الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٦٤
الحديث رقم ٦٧٦٤ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ،
قيل لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: ألا تدخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه فتُكلِّمه فيما وقع من الفتنة بين الناس والسعي في إطفائها برمتها، فأبلغهم أنه كلمه سرًا طلبًا للمصلحة لا تهييجًا للفتنة، وغرضه أنه لا يريد المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، فتكون سببًا للتطاول على الخليفة، وهو بابُ فتنةٍ وشر لا أكون أول من فتحه.
ثم قال أسامة رضي الله عنهما: بأنه ينصحُ الأمراءَ في السر ولا يداهن أحدًا ولو كان أميرًا، ولا يَتملَّق لهم فيمدحهم في وجوههم بالباطل، وذلك بعدما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى يوم القيامة برجل، فيُلقى في النار، فتخرج أمعاؤه من بطنه خروجًا سريعًا من شدة الحر وشدة العذاب، فيدور بأمعائه على هذه الحالة في النار كدَوَرَان الحمار حول رَحَاه الذي هو حَجَر الطاحون، فيجتمع حولَه أهلُ النار على هيئة حلقة تحيط به، فيسألونه: يا فلان، ألستَ كنتَ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟!
فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعلُه، وأنهى عن المنكر وأفعلُه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَزِيزِ فِي الْأَسِيرِ يُوصِي قَالَ: أَجِزْ لِي وَصِيَّتَهُ مَا دَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا وَجَبَ لَهُ مِيرَاثٌ أَنَّهُ يُوقَفُ لَهُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الْأَسِيرَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ، قَالَ: وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.
وَأَيْضًا فَهُوَ مُسْلِمٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ طَوْعًا فَلَا يُحْكَمُ بِخُرُوجِ مَالِهِ عَنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ طَائِعًا لَا مُكْرَهًا، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَرِثُ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ رِوَايَتَيْنِ أَيْضًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ لَا يَرِثُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسِيرِ فِي حُكْمِ زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ، وَأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تَتَزَوَّجُ وَمَالَهُ لَا يُقْسَمُ مَا تَحَقَّقَتْ حَيَاتُهُ وَعُلِمَ مَكَانُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَهُوَ مَفْقُودٌ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهِ هُنَاكَ.
٢٦ - بَاب لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ
٦٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ عُمُومَهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ، فَمَنْ قَيَّدَ عَدَمَ التَّوَارُثِ بِالْقِسْمَةِ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِمَوْتِهِ لَمْ يُنْتَظَرْ قِسْمَتُهُ لِأَنَّهُ اسْتُحِقَّ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يُقْسَمِ الْمَالُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إِذَا مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ وَلَدَانِ مَثَلًا مُسْلِمٌ وَكَافِرُ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَالِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ حَدِيثِ أُسَامَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ مَعَاذٍ، قَالَ: يَرِثُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْهُ، قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادُ، وَتُعُقِّبَ بِالِانْقِطَاعِ بَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَمَعَاذٍ، وَلَكِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ مُمْكِنٌ، وَقَدْ زَعَمَ الْجَوْزَقَانِيُّ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَهِيَ مُجَازَفَةٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: هُوَ كَلَامٌ مَحْكِيٌّ وَلَا يُرْوَى كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ فَكَأَنَّهُ مَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، وَأَخْرَجَ مُسَدَّدٌ عَنْهُ أَنَّ أَخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ: مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، مَاتَ أَبُوهُمَا يَهُودِيًّا، فَحَازَ ابْنُهُ الْيَهُودِيُّ مَالَهُ فَنَازَعَهُ الْمُسْلِمُ، فَوَرَّثَ مَعَاذٌ الْمُسْلِمَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ قَضَاءً أَحْسَنَ مِنْ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ: نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا يَرِثُونَا، كَمَا يَحِلُّ النِّكَاحُ فِيهِمْ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ وَلَا قِيَاسَ مَعَ وُجُودِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْمُرَادِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْضُلُ غَيْرَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْإِرْثِ، وَقَدْ عَارَضَهُ قِيَاسٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّوَارُثَ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَبِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَتَزَوَّجُ الْحَرْبِيَّةَ وَلَا يَرِثُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَنْقَلِبُ فِيمَا لَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ أَرِثُ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِلَيْنَا، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَنْ عِكْرِمَةِ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قُلْتُ: ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ كَمَا مَضَى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْبَابِ مُطَوَّلًا فِي ذِكْرِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ فَذَكَرَ الْمَتْنَ الْمَذْكُورَ هُنَا سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَيِ ابْنِ عَفَّانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُصَرِّحًا بِالْإِخْبَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ، وَكَذَا بَيْنَ عَلِيٍّ، وَعَمْرٍو، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ قَالَ عُمَرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَذَّتْ رِوَايَاتٌ عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِ الْجُمْهُورِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ مَالِكٍ، وَقَدْ عَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَمْثِلَةِ الْمُنْكَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَوْضَحَهُ شَيْخُنَا فِي النُّكَتِ وَزِدْتُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْصَاحِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كُلٌّ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ (١)، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهَا، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَثَالِثٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرٍو صَحِيحٌ، وَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ قَالَ لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ كَافِرَةٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ أُخْرَى كَافِرَةٍ، وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَامُ وَبِالْأُخْرَى الْكُفْرُ فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى الْيَهُودِيِّ مَثَلًا أَنْ يَرِثَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ الْكَافِرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَكْثَرِ وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَوَارَثُ حَرْبِيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ فَإِنْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ شُرِطَ أَنْ يَكُونَا مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا فَرْقَ، وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ: وَطَائِفَةُ الْكُفْرِ ثَلَاثُ مِلَلٍ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا تَرِثُ مِلَّةٌ مِنْ هَذِهِ مِنْ مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَّتَيْنِ، وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْكُفَّارِ مِلَّةٌ فَلَمْ يُوَرِّثُوا مَجُوسِيًّا مِنْ وَثَنِيٍّ وَلَا يَهُودِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبَالَغَ فَقَالَ: وَلَا يَرِثُ أَهْلُ نِحْلَةٍ مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَهْلَ نِحْلَةٍ أُخْرَى مِنْهُ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَدِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ يَصِيرُ مَالُهُ إِذَا مَاتَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ فَيْئًا إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِرِدَّتِهِ أَنْ يَحْرِمَ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ لَهُمْ، وَكَذَا قَالَ فِي الزِّنْدِيقِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْدَ الرِّدَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَعَنْ دَاوُدَ يَخْتَصُّ بِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ حَرَّرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فَهِيَ مِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَشَرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ من قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فَوَحَّدَ الْمِلَّةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَحْدَةَ فِي اللَّفْظِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاكُ بنُ مخلد النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين (عَنْ عُمَر) بضم العين (بْنِ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان القرشيِّ العدويِّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عَمرو» بفتح العين، بدل: «عُمر» بضمِّها، وكلاهما ولدٌ لعثمان، واتَّفق الرُّواة عن الزُّهريِّ أنَّ عَمرو بن عثمان -بفتح العين وسكون الميم- إلَّا أنَّ مالكًا وحدَه، قال: عُمر -بضم أوَّله وفتح الميم- (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ) وذهبَ معاذُ بن جبل ومعاويةُ وسعيدُ بن المسيَّب، ومسروقٌ إلى أنَّه يرثُ منه لقولهِ ﷺ: «الإسلامُ يَعلو، ولا يُعلى عليه» (١) وحجَّة الجمهور هذا الحديث الصَّحيح.
وأجابُوا عن حديث: «الإسلام يَعلو» بأنَّ معناه: فضلُ الإسلامِ، وليس فيه تعرُّضٌ للإرثِ، فلا يُترك النَّصُّ الصَّريح لذلك (٢) (وَلَا) يرثُ (الكَافِرُ المُسْلِمَ) إجماعًا، ولا يرثُ نحو مرتدٍّ كيهوديٍّ تنصَّر أحدًا؛ إذ ليس بينه وبين أحدٍ موالاة في الدِّين؛ لأنَّه تركَ دِينًا يُقَرُّ عليه ولا يُقَرُّ على دينهِ الَّذي انتقلَ إليه، ولا يورَثُ لذلك (٣) كزنديقٍ، وهو (٤) من لا يتديَّن بدينٍ فلا يرثُ ولا يُورث لذلك، وأمَّا المسلم من المرتدِّ، فقال مالكٌ والشَّافعيُّ (٥): لا يرثُ المسلمُ المرتدَّ. وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ: يرثُه، لكن قال أبو حنيفة: ما اكتسبَهُ في ردَّته لبيتِ المال، وما اكتسبَهُ في الإسلام فهو لورثتهِ المسلمين. وأمَّا الكافران فيتوارثان، وإن اختلفتْ ملَّتهمَا كيهوديٍّ ونصرانيٍّ، أو مجوسيٍّ، أو وثنيٍّ؛ لأنَّ الملل في البُطلان كالملَّة الواحدةِ.
ومن به رِقٌّ ولو مدبَّرًا أو مكاتبًا فلا يرثُ ولا يُورث لنقصهِ، ولأنَّه (٦) لو ورثِ لملَكَ، واللَّازم
باطلٌ إلَّا مبعَّضًا، فيورِّث ما ملكَه بحرِّيته لتمامِ مُلكه عليه، ولا شيءَ لسيِّده منه؛ لاستيفاءِ حقِّه ممَّا اكتسبَه بالرِّقِّيَّة.
ولا يرثُ قاتلٌ من مقتولهِ، وإن لم يضمنْ بقتلهِ لحديث: «ليسَ للقاتلِ شيءٌ» أي: من الميراث. رواه التِّرمذيُّ بسندٍ صحيحٍ، ولأنَّ الإرثَ للموالاةِ والقاتلُ قطعَها. ومن فُقِدَ وُقِفَ مالُه حتَّى تقومَ بيِّنةٌ بموتهِ، أو يَحْكمُ بموتهِ قاضٍ بعد مضيِّ مدةٍ من ولادتهِ لا يعيشُ فوقَها ظنًّا، فيُعطى ماله من يرثهُ حينئذٍ.
والحديث سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣]، والله أعلم.
(٢٧) (باب مِيرَاثِ العَبْدِ النَّصْرَانِيِّ وَمُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «والمكاتَب» (وَإِثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ) ولأبي ذرٍّ: «باب مَن انتفَى من ولدِهِ» ومذهبُ العلماءِ أنَّ العبد النَّصرانيَّ إذا ماتَ فماله لسيِّده بالرِّقِّ؛ لأنَّ (١) مِلْكَ العبدِ غيرُ صحيحٍ فيستحقُّه السَّيِّد لا بطريقِ الميراث، وأمَّا المكاتب فإن ماتَ قبلَ أداءِ كتابتهِ وكان في مالهِ وفاءٌ لباقِي كتابتهِ أُخذ ذلك في كتابتهِ، فما فضلَ فلبيتِ المال، وأمَّا إثمُ من انتفَى من ولدهِ، ففي حديثِ أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابنُ حبَّان والحاكمُ: «أيُّما رجلٍ جحدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله عنهُ»، وفي سندهِ عبد الله بن يونس حجازيٌّ ما روى عنه سوى يزيد بن الهادِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا، ولعلَّه أراد أن يُلحق فيه ما هو على شرطهِ فاخترمتْهُ المنيَّة قَبْلُ.
(٢٨) (باب) حكم (مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَزِيزِ فِي الْأَسِيرِ يُوصِي قَالَ: أَجِزْ لِي وَصِيَّتَهُ مَا دَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا وَجَبَ لَهُ مِيرَاثٌ أَنَّهُ يُوقَفُ لَهُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الْأَسِيرَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ، قَالَ: وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.
وَأَيْضًا فَهُوَ مُسْلِمٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ طَوْعًا فَلَا يُحْكَمُ بِخُرُوجِ مَالِهِ عَنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ طَائِعًا لَا مُكْرَهًا، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَرِثُ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ رِوَايَتَيْنِ أَيْضًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ لَا يَرِثُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسِيرِ فِي حُكْمِ زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ، وَأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تَتَزَوَّجُ وَمَالَهُ لَا يُقْسَمُ مَا تَحَقَّقَتْ حَيَاتُهُ وَعُلِمَ مَكَانُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَهُوَ مَفْقُودٌ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهِ هُنَاكَ.
٢٦ - بَاب لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ
٦٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ عُمُومَهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ، فَمَنْ قَيَّدَ عَدَمَ التَّوَارُثِ بِالْقِسْمَةِ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِمَوْتِهِ لَمْ يُنْتَظَرْ قِسْمَتُهُ لِأَنَّهُ اسْتُحِقَّ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يُقْسَمِ الْمَالُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إِذَا مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ وَلَدَانِ مَثَلًا مُسْلِمٌ وَكَافِرُ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَالِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ حَدِيثِ أُسَامَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ مَعَاذٍ، قَالَ: يَرِثُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْهُ، قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادُ، وَتُعُقِّبَ بِالِانْقِطَاعِ بَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَمَعَاذٍ، وَلَكِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ مُمْكِنٌ، وَقَدْ زَعَمَ الْجَوْزَقَانِيُّ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَهِيَ مُجَازَفَةٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: هُوَ كَلَامٌ مَحْكِيٌّ وَلَا يُرْوَى كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ فَكَأَنَّهُ مَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، وَأَخْرَجَ مُسَدَّدٌ عَنْهُ أَنَّ أَخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ: مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، مَاتَ أَبُوهُمَا يَهُودِيًّا، فَحَازَ ابْنُهُ الْيَهُودِيُّ مَالَهُ فَنَازَعَهُ الْمُسْلِمُ، فَوَرَّثَ مَعَاذٌ الْمُسْلِمَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ قَضَاءً أَحْسَنَ مِنْ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ: نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا يَرِثُونَا، كَمَا يَحِلُّ النِّكَاحُ فِيهِمْ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ وَلَا قِيَاسَ مَعَ وُجُودِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْمُرَادِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْضُلُ غَيْرَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْإِرْثِ، وَقَدْ عَارَضَهُ قِيَاسٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّوَارُثَ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَبِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَتَزَوَّجُ الْحَرْبِيَّةَ وَلَا يَرِثُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَنْقَلِبُ فِيمَا لَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ أَرِثُ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِلَيْنَا، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَنْ عِكْرِمَةِ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قُلْتُ: ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ كَمَا مَضَى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْبَابِ مُطَوَّلًا فِي ذِكْرِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ فَذَكَرَ الْمَتْنَ الْمَذْكُورَ هُنَا سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَيِ ابْنِ عَفَّانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُصَرِّحًا بِالْإِخْبَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ، وَكَذَا بَيْنَ عَلِيٍّ، وَعَمْرٍو، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ قَالَ عُمَرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَذَّتْ رِوَايَاتٌ عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِ الْجُمْهُورِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ مَالِكٍ، وَقَدْ عَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَمْثِلَةِ الْمُنْكَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَوْضَحَهُ شَيْخُنَا فِي النُّكَتِ وَزِدْتُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْصَاحِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كُلٌّ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ (١)، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهَا، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَثَالِثٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرٍو صَحِيحٌ، وَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ قَالَ لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ كَافِرَةٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ أُخْرَى كَافِرَةٍ، وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَامُ وَبِالْأُخْرَى الْكُفْرُ فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى الْيَهُودِيِّ مَثَلًا أَنْ يَرِثَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ الْكَافِرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَكْثَرِ وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَوَارَثُ حَرْبِيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ فَإِنْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ شُرِطَ أَنْ يَكُونَا مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا فَرْقَ، وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ: وَطَائِفَةُ الْكُفْرِ ثَلَاثُ مِلَلٍ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا تَرِثُ مِلَّةٌ مِنْ هَذِهِ مِنْ مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَّتَيْنِ، وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْكُفَّارِ مِلَّةٌ فَلَمْ يُوَرِّثُوا مَجُوسِيًّا مِنْ وَثَنِيٍّ وَلَا يَهُودِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبَالَغَ فَقَالَ: وَلَا يَرِثُ أَهْلُ نِحْلَةٍ مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَهْلَ نِحْلَةٍ أُخْرَى مِنْهُ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَدِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ يَصِيرُ مَالُهُ إِذَا مَاتَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ فَيْئًا إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِرِدَّتِهِ أَنْ يَحْرِمَ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ لَهُمْ، وَكَذَا قَالَ فِي الزِّنْدِيقِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْدَ الرِّدَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَعَنْ دَاوُدَ يَخْتَصُّ بِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ حَرَّرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فَهِيَ مِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَشَرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ من قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فَوَحَّدَ الْمِلَّةَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَحْدَةَ فِي اللَّفْظِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاكُ بنُ مخلد النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين (عَنْ عُمَر) بضم العين (بْنِ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان القرشيِّ العدويِّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عَمرو» بفتح العين، بدل: «عُمر» بضمِّها، وكلاهما ولدٌ لعثمان، واتَّفق الرُّواة عن الزُّهريِّ أنَّ عَمرو بن عثمان -بفتح العين وسكون الميم- إلَّا أنَّ مالكًا وحدَه، قال: عُمر -بضم أوَّله وفتح الميم- (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ) وذهبَ معاذُ بن جبل ومعاويةُ وسعيدُ بن المسيَّب، ومسروقٌ إلى أنَّه يرثُ منه لقولهِ ﷺ: «الإسلامُ يَعلو، ولا يُعلى عليه» (١) وحجَّة الجمهور هذا الحديث الصَّحيح.
وأجابُوا عن حديث: «الإسلام يَعلو» بأنَّ معناه: فضلُ الإسلامِ، وليس فيه تعرُّضٌ للإرثِ، فلا يُترك النَّصُّ الصَّريح لذلك (٢) (وَلَا) يرثُ (الكَافِرُ المُسْلِمَ) إجماعًا، ولا يرثُ نحو مرتدٍّ كيهوديٍّ تنصَّر أحدًا؛ إذ ليس بينه وبين أحدٍ موالاة في الدِّين؛ لأنَّه تركَ دِينًا يُقَرُّ عليه ولا يُقَرُّ على دينهِ الَّذي انتقلَ إليه، ولا يورَثُ لذلك (٣) كزنديقٍ، وهو (٤) من لا يتديَّن بدينٍ فلا يرثُ ولا يُورث لذلك، وأمَّا المسلم من المرتدِّ، فقال مالكٌ والشَّافعيُّ (٥): لا يرثُ المسلمُ المرتدَّ. وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ: يرثُه، لكن قال أبو حنيفة: ما اكتسبَهُ في ردَّته لبيتِ المال، وما اكتسبَهُ في الإسلام فهو لورثتهِ المسلمين. وأمَّا الكافران فيتوارثان، وإن اختلفتْ ملَّتهمَا كيهوديٍّ ونصرانيٍّ، أو مجوسيٍّ، أو وثنيٍّ؛ لأنَّ الملل في البُطلان كالملَّة الواحدةِ.
ومن به رِقٌّ ولو مدبَّرًا أو مكاتبًا فلا يرثُ ولا يُورث لنقصهِ، ولأنَّه (٦) لو ورثِ لملَكَ، واللَّازم
باطلٌ إلَّا مبعَّضًا، فيورِّث ما ملكَه بحرِّيته لتمامِ مُلكه عليه، ولا شيءَ لسيِّده منه؛ لاستيفاءِ حقِّه ممَّا اكتسبَه بالرِّقِّيَّة.
ولا يرثُ قاتلٌ من مقتولهِ، وإن لم يضمنْ بقتلهِ لحديث: «ليسَ للقاتلِ شيءٌ» أي: من الميراث. رواه التِّرمذيُّ بسندٍ صحيحٍ، ولأنَّ الإرثَ للموالاةِ والقاتلُ قطعَها. ومن فُقِدَ وُقِفَ مالُه حتَّى تقومَ بيِّنةٌ بموتهِ، أو يَحْكمُ بموتهِ قاضٍ بعد مضيِّ مدةٍ من ولادتهِ لا يعيشُ فوقَها ظنًّا، فيُعطى ماله من يرثهُ حينئذٍ.
والحديث سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣]، والله أعلم.
(٢٧) (باب مِيرَاثِ العَبْدِ النَّصْرَانِيِّ وَمُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «والمكاتَب» (وَإِثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ) ولأبي ذرٍّ: «باب مَن انتفَى من ولدِهِ» ومذهبُ العلماءِ أنَّ العبد النَّصرانيَّ إذا ماتَ فماله لسيِّده بالرِّقِّ؛ لأنَّ (١) مِلْكَ العبدِ غيرُ صحيحٍ فيستحقُّه السَّيِّد لا بطريقِ الميراث، وأمَّا المكاتب فإن ماتَ قبلَ أداءِ كتابتهِ وكان في مالهِ وفاءٌ لباقِي كتابتهِ أُخذ ذلك في كتابتهِ، فما فضلَ فلبيتِ المال، وأمَّا إثمُ من انتفَى من ولدهِ، ففي حديثِ أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابنُ حبَّان والحاكمُ: «أيُّما رجلٍ جحدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله عنهُ»، وفي سندهِ عبد الله بن يونس حجازيٌّ ما روى عنه سوى يزيد بن الهادِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا، ولعلَّه أراد أن يُلحق فيه ما هو على شرطهِ فاخترمتْهُ المنيَّة قَبْلُ.
(٢٨) (باب) حكم (مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ).