الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٥١
الحديث رقم ٦٠٥١ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْغِيبَةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ هُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ.
الحديث السابع: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: سَابَبْتُ رَجُلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، وَكَانَ اسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالْجَاهِلِيَّةُ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هُنَا الْجَهْلُ أَيْ إِنَّ فِيكَ جَهْلًا. وَقَوْلُهُ: قُلْتُ عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ أَيْ هَلْ فِيَّ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ جَهْلٍ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ؟ وَقَوْلُهُ: هُمْ إِخْوَانُكُمْ أَيِ الْعَبِيدُ أَوِ الْخَدَمُ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ مِنْهُمْ، وَقَرِينَةُ قَوْلِهِ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي ذَمِّ السَّبِّ وَاللَّعْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعْظَمِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّقْوَى، فَلَا يُفِيدُ الشَّرِيفَ النَّسَبِ نَسَبُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى، وَيَنْتَفِعُ الْوَضِيعُ النَّسَبِ بِالتَّقْوَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
٤٥ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ
٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ،، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ) أَيْ بِأَوْصَافِهِمْ (نَحْوَ قَوْلِهِمُ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَلْقَابِ وَمَا لَا يُعْجِبُ الرَّجُلَ أَنْ يُوصَفَ بِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّقَبَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُعْجِبُ الْمُلَقَّبَ وَلَا إِطْرَاءَ فِيهِ مِمَّا يَدْخُلُ فِي نَهْيِ الشَّرْعِ فَهُوَ جَائِزٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْجِبُهُ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، إِلَّا أنْ يعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى التَّعْرِيفِ بِهِ حَيْثُ يَشْتَهِرُ بِهِ وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةُ مِنْ ذِكْرِ الْأَعْمَشِ، وَالْأَعْرَجِ وَنَحْوِهِمَا وَعَارِمٍ وَغُنْدَرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي عَلَّقَهَا فِي الْبَابِ فَوَصَلَهَا فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَشَدَّدُوا حَتَّى نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا حُمَيْدًا الطَّوِيلَ غِيبَةً، وَكَأَنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستَريُّ أبو سعيد قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَاْلَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ) أي: أمَّنَا، وفي رواية: «لنا» باللام بدل الموحدة (الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ) وكانت جذعًا من نخل (فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يديه» (عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) في سبب تسليمه من الرَّكعتين، وروي: «فهاباه» بإثبات المفعول وحذفه، فإنَّ «يُكلِّماه» بدل من ضميرِ المفعول في «هاباه»، و «أن» هي المصدريَّة النَّاصبة وعلامة النَّصب في يكلِّماه حذف النُّون، والجملة كلُّها في الحقيقةِ مفسِّرة لمعنى قولهِ: وفي القوم أبو بكر وعمر؛ لأنَّه لو لم يقل: فهاباه لقيل: فما منعهما، وهما أقربُ من غيرهما، وأدلَّ عليه ﷺ (وَخَرَجَ) بلفظ الماضي، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويخرج» (سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتح السين المهملة والراء أوائلهم، جمع: سريع، وحكى المنذريُّ: تجويز كسر السين وسكون الراء عن بعضهم، وحكى ابنُ سيدَه عن ثعلب: أنَّه إذا كان السَّرعان وصفًا في النَّاس فالتَّحريك أفصحُ من التَّسكين (فَقَالُوا: قَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ) بفتح القاف وضم الصاد المهملة مبنيًّا للفاعل، وبضم القاف وكسر الصاد للمفعول، أي: قال بعضُهم لبعض لمَّا رأوا من فعله ﷺ، وأداة الاستفهام مقدَّرة (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) اسمه الخِرْبَاق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة فألف فقاف (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا اليَدَيْنِ) لطولهمَا (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَنَسِيتَ) الرَّكعتين (أَمْ قَُصُِرَتْ؟) بفتح القاف وضم الصاد للفاعل وللمفعول (٢) أيضًا (فَقَالَ) ﵊:
(لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تَُقْصَُرْ) بفتح أوله وضمِّ ثالثه، أو مبنيًّا للمفعول، وأمْ حرف عطفٍ متَّصلة؛ لأنَّها جاءت على شرطها من تقدُّم الاستفهام والسُّؤال بأي، والجواب بأحد الشَّيئين المستَفْهم عنهما أو الأشياء، وجملة «لم أنْسَ ولم تقصر» محكيَّة بالقول، وجزم «أَنْسَ» بحذف الألف وتقصر بالسكون، ولمَّا كانت «أم» هنا هي المتَّصلة لم يحسُنْ في الجواب لا أو نعم (قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ) لأنَّه لَمَّا نفى الأمرين وكان قد تقرَّر عندهم أنَّ السَّهو غير جائزٍ في الأمور البلاغيَّة جزموا بوقوعِ النِّسيانِ لا القصر، وقوله: بلْ، بسكون اللام (قَالَ: صَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبقَ بعد أن تذكَّر أنَّه لم يُتمَّها إذ لم يَطُلِ الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ) منه بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ) رأسه فكبَّر، فسجدَ سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ).
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قولهِ: «يدعوه ذا اليدينِ» لأنَّه إنَّما كان يُعرفُ (١) بذلك.
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٨٢].
(٤٦) (بابُ) تحريمِ (الغِيبَةِ) بكسر الغين المعجمة، وهي ذكر المسلم غير المُعْلِنِ بفجورهِ في غيبتهِ بما يكرهُ ولو بغمزٍ، أو بكتابةٍ، أو إشارةٍ. قال النَّوويُّ: وممَّن يستعمل التَّعريض في ذلك كثيرٌ من الفقهاء في التَّصانيف وغيرها كقولهم: قال بعضُ من يدَّعي العلم، أو بعضُ من يُنسب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك ممَّا يفهم السَّامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، ونحوه، إلَّا أن يكون ذلك نصحًا لطالب شيءٍ لا يعلم عيبهُ، ونحو ذلك (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق (﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾) نهيٌ عن الغيبةِ نهي تحريمٍ اتفاقًا، وهل هي
من الكبائر أو الصَّغائر؟ قال النَّوويُّ في «الرَّوضة» -تبعًا للرَّافعيِّ-: من الصَّغائر، وتُعُقِّبَ بأنَّ حدَّ الكبيرةِ صادقٌ عليها فهي منها (﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾) تمثيلٌ وتصويرٌ لِمَا يناله المغتابُ من عِرْضِ المغتاب على أفحشِ وجهٍ، وفيه مبالغات منها الاستفهام التَّقريريُّ، وجعل ما هو في الغاية من الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة، ومنها إسنادُه (١) الفعل إلى أحدِكم، والإشعار بأنَّ أحدًا من الأحدين (٢) لا يحبُّ ذلك، ومنها أنَّه لم (٣) يقتصرْ على تمثيلِ الاغتياب بأكلِ لحم الإنسانِ حتَّى جعلَ الإنسان أخًا، ومنها أنَّه لم يقتصرْ على أكل (٤) لحمِ الأخ حتَّى جعلَه ميْتًا. ووجه المناسبة أنَّ (٥) إدارةَ حَنَكِهِ بالغيبةِ كالأكل. وعن قتادة: كما تكره إن وجدْتَ جيفةً مدوِّدة أن تأكلَ منها، كذلك فاكرَهْ لحمَ أخيكَ وهو حيٌّ. وانتصب ﴿مَيْتًا﴾ على الحالِ من اللَّحم، أو من أخيه، ولمَّا قرَّر لهم (٦) بأنَّ أحدًا منهم لا يحبُّ أكلَ جيفةِ أخيه عقَّب ذلك بقولهِ: (﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾) أي: فتحقَّقت كراهتُكم له باستقامةِ العقلِ، فليتحقَّق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيرُهُ من الغيبةِ باستقامةِ الدِّين (﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]) التَّوَّاب البليغُ في قبول التَّوبة، والمعنى: واتَّقوا الله بتركِ ما أُمِرتم باجتنابهِ، والنَّدم على ما وجدَ منكم منه، فإنَّكم إن (٧) اتَّقيتم تقبَّل الله توبتَكُم وأنعم عليكم بثوابِ المتَّقين التَّائبين. وفي حديث أبي هريرة عند أبي يَعْلَى مرفوعًا: «مَن أكلَ لحمَ أخيهِ في الدُّنيا قُرِّب له لحمُه في الآخرةِ، فيقال له: كلْهُ ميِّتًا كما أكلْتَه حيًّا. قال: فيأكلُهُ ويَكْلَح ويصيحُ». قال الحافظ ابنُ كثير: غريبٌ جدًّا، وصحَّ: «دماءكُم وأموالكُم وأعراضكُم حرامٌ» [خ¦٦٧] وسامعُها شريكُه ما لم يُنْكرها بلسانهِ، ومع خوفهِ فبقلبهِ، وقيل: غيبةُ الخلقِ إنَّما تكون بالغِيبةِ عن الحقِّ، عافانا الله من المكارهِ بمنِّه وكرمهِ. وسقط لأبي ذرٍّ قولهِ: «﴿أَيُحِبُّ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿بَعْضًا﴾: «الآية».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ هُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ.
الحديث السابع: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: سَابَبْتُ رَجُلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، وَكَانَ اسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالْجَاهِلِيَّةُ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هُنَا الْجَهْلُ أَيْ إِنَّ فِيكَ جَهْلًا. وَقَوْلُهُ: قُلْتُ عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ أَيْ هَلْ فِيَّ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ جَهْلٍ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ؟ وَقَوْلُهُ: هُمْ إِخْوَانُكُمْ أَيِ الْعَبِيدُ أَوِ الْخَدَمُ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ مِنْهُمْ، وَقَرِينَةُ قَوْلِهِ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي ذَمِّ السَّبِّ وَاللَّعْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعْظَمِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّقْوَى، فَلَا يُفِيدُ الشَّرِيفَ النَّسَبِ نَسَبُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى، وَيَنْتَفِعُ الْوَضِيعُ النَّسَبِ بِالتَّقْوَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
٤٥ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ
٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ،، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ) أَيْ بِأَوْصَافِهِمْ (نَحْوَ قَوْلِهِمُ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَلْقَابِ وَمَا لَا يُعْجِبُ الرَّجُلَ أَنْ يُوصَفَ بِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّقَبَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُعْجِبُ الْمُلَقَّبَ وَلَا إِطْرَاءَ فِيهِ مِمَّا يَدْخُلُ فِي نَهْيِ الشَّرْعِ فَهُوَ جَائِزٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْجِبُهُ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، إِلَّا أنْ يعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى التَّعْرِيفِ بِهِ حَيْثُ يَشْتَهِرُ بِهِ وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةُ مِنْ ذِكْرِ الْأَعْمَشِ، وَالْأَعْرَجِ وَنَحْوِهِمَا وَعَارِمٍ وَغُنْدَرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي عَلَّقَهَا فِي الْبَابِ فَوَصَلَهَا فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَشَدَّدُوا حَتَّى نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا حُمَيْدًا الطَّوِيلَ غِيبَةً، وَكَأَنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستَريُّ أبو سعيد قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَاْلَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ) أي: أمَّنَا، وفي رواية: «لنا» باللام بدل الموحدة (الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ) وكانت جذعًا من نخل (فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يديه» (عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) في سبب تسليمه من الرَّكعتين، وروي: «فهاباه» بإثبات المفعول وحذفه، فإنَّ «يُكلِّماه» بدل من ضميرِ المفعول في «هاباه»، و «أن» هي المصدريَّة النَّاصبة وعلامة النَّصب في يكلِّماه حذف النُّون، والجملة كلُّها في الحقيقةِ مفسِّرة لمعنى قولهِ: وفي القوم أبو بكر وعمر؛ لأنَّه لو لم يقل: فهاباه لقيل: فما منعهما، وهما أقربُ من غيرهما، وأدلَّ عليه ﷺ (وَخَرَجَ) بلفظ الماضي، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويخرج» (سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتح السين المهملة والراء أوائلهم، جمع: سريع، وحكى المنذريُّ: تجويز كسر السين وسكون الراء عن بعضهم، وحكى ابنُ سيدَه عن ثعلب: أنَّه إذا كان السَّرعان وصفًا في النَّاس فالتَّحريك أفصحُ من التَّسكين (فَقَالُوا: قَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ) بفتح القاف وضم الصاد المهملة مبنيًّا للفاعل، وبضم القاف وكسر الصاد للمفعول، أي: قال بعضُهم لبعض لمَّا رأوا من فعله ﷺ، وأداة الاستفهام مقدَّرة (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) اسمه الخِرْبَاق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة فألف فقاف (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا اليَدَيْنِ) لطولهمَا (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَنَسِيتَ) الرَّكعتين (أَمْ قَُصُِرَتْ؟) بفتح القاف وضم الصاد للفاعل وللمفعول (٢) أيضًا (فَقَالَ) ﵊:
(لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تَُقْصَُرْ) بفتح أوله وضمِّ ثالثه، أو مبنيًّا للمفعول، وأمْ حرف عطفٍ متَّصلة؛ لأنَّها جاءت على شرطها من تقدُّم الاستفهام والسُّؤال بأي، والجواب بأحد الشَّيئين المستَفْهم عنهما أو الأشياء، وجملة «لم أنْسَ ولم تقصر» محكيَّة بالقول، وجزم «أَنْسَ» بحذف الألف وتقصر بالسكون، ولمَّا كانت «أم» هنا هي المتَّصلة لم يحسُنْ في الجواب لا أو نعم (قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ) لأنَّه لَمَّا نفى الأمرين وكان قد تقرَّر عندهم أنَّ السَّهو غير جائزٍ في الأمور البلاغيَّة جزموا بوقوعِ النِّسيانِ لا القصر، وقوله: بلْ، بسكون اللام (قَالَ: صَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبقَ بعد أن تذكَّر أنَّه لم يُتمَّها إذ لم يَطُلِ الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ) منه بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ) رأسه فكبَّر، فسجدَ سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ).
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قولهِ: «يدعوه ذا اليدينِ» لأنَّه إنَّما كان يُعرفُ (١) بذلك.
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٨٢].
(٤٦) (بابُ) تحريمِ (الغِيبَةِ) بكسر الغين المعجمة، وهي ذكر المسلم غير المُعْلِنِ بفجورهِ في غيبتهِ بما يكرهُ ولو بغمزٍ، أو بكتابةٍ، أو إشارةٍ. قال النَّوويُّ: وممَّن يستعمل التَّعريض في ذلك كثيرٌ من الفقهاء في التَّصانيف وغيرها كقولهم: قال بعضُ من يدَّعي العلم، أو بعضُ من يُنسب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك ممَّا يفهم السَّامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، ونحوه، إلَّا أن يكون ذلك نصحًا لطالب شيءٍ لا يعلم عيبهُ، ونحو ذلك (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق (﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾) نهيٌ عن الغيبةِ نهي تحريمٍ اتفاقًا، وهل هي
من الكبائر أو الصَّغائر؟ قال النَّوويُّ في «الرَّوضة» -تبعًا للرَّافعيِّ-: من الصَّغائر، وتُعُقِّبَ بأنَّ حدَّ الكبيرةِ صادقٌ عليها فهي منها (﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾) تمثيلٌ وتصويرٌ لِمَا يناله المغتابُ من عِرْضِ المغتاب على أفحشِ وجهٍ، وفيه مبالغات منها الاستفهام التَّقريريُّ، وجعل ما هو في الغاية من الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة، ومنها إسنادُه (١) الفعل إلى أحدِكم، والإشعار بأنَّ أحدًا من الأحدين (٢) لا يحبُّ ذلك، ومنها أنَّه لم (٣) يقتصرْ على تمثيلِ الاغتياب بأكلِ لحم الإنسانِ حتَّى جعلَ الإنسان أخًا، ومنها أنَّه لم يقتصرْ على أكل (٤) لحمِ الأخ حتَّى جعلَه ميْتًا. ووجه المناسبة أنَّ (٥) إدارةَ حَنَكِهِ بالغيبةِ كالأكل. وعن قتادة: كما تكره إن وجدْتَ جيفةً مدوِّدة أن تأكلَ منها، كذلك فاكرَهْ لحمَ أخيكَ وهو حيٌّ. وانتصب ﴿مَيْتًا﴾ على الحالِ من اللَّحم، أو من أخيه، ولمَّا قرَّر لهم (٦) بأنَّ أحدًا منهم لا يحبُّ أكلَ جيفةِ أخيه عقَّب ذلك بقولهِ: (﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾) أي: فتحقَّقت كراهتُكم له باستقامةِ العقلِ، فليتحقَّق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيرُهُ من الغيبةِ باستقامةِ الدِّين (﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]) التَّوَّاب البليغُ في قبول التَّوبة، والمعنى: واتَّقوا الله بتركِ ما أُمِرتم باجتنابهِ، والنَّدم على ما وجدَ منكم منه، فإنَّكم إن (٧) اتَّقيتم تقبَّل الله توبتَكُم وأنعم عليكم بثوابِ المتَّقين التَّائبين. وفي حديث أبي هريرة عند أبي يَعْلَى مرفوعًا: «مَن أكلَ لحمَ أخيهِ في الدُّنيا قُرِّب له لحمُه في الآخرةِ، فيقال له: كلْهُ ميِّتًا كما أكلْتَه حيًّا. قال: فيأكلُهُ ويَكْلَح ويصيحُ». قال الحافظ ابنُ كثير: غريبٌ جدًّا، وصحَّ: «دماءكُم وأموالكُم وأعراضكُم حرامٌ» [خ¦٦٧] وسامعُها شريكُه ما لم يُنْكرها بلسانهِ، ومع خوفهِ فبقلبهِ، وقيل: غيبةُ الخلقِ إنَّما تكون بالغِيبةِ عن الحقِّ، عافانا الله من المكارهِ بمنِّه وكرمهِ. وسقط لأبي ذرٍّ قولهِ: «﴿أَيُحِبُّ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿بَعْضًا﴾: «الآية».