الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٨
الحديث رقم ٦٠٦٨ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكون من الظن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ سَتْرِ الْمُؤْمِنِ
⦗٢٠⦘
عَلَى نَفْسِهِ
٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا، وَقَالَتْ:
تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها: عن رجلين وأنهما لا يَعْرِفان شيئا من دين الإسلام؛ لأنهما كانا يظهران الإسلام ويبطنان الكُفر.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين في غَيبتهما ليس من الغِيبة المنهي عنها، بل من الأمور التي لا بد منها؛ لئلا يلتبس ظاهر حالهما على من يجهل أمرهما.
وقوله :"ما أظن ." الظن هنا: بمعنى اليقين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين حقيقة بإعلام الله له بهم في سورة براءة، وقال ابن عباس رضي الله عنه :"كنا نسمي سورة براءة: الفاضحة، قال ابن عباس رضي الله عنه : "ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى خشينا".
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المضلة الْمُقْتَضِيَة للتباغض والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ لغير الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاجِب ويثاب فَاعله لتعظيم حق الله عز وَجل. قَوْله: (وَكُونُوا عباد الله) يَعْنِي: يَا عباد الله كونُوا إخْوَانًا يَعْنِي: اكتسبوا مَا تصيرون بِهِ إخْوَانًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنى: كونُوا كإخوان النّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.
قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم)
إِلَى آخِره فِيهِ التَّصْرِيح بِحرْمَة الهجران فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا فِيمَن لم يجن على الدّين جِنَايَة، فَأَما من جنى عَلَيْهِ وَعصى ربه فَجَاءَت الرُّخْصَة فِي عُقُوبَته بالهجران كالثلاثة المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك فَأمر الشَّارِع بهجرانهم فبقوا خمسين لَيْلَة حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ، وَقد آل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من نِسَائِهِ شهرا وَصعد مشْربَته وَلم ينزل إلَيْهِنَّ حَتَّى انْقَضى الشَّهْر. وَاخْتلفُوا: هَل يخرج بِالسَّلَامِ وَحده من الهجران؟ : فَقَالَت البغاددة: نعم، وَكَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْهِجْرَة تَزُول بِمُجَرَّد السَّلَام ورده، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا يبرأ من الْهِجْرَة إلَاّ بعوده إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا، وَقَالَ أَيْضا: إِن كَانَ ترك الْكَلَام يُؤْذِيه لم تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم.
٥٨ - (بابٌ: { (٩٤) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا تجسسوا} (الحجرات: ١٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} ... إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ أَن لفظ: بَاب، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجلَيْنِ من الصَّحَابَة اغتابا سلمَان رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (اجتنبوا) أَي: امْتَنعُوا واحترزوا كثيرا من الظَّن. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرجل يسمع من أَخِيه كلَاما لَا يُرِيد بِهِ سوءا فيراه أَخُوهُ الْمُسلم فيظن بِهِ سوءا، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَن يظنّ بِأَهْل الْخَيْر سوءا. وَقَوله: (كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم) يدل على أَنه لم ينْه عَن جَمِيع الظَّن، وَالظَّن على أَرْبَعَة أوجه: مَحْظُور ومأمور بِهِ ومباح ومندوب إِلَيْهِ.
فالمحظور: هُوَ سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَذَلِكَ الظَّن بِالْمُسْلِمين الَّذين ظَاهِرهمْ عَدَالَة مَحْظُور. والمأمور بِهِ: هُوَ مَا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل إِلَى الْعلم بِهِ، وَقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فِيهِ والاقتصار على غَالب الظَّن وإجراء الحكم وَاجِب وَذَلِكَ نَحْو مَا تعبدنا بِهِ من قبُول شَهَادَة الْعُدُول وتحري الْقبْلَة وتقويم المستهلكات وَأرش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشَّرْع، فَهَذَا ونظائره قد تعبدنا فِيهِ بغالب الظَّن. وَالظَّن الْمُبَاح: كالشك فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ إِمَامًا، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل بغالب الظَّن فَإِنَّهُ فعله كَانَ مُبَاحا وَإِن عدل إِلَى غَيره من الْبناء على الْيَقِين جَازَ وَالظَّن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ: كإحسان الظَّن بالأخ الْمُسلم ينْدب إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.
وَتَفْسِير: {وَلَا تجسسوا} قد مضى.
٦٠٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَناجَشُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَباغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَاناً.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة أَن البغض والحسد ينشآن عَن سوء الظَّن.
وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَهَهُنَا زِيَادَة قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، من النجش بالنُّون وَالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يزِيد فِي ثمن الْمَبِيع بِلَا رَغْبَة ليخدع غَيره فيوقعه فيزاد عَلَيْهِ، وَقد مر هَذَا فِي الْبيُوع، وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن مَالك بِلَفْظ: وَلَا تنافسوا، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى التَّمِيمِي. وَأخرج من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح بِلَفْظ: لَا تناجشوا، كَمَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ رَحمَه الله، والمنافسة هِيَ التنافس وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه.
٥٩ - (بابُ مَا يَكونُ مِنَ الظَّنِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكون جَوَازه من الظَّن، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْكشميهني: بَاب مَا يجوز من الظَّن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والجرجاني: بَاب مَا يكره من الظَّن، وَرِوَايَة أبي ذَر أنسب لسياق الحَدِيث.
٦٠٦٧ - حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلَاناً يَعْرفانِ مِنْ ديننَا شَيْئاً. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧ طرفه فِي: ٦٠٦٨) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّن وَفِي الحَدِيث نفي الظَّن. وَأجِيب بِأَن النَّفْي فِي الحَدِيث لظن النَّفْي لَا لنفي الظَّن فلاتنا فِي بَينهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعرف فِي قَول الْقَائِل: مَا أَظن زيدا فِي الدَّار، أَظُنهُ لَيْسَ فِي الدَّار. قلت: هُوَ حَاصِل الْجَواب الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد قد تكَرر مرَارًا عديدة خُصُوصا رِجَاله فَردا فَردا.
والْحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) هن ابْن سعد رَاوِي الحَدِيث، قَالَ الدَّاودِيّ: تَأْوِيل اللَّيْث بعيد وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرف جَمِيع الْمُنَافِقين، قَالَ الله تَعَالَى: { (٨) لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٠) وَفِي التَّوْضِيح: الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين لِأَنَّهُ كَانَ يعرف الْمُنَافِقين بإعلام الله لَهُ بهم فِي سُورَة بَرَاءَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كُنَّا نسمي سُورَة بَرَاءَة الفاضحة غير أَن الله لم يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِم وَنحن لَا نعلم بِالظَّنِّ مثل مَا علمه لأجل نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَلم يجب لنا الْقطع على الظَّن، غير أَنه من ظهر مِنْهُ فعل مُنكر فقد عرض نَفسه لسوء الظَّن والتهمة فِي دينه فَلَا حرج على من أَسَاءَ الظَّن بِهِ، وَقد قَالَ ابْن عمر: كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح أسأنا بِهِ الظَّن.
٦٠٦٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ بِهاذَا، وقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْماً وَقَالَ: يَا عائِشَةُ {مَا أظُنُّ فُلَاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ دِينَنا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أبي زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وَالنَّبِيّ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: دخل، وَيَوْما نصب على الظّرْف.
٦٠ - (بابُ سَتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْمُؤمن على نَفسه إِذا صدر مِنْهُ مَا يعاب.
٦٠٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: كلُّ أمَّتِي مُعافًى إلَاّ المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المَجانَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ} عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ.
قيل لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث لِأَن التَّرْجَمَة عقدت لستر الْمُؤمن على نَفسه، وَفِي الحَدِيث: ستر الله على الْمُؤمن، وَأجِيب بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستر الْمُؤمن على نَفسه، فَمن قصد إِظْهَار الْمعْصِيَة والمجاهرة فقد أغضب الله تَعَالَى فَلم يستره، وَمن قصد التستر بهَا حَيَاء، من ربه وَمن النَّاس من الله عَلَيْهِ بستره إِيَّاه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا روى عَن الزُّهْرِيّ بِوَاسِطَة وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الْكتاب: عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد كِلَاهُمَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (معافى) بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء مَقْصُورا إسم مفعول من الْعَافِيَة الَّتِي وضعت مَوضِع الْمصدر، يُقَال: عافاه عَافِيَة والعافية دفاع الله عَن العَبْد، وَالْمعْنَى هُنَا: عَفا الله عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا المجاهرين)
كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية.
٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله عز وَجل. وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله عز وَجل وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المضلة الْمُقْتَضِيَة للتباغض والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ لغير الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاجِب ويثاب فَاعله لتعظيم حق الله عز وَجل. قَوْله: (وَكُونُوا عباد الله) يَعْنِي: يَا عباد الله كونُوا إخْوَانًا يَعْنِي: اكتسبوا مَا تصيرون بِهِ إخْوَانًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنى: كونُوا كإخوان النّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.
قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم)
إِلَى آخِره فِيهِ التَّصْرِيح بِحرْمَة الهجران فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا فِيمَن لم يجن على الدّين جِنَايَة، فَأَما من جنى عَلَيْهِ وَعصى ربه فَجَاءَت الرُّخْصَة فِي عُقُوبَته بالهجران كالثلاثة المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك فَأمر الشَّارِع بهجرانهم فبقوا خمسين لَيْلَة حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ، وَقد آل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من نِسَائِهِ شهرا وَصعد مشْربَته وَلم ينزل إلَيْهِنَّ حَتَّى انْقَضى الشَّهْر. وَاخْتلفُوا: هَل يخرج بِالسَّلَامِ وَحده من الهجران؟ : فَقَالَت البغاددة: نعم، وَكَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْهِجْرَة تَزُول بِمُجَرَّد السَّلَام ورده، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا يبرأ من الْهِجْرَة إلَاّ بعوده إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا، وَقَالَ أَيْضا: إِن كَانَ ترك الْكَلَام يُؤْذِيه لم تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم.
٥٨ - (بابٌ: { (٩٤) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا تجسسوا} (الحجرات: ١٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} ... إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ أَن لفظ: بَاب، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجلَيْنِ من الصَّحَابَة اغتابا سلمَان رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (اجتنبوا) أَي: امْتَنعُوا واحترزوا كثيرا من الظَّن. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرجل يسمع من أَخِيه كلَاما لَا يُرِيد بِهِ سوءا فيراه أَخُوهُ الْمُسلم فيظن بِهِ سوءا، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَن يظنّ بِأَهْل الْخَيْر سوءا. وَقَوله: (كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم) يدل على أَنه لم ينْه عَن جَمِيع الظَّن، وَالظَّن على أَرْبَعَة أوجه: مَحْظُور ومأمور بِهِ ومباح ومندوب إِلَيْهِ.
فالمحظور: هُوَ سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَذَلِكَ الظَّن بِالْمُسْلِمين الَّذين ظَاهِرهمْ عَدَالَة مَحْظُور. والمأمور بِهِ: هُوَ مَا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل إِلَى الْعلم بِهِ، وَقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فِيهِ والاقتصار على غَالب الظَّن وإجراء الحكم وَاجِب وَذَلِكَ نَحْو مَا تعبدنا بِهِ من قبُول شَهَادَة الْعُدُول وتحري الْقبْلَة وتقويم المستهلكات وَأرش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشَّرْع، فَهَذَا ونظائره قد تعبدنا فِيهِ بغالب الظَّن. وَالظَّن الْمُبَاح: كالشك فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ إِمَامًا، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل بغالب الظَّن فَإِنَّهُ فعله كَانَ مُبَاحا وَإِن عدل إِلَى غَيره من الْبناء على الْيَقِين جَازَ وَالظَّن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ: كإحسان الظَّن بالأخ الْمُسلم ينْدب إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.
وَتَفْسِير: {وَلَا تجسسوا} قد مضى.
٦٠٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَناجَشُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَباغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَاناً.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة أَن البغض والحسد ينشآن عَن سوء الظَّن.
وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَهَهُنَا زِيَادَة قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، من النجش بالنُّون وَالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يزِيد فِي ثمن الْمَبِيع بِلَا رَغْبَة ليخدع غَيره فيوقعه فيزاد عَلَيْهِ، وَقد مر هَذَا فِي الْبيُوع، وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن مَالك بِلَفْظ: وَلَا تنافسوا، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى التَّمِيمِي. وَأخرج من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح بِلَفْظ: لَا تناجشوا، كَمَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ رَحمَه الله، والمنافسة هِيَ التنافس وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه.
٥٩ - (بابُ مَا يَكونُ مِنَ الظَّنِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكون جَوَازه من الظَّن، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْكشميهني: بَاب مَا يجوز من الظَّن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والجرجاني: بَاب مَا يكره من الظَّن، وَرِوَايَة أبي ذَر أنسب لسياق الحَدِيث.
٦٠٦٧ - حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلَاناً يَعْرفانِ مِنْ ديننَا شَيْئاً. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧ طرفه فِي: ٦٠٦٨) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّن وَفِي الحَدِيث نفي الظَّن. وَأجِيب بِأَن النَّفْي فِي الحَدِيث لظن النَّفْي لَا لنفي الظَّن فلاتنا فِي بَينهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعرف فِي قَول الْقَائِل: مَا أَظن زيدا فِي الدَّار، أَظُنهُ لَيْسَ فِي الدَّار. قلت: هُوَ حَاصِل الْجَواب الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد قد تكَرر مرَارًا عديدة خُصُوصا رِجَاله فَردا فَردا.
والْحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) هن ابْن سعد رَاوِي الحَدِيث، قَالَ الدَّاودِيّ: تَأْوِيل اللَّيْث بعيد وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرف جَمِيع الْمُنَافِقين، قَالَ الله تَعَالَى: { (٨) لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٠) وَفِي التَّوْضِيح: الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين لِأَنَّهُ كَانَ يعرف الْمُنَافِقين بإعلام الله لَهُ بهم فِي سُورَة بَرَاءَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كُنَّا نسمي سُورَة بَرَاءَة الفاضحة غير أَن الله لم يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِم وَنحن لَا نعلم بِالظَّنِّ مثل مَا علمه لأجل نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَلم يجب لنا الْقطع على الظَّن، غير أَنه من ظهر مِنْهُ فعل مُنكر فقد عرض نَفسه لسوء الظَّن والتهمة فِي دينه فَلَا حرج على من أَسَاءَ الظَّن بِهِ، وَقد قَالَ ابْن عمر: كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح أسأنا بِهِ الظَّن.
٦٠٦٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ بِهاذَا، وقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْماً وَقَالَ: يَا عائِشَةُ {مَا أظُنُّ فُلَاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ دِينَنا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أبي زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وَالنَّبِيّ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: دخل، وَيَوْما نصب على الظّرْف.
٦٠ - (بابُ سَتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْمُؤمن على نَفسه إِذا صدر مِنْهُ مَا يعاب.
٦٠٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: كلُّ أمَّتِي مُعافًى إلَاّ المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المَجانَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ} عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ.
قيل لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث لِأَن التَّرْجَمَة عقدت لستر الْمُؤمن على نَفسه، وَفِي الحَدِيث: ستر الله على الْمُؤمن، وَأجِيب بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستر الْمُؤمن على نَفسه، فَمن قصد إِظْهَار الْمعْصِيَة والمجاهرة فقد أغضب الله تَعَالَى فَلم يستره، وَمن قصد التستر بهَا حَيَاء، من ربه وَمن النَّاس من الله عَلَيْهِ بستره إِيَّاه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا روى عَن الزُّهْرِيّ بِوَاسِطَة وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الْكتاب: عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد كِلَاهُمَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (معافى) بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء مَقْصُورا إسم مفعول من الْعَافِيَة الَّتِي وضعت مَوضِع الْمصدر، يُقَال: عافاه عَافِيَة والعافية دفاع الله عَن العَبْد، وَالْمعْنَى هُنَا: عَفا الله عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا المجاهرين)
كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية.
٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله عز وَجل. وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله عز وَجل وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.