«سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٠

الحديث رقم ٦٠٦٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره من التمادح.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في…

«سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ.»

سند حديث: ٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ…

٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّصِيحَةَ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَجْتَنِبُ الْأَذَى فَلَا، وَقَلَّ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَطَرِيقُ السَّلَامَةِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَخْشَى عَدَمَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاحُ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ.

وذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إِخْبَارِهِ النَّبِيَّ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَمَغَّرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَارَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَغَرَةِ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَانَ جَوَازِ النَّقْلِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ نَقْلَهُ مَا نَقَلَ، بَلْ غَضِبَ مِنْ قَوْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، ثُمَّ حَلُمَ عَنْهُ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُ ائْتِسَاءً بِمُوسَى ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾

٥٤ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ

٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ؛ فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ.

٦٠٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذ كِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ : وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَارًا، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، واللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ: وَيْلَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) هُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدْحِ أَيِ الْمُبَالَغُ، وَالتَّمَدُّحُ التَّكَلُّفُ وَالْمُمَادَحَةُ أَيْ مَدْحُ كُلٍّ مِنَ الشَّخْصَيْنِ الْآخَرَ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرِيدَ حَمْلَ التَّفَاعُلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ.

أورد فيه حديثين: الأول: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَزَّارُ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فِي الشَّهَادَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ؛ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مَتْنِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ فَذَكَرَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا شَيْخُهُ هُوَ الْخُلْقَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبُرَيْدَةُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ يُكَنَّى أَبَا بُرْدَةَ مِثْلَ كُنْيَةِ جَدِّهِ وَهُوَ شَيْخُهُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ عَنْ بُرَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا صَرِيحًا، وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيَّ؛ فَذَكَرَ

حَدِيثًا قَالَ فِيهِ: فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: مَنْ هَذَا؟ فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ: اسْكُتْ لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فُلَانٌ وَهَذَا وَهَذَا، وَفِي أُخْرَى لَهُ: هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَ. وَالَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ مِحْجَنُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو النِّجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ، فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ مَا يُقَرِّبُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَيُطْرِيهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِطْرَاءِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ، وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمِدْحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ، وَفِي أُخْرَى فِي مَدْحِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ الضَّمِيرِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ: قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ. وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْهَلَاكُ لِأَنَّ مَنْ يُقْطَعُ عُنُقُهُ يُقْتَلُ وَمَنْ يُقْطَعُ ظَهْرُهُ يَهْلِكُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ خَالِدٍ) هُوَ الْحَذَّاءُ، وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا)، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا لَعَلَّهُ يَعْنِي الصَّلَاةَ لِمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَيْحَكَ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ وَتَوَجُّعٍ، وَوَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَقَدْ تَأْتِي مَوْضِعَ وَيْحٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الَّتِي مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، مِرَارًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا بَعْدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ.

قَوْلُهُ: (لَا مَحَالَةَ) أَيْ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَهِيَ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَوْلِ أَيِ الْقُوَّةُ وَالْحَرَكَةُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُظَنُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ حَسِيبُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيه وَبَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ مُوَحَّدَةٌ أَيْ كَافِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُنَا فَعِيلٌ مِنَ الْحِسَابِ أَيْ مُحَاسَبَةٌ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَلْيَقُلْ، وَالْمَعْنَى فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ أَنَّ فُلَانًا كَذَا إِنْ كَانَ يُحْسَبُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِيهِ، وَلَا يَقُلْ أَتَيَقَّنُ وَلَا أَتَحَقَّقُ جَازِمًا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَكَّى عَلَى اللَّهِ أَحَدٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَا يُزَكِّي بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا الْمَقُولُ لَهُ فَلْيَقُلْ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ وَلَا أُزَكِّي بِهَمْزَةٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ لَا أَقْطَعُ عَلَى عَاقِبَةِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنْهُ، وَجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكُمْ مِنْكُمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ (وَيْلَكَ) أَيْ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ وَيْلَكَ بَدَلَ وَيْحَكَ، وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ وُهَيْبٍ مَوْصُولَةً فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَكَ، وَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَاصِلُ النَّهْيِ أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْحِ آخَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى الْمَمْدُوحِ الْعُجْبَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَلَ وَالِازْدِيَادَ مِنَ الْخَيْرِ اتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَمْدَحُ النَّاسَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ عُمَرُ: الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ مُدِحَ بِمَا فِيهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ مُدِحَ فِي الشِّعْرِ وَالْخُطَبِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَلَمْ يَحْثُ فِي وَجْهِ مَادِحِهِ تُرَابًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فَأَخْبَرْتُهُ) بما قاله (فَتَمَعَّرَ) بالعين المهملة المشددة (وَجْهُهُ) أي: تغيَّر لونه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتمغَّر» بالغين المعجمة بدل المهملة، أي: صار بلون (١) المَغْرة من شدَّة الغضبِ المجبولِ عليه البشر، لكنَّه صلوات الله وسلامه عليه صبرَ وحَلُم اقتداءً بالأنبياء قبلهُ امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (وَ) لذا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى) الكليم (لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أوذيتُ به (فَصَبَرَ) كقول قومه: هو آدرُ ونحوه، ومرادُ البخاريِّ جوازُ النَّقل على وجهِ النَّصيحة؛ لأنَّه لم يُنكِرْ على ابنِ مسعود نقل ما نقلَه، بل غضبَ من قولِ المنقولِ (٢) عنه، ولم يُنقلْ أنَّه عاقبه؛ لأنَّه لم يَطعن في النُّبُّوة، وأيضًا فلا يثبتُ حكمٌ بشهادةِ واحدٍ، ويفهم منه أنَّ الكبراء من الخواصِّ قد يَعِزُّ عليهم ما يقال فيهم من الباطلِ لِمَا في فطرِ البشر، إلَّا أنَّ أهل الفضلِ يتلقَّون ذلك بالصَّبر الجميلِ اقتداء بالسَّلف ليتأسَّى بهم الخلفُ (٣).

والحديثُ سبقَ في «باب ما كان النَّبيُّ يعطي المؤلَّفة» من «الجهاد» [خ¦٣١٥٠].

(٥٤) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) بين النَّاس مما فيه إطراء (٤)، ومجاوزة الحدِّ.

٦٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، البزَّار -بزاي وبعد الألف راء-، وفي مسلم أبو جعفر محمَّد بن الصَّبَّاح (٥) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الخُلْقَانيُّ -بضم الخاء المعجمة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الله مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هاذا فَصَبَرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح مَا أبهم فِيهَا، وَقد بَيناهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي: الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (قسم) أَي: يَوْم حنين، وَقد أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس مائَة من الْإِبِل. قَوْله: (فتمعر) تفعل مَاض من التمعر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: تغير لَونه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فتمغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: صَار لَونه لون الْمغرَة، وَصَاحب (التَّوْضِيح) نسب هَذِه الرِّوَايَة لأبي ذَر.

وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَبَر قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل وَيكبر عَلَيْهِم، فَإِن ذَلِك جبلة فِي الْبشر فطرهم الله عَلَيْهَا إلَاّ أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره أَنهم قَالُوا لَهُ: هُوَ آدر، فَمر يغْتَسل عُريَانا فَوضع ثَوْبه على الْحجر فَتَبِعَهُ ففر الْحجر فَجَاز على بني إِسْرَائِيل فبرأه مِمَّا قَالُوا، وَمِنْه: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات حمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدل الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ شَدِيد الْغَضَب يخرج شعره من ثَوْبه إِذا غضب، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمثل هَذِه كَثِيرَة.

٥٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التمادُحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التمادح بَين النَّاس الَّذِي فِيهِ الإطراء ومجاوزة الْحَد، وَهُوَ المُرَاد من التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث يدل على هَذَا. قَالَ بَعضهم: هُوَ مدح كل من الشخصين الآخر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، هَذَا الَّذِي قَالَه بَاب المفاعلة، وَهَذَا من بَاب التفاعل لمشاركة الْقَوْم وَمن لَهُ أدنى مسكة من الصّرْف يعرف هَذَا.

٦٠٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ زَكرِيَّاءَ حدّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يُثْني عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيه فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن يفرط فِي مدح الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فيدخله من ذَلِك الْإِعْجَاب ويظن أَنه فِي الْحَقِيقَة بِتِلْكَ الْمنزلَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قطعْتُمْ ظهر الرجل حِين وصفتموه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرُبمَا حمله ذَلِك على الْعجب وَالْكبر وعَلى تَضْييع الْعَمَل وَترك الإزدياد وَالْفضل، وَمن ذَلِك تَأَول الْعلمَاء فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين) ، أَن المُرَاد بهم المداحون النَّاس فِي وُجُوههم بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فيهم، وَلم يرد بهم من مدح رجلا بِمَا فِيهِ فقد مدح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَشْعَار والخطب والمخاطبة وَلم يحث فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب، وَلَا أَمر بذلك، وَقد قَالَ أَبُو طَالب فِيهِ:

(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)

ومدحه حسان فِي كثير من شعره، وَكَعب بن زُهَيْر وَغير ذَلِك.

وَمُحَمّد بن صباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَيُقَال: فِيهِ الصَّباح بِالْألف وَاللَّام الْبَغْدَادِيّ، فَالْأول رِوَايَة أبي ذَر وَالثَّانِي لغيره، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء مَقْصُور أَو مَمْدُود الْأَسدي، وَبُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه عَامر، قيل: الْحَارِث يرْوى عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.

والْحَدِيث قد مر فِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّصِيحَةَ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَجْتَنِبُ الْأَذَى فَلَا، وَقَلَّ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَطَرِيقُ السَّلَامَةِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَخْشَى عَدَمَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاحُ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ.

وذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إِخْبَارِهِ النَّبِيَّ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَمَغَّرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَارَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَغَرَةِ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَانَ جَوَازِ النَّقْلِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ نَقْلَهُ مَا نَقَلَ، بَلْ غَضِبَ مِنْ قَوْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، ثُمَّ حَلُمَ عَنْهُ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُ ائْتِسَاءً بِمُوسَى ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾

٥٤ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ

٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ؛ فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ.

٦٠٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذ كِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ : وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَارًا، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، واللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ: وَيْلَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) هُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدْحِ أَيِ الْمُبَالَغُ، وَالتَّمَدُّحُ التَّكَلُّفُ وَالْمُمَادَحَةُ أَيْ مَدْحُ كُلٍّ مِنَ الشَّخْصَيْنِ الْآخَرَ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرِيدَ حَمْلَ التَّفَاعُلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ.

أورد فيه حديثين: الأول: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَزَّارُ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فِي الشَّهَادَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ؛ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مَتْنِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ فَذَكَرَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا شَيْخُهُ هُوَ الْخُلْقَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبُرَيْدَةُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ يُكَنَّى أَبَا بُرْدَةَ مِثْلَ كُنْيَةِ جَدِّهِ وَهُوَ شَيْخُهُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ عَنْ بُرَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا صَرِيحًا، وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيَّ؛ فَذَكَرَ

حَدِيثًا قَالَ فِيهِ: فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: مَنْ هَذَا؟ فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ: اسْكُتْ لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فُلَانٌ وَهَذَا وَهَذَا، وَفِي أُخْرَى لَهُ: هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَ. وَالَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ مِحْجَنُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو النِّجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ، فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ مَا يُقَرِّبُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَيُطْرِيهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِطْرَاءِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ، وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمِدْحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ، وَفِي أُخْرَى فِي مَدْحِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ الضَّمِيرِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ: قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ. وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْهَلَاكُ لِأَنَّ مَنْ يُقْطَعُ عُنُقُهُ يُقْتَلُ وَمَنْ يُقْطَعُ ظَهْرُهُ يَهْلِكُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ خَالِدٍ) هُوَ الْحَذَّاءُ، وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا)، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا لَعَلَّهُ يَعْنِي الصَّلَاةَ لِمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَيْحَكَ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ وَتَوَجُّعٍ، وَوَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَقَدْ تَأْتِي مَوْضِعَ وَيْحٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الَّتِي مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، مِرَارًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا بَعْدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ.

قَوْلُهُ: (لَا مَحَالَةَ) أَيْ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَهِيَ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَوْلِ أَيِ الْقُوَّةُ وَالْحَرَكَةُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُظَنُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ حَسِيبُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيه وَبَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ مُوَحَّدَةٌ أَيْ كَافِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُنَا فَعِيلٌ مِنَ الْحِسَابِ أَيْ مُحَاسَبَةٌ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَلْيَقُلْ، وَالْمَعْنَى فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ أَنَّ فُلَانًا كَذَا إِنْ كَانَ يُحْسَبُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِيهِ، وَلَا يَقُلْ أَتَيَقَّنُ وَلَا أَتَحَقَّقُ جَازِمًا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَكَّى عَلَى اللَّهِ أَحَدٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَا يُزَكِّي بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا الْمَقُولُ لَهُ فَلْيَقُلْ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ وَلَا أُزَكِّي بِهَمْزَةٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ لَا أَقْطَعُ عَلَى عَاقِبَةِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنْهُ، وَجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكُمْ مِنْكُمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ (وَيْلَكَ) أَيْ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ وَيْلَكَ بَدَلَ وَيْحَكَ، وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ وُهَيْبٍ مَوْصُولَةً فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَكَ، وَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَاصِلُ النَّهْيِ أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْحِ آخَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى الْمَمْدُوحِ الْعُجْبَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَلَ وَالِازْدِيَادَ مِنَ الْخَيْرِ اتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَمْدَحُ النَّاسَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ عُمَرُ: الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ مُدِحَ بِمَا فِيهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ مُدِحَ فِي الشِّعْرِ وَالْخُطَبِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَلَمْ يَحْثُ فِي وَجْهِ مَادِحِهِ تُرَابًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فَأَخْبَرْتُهُ) بما قاله (فَتَمَعَّرَ) بالعين المهملة المشددة (وَجْهُهُ) أي: تغيَّر لونه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتمغَّر» بالغين المعجمة بدل المهملة، أي: صار بلون (١) المَغْرة من شدَّة الغضبِ المجبولِ عليه البشر، لكنَّه صلوات الله وسلامه عليه صبرَ وحَلُم اقتداءً بالأنبياء قبلهُ امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (وَ) لذا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى) الكليم (لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أوذيتُ به (فَصَبَرَ) كقول قومه: هو آدرُ ونحوه، ومرادُ البخاريِّ جوازُ النَّقل على وجهِ النَّصيحة؛ لأنَّه لم يُنكِرْ على ابنِ مسعود نقل ما نقلَه، بل غضبَ من قولِ المنقولِ (٢) عنه، ولم يُنقلْ أنَّه عاقبه؛ لأنَّه لم يَطعن في النُّبُّوة، وأيضًا فلا يثبتُ حكمٌ بشهادةِ واحدٍ، ويفهم منه أنَّ الكبراء من الخواصِّ قد يَعِزُّ عليهم ما يقال فيهم من الباطلِ لِمَا في فطرِ البشر، إلَّا أنَّ أهل الفضلِ يتلقَّون ذلك بالصَّبر الجميلِ اقتداء بالسَّلف ليتأسَّى بهم الخلفُ (٣).

والحديثُ سبقَ في «باب ما كان النَّبيُّ يعطي المؤلَّفة» من «الجهاد» [خ¦٣١٥٠].

(٥٤) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) بين النَّاس مما فيه إطراء (٤)، ومجاوزة الحدِّ.

٦٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، البزَّار -بزاي وبعد الألف راء-، وفي مسلم أبو جعفر محمَّد بن الصَّبَّاح (٥) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الخُلْقَانيُّ -بضم الخاء المعجمة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الله مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هاذا فَصَبَرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح مَا أبهم فِيهَا، وَقد بَيناهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي: الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (قسم) أَي: يَوْم حنين، وَقد أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس مائَة من الْإِبِل. قَوْله: (فتمعر) تفعل مَاض من التمعر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: تغير لَونه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فتمغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: صَار لَونه لون الْمغرَة، وَصَاحب (التَّوْضِيح) نسب هَذِه الرِّوَايَة لأبي ذَر.

وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَبَر قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل وَيكبر عَلَيْهِم، فَإِن ذَلِك جبلة فِي الْبشر فطرهم الله عَلَيْهَا إلَاّ أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره أَنهم قَالُوا لَهُ: هُوَ آدر، فَمر يغْتَسل عُريَانا فَوضع ثَوْبه على الْحجر فَتَبِعَهُ ففر الْحجر فَجَاز على بني إِسْرَائِيل فبرأه مِمَّا قَالُوا، وَمِنْه: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات حمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدل الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ شَدِيد الْغَضَب يخرج شعره من ثَوْبه إِذا غضب، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمثل هَذِه كَثِيرَة.

٥٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التمادُحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التمادح بَين النَّاس الَّذِي فِيهِ الإطراء ومجاوزة الْحَد، وَهُوَ المُرَاد من التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث يدل على هَذَا. قَالَ بَعضهم: هُوَ مدح كل من الشخصين الآخر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، هَذَا الَّذِي قَالَه بَاب المفاعلة، وَهَذَا من بَاب التفاعل لمشاركة الْقَوْم وَمن لَهُ أدنى مسكة من الصّرْف يعرف هَذَا.

٦٠٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ زَكرِيَّاءَ حدّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يُثْني عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيه فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن يفرط فِي مدح الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فيدخله من ذَلِك الْإِعْجَاب ويظن أَنه فِي الْحَقِيقَة بِتِلْكَ الْمنزلَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قطعْتُمْ ظهر الرجل حِين وصفتموه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرُبمَا حمله ذَلِك على الْعجب وَالْكبر وعَلى تَضْييع الْعَمَل وَترك الإزدياد وَالْفضل، وَمن ذَلِك تَأَول الْعلمَاء فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين) ، أَن المُرَاد بهم المداحون النَّاس فِي وُجُوههم بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فيهم، وَلم يرد بهم من مدح رجلا بِمَا فِيهِ فقد مدح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَشْعَار والخطب والمخاطبة وَلم يحث فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب، وَلَا أَمر بذلك، وَقد قَالَ أَبُو طَالب فِيهِ:

(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)

ومدحه حسان فِي كثير من شعره، وَكَعب بن زُهَيْر وَغير ذَلِك.

وَمُحَمّد بن صباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَيُقَال: فِيهِ الصَّباح بِالْألف وَاللَّام الْبَغْدَادِيّ، فَالْأول رِوَايَة أبي ذَر وَالثَّانِي لغيره، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء مَقْصُور أَو مَمْدُود الْأَسدي، وَبُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه عَامر، قيل: الْحَارِث يرْوى عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.

والْحَدِيث قد مر فِي

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله