«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٨٤

الحديث رقم ٦٤٨٤ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الانتهاء عن المعاصي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده…

«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا

سند حديث: ٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا…

٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده…

أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلمَ كاملَ الإسلامِ هو مَن سَلِم المسلمون من لسانه فلا يَسُبُّهم، ولا يَلعنُهم، ولا يغتابهم، ولا يسعى بينهم بأيِّ نوع من أنواع الأذى بلسانه،
وسلِموا مِن يده فلا يَعتدي عليهم، ولا يأخذ أموالَهم بغير حق، وما أشبه ذلك،
والمهاجر من ترك ما حرَّم الله تعالى.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • كمال الإسلام لا يكون إلا بِعَدَم إِلْحاقِ الأذى بالآخرين ماديًّا كان أو معنويًّا.
  • خص اللسان واليد بالذكر؛ لكثرة أخطائهما وأضرارهما، فإنَّ معظم الشرور تصدر عنهما.
  • الحث على ترك المعاصي والتزام ما أمر الله تعالى به.
  • أفضل المسلمين مَن أدَّى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين.
  • الاعتداء قد يكون قولًا أو فعلًا.
  • الهجرة الكاملة هي هَجْرُ ما حرَّم الله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السَّبب (وَهُمْ) التفاتٌ من الخطابِ في قوله: «بحجزكم» إلى الغيبة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وأنتُمْ» (يَقْتَحِمُونَ) يدخلون (١) (فِيهَا).

قال في «شرح المشكاة»: تحقيقُ التَّشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقَّف على معرفة معنى قوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك أنَّ حدودَ الله هي محارمهُ ونواهيهِ، كما في «الصَّحيح» [خ¦٥٢] «ألا إنَّ حمى الله محارمهُ» ورأسُ المحارم حبُّ الدُّنيا وزينتها، واستيفاء لذَّتها (٢) وشهواتها، فشبَّه إظهار تلك الحدود من الكتاب والسُّنَّة باستنقاذ الرِّجال من النَّار، وشبَّه فشوَّ ذلك في مشارقِ الأرضِ ومغاربها بإضاءةِ تلك النَّار ما حول المستوقد، وشبَّه النَّاس وعدمَ مبالاتهم بذلك البيان وتعدِّيهم حدودَ الله وحرصَهم على استيفاءِ تلك اللَّذات والشَّهوات، ومنعَه إيَّاهم عن ذلك بأخذِ حجزهِم بالفراشِ الَّتي يقتحمْنَ في النَّار ويغلبنَ المُستوقدَ على دفعهنَّ عن الاقتحامِ، كما أنَّ المستوقد كان غرضهُ من فعلهِ (٣) انتفاعَ الخلقِ به من الاستضاءةِ والاستدفاءِ وغير ذلك، والفَرَاش لجهلهَا جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصدُ بتلك البيانات اهتداءَ الأمَّة واجتنابَها ما هو سببُ هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلِهم جعلوها مقتضيةً لتردِّيهم، وفي قوله: «آخذٌ بحجزكم» (٤) استعارة مثل حالة منعهِ الأمَّة عن الهلاكِ بحالة رجلٍ أخذَ بِحُجْزَةِ صاحبهِ الَّذي كاد أن يَهوي في مهواة مهلكةٍ. انتهى.

وهذا الحديثُ سبق في «باب قول (٥) الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠]» مختصرًا [خ¦٣٤٢٦].

٦٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره. قَوْله: (فَإِذا رجل قَائِم) وَقع الْمُبْتَدَأ هُنَا نكرَة لِأَن وُقُوعه هُنَا بعد إِذا، المفاجأة من المخصصات كَمَا فِي قَوْلك: خرجت فَإِذا سبع. قَوْله: (أَي عَبدِي) يَعْنِي: يَا عَبدِي. قَوْله: (أَو فرق) هُوَ شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالقاف الْخَوْف. قَوْله: (فَمَا تلافاه أَن رَحمَه) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الَّذِي تلافاه أَي: تَدَارُكه بِأَن رَحمَه، أَي: بِالرَّحْمَةِ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تلافاه يرجع إِلَى عمل الرجل وَيجوز أَن يكون: مَا، نَافِيَة، وَكلمَة الِاسْتِثْنَاء محذوفة على مَذْهَب من يجوز حذفهَا، أَي: مَا تلافاه إلَاّ أَن رَحمَه.

قَوْله: (فَحدثت أَبَا عُثْمَان) قَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِل: بحدثت، قَتَادَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سُلَيْمَان وَالِد الْمُعْتَمِر.

قلت: الَّذِي يظْهر أَن قَول الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب فَلْينْظر فِيهِ، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو عُثْمَان: قَوْله: (سَمِعت هَذَا من سلمَان) أَي: الْفَارِسِي، وَحذف المسموع مِنْهُ الَّذِي اسْتثْنى مِنْهُ مَا ذكر، وَالتَّقْدِير: سَمِعت سلمَان يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثل هَذَا الحَدِيث، غير أَنه زَاد قَوْله: (أَو كَمَا حدث) شكّ من الرَّاوِي يُشِير بِهِ إِلَى أَنه معنى حَدِيث أبي سعيد لَا بِلَفْظِهِ كُله.

وَقَالَ مُعاذٌ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: قَالَ معَاذ بن التَّمِيمِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم: حَدثنِي عبيد الله بن معَاذ الْعَنْبَري حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة سمع عقبَة بن عبد الغافر يَقُول، سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا فِيمَن كَانَ قبلكُمْ راشه الله مَالا وَولدا، فَقَالَ لوَلَده: لتفعلن مَا آمركُم بِهِ أَو لأولين ميراثي غَيْركُمْ، إِذا أَنا مت فأحرقوني، وأكبر علمي أَنه قَالَ: ثمَّ اسحقوني فاذروني فِي الرّيح، فَإِنِّي لم ابتهر عِنْد الله خيرا، وَأَن الله يقدر على أَن يُعَذِّبنِي. قَالَ: فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك بِهِ وربي، فَقَالَ الله: مَا حملك على مَا فعلت؟ قَالَ: مخافتك، فَمَا تلافاه غَيرهَا. انْتهى. أَي: مَا تَدَارُكه غير المخافة.

٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.

حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.

وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.

قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ

فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.

٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.

حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.

وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.

قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.

٣٨٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ: (إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارَاً، فَلمَّا أضاءَتْ مَا حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهاذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها، فَأَنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها) (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم عَن الْإِتْيَان بِالْمَعَاصِي الَّتِي تؤديهم إِلَى الدُّخُول فِي النَّار.

وَأَبُو الْيَمَان الحكم ب نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْأَعْرَج.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله {وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان} (ص: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا السَّنَد عَن أبي الْيَمَان إِلَى قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ تقع فِي النَّار) ثمَّ اخْتَصَرَهُ وَذكر حَدِيثا آخر. قَوْله: (استوقد) بِمَعْنى: أوقد، وَلَكِن استوقد أبلغ. قَوْله: (أَضَاءَت) من الإضاءة وَهِي فرط الإنارة. قَوْله: (الْفراش) بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة جمع الفراشة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ صغَار البق، وَقيل: هِيَ مَا يتهافت فِي النَّار من الطيارات.

قلت: هَذَا أصح من الأول، وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيرهَا: إِنَّهَا كغوغاء الْجَرَاد يركب بعضه بَعْضًا. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ دَوَاب مثل البعوض واحدتها فراشة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هِيَ ببعوض وَلَا ذُبَاب، وَقَالَ أَبُو نصر: هِيَ الَّتِي تطير وتتهافت فِي السراج، وَفِي (مجمع الغرائب) : هِيَ مَا تتهافت فِي النَّار من الطيارات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ طَائِر فَوق البعوض. قَوْله: (يقعن) خبر قَوْله: (جعل الْفرش) قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ الَّتِي تقع فِي النَّار) جملَة مُعْتَرضَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى تَفْسِير الْفراش. قَوْله: (فَجعل) بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل. قَوْله: (ينزعهن) بِفَتْح الْيَاء وَالزَّاي وَضم الْعين الْمُهْملَة أَي: يدفعهن، ويروى: يزعهن، بِلَا نون من وزعه يزعه وزعاً، فَهُوَ وازع إِذا كَفه وَمنعه. قَوْله: (فيقتحمن) من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّيْء، يُقَال: قحم فِي الْأَمر أَي: رمى بِنَفسِهِ فِيهِ فَجْأَة، واقحمته فاقتحم، وَيُقَال: اقتحم الْمنزل إِذا هجم. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي النَّار. قَوْله: (فَأَنا آخذ) قَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ باسم الْفَاعِل، ويروى بِصِيغَة الْمُضَارع من الْمُتَكَلّم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَاء فِيهِ فصيحة كَأَنَّهُ لما قَالَ: (مثلي وَمثل النَّاس)

إِلَى آخِره، أَتَى بِمَا هُوَ أهم، وَهُوَ قَوْله: (فَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ) وَمن هَذِه الدقيقة الْتفت من الْغَيْبَة فِي قَوْله: (مثل النَّاس) إِلَى الْخطاب فِي قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وبالزاي جمع حجزة وَهِي معقد الْإِزَار، وَمن السَّرَاوِيل مَوضِع التكة، وَيجوز ضم الْجِيم فِي الْجمع. قَوْله: (وهم يقتحمون

فِيهَا) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَأَنْتُم تقتحمون، وعَلى الأول سَأَلَ الْكرْمَانِي فَقَالَ: الْقيَاس: وَأَنْتُم، لَا: هم، ليُوَافق لفظ: حُجُزكُمْ، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ الْتِفَات.

وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن من أَخذه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحجرته لَا اقتحام لَهُ فِيهَا.

٤٨٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا زَكرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ ويَقُولُ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ منْ لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عنْهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ترك أَذَى الْمُسلم بِالْيَدِ وَاللِّسَان من جملَة الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي، وَأَيْضًا قَوْله: (من هجر مَا نهى الله عَنهُ) من جملَة الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي.

وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْإِيمَان. قيل: خص المُهَاجر بِالذكر تطبيباً لقلب من لم يُهَاجر من الْمُسلمين لفَوَات ذَلِك بِفَتْح مَكَّة، فأعلمهم بِأَن من هجر مَا نهى الله عَنهُ كَانَ هُوَ المُهَاجر الْكَامِل.

٧ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً))

أَي: هَذَا بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو تعلمُونَ مَا أعلم) إِلَى آخِره، ذكر التَّرْجَمَة بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب، وَعكس بَعضهم حَيْثُ قَالَ: ذكر فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ التَّرْجَمَة.

٥٨٤٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنْهُ، كَانَ يَقولُ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) .

التَّرْجَمَة والْحَدِيث سَوَاء. وَيحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر بكر هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا أعلم) أَي: من الْأَهْوَال وَالْأَحْوَال الَّتِي بَين أَيْدِينَا عِنْد النزع. وَفِي البرزخ وَيَوْم الْقِيَامَة.

وَفِيه: من صَنْعَة البديع: مُقَابلَة الضحك بالبكاء، والقلة بِالْكَثْرَةِ، ومطابقة كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ.

٦٨٤٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) .

هَذَا مثل الحَدِيث السَّابِق غير أَن رَاوِي ذَاك أَبُو هُرَيْرَة، وراوي هَذَا أنس بن مَالك، روى عَنهُ ابْنه مُوسَى الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْبَصْرَة.

وَهَذَا مُخْتَصر من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة عَن الْمُنْذر بن الْوَلِيد الجارودي وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم: وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن معمر بِإِسْنَادِهِ نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن مَحْمُود بن غيلَان مُخْتَصرا.

٨٢ - (بابٌ حُجِبَتِ النّارُ بالشَّهَوَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: حجبت النَّار أَي: غطت النَّار فَكَانَت الشَّهَوَات سَببا للوقوع فِي النَّار، وَوَقع عِنْد أبي نعيم: بَاب حفت النَّار، وَفِي بعض النّسخ بعده: وحجبت الْجنَّة بالمكاره.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السَّبب (وَهُمْ) التفاتٌ من الخطابِ في قوله: «بحجزكم» إلى الغيبة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وأنتُمْ» (يَقْتَحِمُونَ) يدخلون (١) (فِيهَا).

قال في «شرح المشكاة»: تحقيقُ التَّشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقَّف على معرفة معنى قوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك أنَّ حدودَ الله هي محارمهُ ونواهيهِ، كما في «الصَّحيح» [خ¦٥٢] «ألا إنَّ حمى الله محارمهُ» ورأسُ المحارم حبُّ الدُّنيا وزينتها، واستيفاء لذَّتها (٢) وشهواتها، فشبَّه إظهار تلك الحدود من الكتاب والسُّنَّة باستنقاذ الرِّجال من النَّار، وشبَّه فشوَّ ذلك في مشارقِ الأرضِ ومغاربها بإضاءةِ تلك النَّار ما حول المستوقد، وشبَّه النَّاس وعدمَ مبالاتهم بذلك البيان وتعدِّيهم حدودَ الله وحرصَهم على استيفاءِ تلك اللَّذات والشَّهوات، ومنعَه إيَّاهم عن ذلك بأخذِ حجزهِم بالفراشِ الَّتي يقتحمْنَ في النَّار ويغلبنَ المُستوقدَ على دفعهنَّ عن الاقتحامِ، كما أنَّ المستوقد كان غرضهُ من فعلهِ (٣) انتفاعَ الخلقِ به من الاستضاءةِ والاستدفاءِ وغير ذلك، والفَرَاش لجهلهَا جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصدُ بتلك البيانات اهتداءَ الأمَّة واجتنابَها ما هو سببُ هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلِهم جعلوها مقتضيةً لتردِّيهم، وفي قوله: «آخذٌ بحجزكم» (٤) استعارة مثل حالة منعهِ الأمَّة عن الهلاكِ بحالة رجلٍ أخذَ بِحُجْزَةِ صاحبهِ الَّذي كاد أن يَهوي في مهواة مهلكةٍ. انتهى.

وهذا الحديثُ سبق في «باب قول (٥) الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠]» مختصرًا [خ¦٣٤٢٦].

٦٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره. قَوْله: (فَإِذا رجل قَائِم) وَقع الْمُبْتَدَأ هُنَا نكرَة لِأَن وُقُوعه هُنَا بعد إِذا، المفاجأة من المخصصات كَمَا فِي قَوْلك: خرجت فَإِذا سبع. قَوْله: (أَي عَبدِي) يَعْنِي: يَا عَبدِي. قَوْله: (أَو فرق) هُوَ شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالقاف الْخَوْف. قَوْله: (فَمَا تلافاه أَن رَحمَه) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الَّذِي تلافاه أَي: تَدَارُكه بِأَن رَحمَه، أَي: بِالرَّحْمَةِ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تلافاه يرجع إِلَى عمل الرجل وَيجوز أَن يكون: مَا، نَافِيَة، وَكلمَة الِاسْتِثْنَاء محذوفة على مَذْهَب من يجوز حذفهَا، أَي: مَا تلافاه إلَاّ أَن رَحمَه.

قَوْله: (فَحدثت أَبَا عُثْمَان) قَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِل: بحدثت، قَتَادَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سُلَيْمَان وَالِد الْمُعْتَمِر.

قلت: الَّذِي يظْهر أَن قَول الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب فَلْينْظر فِيهِ، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو عُثْمَان: قَوْله: (سَمِعت هَذَا من سلمَان) أَي: الْفَارِسِي، وَحذف المسموع مِنْهُ الَّذِي اسْتثْنى مِنْهُ مَا ذكر، وَالتَّقْدِير: سَمِعت سلمَان يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثل هَذَا الحَدِيث، غير أَنه زَاد قَوْله: (أَو كَمَا حدث) شكّ من الرَّاوِي يُشِير بِهِ إِلَى أَنه معنى حَدِيث أبي سعيد لَا بِلَفْظِهِ كُله.

وَقَالَ مُعاذٌ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: قَالَ معَاذ بن التَّمِيمِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم: حَدثنِي عبيد الله بن معَاذ الْعَنْبَري حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة سمع عقبَة بن عبد الغافر يَقُول، سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا فِيمَن كَانَ قبلكُمْ راشه الله مَالا وَولدا، فَقَالَ لوَلَده: لتفعلن مَا آمركُم بِهِ أَو لأولين ميراثي غَيْركُمْ، إِذا أَنا مت فأحرقوني، وأكبر علمي أَنه قَالَ: ثمَّ اسحقوني فاذروني فِي الرّيح، فَإِنِّي لم ابتهر عِنْد الله خيرا، وَأَن الله يقدر على أَن يُعَذِّبنِي. قَالَ: فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك بِهِ وربي، فَقَالَ الله: مَا حملك على مَا فعلت؟ قَالَ: مخافتك، فَمَا تلافاه غَيرهَا. انْتهى. أَي: مَا تَدَارُكه غير المخافة.

٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.

حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.

وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.

قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ

فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.

٦٢ - (بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي أَي: تَركهَا أصلا. والإعراض عَنْهَا بعد الْوُقُوع فِيهَا.

حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَثَلِي ومَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فَقَالَ: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أَنا النذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِنْذَار عَن الْوُقُوع فِي الْمعاصِي والانتهاء عَنْهَا.

وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب أَبُو كريب الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وبريد هَذَا يرْوى عَن جده أبي بردة بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (مثلي) الْمثل بِفتْحَتَيْنِ الصّفة العجيبة الشَّأْن يوردها البليغ على سَبِيل الشّبَه لإِرَادَة التَّقْرِيب والتفهيم.

قَوْله: (وَمثل مَا بَعَثَنِي الله) الْعَائِد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إِلَيْكُم. قَوْله: (قوما) التنكير فِيهِ للشيوع. قَوْله: (الْجَيْش) اللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (بعيني) بالتثنية وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (وَأَنا النذير الْعُرْيَان) أَي: الْمُنْذر الَّذِي تجرد عَن ثَوْبه وَأَخذه يرفعهُ ويديره حول رَأسه، علاماً لِقَوْمِهِ بالغارة. وَقَالَ ابْن بطال: النذير الْعُرْيَان رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ رجل يَوْم ذِي الخلصة فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته فَانْصَرف إِلَى قومه فَحَذَّرَهُمْ فَضرب بِهِ الْمثل فِي تحقق الْخبز. وَقَالَ ابْن السّكيت: اسْم الرجل الَّذِي حمل عَلَيْهِ عَوْف بن عَامر الْيَشْكُرِي، وَالْمَرْأَة كَانَت من بني كنَانَة، وتنزيل هَذِه الْقِصَّة على لفظ الحَدِيث بعيد لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنه كَانَ عُريَانا. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا مثل قديم، وَذَلِكَ أَن رجلا لَقِي جَيْشًا فجردوه وعروه، فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني وَإِنِّي أَنا النذير لكم وتروني عُريَانا جردني الْجَيْش فالنجاء النَّجَاء، وَقَالَ ابْن السّكيت: ضرب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل لأمته لِأَنَّهُ تجرد لإنذارهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن خَالِد: العربان، بباء مُوَحدَة فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه صَحِيح وَهُوَ الفصيح بالإنذار لَا يكنى وَلَا يورى، يُقَال: رجل عربان أَي: فصيح اللِّسَان، من: أعرب الرجل عَن حَاجته إِذا أفْصح عَنْهَا. قَوْله: (فالنجاء) بِالنّصب مفعول مُطلق فِيهِ إغراء أَي: اطْلُبُوا النَّجَاء بِأَن تسرعوا الْهَرَب لأنكم لَا تطيقون مقاومة ذَلِك الْجَيْش، (والنجاء) الثَّانِي تَأْكِيد وَكِلَاهُمَا ممدودان، وَجَاء الْقصر فيهمَا تَخْفِيفًا وَجَاء مد الأول وَقصر الثَّانِي. قَوْله: (فأدلجوا) من الإدلاج من بَاب الإفعال وَهُوَ السّير أول اللَّيْل، أَو كل اللَّيْل على الِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ، وهمزته همزَة قطع، وَفِي (التَّوْضِيح) : قَوْله: (فأدلجوا) بتَشْديد الدَّال قلت لَا يَسْتَقِيم هَذَا هُنَا لِأَن الادلاج بِالتَّشْدِيدِ هُوَ السّير آخر اللَّيْل فَلَا يُنَاسب هَذَا الْمقَام وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (على مهلهم) بِفتْحَتَيْنِ أَي: على السكينَة والتأني، وَأما الْمهل بِسُكُون الْهَاء فَمَعْنَاه الْإِمْهَال فَلَا يُنَاسب هُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مهلتهم، قَوْله: (فنجوا) لأَنهم أطاعوا النذير وَسَارُوا من أول اللَّيْل فنجوا. قَوْله: (فصبحهم الْجَيْش) أَي: أتوهم صباحاً، هَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِيمَن يطْرق بَغْتَة فِي أَي وَقت كَانَ. قَوْله: (فاجتاحهم) بجيم ثمَّ بحاء مُهْملَة أَي: استأصلهم، من جحت الشَّيْء أجوحه إِذا استأصلته، وَمِنْه الْجَائِحَة وَهِي الْهَلَاك.

٣٨٤٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ: (إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارَاً، فَلمَّا أضاءَتْ مَا حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهاذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها، فَأَنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها) (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم عَن الْإِتْيَان بِالْمَعَاصِي الَّتِي تؤديهم إِلَى الدُّخُول فِي النَّار.

وَأَبُو الْيَمَان الحكم ب نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْأَعْرَج.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله {وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان} (ص: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا السَّنَد عَن أبي الْيَمَان إِلَى قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ تقع فِي النَّار) ثمَّ اخْتَصَرَهُ وَذكر حَدِيثا آخر. قَوْله: (استوقد) بِمَعْنى: أوقد، وَلَكِن استوقد أبلغ. قَوْله: (أَضَاءَت) من الإضاءة وَهِي فرط الإنارة. قَوْله: (الْفراش) بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة جمع الفراشة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ صغَار البق، وَقيل: هِيَ مَا يتهافت فِي النَّار من الطيارات.

قلت: هَذَا أصح من الأول، وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيرهَا: إِنَّهَا كغوغاء الْجَرَاد يركب بعضه بَعْضًا. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ دَوَاب مثل البعوض واحدتها فراشة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هِيَ ببعوض وَلَا ذُبَاب، وَقَالَ أَبُو نصر: هِيَ الَّتِي تطير وتتهافت فِي السراج، وَفِي (مجمع الغرائب) : هِيَ مَا تتهافت فِي النَّار من الطيارات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ طَائِر فَوق البعوض. قَوْله: (يقعن) خبر قَوْله: (جعل الْفرش) قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ الَّتِي تقع فِي النَّار) جملَة مُعْتَرضَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى تَفْسِير الْفراش. قَوْله: (فَجعل) بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل. قَوْله: (ينزعهن) بِفَتْح الْيَاء وَالزَّاي وَضم الْعين الْمُهْملَة أَي: يدفعهن، ويروى: يزعهن، بِلَا نون من وزعه يزعه وزعاً، فَهُوَ وازع إِذا كَفه وَمنعه. قَوْله: (فيقتحمن) من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّيْء، يُقَال: قحم فِي الْأَمر أَي: رمى بِنَفسِهِ فِيهِ فَجْأَة، واقحمته فاقتحم، وَيُقَال: اقتحم الْمنزل إِذا هجم. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي النَّار. قَوْله: (فَأَنا آخذ) قَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ باسم الْفَاعِل، ويروى بِصِيغَة الْمُضَارع من الْمُتَكَلّم، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَاء فِيهِ فصيحة كَأَنَّهُ لما قَالَ: (مثلي وَمثل النَّاس)

إِلَى آخِره، أَتَى بِمَا هُوَ أهم، وَهُوَ قَوْله: (فَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ) وَمن هَذِه الدقيقة الْتفت من الْغَيْبَة فِي قَوْله: (مثل النَّاس) إِلَى الْخطاب فِي قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) قَوْله: (بِحُجزِكُمْ) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وبالزاي جمع حجزة وَهِي معقد الْإِزَار، وَمن السَّرَاوِيل مَوضِع التكة، وَيجوز ضم الْجِيم فِي الْجمع. قَوْله: (وهم يقتحمون

فِيهَا) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَأَنْتُم تقتحمون، وعَلى الأول سَأَلَ الْكرْمَانِي فَقَالَ: الْقيَاس: وَأَنْتُم، لَا: هم، ليُوَافق لفظ: حُجُزكُمْ، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ الْتِفَات.

وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن من أَخذه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحجرته لَا اقتحام لَهُ فِيهَا.

٤٨٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا زَكرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ ويَقُولُ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ منْ لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عنْهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ترك أَذَى الْمُسلم بِالْيَدِ وَاللِّسَان من جملَة الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي، وَأَيْضًا قَوْله: (من هجر مَا نهى الله عَنهُ) من جملَة الِانْتِهَاء عَن الْمعاصِي.

وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْإِيمَان. قيل: خص المُهَاجر بِالذكر تطبيباً لقلب من لم يُهَاجر من الْمُسلمين لفَوَات ذَلِك بِفَتْح مَكَّة، فأعلمهم بِأَن من هجر مَا نهى الله عَنهُ كَانَ هُوَ المُهَاجر الْكَامِل.

٧ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً))

أَي: هَذَا بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو تعلمُونَ مَا أعلم) إِلَى آخِره، ذكر التَّرْجَمَة بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب، وَعكس بَعضهم حَيْثُ قَالَ: ذكر فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ التَّرْجَمَة.

٥٨٤٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنْهُ، كَانَ يَقولُ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) .

التَّرْجَمَة والْحَدِيث سَوَاء. وَيحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر بكر هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا أعلم) أَي: من الْأَهْوَال وَالْأَحْوَال الَّتِي بَين أَيْدِينَا عِنْد النزع. وَفِي البرزخ وَيَوْم الْقِيَامَة.

وَفِيه: من صَنْعَة البديع: مُقَابلَة الضحك بالبكاء، والقلة بِالْكَثْرَةِ، ومطابقة كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ.

٦٨٤٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) .

هَذَا مثل الحَدِيث السَّابِق غير أَن رَاوِي ذَاك أَبُو هُرَيْرَة، وراوي هَذَا أنس بن مَالك، روى عَنهُ ابْنه مُوسَى الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْبَصْرَة.

وَهَذَا مُخْتَصر من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة عَن الْمُنْذر بن الْوَلِيد الجارودي وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم: وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن معمر بِإِسْنَادِهِ نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن مَحْمُود بن غيلَان مُخْتَصرا.

٨٢ - (بابٌ حُجِبَتِ النّارُ بالشَّهَوَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: حجبت النَّار أَي: غطت النَّار فَكَانَت الشَّهَوَات سَببا للوقوع فِي النَّار، وَوَقع عِنْد أبي نعيم: بَاب حفت النَّار، وَفِي بعض النّسخ بعده: وحجبت الْجنَّة بالمكاره.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله