيهِ. وَبِنَاء بَاب الافتعال مِنْهَا يدل على التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِيهَا، وَالْحكمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَهِيَ مرادفة للْعلم، فالعطف عَلَيْهِ من بَاب الْعَطف التفسيري، إلاّ أَن يُفَسر الْعلم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ من الْيَقِين المتناول للظن أَيْضا، أَو تفسر الْحِكْمَة بِمَا يتَنَاوَل سداد الْعَمَل أَيْضا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول: الْفَهم فِي الْعلم، وَفِي هَذَا الْبَاب: الِاغْتِبَاط فِي الْعلم، وَكلما زَاد فهم الرجل فِي الْعلم زَادَت غبطته فِيهِ، لِأَن من زَاد فهمه وَقَوي يزْدَاد نظره فِيمَن هُوَ أقوى فهما مِنْهُ، ويتمنى أَن يكون مثله، وَهُوَ الْغِبْطَة.

وَقَالَ عُمَرُ: تَفقَّهُوا قَبْلَ أَن تُسَوَّدُوا

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.

الأول: قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ لَيْسَ من تَمام التَّرْجَمَة إِذْ لم يذكر بعده شَيْء يكون هَذَا مُتَعَلقا بِهِ، إلَاّ أَن يُقَال: الِاغْتِبَاط فِي الْحِكْمَة على الْقَضَاء لَا يكون إلَاّ قبل كَون الغابط قَاضِيا، وَيَزُول حينئذٍ. وَقَالَ عمر: بِمَعْنى الْمصدر، أَي: قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ. قلت: كَيفَ يؤول الْمَاضِي بِالْمَصْدَرِ وَتَأْويل الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ لَا يكون إلَاّ بِوُجُود أَن المصدرية؟ وَقَالَ ابْن الْمُنِير: مُطَابقَة قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ، للتَّرْجَمَة أَنه جعل السِّيَادَة من ثَمَرَات الْعلم، وَأوصى الطَّالِب باغتنام الزِّيَادَة قبل بُلُوغ دَرَجَة السِّيَادَة، وَذَلِكَ يُحَقّق اسْتِحْقَاق الْعلم بِأَن يغبط صَاحبه، فَإِنَّهُ سَبَب لسيادته. قلت: لَا شكّ أَن الَّذِي يتفقه قبل السِّيَادَة يغبط فِي فقهه وَعلمه، فَيدْخل فِي قَوْله: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم.

الثَّانِي: أَن هَذَا الْأَثر الَّذِي علقه أخرجه أَبُو عمر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أَحْمد بن مُحَمَّد: ثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو عبيد، ثَنَا ابْن علية ومعاذ عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ بِهِ. وَأخرجه الْحَوْزِيِّ فِي كِتَابه: ثَنَا إِسْحَاق بن القعْنبِي، ثَنَا بشر بن أبي الْأَزْهَر، ثَنَا خَارِجَة بن مُصعب عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَنهُ بِهِ،

وخارجة ضَعِيف جدا. وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد مُنْقَطع عَن وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه (الْمدْخل) عَن الروذبازي عَن الصفار عَن سَعْدَان بن نصر، ثَنَا وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ.

الثَّالِث: قَوْله: (قبل أَن تسودوا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو، أَي: قبل أَن تصيروا سادة، وتعلموا الْعلم مَا دمتم صغَارًا قبل السِّيَادَة والرياسة، وَقبل أَن ينظر إِلَيْكُم، فَإِن لم تعلمُوا قبل ذَلِك استحييتم أَن تعلمُوا بعد الْكبر، فبقيتم جهلاء. وَفِي (مجمع الغرائب) : يحْتَمل أَن معنى قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تزوجوا فتصيروا سادة بالتحكم على الْأزْوَاج والاشتغال بِهن لهواً، ثمَّ تمحلاً للتفقه. وَمِنْه الاستياد، وَهُوَ: طلب التسيد من الْقَوْم. وَجزم الْبَيْهَقِيّ فِي (مدخله) بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يذكر غَيره. وَقَالَ: مَعْنَاهُ قبل أَن تزوجوا فتصيروا أَرْبَاب بيُوت. قَالَه شمر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذُوا الْعلم من الأصاغر فيزرى بكم ذَلِك، وَهَذَا أشبه بِحَدِيث عبد اللَّه: (لن يزَال النَّاس بِخَير مَا أخذُوا الْعلم عَن أكابرهم) ثمَّ قَوْله: (تسودوا) من: سود يسود تسويداً، وثلاثيه: سَاد يسود وَفِي (الْمُحكم) : سادهم سُودًا وسودداً وسيادة وسيدودة، فاستادهم كسادهم، وسوده. وَهُوَ. وَقَالَ: والسودد: الشّرف، وَقد يهمز، وَضم الدَّال لُغَة طائية، وَالسَّيِّد: الرئيس. وَقَالَ كرَاع: وَجمعه سادة، وَنَظِيره: قيم وقامة. قلت: السَّادة جمع سائدة، وَالْأُنْثَى بِالْهَاءِ، وَفِي (الْمُخَصّص) : ساودني فسدته. وَقَالُوا: سيد وسائد، وَجمع السَّيِّد سادة. وَحكى الزبيدِيّ فِي كتاب (طَبَقَات النَّحْوِيين) : أَن أَبَا مُحَمَّد العذري الْأَعرَابِي قَالَ لإِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الثابر باشبيلية: تالله أَيهَا الْأَمِير مَا سيدتك الْعَرَب، إلاّ بحقك، فَقَالَهَا بِالْيَاءِ، فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ قَالَ: السوَاد السخام، وأصر على أَن الصَّوَاب مَعَه، ومالأه على ذَلِك الْأَمِير لعظم مَنْزِلَته فِي الْعلم. وَفِي (الْجَامِع) : وَهُوَ مسود عَلَيْهِم إِذا جعل سيدهم، والمسود هُوَ الَّذِي سَاد غَيره. وَفِي (الصِّحَاح) : يجمع السَّيِّد على سيائد، بِالْهَمْزَةِ على غير قِيَاس، لِأَن جمع فيعل فياعل بِلَا همز، وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تَقول: هُوَ سيدنَا، أَي: رئيسنا وَالَّذِي نعظمه فِينَا. وَقَالَ الصغاني: سَاد قومه يسودهم سيادة وسودداً وسؤددا، بِالْهَمْزَةِ وَضم الدَّال الأولى، وَهِي لُغَة طي، وسودا عَن الْفراء، وسيدودة. فَهُوَ سيدهم، وهم سادة. وتقديرها: فعلة بِالتَّحْرِيكِ، لِأَن تَقْدِير: سيد فعيل، وَهُوَ مثل: سري وسراة وَلَا نَظِير لَهَا، يدل على ذَلِك أَنه يجمع على سيائد، بِالْهَمْزَةِ، مِثَال: أفيل وأفائل، وتبيع وتبائع. وَقَالَ أهل الْبَصْرَة: تَقْدِير سيد فيعل، جمع على فعلة كَأَنَّهُمْ جمعُوا سائداً مِثَال: قَائِد وقادة، وزائد وزادة. وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق بِبِنَاء فعلل مِثَال: برقع. وَقَالَ الْفراء: يُقَال: هَذَا سيد قومه الْيَوْم، فَإِذا أخْبرت أَنه عَن قَلِيل يكون سيدهم، قلت: هُوَ سائد قومه عَن قَلِيل، وَسيد. وَقَالَ الْكسَائي: السَّيِّد من الْمعز المسن، وَقَالَ ابْن فَارس: سمي السَّيِّد سيداً لِأَن النَّاس يلتجئون إِلَى سوَاده، أَي شخصه، وَقَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٢٥) أَي زَوجهَا. وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٣٩) السَّيِّد الَّذِي يفوق فِي الْخَيْر قومه. وَيُقَال: السَّيِّد الْحَلِيم. (وَجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل فَقَالَ: أَنْت سيد قُرَيْش؟ فَقَالَ: السَّيِّد الله تَعَالَى) . قَالَ الْأَزْهَرِي: كره أَن يمدح فِي وَجهه، وَأحب التَّوَاضُع. وَقَالَ عِكْرِمَة: السَّيِّد الَّذِي لَا يغلبه غَضَبه. وَقَالَ قَتَادَة: السَّيِّد العابد. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب تَقول: السَّيِّد كل مقهور مغمور بحلمه. وَقَالَ الْفراء: السَّيِّد الْمَالِك، وَفُلَان أسود من فلَان أَي أَعلَى سودداً مِنْهُ، وساودت الرجل من سَواد اللَّوْن وَمن السودد جَمِيعًا أَي غالبته.

الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك لِأَن من سوده النَّاس يستحي أَن يقْعد مقْعد المتعلم خوفًا على رياسته عِنْد الْعَامَّة. وَقَالَ يحيى بن معِين: من عَاجل الرياسة فَاتَهُ علم كثير. وَقيل: إِن السِّيَادَة تحصل بِالْعلمِ، وَكلما زَاد الْعلم زَادَت السِّيَادَة بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بدل: تفهموا تفقهوا، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْأَمر. قلت: الْمَشْهُور من الرِّوَايَة: تفقهوا، فَإِنَّهُ يحث بِهِ على تَحْصِيل الْفِقْه. وَفِي كتاب ابْن عمر: قَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل النَّاس أفضلهم عملا إِذا فقهوا فِي دينهم) . وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا انبؤكم بالفقيه كل الْفَقِيه؟ قَالُوا: بلَى، قَالَ: من لم يقنط النَّاس من رَحْمَة الله، وَلم يؤيسهم من روح الله، وَلم يؤمنهم من مكر الله، وَلَا يدع الْقُرْآن رَغْبَة عَنهُ إِلَى مَا سواهُ أَلا لَا خير فِي عبَادَة لَيْسَ فِيهَا فقه، وَلَا علم لَيْسَ فِيهِ تفهم، وَلَا قِرَاءَة لَيْسَ فِيهَا تدبر) . قَالَ أَبُو عمر: لم يَأْتِ هَذَا الحَدِيث مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَأَكْثَرهم يوقفونه على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن شَدَّاد بن أَوْس يرفعهُ: (لَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يمقت النَّاس فِي ذَات الله تَعَالَى، وَلَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يرى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَة) . وَقَالَ أَبُو عمر: لَا يَصح مَرْفُوعا، وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَنه من قَول أبي الدَّرْدَاء. وَصدقَة السمين رَاوِيه مَرْفُوعا مجمع على ضعفه. وَقَالَ قَتَادَة:

من لم يعرف الِاخْتِلَاف لم يشم الْفِقْه بِأَنْفِهِ. وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: لَا نعده عَالما، وَكَذَا قَالَه عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه. وَقَالَ الْحَارِث بن يَعْقُوب: الْفَقِيه من فقه فِي الْقِرَاءَة، وَعرف مكيدة الشَّيْطَان.

قَالَ أبوُ عبْدِ اللَّهِ: وبعْدَ أنْ تُسوَّدُوا، وقدْ تَعَلَّمَ أصْحابُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كِبَرِ سِنّهِمْ.

هَذِه زيادات جَاءَت فِي رِوَايَة الْكشميهني فَقَط، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بقوله: (قَالَ أَبُو عبد اللَّه) ، نَفسه لِأَن كنيته أَبُو عبد اللَّه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من مُقَدّر يتَعَلَّق بِهِ لفظ: وَبعد، وَالْمُنَاسِب أَن يقدر: لفظ تفهموا، يَعْنِي الْمَاضِي، فَيكون لفظ: (تسودوا) بِفَتْح التَّاء مَاضِيا كَمَا أَنه يحْتَمل أَن يكون: تسودوا، من التسويد الَّذِي من السوَاد، أَي: بعد أَن يسودوا لحيتهم مثلا، أَي: فِي كبرهم، أَو أَي: بعد زَوَال السوَاد أَي فِي الشيب. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. قلت: هَذَا كُله تعسف خَارج عَن مَقْصُود البُخَارِيّ، إِذْ مَقْصُوده الْأَمر بالتفقه قبل السِّيَادَة وَبعدهَا. فَقَوله: (وَبعد أَن تسودوا) عطف على قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تسودوا، وَهُوَ أَيْضا، بِضَم التَّاء كَمَا فِي قَول عمر: رَضِي الله عَنهُ، وَالْمعْنَى: تفقهوا قبل أَن تسودوا وتفقهوا بعد أَن تسودوا، إِذْ لَا يجوز ترك التفقه بعد السِّيَادَة، إِذا فَاتَهُ قبلهَا، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا أَن البُخَارِيّ أكد ذَلِك بقوله: وَقد تعلم أَصْحَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كبر سنهم، لِأَن النَّاس الَّذين آمنُوا بِالنَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلَام، وهم كبار مَا تفقهوا إلَاّ فِي كبر سنهم.

٧٣ - حدّثناالحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدثنَا سُفيانُ قَالَ: حدْثني إسْماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ عَلى غيْرِ مَا حدثناهُ الزُّهريُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا حَسَدَ إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مَالا فَسُلِّطَ عَلى هَلَكَتهِ فِي الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ الله الحكْمَة فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ حمل مَا وَقع فِي الحَدِيث من لفظ الْحَسَد على الْغِبْطَة، فَأخْرجهُ عَن ظَاهره وَحمله على الْغِبْطَة، وتمني الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَترْجم الْبَاب عَلَيْهِ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، وَالْكل قد ذكرُوا، والْحميدِي: هُوَ أَبُو بكر عبد اللَّه بن الزبير ابْن عِيسَى الْمَكِّيّ، صَاحب الشَّافِعِي، أَخذ عَنهُ ورحل مَعَه إِلَى مصر، وَلما مَاتَ الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى مَكَّة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد ذكر أَن الزُّهْرِيّ حَدثهُ بِهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ غير اللَّفْظ الَّذِي حَدثهُ بِهِ إِسْمَاعِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد على غير مَا حدّثنَاهُ الزُّهْرِيّ، بِرَفْع الزُّهْرِيّ، لِأَنَّهُ فَاعل: حدث، و: نَا، مَفْعُوله، وَالضَّمِير يرجع إِلَى الحَدِيث الَّذِي يدل عَلَيْهِ: حَدثنَا، وَالْغَرَض من هَذَا الْإِشْعَار بِأَنَّهُ سمع ذَلِك من إِسْمَاعِيل على وَجه غير الْوَجْه الَّذِي سمع من الزُّهْرِيّ، إِمَّا مُغَايرَة فِي اللَّفْظ، وَإِمَّا مُغَايرَة فِي الْإِسْنَاد، وَإِمَّا غير ذَلِك. وَفَائِدَته: التقوية وَالتَّرْجِيح بتعداد الطّرق، وَرِوَايَة سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ أخرجهَا البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَنهُ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَرَوَاهَا مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَغَيره عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: ثَنَا الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، سَاقه مُسلم تَاما، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا تَاما فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي سَالم بن عبد اللَّه بن عمر، فَذكره.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى الْقطَّان. وَفِي الْأَحْكَام وَفِي الِاعْتِصَام عَن شهَاب بن عباد عَن إِبْرَاهِيم بن حميد الرواسِي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن بشر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير ووكيع وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، ثمانيتهم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (لَا حسد) ، الْحَسَد: تمني الرجل أَن يحول الله إِلَيْهِ نعْمَة الآخر أَو فضيلته، ويسلبهما عَنهُ.

وَفِي (مجمع الغرائب) : الْحَسَد أَن يرى الْإِنْسَان لِأَخِيهِ نعْمَة فيتمنى أَن تكون لَهُ وتزول عَن أَخِيه، وَهُوَ مَذْمُوم. والغبط: أَن يرى النِّعْمَة فيتمناها لنَفسِهِ من غير أَن تَزُول عَن صَاحبهَا، وَهُوَ مَحْمُود. وَقَالَ ثَعْلَب: المنافسة أَن يتَمَنَّى مثل مَا لَهُ من غير أَن يفْتَقر وَهُوَ مُبَاح. وَيُقَال: الْحَسَد تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمُنعم عَلَيْهِ، وَبَعْضهمْ خصّه بِأَن يتَمَنَّى ذَلِك لنَفسِهِ، وَالْحق أَنه أَعم. وَقَالَ ابْن سَيّده: يُقَال: حسده يحسده ويحسده حسداً، وَرجل حَاسِد من قوم حسد وَالْأُنْثَى بِغَيْر هَاء، وهم يتحاسدون. وحسده على الشَّيْء وحسده إِيَّاه. وَفِي (الصِّحَاح) : يحسده حسوداً. وَقَالَ الْأَخْفَش: وَبَعْضهمْ يَقُول: يحسده بِالْكَسْرِ، والمصدر حسد بِالتَّحْرِيكِ، وحسادة، وهم قوم حسدة مثل: حَامِل وَحَملَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْحَسَد مَأْخُوذ من الحسود، وَهُوَ القراد، فَهُوَ يقشر الْقلب كَمَا يقشر القراد الْجلد فيمص الدَّم. قَوْله: (آتَاهُ الله) بِالْمدِّ فِي أَوله، أَي: اعطاه الله من الإيتاء وَهُوَ الْإِعْطَاء. قَوْله: (على هَلَكته) ، بِفَتْح اللَّام، أَي: هَلَاكه. وَفِي (الْعباب) : هلك الشَّيْء يهْلك بِالْكَسْرِ هَلَاكًا وهلوكاً ومهلكاً ومهلكاً وتهلوكاً وهلكة وتهلكةً وتهلكة. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (الْبَقَرَة: ١٩٥) وَقَرَأَ الْخَلِيل: إِلَى التَّهْلُكَة، بِالْكَسْرِ. قَالَ اليزيدي: التَّهْلُكَة، بِضَم اللَّام، من نَوَادِر المصادر وَلَيْسَت مِمَّا يجْرِي على الْقيَاس. وَهلك يهْلك مِثَال: شرك يُشْرك لُغَة فِيهِ. قَوْله: (الْحِكْمَة) المُرَاد بهَا الْقُرْآن، وَالله أعلم. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (لَا حسد إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يهلكه) . وَفِي رِوَايَة: (يُنْفِقهُ فِي الْحق) . وَفِي مُسلم نَحوه من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (لَا حسد) ، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: حسد، اسْمه مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَخَبره مَحْذُوف أَي: لَا حسد جَائِز، أَو صَالح، أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (رجل) ، يجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة من الْإِعْرَاب: الرّفْع على تَقْدِير إِحْدَى الِاثْنَيْنِ خصْلَة رجل، فَلَمَّا حذف الْمُضَاف اكتسى الْمُضَاف إِلَيْهِ إعرابه. وَالنّصب على إِضْمَار: أَعنِي رجلا، وَهِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. والجر على أَنه بدل من اثْنَيْنِ. وَأما على رِوَايَة اثْنَتَيْنِ بِالتَّاءِ فَهُوَ بدل أَيْضا على تَقْدِير حذف الْمُضَاف أَي خصْلَة رجل لِأَن الاثنتين مَعْنَاهُ خَصْلَتَيْنِ، على مَا يَجِيء. قَوْله: (آتَاهُ الله مَالا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والمفعولين أَحدهمَا الضَّمِير الْمَنْصُوب وَالْآخر: مَالا، وَهِي فِي مَحل الرّفْع أَو الْجَرّ أَو النصب على تَقْدِير إِعْرَاب الرجل، لِأَنَّهَا وَقعت صفته. قَوْله: (فَسلط) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهِي رِوَايَة أبي ذَر، وَرِوَايَة البَاقِينَ، فَسَلَّطَهُ عطفا على: آتَاهُ. وَعبر بالتسليط لدلالته على قهر النَّفس المجبولة على الشُّح. قَوْله: (وَرجل) عطف على رجل الأول، وَإِعْرَابه فِي الْأَوْجه كإعرابه. قَوْله: (آتَاهُ الله الْحِكْمَة) مثل: (آتَاهُ الله مَالا) . قَوْله: (فَهُوَ يقْضِي بهَا) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر عطف على مَا قبلهَا.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: لَا حسد فِي شَيْء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَي: فِي خَصْلَتَيْنِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات بِالتَّاءِ. ويروى: (إِلَّا فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ. فَإِن قلت: الْحَسَد مَوْجُود فِي الْحَاسِد لَا فِي اثْنَتَيْنِ، فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ قلت: الْمَعْنى لَا حسد للرجل إِلَّا فِي شَأْن اثْنَتَيْنِ، لَا يُقَال: قد يكون الْحَسَد فِي غَيرهمَا فَكيف يَصح الْحصْر؟ لأَنا نقُول: المُرَاد لَا حسد جَائِز فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَو الْمَعْنى: لَا رخصَة فِي الْحَسَد فِي شَيْء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ. فَإِن قلت: مَا فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ غِبْطَة، وَهُوَ غير الْحَسَد، فَكيف يُقَال: لَا حسد؟ قلت: أطلق الْحَسَد وَأَرَادَ الْغِبْطَة، من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الْحَسَد هَهُنَا شدَّة الْحِرْص وَالرَّغْبَة، كنى بِالْحَسَدِ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا سَببه والداعي إِلَيْهِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ اغتباطاً. وَقد جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يبين ذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: (لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل) . ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب اغتباط صَاحب الْقُرْآن، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يتمن السَّلب، وَإِنَّمَا تمنى أَن يكون مثله. وَقد تمنى ذَلِك الصالحون والأخيار، وَفِيه قَول بِأَنَّهُ تَخْصِيص لإباحة نوع من الْحَسَد. وَإِخْرَاج لَهُ عَن جملَة مَا حظر مِنْهُ كَمَا رخص فِي نوع من الْكَذِب. وَإِن كَانَت جملَته محظورة، فَالْمَعْنى لَا إِبَاحَة فِي شَيْء من الْحَسَد إلَاّ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبيله، أَي: لَا حسد مَحْمُود إلَاّ هَذَا، وَقيل: إِنَّه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع بِمَعْنى: لَكِن فِي اثْنَتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) أَي: لَا حسد إلَاّ فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ، وَفِيهِمَا: لَا حسد أَيْضا، فَلَا حسد أصلا. قلت: الْمَعْنى فِي الْآيَة: لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت الْبَتَّةَ، فَوَقع قَوْله: إلَاّ الموتة الأولى، موقع ذَلِك، لِأَن الموتة الْمَاضِيَة محَال ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَهُوَ من بَاب التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: إِن كَانَت الموتة الأولى يَسْتَقِيم ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَإِنَّهُم يذوقونها فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَفَقَهَ بِالْفَتْحِ إِذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَفَقِهَ بِالْكَسْرِ إِذَا فَهِمَ. وَنَكَّرَ خَيْرًا لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ. وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ - أَيْ: يَتَعَلَّمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْفُرُوعِ - فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِهِ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمُورَ دِينِهِ لَا يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا طَالِبَ فِقْهٍ، فَيَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ ظَاهِرٌ لِفَضْلِ الْعُلَمَاءِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَلِفَضْلِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مَوْضِعِهِمَا مِنَ الْخُمُسِ وَالِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: لَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ، يَعْنِي بَعْضَ الْأُمَّةِ كَمَا يَجِيءُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٤ - بَاب الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ

٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِيُّ هِيَ النَّخْلَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْفَهْمِ) أَيْ: فَضْلُ الْفَهْمِ (فِي الْعِلْمِ) أَيْ: فِي الْعُلُومِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ.

قَوْلُهُ: (صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ) فِيهِ مَا كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مِنْ تَوَقِّي الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ خَشْيَةَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ ابْنِ عُمَرَ وَوَالِدِهِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَعَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْتِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ إِحْضَارِ الْجُمَّارِ إِلَيْهِ فَهِمَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ النَّخْلَةُ، فَالْفَهْمُ فِطْنَةٌ يَفْهَمُ بِهَا صَاحِبُهَا مِنَ الْكَلَامِ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ فَهِمَ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْمُخَيَّرٌ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

١٥ - بَاب الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ

٧٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.

[الحديث ٧٣ - أطرافه في: ٧٣١٦، ٧١٤١، ١٤٠٩]

قوله: (بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ) هو بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ) فِيهِ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ، لَكِنَّ هَذَا عَكْسُ ذَاكَ، أَوْ هُوَ مِنَ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: تُجْعَلُوا سَادَةً. زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيِ: الْبُخَارِيُّ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا - إِلَى قَوْلِهِ - سِنِّهِمْ. أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ. فَذَكَرَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا لِيُبَيِّنَ أَنْ لَا مَفْهُومَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفْهَمَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السِّيَادَةَ مَانِعَةٌ مِنَ التَّفَقُّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَنْعِ ; لِأَنَّ الرَّئِيسَ قَدْ يَمْنَعُهُ الْكِبْرُ وَالِاحْتِشَامُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِسَ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ عَنْ عَيْبِ الْقَضَاءِ: إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عُزِلَ لَا يَرْجِعُ إِلَى مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا تَصَدَّرَ الْحَدَثُ فَاتَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ. وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ: غَرِيبِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ تَفَقَّهُوا وَأَنْتُمْ صِغَارٌ، قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً فَتَمْنَعُكُمُ الْأَنَفَةُ عَنِ الْأَخْذِ عَمَّنْ هُوَ دُونَكُمْ فَتَبْقُوا جُهَّالًا. وَفَسَّرَهُ شِمْرٌ اللُّغَوِيُّ بِالتَّزَوُّجِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ صَارَ سَيِّدَ أَهْلِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وُلِدَ لَهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ عُمَرُ الْكَفَّ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ لِأَنَّ الَّذِي يَتَفَقَّهُ يَعْرِفُ مَا فِيهَا مِنَ الْغَوَائِلِ فَيَجْتَنِبُهَا.

وَهُوَ حَمْلٌ بَعِيدٌ، إِذِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: تُسَوَّدُوا السِّيَادَةُ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّزْوِيجِ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الشَّاغِلَةِ لِأَصْحَابِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعَلِم. وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّوَادِ فِي اللِّحْيَةِ فَيَكُونُ أَمْرًا لِلشَّابِّ بِالتَّفَقُّهِ قَبْلَ أَنْ تَسْوَدَّ لِحْيَتُهُ، أَوْ أَمْرًا لِلْكَهْلِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ سَوَادُ اللِّحْيَةِ إِلَى الشَّيْبِ. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ قَوْلِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَعَلَ السِّيَادَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ، وَأَوْصَى الطَّالِبَ بِاغْتِنَامِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ بُلُوغِ دَرَجَةِ السِّيَادَةِ. وَذَلِكَ يُحَقِّقُ اسْتِحْقَاقَ الْعِلْمِ بِأَنْ يُغْبَطَ صَاحِبُهُ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِسِيَادَتِهِ. كَذَا قَالَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ: إنَّ الرِّيَاسَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغْبَطُ بِهَا صَاحِبُهَا فِي الْعَادَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْغِبْطَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْعِلْمِ، أَوِ الْجُودِ، وَلَا يَكُونُ الْجُودُ مَحْمُودًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِعِلْمٍ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ حُصُولِ الرِّيَاسَةِ لِتُغْبَطُوا إِذَا غُبِطْتُمْ بِحَقٍّ. وَيَقُولُ أَيْضًا: إِنْ تَعَجَّلْتُمُ الرِّيَاسَةَ الَّتِي مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَمْنَعَ صَاحِبَهَا مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ فَاتْرُكُوا تِلْكَ الْعَادَةَ وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الْغِبْطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ. وَمَعْنَى الْغِبْطَةِ تَمَنِّي الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرُ مَا لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَسَدِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي الْخَبَرِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) يَعْنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ سُفْيَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظٍ غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ، وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، عَنْ سَالِمٍ. وَرَوَاهَا مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. سَاقَهُ مُسْلِمٌ تَامًّا، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَامًّا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. . . فَذَكَرَهُ وَسَنَذْكُرُ مَا تَخَالَفَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَمِعْتُ) الْقَائِلُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَى مَا حَرَّرْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ) الْحَسَدُ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَتَمَنَّى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَعَمُّ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ، فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُ لَهُ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ، أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ. وَصَاحِبُهُ مَذْمُومٌ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ تَصْمِيمٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَهَهُ كَمَا يَكْرَهُ مَا وُضِعَ فِي طَبْعِهِ مِنْ حُبِّ

الْمَنْهِيَّاتِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. فَهَذَا حُكْمُ الْحَسَدِ بِحَسَبِ حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا الْحَسَدُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَأَطْلَقَ الْحَسَدَ عَلَيْهَا مَجَازًا، وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ، وَالْحِرْصُ عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَمِنْهُ: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْهُ: وَلَا تَنَافَسُوا. وَإِنْ كَانَ فِي الْجَائِزَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: لَا غِبْطَةَ أَعْظَمُ - أَوْ أَفْضَلُ - مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.

وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الطَّاعَاتِ إِمَّا بَدَنِيَّةٌ أَوْ مَالِيَّةٌ أَوْ كَائِنَةٌ عَنْهُمَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْيَانِ الْحِكْمَةِ وَالْقَضَاءِ بِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ مُطْلَقًا، أَعَمُّ مِنْ تِلَاوَتِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَمِنْ تَعْلِيمِهِ، وَالْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمُقْتَضَاهُ، فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ. وَيَجُوزُ حَمْلُ الْحَسَدِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ نَفْيُ الْحَسَدِ مُطْلَقًا، لَكِنْ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مَحْمُودَتَانِ، وَلَا حَسَدَ فِيهِمَا فَلَا حَسَدَ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ اثْنَتَيْنِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، أَيْ: لَا حَسَدَ مَحْمُودٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: رَجُلٌ بِالرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ: خَصْلَةُ رَجُلٍ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ: إِلَّا فِي اثْنَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: رَجُلٍ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَيْ: خَصْلَةُ رَجُلَيْنِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ.

قَوْلُهُ: (مَالًا) نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ.

قَوْلُهُ: (فَسُلِّطَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ فَسَلَّطَهُ، وَعَبَّرَ بِالتَّسْلِيطِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَهْرِ النَّفْسِ الْمَجْبُولَةِ عَلَى الشُّحِّ.

قَوْلُهُ: (هَلَكَتِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْكَافِ أَيْ: إِهْلَاكِهِ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا. وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ: فِي الْحَقِّ أَيْ: فِي الطَّاعَاتِ لِيُزِيلَ عَنْهُ إِيهَامَ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ.

قَوْلُهُ: (الْحِكْمَةُ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الْجَهْلِ وَزَجَرَ عَنِ الْقَبِيحِ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْغِبْطَةُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ اسْتِوَاءُ الْعَالِمِ فِي الْمَالِ بِالْحَقِّ وَالْمُتَمَنِّي فِي الْأَجْرِ، وَلَفْظُهُ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَذَكَرَ فِي ضِدِّهِمَا: أَنَّهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِطْلَاقُ كَوْنِهِمَا سَوَاءٌ يَرُدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَالِ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقِيرِ. نَعَمْ يَكُونُ أَفْضَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَعْرَضَ وَلَمْ يَتَمَنَّ ; لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْهُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْخَصْلَةِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا. وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَدِيثِ: الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٦ - بَاب مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«لا يضرُّهم» لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.

(١٤) هذا (١) (بابُ الفَهْمِ) بإسكان الهاء وفتحها، لغتان (فِي العِلْمِ) أي: المعلوم (٢)، أي: إدراك المعلومات، وإلَّا فالفهم نفس العلم كما فسَّره به الجوهريُّ، كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ تبعًا للكِرمانيِّ، وعُورِضَ بأنَّ العلم عبارةٌ عن الإدراكِ الجَلِيِّ، والفهم جودة الذِّهن، والذهن قوَّةٌ تُقتنَص بها الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقليَّة والحسيَّة، وقال اللَّيث: يُقَال: فهمت الشَّيء؛ أي (٣) عقلته وعرفته، ويُقَال: «فهَْمٌ» بتسكين الهاء وفتحها، وهذا قد فسَّر الفهم بالمعرفة، وهو عين (٤) العلم.

٧٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «بن عبد الله (٥)» أي: المدينيُّ، أَعْلم أهل (٦) زمانه بهذا الشَّأن، المُتوفَّى -فيما قاله المؤلِّف- لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنةَ (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون؛ هو عبد الله، واسم أبيه يسارٌ، القدريُّ، المُوثَّق من أبي زرعةَ، المُتوفَّى سنة إحدى

وثلاثين ومئةٍ، وفي «مُسنَد الحميديِّ»: عن سفيان: حدَّثني ابن أبي نجيح (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، وقِيلَ: جُبَيْرٍ مُصغَّرًا، المخزوميِّ الإمام، المُتفَّق على جلالته وتوثيقه، المُتوفَّى سنة مئةٍ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا (١) (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة (فَلَمْ أَسْمَعْهُ) حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا) ولغير أبي الوقت: «واحدًا، كنَّا» (عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِجُمَّارٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم؛ وهو شحم النَّخيل (فَقَالَ) : (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة فيهما، أي: صفتها العجيبة كصفة (المُسْلِمِ) قال ابن عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ) في جواب قول الرَّسول : «حدِّثوني ما هِيَ؟» كما صرَّح به في غير هذه الرِّواية [خ¦٦١] (هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ) تعظيمًا للأكابر (قَالَ) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «فقال» (النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ) فإن قلت: ما وجه مُناسَبَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيب: من كون ابن عمر لمَّا ذكر النَّبيُّ المسألةَ عند إحضار الجُمَّار إليه فَهِمَ أنَّ المسؤول عنه النَّخلة بقرينة الإتيان بجُمَّارها.

(١٥) هذا (بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط بالغين المُعجَمَة: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

{أُولَئِكَ حزب الله أَلا أَن حزب الله هم المفلحون} (المجادلة: ٢٢) قَوْله: (وَالله يُعْطي) فِيهِ تَقْدِيم لَفْظَة الله لإِفَادَة التقوية عِنْد السكاكي، وَلَا يحْتَمل التَّخْصِيص أَي: الله يُعْطي لَا محَالة، وَأما عِنْد الزَّمَخْشَرِيّ فيحتمله أَيْضا، وحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: الله يُعْطي لَا غَيره. فَإِن قلت: إِذا كَانَت هَذِه الْجُمْلَة حَالية، أَعنِي قَوْله: (وَالله يُعْطي) ، فَمَا يكون معنى الْحصْر حِينَئِذٍ؟ قلت: الْحصْر بإنما دَائِما فِي الْجُزْء الْأَخير فَيكون مَعْنَاهُ: مَا أَنا بقاسم إلَاّ فِي حَال إِعْطَاء الله لَا فِي حَال غَيره، وَفِيه حذف الْمَفْعُول أَعنِي: مفعول يُعْطي، لِأَنَّهُ جعله كاللازم إعلاماً بِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان اتخاد هَذِه الْحَقِيقَة، أَي: حَقِيقَة الْإِعْطَاء لَا بَيَان الْمَفْعُول، أَي الْمُعْطِي. قَوْله: (وَلنْ تزَال)

الخ، أَرَادَ بِهِ أَن أمته آخر الْأُمَم، وَأَن عَلَيْهَا تقوم السَّاعَة، وَإِن ظَهرت أشراطها وَضعف الدّين فَلَا بُد أَن يبْقى من أمته من يقوم بِهِ، فَإِن قيل: قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يَقُول أحد الله) ، وَقَالَ أَيْضا: (لَا تقوم السَّاعَة إلَاّ على شرار الْخلق) . قُلْنَا: هَذِه الْأَحَادِيث لَفظهَا الْعُمُوم وَالْمرَاد مِنْهَا الْخُصُوص، فَمَعْنَاه: لَا تقوم على أحد يوحد الله تَعَالَى إلَاّ بِموضع كَذَا، إِذْ لَا يجوز أَن تكون الطَّائِفَة الْقَائِمَة بِالْحَقِّ توَحد الله هِيَ شرار الْخلق، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ. أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم، قيل: وَأَيْنَ هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بِبَيْت الْمُقَدّس، أَو أكناف بَيت الْمُقَدّس) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا مُخَالفَة بَين الْأَحَادِيث، لِأَن المُرَاد من أَمر الله الرّيح اللينة الَّتِي تَأتي قريب الْقِيَامَة، فتأخذ روح كل مُؤمن ومؤمنة، وَهَذَا قبل الْقِيَامَة. وَأما الحديثان الأخيران فهما على ظاهرهما إِذْ ذَلِك عِنْد الْقِيَامَة. فَإِن قلت: من هَؤُلَاءِ الطَّائِفَة؟ قلت: قَالَ البُخَارِيّ: هم أهل الْعلم. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِن لم يَكُونُوا أهل الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا أَرَادَ الإِمَام أَحْمد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الطَّائِفَة مفرقة من أَنْوَاع الْمُؤمنِينَ، فَمنهمْ مُقَاتِلُونَ وَمِنْهُم فُقَهَاء وَمِنْهُم محدثون وَمِنْهُم زهاد إِلَى غَيره ذَلِك.

بَيَان استنبطاط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على حجية الْإِجْمَاع، لِأَن مفهومة أَن الْحق لَا يعدو الْأمة، وَحَدِيث: لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة، ضَعِيف. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على امْتنَاع خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد. الثَّالِث: فِيهِ فضل الْعلمَاء على سَائِر النَّاس. الرَّابِع: فِيهِ فضل الْفِقْه فِي الدّين على سَائِر الْعُلُوم، وَإِنَّمَا ثَبت فَضله لِأَنَّهُ يَقُود إِلَى خشيَة الله تَعَالَى والتزام طَاعَته. الْخَامِس: فِيهِ إخْبَاره، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، بالمغيبات. وَقد وَقع مَا أخبر بِهِ، وَللَّه الْحَمد، فَلم تزل هَذِه الطَّائِفَة من زَمَنه وهلم جراً، وَلَا تَزُول حَتَّى يَأْتِي أَمر الله تَعَالَى.

١٤ - (بَاب الفَهمِ فِي العِلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفَهم فِي الْعلم. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء، أَي: عَلمته، فالفهم وَالْعلم بِمَعْنى وَاحِد، فَكيف يَصح أَن يُقَال: الْفَهم فِي الْعلم؟ ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد من الْعلم الْمَعْلُوم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب إِدْرَاك المعلومات. قلت: تَفْسِير الْفَهم بِالْعلمِ غير صَحِيح، لِأَن الْعلم عبارَة عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي، والفهم جودة الذِّهْن، والذهن قُوَّة تقتنص الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات الْعَقْلِيَّة والحسية. وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: فهمت الشَّيْء، أَي: عقلته وعرفته، وَيُقَال: فهم وَفهم، بتسكين الْهَاء وَفتحهَا، وَهَذَا قد فسر الْفَهم بالمعرفة، وَهُوَ غير الْعلم. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْفَهم فِي الْعلم دَاخل فِي قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) . وَقد مر أَن الْفِقْه هُوَ الْفَهم. فَافْهَم.

٧٢ - حدّثناعَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أبي نَجِيحٍ: عَن مُجاهدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إلَى المَدِينَةِ فَلْم أسْمَعه يُحدِّثُ عَن رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ حَدِيثاً واحِداً، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُتَي بِجُمَّارٍ فَقَالَ: (إنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثلُها كَمثَلِ المُسْلِمِ) ، فَأرَدْتُ أَن أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فإذَا أَنا أصْغَرُ القَوْم، فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هِيَ النَّخْلَةُ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من الشّجر)

الحَدِيث، كَانَ على سَبِيل الاستعلام مِنْهُم،

وَأَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فهم ذَلِك الْعلم، وَلكنه مَنعه عَن الإبداء حياؤه وصغره.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد اللَّه بن جَعْفَر بن نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، السَّعْدِيّ، مَوْلَاهُم أَبُو الْحسن الْمَدِينِيّ الإِمَام المبرز فِي هَذَا الشَّأْن. وَقَالَ البُخَارِيّ: مَا استصغرت نَفسِي عِنْد أحد قطّ إلَاّ عِنْد ابْن الْمَدِينِيّ. وَقَالَ: عَليّ خير من عشرَة آلَاف مثل الشَّاذكُونِي. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: عَليّ أعلم النَّاس بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، خَاصَّة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ وَغَيره: كَانَ أعلم أهل زَمَانه بِحَدِيث رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَعنهُ قَالَ: تركت من حَدِيثي مائَة ألف حَدِيث، مِنْهَا ثَلَاثُونَ ألفا لعباد بن صُهَيْب. وَقَالَ الْأَعْين: رَأَيْت عَليّ بن الْمَدِينِيّ مُسْتَلْقِيا، وَأحمد بن حَنْبَل عَن يَمِينه، وَيحيى بن معِين عَن يسَاره، وَهُوَ يملي عَلَيْهِمَا. روى عَنهُ أَحْمد وَإِسْمَاعِيل القَاضِي والذهلي وَأَبُو حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، أخرج البُخَارِيّ عَنهُ عَن ابْن عُيَيْنَة وَابْن علية وَعَن الْقطَّان ومروان بن مُعَاوِيَة وَغَيرهم، ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة بسامرا، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ بالعسكر لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد تقدم. الثَّالِث: عبد اللَّه بن يسَار، وكنية يسَار: أَبُو نجيح، مولى الْأَخْنَس بن شريق. قَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ قدرياً. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مكي ثِقَة، يُقَال فِيهِ: يرى الْقدر صَالح الحَدِيث. وَقَالَ عَليّ: سَمِعت يحيى يَقُول: ابْن أبي نجيح من رُؤَسَاء الدعاة، أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والجنائز، وَفِي غير مَوضِع عَن شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع وَابْن علية عَنهُ عَن عَطاء، وَمُجاهد وَعبد اللَّه بن كثير، وَعَن أَبِيه عَن مُسلم، وَلم يخرج البُخَارِيّ لِأَبِيهِ شَيْئا، توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: مُجَاهِد بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: جُبَير، أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي، مولى عبد اللَّه بن السَّائِب من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من تَابِعِيّ أهل مَكَّة وفقهائها، إِمَام مُتَّفق على جلالته وإمامته وتوثيقه، وَهُوَ إِمَام فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث، روى عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي بَاب: إِثْم من قتل معاهداً بِغَيْر جرم، عَن الْحسن بن عمر، وَعنهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ مَرْفُوعا: (من قتل معاهداً لم يرح رَائِحَة الْجنَّة) . وَهُوَ مُرْسل. كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مُجَاهِد لم يسمع من عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَإِنَّمَا سَمعه من جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن ابْن عَمْرو، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَرْوَان عَن الْحسن بن عَمْرو عَنهُ، وَأنكر شُعْبَة وَابْن أبي حَاتِم سَمَاعه من عَائِشَة، وَكَذَا ابْن معِين: لَكِن حَدِيثه عَنْهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَقَالَ مُجَاهِد: قَالَ لي ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وددت أَن نَافِعًا يحفظ كحفظك. وَقَالَ يحيى الْقطَّان: مرسلات مُجَاهِد أحب إِلَيّ من مرسلات عَطاء. وَقَالَ مُجَاهِد: عرضت الْقُرْآن على ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، ثَلَاثِينَ مرّة. مَاتَ سنة مائَة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ، وَقيل: ثَلَاث، وَقيل: أَربع عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة، وَقد رأى هاروت وماروت وَكَاد يتْلف، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: مُجَاهِد بن جبر، غير هَذَا. وَفِي مُسلم وَالْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ، شيخ ابْن عُيَيْنَة، وَفِي الْأَرْبَعَة: مُجَاهِد بن وردان عَن عُرْوَة. الْخَامِس: عبد اللَّه ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

بَيَان الْأَنْسَاب: السَّعْدِيّ: فِي قبائل، فَفِي قيس غيلَان: سعد بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة، بن حَفْصَة بن قيس غيلَان. وَفِي كنَانَة: سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد منَاف، وَفِي أَسد بن خُزَيْمَة: سعد بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد، وَفِي مُرَاد: سعد بن غطيف ابْن عبد اللَّه بن نَاجِية بن مُرَاد، وَفِي طَيء: سعد بن نَبهَان بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَفِي تَمِيم: سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَفِي خولان قضاعة: سعد بن خولان، وَفِي جذام: سعد بن إِيَاس بن حرَام بن حزَام، وَفِي خثعم: سعد بن مَالك. الْمَدِينِيّ: بِإِثْبَات الْيَاء آخر الْحُرُوف، نِسْبَة إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ أَصله من الْمَدِينَة وَنزل الْبَصْرَة، وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: وَالْأَصْل فِيمَن ينْسب إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُقَال فِيهِ: مدنِي: بِحَذْف الْيَاء، وَإِلَى غَيرهَا بِإِثْبَات الْيَاء، واستثنوا هَذِه، فَقَالُوا: الْمَدِينِيّ بِإِثْبَات الْيَاء. المَخْزُومِي: نِسْبَة إِلَى مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي عبس أَيْضا: مَخْزُوم بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان، قَالَ: قَالَ لي ابْن نجيح، وَلم يقل: حَدثنِي، وَفِي (مُسْند الْحميدِي) عَن سُفْيَان: حَدثنِي ابْن أبي نجيح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَن

مُجَاهِد مُعَنْعنًا، وَعَن ابْن أبي نجيح بِلَفْظ: قَالَ، وَالْبُخَارِيّ لَا يذكر المعنعن إلاّ إِذا ثَبت السماع، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد إِمْكَان السماع، كَمَا اكْتفى بِهِ مُسلم، فالمعنعن إِذا لم يكن من المدلس كَانَ أَعلَى دَرَجَة من: قَالَ، لِأَن: قَالَ: إِنَّمَا تذكر عِنْد الْمُجَاورَة، لَا على سَبِيل النَّقْل والتحميل، ثمَّ فِي لَفْظَة: لي، إِشَارَة إِلَى أَنه جاور مَعَه وحدة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كلما قلت: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، فَمَا رُوِيَ عَن سُفْيَان يحْتَمل أَن يكون عرضا لِسُفْيَان أَيْضا.

وَبَقِيَّة مَا فِيهِ من الْكَلَام من تعدد مَوْضِعه. وَمن أخرجه، ولغاته، وَإِعْرَابه ومعانيه، قد مرت فِي أَوَائِل كتاب الْعلم.

قَوْله: (صَحِبت ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إِلَى الْمَدِينَة) اللَّام فِيهَا للْعهد، أَي: مَدِينَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يذكر مُبْتَدأ الصُّحْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَنه من مَكَّة، وَفِيه الدّلَالَة على أَن ابْن عمر كَانَ متوقياً للْحَدِيث، وَقد كَانَ علم قَول أَبِيه: أقلوا الحَدِيث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَه ابْن بطال. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: قد يكون تَركه لغير هَذَا الْوَجْه، إِمَّا لعدم نشاط الِاشْتِغَال بمؤونة السّفر وتعبه، أَو لعدم السُّؤَال. قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهم بِأَنَّهُ كَانَ يتوقى الحَدِيث مَا لم يسْأَل، فَإِذا سُئِلَ أجَاب، واكثر الْجَواب عِنْد كَثْرَة السُّؤَال فَإِنَّهُ كَانَ من المكثرين فِي الحَدِيث. قَوْله: (يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) حَال عَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي لم اسْمَعْهُ. قَوْله: (إِلَّا حَدِيثا) أَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي بعده مُتَّصِلا بِهِ. قَوْله: (فَأتي) بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (بجمار) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم: وَهُوَ شَحم النخيل، وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَل مِنْهُ. وَفِي (الْعباب) : وَيُقَال لَهُ الجامور أَيْضا. قَوْله: (مثلهَا) ، بِفَتْح الْمِيم: أَي صفتهاالعجيبة، والمثل، وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَة الصّفة، لَكِن لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد الصّفة العجيبة. قَوْله: (فَأَرَدْت أَن أَقُول) أَي: فِي جَوَاب الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ قَالَ: حَدثُونِي مَا هِيَ! كَمَا علم من سَائِر الرِّوَايَات. قَوْله: (فَسكت) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمُتَكَلّم، وسكوته كَانَ استحياء وتعظيماً للأكابر.

١٥ - (بَاب الاغْتِباطِ فِي العِلْمِ والحِكْمَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاغْتِبَاط، وَهُوَ افتعال من: غبطه يغبطه، من بَاب: ضرب يضْرب، غبطاً وغبطةً، وَالْغِبْطَة أَن يتَمَنَّى مثل حَال المغبوط من غير أَن يُرِيد زَوَالهَا عَنهُ، وَلَيْسَ بحسد. والحسد أَن: يتَمَنَّى زَوَال مَا فِيهِ. وَقَالَ ابْن بزرج: غبط يغبط، مِثَال: سمع يسمع، لُغَة فِيهِ. وَبِنَاء بَاب الافتعال مِنْهَا يدل على التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِيهَا، وَالْحكمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَهِيَ مرادفة للْعلم، فالعطف عَلَيْهِ من بَاب الْعَطف التفسيري، إلاّ أَن يُفَسر الْعلم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ من الْيَقِين المتناول للظن أَيْضا، أَو تفسر الْحِكْمَة بِمَا يتَنَاوَل سداد الْعَمَل أَيْضا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول: الْفَهم فِي الْعلم، وَفِي هَذَا الْبَاب: الِاغْتِبَاط فِي الْعلم، وَكلما زَاد فهم الرجل فِي الْعلم زَادَت غبطته فِيهِ، لِأَن من زَاد فهمه وَقَوي يزْدَاد نظره فِيمَن هُوَ أقوى فهما مِنْهُ، ويتمنى أَن يكون مثله، وَهُوَ الْغِبْطَة.

وَقَالَ عُمَرُ: تَفقَّهُوا قَبْلَ أَن تُسَوَّدُوا

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.

الأول: قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ لَيْسَ من تَمام التَّرْجَمَة إِذْ لم يذكر بعده شَيْء يكون هَذَا مُتَعَلقا بِهِ، إلَاّ أَن يُقَال: الِاغْتِبَاط فِي الْحِكْمَة على الْقَضَاء لَا يكون إلَاّ قبل كَون الغابط قَاضِيا، وَيَزُول حينئذٍ. وَقَالَ عمر: بِمَعْنى الْمصدر، أَي: قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ. قلت: كَيفَ يؤول الْمَاضِي بِالْمَصْدَرِ وَتَأْويل الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ لَا يكون إلَاّ بِوُجُود أَن المصدرية؟ وَقَالَ ابْن الْمُنِير: مُطَابقَة قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ، للتَّرْجَمَة أَنه جعل السِّيَادَة من ثَمَرَات الْعلم، وَأوصى الطَّالِب باغتنام الزِّيَادَة قبل بُلُوغ دَرَجَة السِّيَادَة، وَذَلِكَ يُحَقّق اسْتِحْقَاق الْعلم بِأَن يغبط صَاحبه، فَإِنَّهُ سَبَب لسيادته. قلت: لَا شكّ أَن الَّذِي يتفقه قبل السِّيَادَة يغبط فِي فقهه وَعلمه، فَيدْخل فِي قَوْله: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم.

الثَّانِي: أَن هَذَا الْأَثر الَّذِي علقه أخرجه أَبُو عمر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أَحْمد بن مُحَمَّد: ثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو عبيد، ثَنَا ابْن علية ومعاذ عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ بِهِ. وَأخرجه الْحَوْزِيِّ فِي كِتَابه: ثَنَا إِسْحَاق بن القعْنبِي، ثَنَا بشر بن أبي الْأَزْهَر، ثَنَا خَارِجَة بن مُصعب عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن الْأَحْنَف عَنهُ بِهِ،

وخارجة ضَعِيف جدا. وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد مُنْقَطع عَن وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه (الْمدْخل) عَن الروذبازي عَن الصفار عَن سَعْدَان بن نصر، ثَنَا وَكِيع عَن ابْن عون بِهِ.

الثَّالِث: قَوْله: (قبل أَن تسودوا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو، أَي: قبل أَن تصيروا سادة، وتعلموا الْعلم مَا دمتم صغَارًا قبل السِّيَادَة والرياسة، وَقبل أَن ينظر إِلَيْكُم، فَإِن لم تعلمُوا قبل ذَلِك استحييتم أَن تعلمُوا بعد الْكبر، فبقيتم جهلاء. وَفِي (مجمع الغرائب) : يحْتَمل أَن معنى قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تزوجوا فتصيروا سادة بالتحكم على الْأزْوَاج والاشتغال بِهن لهواً، ثمَّ تمحلاً للتفقه. وَمِنْه الاستياد، وَهُوَ: طلب التسيد من الْقَوْم. وَجزم الْبَيْهَقِيّ فِي (مدخله) بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يذكر غَيره. وَقَالَ: مَعْنَاهُ قبل أَن تزوجوا فتصيروا أَرْبَاب بيُوت. قَالَه شمر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذُوا الْعلم من الأصاغر فيزرى بكم ذَلِك، وَهَذَا أشبه بِحَدِيث عبد اللَّه: (لن يزَال النَّاس بِخَير مَا أخذُوا الْعلم عَن أكابرهم) ثمَّ قَوْله: (تسودوا) من: سود يسود تسويداً، وثلاثيه: سَاد يسود وَفِي (الْمُحكم) : سادهم سُودًا وسودداً وسيادة وسيدودة، فاستادهم كسادهم، وسوده. وَهُوَ. وَقَالَ: والسودد: الشّرف، وَقد يهمز، وَضم الدَّال لُغَة طائية، وَالسَّيِّد: الرئيس. وَقَالَ كرَاع: وَجمعه سادة، وَنَظِيره: قيم وقامة. قلت: السَّادة جمع سائدة، وَالْأُنْثَى بِالْهَاءِ، وَفِي (الْمُخَصّص) : ساودني فسدته. وَقَالُوا: سيد وسائد، وَجمع السَّيِّد سادة. وَحكى الزبيدِيّ فِي كتاب (طَبَقَات النَّحْوِيين) : أَن أَبَا مُحَمَّد العذري الْأَعرَابِي قَالَ لإِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الثابر باشبيلية: تالله أَيهَا الْأَمِير مَا سيدتك الْعَرَب، إلاّ بحقك، فَقَالَهَا بِالْيَاءِ، فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ قَالَ: السوَاد السخام، وأصر على أَن الصَّوَاب مَعَه، ومالأه على ذَلِك الْأَمِير لعظم مَنْزِلَته فِي الْعلم. وَفِي (الْجَامِع) : وَهُوَ مسود عَلَيْهِم إِذا جعل سيدهم، والمسود هُوَ الَّذِي سَاد غَيره. وَفِي (الصِّحَاح) : يجمع السَّيِّد على سيائد، بِالْهَمْزَةِ على غير قِيَاس، لِأَن جمع فيعل فياعل بِلَا همز، وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تَقول: هُوَ سيدنَا، أَي: رئيسنا وَالَّذِي نعظمه فِينَا. وَقَالَ الصغاني: سَاد قومه يسودهم سيادة وسودداً وسؤددا، بِالْهَمْزَةِ وَضم الدَّال الأولى، وَهِي لُغَة طي، وسودا عَن الْفراء، وسيدودة. فَهُوَ سيدهم، وهم سادة. وتقديرها: فعلة بِالتَّحْرِيكِ، لِأَن تَقْدِير: سيد فعيل، وَهُوَ مثل: سري وسراة وَلَا نَظِير لَهَا، يدل على ذَلِك أَنه يجمع على سيائد، بِالْهَمْزَةِ، مِثَال: أفيل وأفائل، وتبيع وتبائع. وَقَالَ أهل الْبَصْرَة: تَقْدِير سيد فيعل، جمع على فعلة كَأَنَّهُمْ جمعُوا سائداً مِثَال: قَائِد وقادة، وزائد وزادة. وَالدَّال فِي سودد زَائِدَة للإلحاق بِبِنَاء فعلل مِثَال: برقع. وَقَالَ الْفراء: يُقَال: هَذَا سيد قومه الْيَوْم، فَإِذا أخْبرت أَنه عَن قَلِيل يكون سيدهم، قلت: هُوَ سائد قومه عَن قَلِيل، وَسيد. وَقَالَ الْكسَائي: السَّيِّد من الْمعز المسن، وَقَالَ ابْن فَارس: سمي السَّيِّد سيداً لِأَن النَّاس يلتجئون إِلَى سوَاده، أَي شخصه، وَقَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٢٥) أَي زَوجهَا. وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٣٩) السَّيِّد الَّذِي يفوق فِي الْخَيْر قومه. وَيُقَال: السَّيِّد الْحَلِيم. (وَجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل فَقَالَ: أَنْت سيد قُرَيْش؟ فَقَالَ: السَّيِّد الله تَعَالَى) . قَالَ الْأَزْهَرِي: كره أَن يمدح فِي وَجهه، وَأحب التَّوَاضُع. وَقَالَ عِكْرِمَة: السَّيِّد الَّذِي لَا يغلبه غَضَبه. وَقَالَ قَتَادَة: السَّيِّد العابد. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب تَقول: السَّيِّد كل مقهور مغمور بحلمه. وَقَالَ الْفراء: السَّيِّد الْمَالِك، وَفُلَان أسود من فلَان أَي أَعلَى سودداً مِنْهُ، وساودت الرجل من سَواد اللَّوْن وَمن السودد جَمِيعًا أَي غالبته.

الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك لِأَن من سوده النَّاس يستحي أَن يقْعد مقْعد المتعلم خوفًا على رياسته عِنْد الْعَامَّة. وَقَالَ يحيى بن معِين: من عَاجل الرياسة فَاتَهُ علم كثير. وَقيل: إِن السِّيَادَة تحصل بِالْعلمِ، وَكلما زَاد الْعلم زَادَت السِّيَادَة بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بدل: تفهموا تفقهوا، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْأَمر. قلت: الْمَشْهُور من الرِّوَايَة: تفقهوا، فَإِنَّهُ يحث بِهِ على تَحْصِيل الْفِقْه. وَفِي كتاب ابْن عمر: قَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل النَّاس أفضلهم عملا إِذا فقهوا فِي دينهم) . وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا انبؤكم بالفقيه كل الْفَقِيه؟ قَالُوا: بلَى، قَالَ: من لم يقنط النَّاس من رَحْمَة الله، وَلم يؤيسهم من روح الله، وَلم يؤمنهم من مكر الله، وَلَا يدع الْقُرْآن رَغْبَة عَنهُ إِلَى مَا سواهُ أَلا لَا خير فِي عبَادَة لَيْسَ فِيهَا فقه، وَلَا علم لَيْسَ فِيهِ تفهم، وَلَا قِرَاءَة لَيْسَ فِيهَا تدبر) . قَالَ أَبُو عمر: لم يَأْتِ هَذَا الحَدِيث مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَأَكْثَرهم يوقفونه على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن شَدَّاد بن أَوْس يرفعهُ: (لَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يمقت النَّاس فِي ذَات الله تَعَالَى، وَلَا يفقه العَبْد كل الْفِقْه حَتَّى يرى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَة) . وَقَالَ أَبُو عمر: لَا يَصح مَرْفُوعا، وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَنه من قَول أبي الدَّرْدَاء. وَصدقَة السمين رَاوِيه مَرْفُوعا مجمع على ضعفه. وَقَالَ قَتَادَة:

من لم يعرف الِاخْتِلَاف لم يشم الْفِقْه بِأَنْفِهِ. وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: لَا نعده عَالما، وَكَذَا قَالَه عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه. وَقَالَ الْحَارِث بن يَعْقُوب: الْفَقِيه من فقه فِي الْقِرَاءَة، وَعرف مكيدة الشَّيْطَان.

قَالَ أبوُ عبْدِ اللَّهِ: وبعْدَ أنْ تُسوَّدُوا، وقدْ تَعَلَّمَ أصْحابُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كِبَرِ سِنّهِمْ.

هَذِه زيادات جَاءَت فِي رِوَايَة الْكشميهني فَقَط، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بقوله: (قَالَ أَبُو عبد اللَّه) ، نَفسه لِأَن كنيته أَبُو عبد اللَّه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من مُقَدّر يتَعَلَّق بِهِ لفظ: وَبعد، وَالْمُنَاسِب أَن يقدر: لفظ تفهموا، يَعْنِي الْمَاضِي، فَيكون لفظ: (تسودوا) بِفَتْح التَّاء مَاضِيا كَمَا أَنه يحْتَمل أَن يكون: تسودوا، من التسويد الَّذِي من السوَاد، أَي: بعد أَن يسودوا لحيتهم مثلا، أَي: فِي كبرهم، أَو أَي: بعد زَوَال السوَاد أَي فِي الشيب. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. قلت: هَذَا كُله تعسف خَارج عَن مَقْصُود البُخَارِيّ، إِذْ مَقْصُوده الْأَمر بالتفقه قبل السِّيَادَة وَبعدهَا. فَقَوله: (وَبعد أَن تسودوا) عطف على قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: قبل أَن تسودوا، وَهُوَ أَيْضا، بِضَم التَّاء كَمَا فِي قَول عمر: رَضِي الله عَنهُ، وَالْمعْنَى: تفقهوا قبل أَن تسودوا وتفقهوا بعد أَن تسودوا، إِذْ لَا يجوز ترك التفقه بعد السِّيَادَة، إِذا فَاتَهُ قبلهَا، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا أَن البُخَارِيّ أكد ذَلِك بقوله: وَقد تعلم أَصْحَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كبر سنهم، لِأَن النَّاس الَّذين آمنُوا بِالنَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلَام، وهم كبار مَا تفقهوا إلَاّ فِي كبر سنهم.

٧٣ - حدّثناالحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدثنَا سُفيانُ قَالَ: حدْثني إسْماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ عَلى غيْرِ مَا حدثناهُ الزُّهريُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا حَسَدَ إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مَالا فَسُلِّطَ عَلى هَلَكَتهِ فِي الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ الله الحكْمَة فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ حمل مَا وَقع فِي الحَدِيث من لفظ الْحَسَد على الْغِبْطَة، فَأخْرجهُ عَن ظَاهره وَحمله على الْغِبْطَة، وتمني الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَترْجم الْبَاب عَلَيْهِ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، وَالْكل قد ذكرُوا، والْحميدِي: هُوَ أَبُو بكر عبد اللَّه بن الزبير ابْن عِيسَى الْمَكِّيّ، صَاحب الشَّافِعِي، أَخذ عَنهُ ورحل مَعَه إِلَى مصر، وَلما مَاتَ الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى مَكَّة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد ذكر أَن الزُّهْرِيّ حَدثهُ بِهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ غير اللَّفْظ الَّذِي حَدثهُ بِهِ إِسْمَاعِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد على غير مَا حدّثنَاهُ الزُّهْرِيّ، بِرَفْع الزُّهْرِيّ، لِأَنَّهُ فَاعل: حدث، و: نَا، مَفْعُوله، وَالضَّمِير يرجع إِلَى الحَدِيث الَّذِي يدل عَلَيْهِ: حَدثنَا، وَالْغَرَض من هَذَا الْإِشْعَار بِأَنَّهُ سمع ذَلِك من إِسْمَاعِيل على وَجه غير الْوَجْه الَّذِي سمع من الزُّهْرِيّ، إِمَّا مُغَايرَة فِي اللَّفْظ، وَإِمَّا مُغَايرَة فِي الْإِسْنَاد، وَإِمَّا غير ذَلِك. وَفَائِدَته: التقوية وَالتَّرْجِيح بتعداد الطّرق، وَرِوَايَة سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ أخرجهَا البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَنهُ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَرَوَاهَا مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَغَيره عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: ثَنَا الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، سَاقه مُسلم تَاما، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا تَاما فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي سَالم بن عبد اللَّه بن عمر، فَذكره.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى الْقطَّان. وَفِي الْأَحْكَام وَفِي الِاعْتِصَام عَن شهَاب بن عباد عَن إِبْرَاهِيم بن حميد الرواسِي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن بشر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير ووكيع وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، ثمانيتهم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (لَا حسد) ، الْحَسَد: تمني الرجل أَن يحول الله إِلَيْهِ نعْمَة الآخر أَو فضيلته، ويسلبهما عَنهُ.

وَفِي (مجمع الغرائب) : الْحَسَد أَن يرى الْإِنْسَان لِأَخِيهِ نعْمَة فيتمنى أَن تكون لَهُ وتزول عَن أَخِيه، وَهُوَ مَذْمُوم. والغبط: أَن يرى النِّعْمَة فيتمناها لنَفسِهِ من غير أَن تَزُول عَن صَاحبهَا، وَهُوَ مَحْمُود. وَقَالَ ثَعْلَب: المنافسة أَن يتَمَنَّى مثل مَا لَهُ من غير أَن يفْتَقر وَهُوَ مُبَاح. وَيُقَال: الْحَسَد تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمُنعم عَلَيْهِ، وَبَعْضهمْ خصّه بِأَن يتَمَنَّى ذَلِك لنَفسِهِ، وَالْحق أَنه أَعم. وَقَالَ ابْن سَيّده: يُقَال: حسده يحسده ويحسده حسداً، وَرجل حَاسِد من قوم حسد وَالْأُنْثَى بِغَيْر هَاء، وهم يتحاسدون. وحسده على الشَّيْء وحسده إِيَّاه. وَفِي (الصِّحَاح) : يحسده حسوداً. وَقَالَ الْأَخْفَش: وَبَعْضهمْ يَقُول: يحسده بِالْكَسْرِ، والمصدر حسد بِالتَّحْرِيكِ، وحسادة، وهم قوم حسدة مثل: حَامِل وَحَملَة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْحَسَد مَأْخُوذ من الحسود، وَهُوَ القراد، فَهُوَ يقشر الْقلب كَمَا يقشر القراد الْجلد فيمص الدَّم. قَوْله: (آتَاهُ الله) بِالْمدِّ فِي أَوله، أَي: اعطاه الله من الإيتاء وَهُوَ الْإِعْطَاء. قَوْله: (على هَلَكته) ، بِفَتْح اللَّام، أَي: هَلَاكه. وَفِي (الْعباب) : هلك الشَّيْء يهْلك بِالْكَسْرِ هَلَاكًا وهلوكاً ومهلكاً ومهلكاً وتهلوكاً وهلكة وتهلكةً وتهلكة. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (الْبَقَرَة: ١٩٥) وَقَرَأَ الْخَلِيل: إِلَى التَّهْلُكَة، بِالْكَسْرِ. قَالَ اليزيدي: التَّهْلُكَة، بِضَم اللَّام، من نَوَادِر المصادر وَلَيْسَت مِمَّا يجْرِي على الْقيَاس. وَهلك يهْلك مِثَال: شرك يُشْرك لُغَة فِيهِ. قَوْله: (الْحِكْمَة) المُرَاد بهَا الْقُرْآن، وَالله أعلم. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (لَا حسد إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يهلكه) . وَفِي رِوَايَة: (يُنْفِقهُ فِي الْحق) . وَفِي مُسلم نَحوه من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (لَا حسد) ، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: حسد، اسْمه مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَخَبره مَحْذُوف أَي: لَا حسد جَائِز، أَو صَالح، أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (رجل) ، يجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة من الْإِعْرَاب: الرّفْع على تَقْدِير إِحْدَى الِاثْنَيْنِ خصْلَة رجل، فَلَمَّا حذف الْمُضَاف اكتسى الْمُضَاف إِلَيْهِ إعرابه. وَالنّصب على إِضْمَار: أَعنِي رجلا، وَهِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. والجر على أَنه بدل من اثْنَيْنِ. وَأما على رِوَايَة اثْنَتَيْنِ بِالتَّاءِ فَهُوَ بدل أَيْضا على تَقْدِير حذف الْمُضَاف أَي خصْلَة رجل لِأَن الاثنتين مَعْنَاهُ خَصْلَتَيْنِ، على مَا يَجِيء. قَوْله: (آتَاهُ الله مَالا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والمفعولين أَحدهمَا الضَّمِير الْمَنْصُوب وَالْآخر: مَالا، وَهِي فِي مَحل الرّفْع أَو الْجَرّ أَو النصب على تَقْدِير إِعْرَاب الرجل، لِأَنَّهَا وَقعت صفته. قَوْله: (فَسلط) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهِي رِوَايَة أبي ذَر، وَرِوَايَة البَاقِينَ، فَسَلَّطَهُ عطفا على: آتَاهُ. وَعبر بالتسليط لدلالته على قهر النَّفس المجبولة على الشُّح. قَوْله: (وَرجل) عطف على رجل الأول، وَإِعْرَابه فِي الْأَوْجه كإعرابه. قَوْله: (آتَاهُ الله الْحِكْمَة) مثل: (آتَاهُ الله مَالا) . قَوْله: (فَهُوَ يقْضِي بهَا) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر عطف على مَا قبلهَا.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: لَا حسد فِي شَيْء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَي: فِي خَصْلَتَيْنِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات بِالتَّاءِ. ويروى: (إِلَّا فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ. فَإِن قلت: الْحَسَد مَوْجُود فِي الْحَاسِد لَا فِي اثْنَتَيْنِ، فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ قلت: الْمَعْنى لَا حسد للرجل إِلَّا فِي شَأْن اثْنَتَيْنِ، لَا يُقَال: قد يكون الْحَسَد فِي غَيرهمَا فَكيف يَصح الْحصْر؟ لأَنا نقُول: المُرَاد لَا حسد جَائِز فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ، أَو الْمَعْنى: لَا رخصَة فِي الْحَسَد فِي شَيْء إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ. فَإِن قلت: مَا فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ غِبْطَة، وَهُوَ غير الْحَسَد، فَكيف يُقَال: لَا حسد؟ قلت: أطلق الْحَسَد وَأَرَادَ الْغِبْطَة، من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الْحَسَد هَهُنَا شدَّة الْحِرْص وَالرَّغْبَة، كنى بِالْحَسَدِ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا سَببه والداعي إِلَيْهِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ اغتباطاً. وَقد جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يبين ذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: (لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل) . ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب اغتباط صَاحب الْقُرْآن، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يتمن السَّلب، وَإِنَّمَا تمنى أَن يكون مثله. وَقد تمنى ذَلِك الصالحون والأخيار، وَفِيه قَول بِأَنَّهُ تَخْصِيص لإباحة نوع من الْحَسَد. وَإِخْرَاج لَهُ عَن جملَة مَا حظر مِنْهُ كَمَا رخص فِي نوع من الْكَذِب. وَإِن كَانَت جملَته محظورة، فَالْمَعْنى لَا إِبَاحَة فِي شَيْء من الْحَسَد إلَاّ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبيله، أَي: لَا حسد مَحْمُود إلَاّ هَذَا، وَقيل: إِنَّه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع بِمَعْنى: لَكِن فِي اثْنَتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) أَي: لَا حسد إلَاّ فِي هذَيْن الِاثْنَيْنِ، وَفِيهِمَا: لَا حسد أَيْضا، فَلَا حسد أصلا. قلت: الْمَعْنى فِي الْآيَة: لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت الْبَتَّةَ، فَوَقع قَوْله: إلَاّ الموتة الأولى، موقع ذَلِك، لِأَن الموتة الْمَاضِيَة محَال ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَهُوَ من بَاب التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: إِن كَانَت الموتة الأولى يَسْتَقِيم ذوقها فِي الْمُسْتَقْبل، فَإِنَّهُم يذوقونها فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَا

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده