«إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاوُبَ، فَإِذَا عَطَسَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٢٣

الحديث رقم ٦٢٢٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاوب، فإذا عطس…

«إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاوُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.»

سند حديث: ٦٢٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ…

٦٢٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ :

رواة الحديث

شرح حديث: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاوب، فإذا عطس…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْخَلَاءِ أَوْ فِي الْجَمَاعَةِ فَيُؤَخِّرُ ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ فَيُشَمَّتُ، فَلَوْ خَالَفَ فَحَمِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ هَلْ يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ؟ فِيهِ نَظَرٌ.

١٢٥ - بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْعُطَاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّثَاؤُبِ

٦٢٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ. وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَاء ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعُطَاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاؤُبِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا مُنْصَرِفٌ إِلَى سَبَبِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُطَاسَ يَكُونُ مِنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ وَانْفِتَاحِ الْمَسَامِّ وَعَدَمِ الْغَايَةِ فِي الشِّبَعِ وَهُوَ بِخِلَافِ التَّثَاؤُبِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ عِلَّةِ امْتِلَاءِ الْبَدَنِ وَثِقَلِهِ مِمَّا يَكُونُ نَاشِئًا عَنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّخْلِيطِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي النَّشَاطَ لِلْعِبَادَةِ وَالثَّانِي عَلَى عَكْسِهِ.

قَوْلُهُ: (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا قَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَتَابَعَهُ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَخَالَفَهُمُ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الطَّيَالِسِيِّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْشَأُ عَنْ زُكَامٍ، لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّشْمِيتِ، وَيَحْتَمِلُ التَّعْمِيمَ فِي نَوْعَيِ الْعُطَاسِ وَالتَّفْصِيلُ فِي التَّشْمِيتِ خَاصَّةً، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَحْوَالِ الْعَاطِسِينَ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النُّعَاسَ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.

قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَا يُعَارِضُ هَذَا حديث أبي هريرة - يعني حَدِيثُ الْبَابِ فِي مَحَبَّةِ الْعُطَاسِ وَكَرَاهَةِ التَّثَاؤُبِ - لِكَوْنِهِ مقيدا بِحَالِ الصَّلَاةِ، فَقَدْ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطَانُ فِي حُصُولِ الْعُطَاسِ لِلْمُصَلِّي لِيَشْغَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعُطَاسَ إِنَّمَا لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِخِلَافِ التَّثَاؤُبِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي التَّثَاؤُبِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ: فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ فِي الْعُطَاسِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ وَيُحِبُّ الْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ جَدِّ عَدِيٍّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي إِخْرَاجِ الْعَطْسَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَبْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَذَكَرَ مِنْهَا شِدَّةَ الْعُطَاسِ.

قَوْلُهُ: (فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ مُبَادَرَةِ الْعَاطِسِ بِالتَّحْمِيدِ، وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَنَّى فِي حَقِّهِ حَتَّى يَسْكُنَ وَلَا يُعَاجِلْهُ بِالتَّشْمِيتِ، قَالَ: وَهَذَا فِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ شَرْطِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢٥) (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطَاسِ) بضم العين (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاوبِ) بالفوقية ثمَّ المثلَّثة والواو بغير همزٍ في الفرع وأصله. قال في «الكواكب»: وهو بالهمز على الأصحِّ، وهو تنفُّسٌ ينفتحُ منه الفمُ من الامتلاءِ، وثقلِ النَّفس، وكُدُورة الحواس.

٦٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، العسقلانيُّ، أصله خراسانيٌّ، يُكنى أبا الحسنِ، ونشأ ببغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بنِ الحارث بنِ أبي ذئبٍ، واسمه: هشامُ بن سعدٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان المدنيِّ، مولى أمِّ شريك (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ) الَّذي لا ينشأُ عن زكامٍ؛ لأنَّه يكون من خفَّة البدن وانفتاح السُّدد، وذلك ممَّا يقتضي النَّشاط لفعل الطَّاعة والخير (وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) لأنَّه يكون عن غلبة امتلاء البدن والإكثار من الأكل والتَّخليط فيه، فيؤدِّي إلى الكسل والتَّقاعد عن العبادة، وعن الأفعالِ المحمودة، فالمحبَّة والكراهة المذكوران منصرفان إلى ما ينشأ عن سببهما (١) (فَإِذَا عَطَسَ) بفتح الطاء (فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) احتجَّ به من قال بالوجوب، وسبق ما فيه في الباب قبله [خ¦٦٢٢٢] (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يزيِّن للنَّفس شهوتها من امتلاءِ البدن بكثرةِ المآكل (فَلْيَرُدَّهُ) أي: التَّثاؤب (٢) (مَا اسْتَطَاعَ) إمَّا بوضع يدهِ على فمهِ، أو بتطبيقِ الشَّفتين (فَإِذَا قَالَ: هَا) هي حكاية صوت المتثاوبِ (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فرحًا بتشويهِ صورتهِ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) وَقَالَ ابْن بطال، مَا ملخصه إِن التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْحَمْد والْحَدِيث مُطلق، وَظَاهره أَن كل عاطس يشمت على التَّعْمِيم، وَالْمُنَاسِب للتَّرْجَمَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالْحَمْد، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ يذكر حَدِيث الْبَراء، ثمَّ اعتذر عَنهُ بِأَن هَذَا من الْأَبْوَاب الَّتِي أعجلته الْمنية عَن تهذيبها، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ مَا ملخصه: إِنَّه يرد عذره الْمَذْكُور وَإنَّهُ إِنَّمَا الَّذِي فعله إِمَّا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَإِمَّا فِي حَدِيث آخر وعد الْعلمَاء ذَلِك من دَقِيق فهمه وَحسن تصرفه، فَإِن إِيثَار الأخفى على الأجلى شحذاً للذهن وبعثاً للطَّالِب على تتبع طرق الحَدِيث. انْتهى. قلت: أما كَلَام ابْن بطال فَإِنَّهُ غير جلي لِأَنَّهُ لَو قدم الْمُقَيد على الْمُطلق لأورد عَلَيْهِ بِأَن الْمُقَيد جُزْء الْمُطلق، وَتَقْدِيم المتضمن للجزء أولى، وَالَّذِي قَصده يفهم من هَذَا الْوَضع على أَن التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط، وَأما كَلَام بَعضهم فَلَا يجدي شَيْئا لِأَن من وقف على حَدِيث من أَحَادِيث الْكتاب يتعسر عَلَيْهِ أَن يقف على مَا وَقع فِي بعض طرقه وَفِي تَحْصِيل حَدِيث آخر. وَقَوله فَإِن فِي إِيثَار الأخفى ... إِلَى آخِره تنويه للنَّاظِر وإحالة على تتبع أَمر مَجْهُول، وَهَذَا لَيْسَ بدأب عِنْد الْعلمَاء.

وَحَدِيث الْبَراء هَذَا مضى فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الْمَظَالِم عَن سعيد بن الرّبيع، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الطِّبّ عَن حَفْص بن عمر، وَفِي النِّكَاح عَن الْحسن بن الرّبيع، وَسَيَأْتِي فِي النذور.

قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) ، ظَاهر الْأَمر فِيهِ يدل على أَنه وَاجِب، وَكَذَلِكَ أَحَادِيث أخر فِي هَذَا الْبَاب يدل ظَاهرهَا على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ ابْن المزين من الْمَالِكِيَّة، وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ بعض النَّاس: إِنَّه فرض عين، وَعند جُمْهُور الْعلمَاء من أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة: إِنَّه فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ، وَذهب عبد الْوَهَّاب وَجَمَاعَة من الْمَالِكِيَّة إِنَّه مُسْتَحبّ.

ثمَّ قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) عَام خص بِهِ جمَاعَة: الأول: من لم يحمد، وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرد. وَالثَّانِي: الْكَافِر، وَقد أخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَت الْيَهُود يتعاطسون عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجَاء أَن يَقُول: يَرْحَمكُمْ، وَكَانَ يَقُول: يهديكم الله وَيصْلح بالكم. وَالثَّالِث: المزكوم إِذا تكَرر مِنْهُ العطاس وَزَاد على الثَّلَاث، وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد من طَرِيق مُحَمَّد بن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: شمته وَاحِدَة وثنتين وَثَلَاثًا، فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ زكام، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة اللَّيْث عَن ابْن عجلَان، وَقَالَ فِيهِ: لَا أعلمهُ إلَاّ رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرج ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن الْعَاصِ: شمتوه ثَلَاثًا فَإِن زَاد فَهُوَ دَاء يخرج من رَأسه، وَهُوَ مَوْقُوف أَيْضا، وَمن طَرِيق عبد الله بن الزبير أَن رجلا عطس عِنْده فشمت ثمَّ عطس فَقَالَ فِي الرَّابِعَة: أَنْت مضنوك، أَي: مزكوم، والضناك بِالضَّمِّ الزُّكَام، قَالَه ابْن الْأَثِير. وَالرَّابِع: من يكره التشميت، قيل: كَيفَ يتْرك السّنة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا سنة لمن أحبها، فَأَما من كرهها وَرغب عَنْهَا فَلَا، ويطرد ذَلِك فِي السَّلَام والعيادة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَالَّذِي عِنْدِي أَنه لَا يمْتَنع إلَاّ من خَافَ مِنْهُ ضَرَرا، فَأَما غَيره فيشمت امتثالاً لِلْأَمْرِ، ويناقضه للتكبر فِي مُرَاده. قلت: قد جرت الْعَادة عِنْد سلاطين مصر أَنه إِذا عطس لَا يشمته أحد، وَإِذا دخل عَلَيْهِ أحد لَا يسلم عَلَيْهِ، وَالَّذِي قَالَه الشَّيْخ يعْمل فِيهِ بالتفصيل الْمَذْكُور. وَالْخَامِس: عِنْد الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، لِأَن التشميت يخل بالإنصات الْمَأْمُور بِهِ. وَالسَّادِس: من عطس وَهُوَ يُجَامع أَو فِي الْخَلَاء فيؤخر ثمَّ يحمد ويشمته من سَمعه، فَلَو خَالف فَحَمدَ فِي تِلْكَ الْحَالة هَل يسْتَحق التشميت؟ قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: النّظر أَنه يشمت لظَاهِر الحَدِيث.

قَوْله: (وإبرار الْمقسم) ، أَي: تَصْدِيق من أقسم عَلَيْك وَهُوَ أَن تفعل مَا سَأَلَهُ، ويروى: وإبرار الْقسم. قَوْله: (أَو قَالَ: حَلقَة الذَّهَب) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (والسندس) ، هُوَ مَا رقّ من الديباج وَرفع. قَوْله: (والمياثر) . جمع الميثرة بِكَسْر الْمِيم من الوثارة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء وَهِي مركب كَانَت النِّسَاء تَصنعهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ على السُّرُوج، فَإِن قلت: المنهيات خَمْسَة لَا سَبْعَة هُنَا؟ قلت: السَّادِس: القسي، وَالسَّابِع: آنِية الْفضة، ذكرهمَا فِي كتاب اللبَاس.

١٢٥ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التّثاؤُبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الَّذِي يسْتَحبّ من العطاس، وَكَرَاهَة التثاؤب وَهُوَ بِالْهَمْزَةِ على الْأَصَح، وَقيل بِالْوَاو، وَقيل: التثاؤب

على وزن التفاعل، وَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم من الامتلاء وَثقل النَّفس وكدورة الْحَواس وَيُورث الْغَفْلَة والكسل، وَلذَلِك أحبه الشَّيْطَان وَضحك مِنْهُ، والعطاس سَبَب لخفة الدِّمَاغ واستفراغ الفضلات عَنهُ وصفاء الرّوح، وَلذَلِك كَانَ أمره بِالْعَكْسِ.

٦٢٢٣ - حدَّثنا آدَمْ بنُ أبي إياسٍ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْب حَدثنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّ الله يُحِبُّ العُطاسَ ويَكْرَهُ التَّثاوُبِ، فَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يُشَمِّتَهُ، وأمَّا التثاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتطاعَ، فَإِذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٩ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. واسْمه هِشَام بن سعد الْقرشِي الْمدنِي، وَسَعِيد المَقْبُري ابْن كيسَان الْمدنِي والمقبري بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا، وَكَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا.

والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ.

قَوْله: (إِن الله يحس العطاس) ، يَعْنِي الَّذِي لَا ينشأ من الزُّكَام لِأَنَّهُ الْمَأْمُور فِيهِ بالتحميد والتشميت، وَيحْتَمل التَّعْمِيم، كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: ظَاهره التَّعْمِيم لَكِن خرج مِنْهُ الَّذِي يعطس أَكثر من ثَلَاث مَرَّات، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (فَحق على كل مُسلم سَمعه أَن يشمته) ، ظَاهره الْوُجُوب، وَلَكِن نقل النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق على الِاسْتِحْبَاب، وَقد مر بَيَان الْخلاف فِيهِ، ويستدل بِهِ على اسْتِحْبَاب مبادرة الْعَاطِس بالتحميد. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، إِنَّمَا نسب التثاؤب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يزين للنَّفس شهوتها وَهُوَ من امتلاء الْبدن وَكَثْرَة المأكل، وَقيل: مَا تثاءب نَبِي قطّ لِأَنَّهُ لَا يُضَاف إِلَيْهِ عمل للشَّيْطَان فِيهِ حَظّ. قَوْله: (فليرده) ، يَعْنِي: إِمَّا بِوَضْع الْيَد على الْفَم، وَإِمَّا بتطبيق الشفتين وَذَلِكَ لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من ضحكه عَلَيْهِ من تَشْوِيه صورته أَو من دُخُوله فَمه، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات، ويخفض صَوته وَلَا يمده فِي تثاؤبه، وَقد كره ذَلِك فِي العطاس فضلا عَن التثاؤب، وَقَالُوا: وَمن آدَاب الْعَاطِس أَن يخْفض بالعطسة صَوته، وَأَن يُزَوجهُ بِالْحَمْد، وَأَن يُغطي وَجهه لِئَلَّا يَبْدُو من فِيهِ أَو أَنفه مَا يُؤْذِي جليسه، وَلَا يلوى عُنُقه يَمِينا وَلَا شمالاً لِئَلَّا يتَضَرَّر بذلك، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَد جيد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا عطس وضع يَده على فَمه وخفض صَوته. قَوْله: (فَإِذا قَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان) ، وَلَفظه: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب يَعْنِي: إِذْ بَالغ فِي الثوباء ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان فَرحا بذلك.

١٢٦ - (بابٌ إِذا عَطَسَ كَيْفَ يُشَمَّتُ؟)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا عطس أحد كَيفَ يشمت؟ على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: كَيفَ يشمته السَّامع، يَعْنِي: مَا يَقُول لَهُ؟ وَفِي الحَدِيث بَينه.

٦٢٢٤ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ سَلَمَةَ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ الله، وَلْيَلُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صًّاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذا قالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بالَكُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة.

وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. وَرِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ من رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان.

قَوْله: (فَلْيقل: الْحَمد لله) كَذَا فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي وَأَبُو نعيم، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور فِيهِ بِلَفْظ: (فَلْيقل: الْحَمد لله على كل حَال) . قَوْله: (وَليقل لَهُ أَخُوهُ. أَو صَاحبه) ، شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالأخوة أخوة الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب إِلَى هَذَا قوم فَقَالُوا: يَقُول لَهُ: يَرْحَمك الله، يَخُصُّهُ بِالدُّعَاءِ وَحده، وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: يَقُول: يَرْحَمنَا الله وَإِيَّاكُم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْخَلَاءِ أَوْ فِي الْجَمَاعَةِ فَيُؤَخِّرُ ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ فَيُشَمَّتُ، فَلَوْ خَالَفَ فَحَمِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ هَلْ يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ؟ فِيهِ نَظَرٌ.

١٢٥ - بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْعُطَاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّثَاؤُبِ

٦٢٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ. وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَاء ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعُطَاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاؤُبِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا مُنْصَرِفٌ إِلَى سَبَبِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُطَاسَ يَكُونُ مِنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ وَانْفِتَاحِ الْمَسَامِّ وَعَدَمِ الْغَايَةِ فِي الشِّبَعِ وَهُوَ بِخِلَافِ التَّثَاؤُبِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ عِلَّةِ امْتِلَاءِ الْبَدَنِ وَثِقَلِهِ مِمَّا يَكُونُ نَاشِئًا عَنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّخْلِيطِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي النَّشَاطَ لِلْعِبَادَةِ وَالثَّانِي عَلَى عَكْسِهِ.

قَوْلُهُ: (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا قَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَتَابَعَهُ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَخَالَفَهُمُ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الطَّيَالِسِيِّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْشَأُ عَنْ زُكَامٍ، لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّشْمِيتِ، وَيَحْتَمِلُ التَّعْمِيمَ فِي نَوْعَيِ الْعُطَاسِ وَالتَّفْصِيلُ فِي التَّشْمِيتِ خَاصَّةً، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَحْوَالِ الْعَاطِسِينَ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النُّعَاسَ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.

قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَا يُعَارِضُ هَذَا حديث أبي هريرة - يعني حَدِيثُ الْبَابِ فِي مَحَبَّةِ الْعُطَاسِ وَكَرَاهَةِ التَّثَاؤُبِ - لِكَوْنِهِ مقيدا بِحَالِ الصَّلَاةِ، فَقَدْ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطَانُ فِي حُصُولِ الْعُطَاسِ لِلْمُصَلِّي لِيَشْغَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعُطَاسَ إِنَّمَا لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِخِلَافِ التَّثَاؤُبِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي التَّثَاؤُبِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ: فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ فِي الْعُطَاسِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ وَيُحِبُّ الْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ جَدِّ عَدِيٍّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي إِخْرَاجِ الْعَطْسَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَبْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَذَكَرَ مِنْهَا شِدَّةَ الْعُطَاسِ.

قَوْلُهُ: (فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ مُبَادَرَةِ الْعَاطِسِ بِالتَّحْمِيدِ، وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَنَّى فِي حَقِّهِ حَتَّى يَسْكُنَ وَلَا يُعَاجِلْهُ بِالتَّشْمِيتِ، قَالَ: وَهَذَا فِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ شَرْطِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢٥) (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطَاسِ) بضم العين (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاوبِ) بالفوقية ثمَّ المثلَّثة والواو بغير همزٍ في الفرع وأصله. قال في «الكواكب»: وهو بالهمز على الأصحِّ، وهو تنفُّسٌ ينفتحُ منه الفمُ من الامتلاءِ، وثقلِ النَّفس، وكُدُورة الحواس.

٦٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، العسقلانيُّ، أصله خراسانيٌّ، يُكنى أبا الحسنِ، ونشأ ببغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بنِ الحارث بنِ أبي ذئبٍ، واسمه: هشامُ بن سعدٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان المدنيِّ، مولى أمِّ شريك (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ) الَّذي لا ينشأُ عن زكامٍ؛ لأنَّه يكون من خفَّة البدن وانفتاح السُّدد، وذلك ممَّا يقتضي النَّشاط لفعل الطَّاعة والخير (وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) لأنَّه يكون عن غلبة امتلاء البدن والإكثار من الأكل والتَّخليط فيه، فيؤدِّي إلى الكسل والتَّقاعد عن العبادة، وعن الأفعالِ المحمودة، فالمحبَّة والكراهة المذكوران منصرفان إلى ما ينشأ عن سببهما (١) (فَإِذَا عَطَسَ) بفتح الطاء (فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) احتجَّ به من قال بالوجوب، وسبق ما فيه في الباب قبله [خ¦٦٢٢٢] (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يزيِّن للنَّفس شهوتها من امتلاءِ البدن بكثرةِ المآكل (فَلْيَرُدَّهُ) أي: التَّثاؤب (٢) (مَا اسْتَطَاعَ) إمَّا بوضع يدهِ على فمهِ، أو بتطبيقِ الشَّفتين (فَإِذَا قَالَ: هَا) هي حكاية صوت المتثاوبِ (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فرحًا بتشويهِ صورتهِ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) وَقَالَ ابْن بطال، مَا ملخصه إِن التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْحَمْد والْحَدِيث مُطلق، وَظَاهره أَن كل عاطس يشمت على التَّعْمِيم، وَالْمُنَاسِب للتَّرْجَمَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالْحَمْد، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ يذكر حَدِيث الْبَراء، ثمَّ اعتذر عَنهُ بِأَن هَذَا من الْأَبْوَاب الَّتِي أعجلته الْمنية عَن تهذيبها، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ مَا ملخصه: إِنَّه يرد عذره الْمَذْكُور وَإنَّهُ إِنَّمَا الَّذِي فعله إِمَّا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَإِمَّا فِي حَدِيث آخر وعد الْعلمَاء ذَلِك من دَقِيق فهمه وَحسن تصرفه، فَإِن إِيثَار الأخفى على الأجلى شحذاً للذهن وبعثاً للطَّالِب على تتبع طرق الحَدِيث. انْتهى. قلت: أما كَلَام ابْن بطال فَإِنَّهُ غير جلي لِأَنَّهُ لَو قدم الْمُقَيد على الْمُطلق لأورد عَلَيْهِ بِأَن الْمُقَيد جُزْء الْمُطلق، وَتَقْدِيم المتضمن للجزء أولى، وَالَّذِي قَصده يفهم من هَذَا الْوَضع على أَن التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط، وَأما كَلَام بَعضهم فَلَا يجدي شَيْئا لِأَن من وقف على حَدِيث من أَحَادِيث الْكتاب يتعسر عَلَيْهِ أَن يقف على مَا وَقع فِي بعض طرقه وَفِي تَحْصِيل حَدِيث آخر. وَقَوله فَإِن فِي إِيثَار الأخفى ... إِلَى آخِره تنويه للنَّاظِر وإحالة على تتبع أَمر مَجْهُول، وَهَذَا لَيْسَ بدأب عِنْد الْعلمَاء.

وَحَدِيث الْبَراء هَذَا مضى فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الْمَظَالِم عَن سعيد بن الرّبيع، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الطِّبّ عَن حَفْص بن عمر، وَفِي النِّكَاح عَن الْحسن بن الرّبيع، وَسَيَأْتِي فِي النذور.

قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) ، ظَاهر الْأَمر فِيهِ يدل على أَنه وَاجِب، وَكَذَلِكَ أَحَادِيث أخر فِي هَذَا الْبَاب يدل ظَاهرهَا على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ ابْن المزين من الْمَالِكِيَّة، وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ بعض النَّاس: إِنَّه فرض عين، وَعند جُمْهُور الْعلمَاء من أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة: إِنَّه فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ، وَذهب عبد الْوَهَّاب وَجَمَاعَة من الْمَالِكِيَّة إِنَّه مُسْتَحبّ.

ثمَّ قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) عَام خص بِهِ جمَاعَة: الأول: من لم يحمد، وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرد. وَالثَّانِي: الْكَافِر، وَقد أخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَت الْيَهُود يتعاطسون عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجَاء أَن يَقُول: يَرْحَمكُمْ، وَكَانَ يَقُول: يهديكم الله وَيصْلح بالكم. وَالثَّالِث: المزكوم إِذا تكَرر مِنْهُ العطاس وَزَاد على الثَّلَاث، وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد من طَرِيق مُحَمَّد بن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: شمته وَاحِدَة وثنتين وَثَلَاثًا، فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ زكام، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة اللَّيْث عَن ابْن عجلَان، وَقَالَ فِيهِ: لَا أعلمهُ إلَاّ رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرج ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن الْعَاصِ: شمتوه ثَلَاثًا فَإِن زَاد فَهُوَ دَاء يخرج من رَأسه، وَهُوَ مَوْقُوف أَيْضا، وَمن طَرِيق عبد الله بن الزبير أَن رجلا عطس عِنْده فشمت ثمَّ عطس فَقَالَ فِي الرَّابِعَة: أَنْت مضنوك، أَي: مزكوم، والضناك بِالضَّمِّ الزُّكَام، قَالَه ابْن الْأَثِير. وَالرَّابِع: من يكره التشميت، قيل: كَيفَ يتْرك السّنة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا سنة لمن أحبها، فَأَما من كرهها وَرغب عَنْهَا فَلَا، ويطرد ذَلِك فِي السَّلَام والعيادة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَالَّذِي عِنْدِي أَنه لَا يمْتَنع إلَاّ من خَافَ مِنْهُ ضَرَرا، فَأَما غَيره فيشمت امتثالاً لِلْأَمْرِ، ويناقضه للتكبر فِي مُرَاده. قلت: قد جرت الْعَادة عِنْد سلاطين مصر أَنه إِذا عطس لَا يشمته أحد، وَإِذا دخل عَلَيْهِ أحد لَا يسلم عَلَيْهِ، وَالَّذِي قَالَه الشَّيْخ يعْمل فِيهِ بالتفصيل الْمَذْكُور. وَالْخَامِس: عِنْد الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، لِأَن التشميت يخل بالإنصات الْمَأْمُور بِهِ. وَالسَّادِس: من عطس وَهُوَ يُجَامع أَو فِي الْخَلَاء فيؤخر ثمَّ يحمد ويشمته من سَمعه، فَلَو خَالف فَحَمدَ فِي تِلْكَ الْحَالة هَل يسْتَحق التشميت؟ قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: النّظر أَنه يشمت لظَاهِر الحَدِيث.

قَوْله: (وإبرار الْمقسم) ، أَي: تَصْدِيق من أقسم عَلَيْك وَهُوَ أَن تفعل مَا سَأَلَهُ، ويروى: وإبرار الْقسم. قَوْله: (أَو قَالَ: حَلقَة الذَّهَب) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (والسندس) ، هُوَ مَا رقّ من الديباج وَرفع. قَوْله: (والمياثر) . جمع الميثرة بِكَسْر الْمِيم من الوثارة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء وَهِي مركب كَانَت النِّسَاء تَصنعهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ على السُّرُوج، فَإِن قلت: المنهيات خَمْسَة لَا سَبْعَة هُنَا؟ قلت: السَّادِس: القسي، وَالسَّابِع: آنِية الْفضة، ذكرهمَا فِي كتاب اللبَاس.

١٢٥ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التّثاؤُبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الَّذِي يسْتَحبّ من العطاس، وَكَرَاهَة التثاؤب وَهُوَ بِالْهَمْزَةِ على الْأَصَح، وَقيل بِالْوَاو، وَقيل: التثاؤب

على وزن التفاعل، وَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم من الامتلاء وَثقل النَّفس وكدورة الْحَواس وَيُورث الْغَفْلَة والكسل، وَلذَلِك أحبه الشَّيْطَان وَضحك مِنْهُ، والعطاس سَبَب لخفة الدِّمَاغ واستفراغ الفضلات عَنهُ وصفاء الرّوح، وَلذَلِك كَانَ أمره بِالْعَكْسِ.

٦٢٢٣ - حدَّثنا آدَمْ بنُ أبي إياسٍ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْب حَدثنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّ الله يُحِبُّ العُطاسَ ويَكْرَهُ التَّثاوُبِ، فَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يُشَمِّتَهُ، وأمَّا التثاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتطاعَ، فَإِذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٩ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. واسْمه هِشَام بن سعد الْقرشِي الْمدنِي، وَسَعِيد المَقْبُري ابْن كيسَان الْمدنِي والمقبري بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا، وَكَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا.

والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ.

قَوْله: (إِن الله يحس العطاس) ، يَعْنِي الَّذِي لَا ينشأ من الزُّكَام لِأَنَّهُ الْمَأْمُور فِيهِ بالتحميد والتشميت، وَيحْتَمل التَّعْمِيم، كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: ظَاهره التَّعْمِيم لَكِن خرج مِنْهُ الَّذِي يعطس أَكثر من ثَلَاث مَرَّات، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (فَحق على كل مُسلم سَمعه أَن يشمته) ، ظَاهره الْوُجُوب، وَلَكِن نقل النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق على الِاسْتِحْبَاب، وَقد مر بَيَان الْخلاف فِيهِ، ويستدل بِهِ على اسْتِحْبَاب مبادرة الْعَاطِس بالتحميد. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، إِنَّمَا نسب التثاؤب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يزين للنَّفس شهوتها وَهُوَ من امتلاء الْبدن وَكَثْرَة المأكل، وَقيل: مَا تثاءب نَبِي قطّ لِأَنَّهُ لَا يُضَاف إِلَيْهِ عمل للشَّيْطَان فِيهِ حَظّ. قَوْله: (فليرده) ، يَعْنِي: إِمَّا بِوَضْع الْيَد على الْفَم، وَإِمَّا بتطبيق الشفتين وَذَلِكَ لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من ضحكه عَلَيْهِ من تَشْوِيه صورته أَو من دُخُوله فَمه، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات، ويخفض صَوته وَلَا يمده فِي تثاؤبه، وَقد كره ذَلِك فِي العطاس فضلا عَن التثاؤب، وَقَالُوا: وَمن آدَاب الْعَاطِس أَن يخْفض بالعطسة صَوته، وَأَن يُزَوجهُ بِالْحَمْد، وَأَن يُغطي وَجهه لِئَلَّا يَبْدُو من فِيهِ أَو أَنفه مَا يُؤْذِي جليسه، وَلَا يلوى عُنُقه يَمِينا وَلَا شمالاً لِئَلَّا يتَضَرَّر بذلك، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَد جيد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا عطس وضع يَده على فَمه وخفض صَوته. قَوْله: (فَإِذا قَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان) ، وَلَفظه: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب يَعْنِي: إِذْ بَالغ فِي الثوباء ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان فَرحا بذلك.

١٢٦ - (بابٌ إِذا عَطَسَ كَيْفَ يُشَمَّتُ؟)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا عطس أحد كَيفَ يشمت؟ على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: كَيفَ يشمته السَّامع، يَعْنِي: مَا يَقُول لَهُ؟ وَفِي الحَدِيث بَينه.

٦٢٢٤ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ سَلَمَةَ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ الله، وَلْيَلُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صًّاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذا قالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بالَكُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة.

وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. وَرِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ من رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان.

قَوْله: (فَلْيقل: الْحَمد لله) كَذَا فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي وَأَبُو نعيم، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور فِيهِ بِلَفْظ: (فَلْيقل: الْحَمد لله على كل حَال) . قَوْله: (وَليقل لَهُ أَخُوهُ. أَو صَاحبه) ، شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالأخوة أخوة الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب إِلَى هَذَا قوم فَقَالُوا: يَقُول لَهُ: يَرْحَمك الله، يَخُصُّهُ بِالدُّعَاءِ وَحده، وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: يَقُول: يَرْحَمنَا الله وَإِيَّاكُم.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله