الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٢١
الحديث رقم ٧١٢١ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا مسدد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧١٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة الكبرى أن تطلع الشمس من المغرب بدلًا من المشرق، وعندما يراها الناس يؤمنون جميعًا،
فعند ذلك لا ينفع الكافرَ إيمانُه، ولا ينفع العمل الصالح ولا التوبة.
ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن الساعة تأتي بغتة؛ حتى إنها تقوم والناس في أحوالهم وشؤون حياتهم؛
فتقوم الساعة والبائع والمشتري قد نشرا ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه،
وتقوم الساعة والرجل قد أخذ لبن ناقته الحلوب فلا يشربه،
وتقوم الساعة والرجل يصلح حوضه ويُطيِّنُه فلا يسقي فيه،
وتقوم الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فمه ليأكل فلا يأكلها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الرَّجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترَون في الفقراء، فما (١) يَبْرح حتَّى يرجع بماله، فيتذكَّر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز النَّاس؛ وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدلَ وإيصال الحقوق كلِّها (٢) لأهلها (٣) حتَّى استغنَوا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُسَدَّدٌ) المذكور (حَارِثَةُ) بن وهبٍ (أَخُو عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ) ﵁؛ هي أمُّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيِّب بن ربيعة بن أصرم الخزاعيَّة، ذكرها ابن سعدٍ قال: وكان الإسلام فرَّق بينها وبين عمر (قَالَهُ) أي: قول مسدَّدٍ هذا (أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ نفسه، وهذا -أي: قوله: «قاله (٤) أبو عبد الله» - ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي.
٧١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ) تقدَّم [خ¦٦٩٣٥] أنَّ
المراد بهما: عليٌّ ومن معه، ومعاوية ومن معه (١) (تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ) ذكر ابن أبي خيثمة: أنَّ الذي قُتِلَ من الفريقين سبعون ألفًا، وقيل: أكثر (دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ) كلُّ واحدةٍ منهما تدعو إلى الإسلام، وتتأوَّل كلُّ فرقةٍ أنَّها مُحِقَّةٌ، ويُؤخَذ منه الرَّدُّ على الخوارج ومَن معهم في تكفيرهم كُلًّا من الطَّائفتين، وفي روايةٍ: «دعواهما واحدةٌ» أي: دينهما واحدٌ، فالكلُّ مسلمون يدعون (٢) بدعوة الإسلام عند الحرب؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمَّدًا رسول الله ﷺ، وكان سبب تقاتل الطَّائفتين ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسندٍ جيِّدٍ عن الزُّهريِّ قال: لمَّا بلغ معاوية غلبة عليٍّ على أهل الجمل؛ دعا إلى الطَّلب بدم عثمان ﵁، فأجابه أهل الشَّام، فسار إليه عليٌّ ﵁، فالتقيا بصفِّين، وذكر يحيى بن سليمان الجعفيُّ أحد شيوخ البخاريِّ في «كتاب صفِّين» من تأليفه بسندٍ جيِّدٍ عن أبي مسلمٍ الخولانيِّ أنَّه قال لمعاوية: أأنت تُنازع عليًّا في الخلافة؟ أَوَ أنت مثله؟ قال: لا؛ وإنِّي لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان ﵁ قُتِلَ مظلومًا؟ وأنا ابن عمِّه ووليُّه أطلب بدمه، فائتوا عليًّا، فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان، فأتَوه فكلَّموه، فقال: يدخل في البيعة، ويحاكمهم إليَّ، فامتنع معاوية ﵁، فسار عليٌّ والجيوش من العراق حتَّى نزلوا (٣) صفِّين، وسار معاوية حتَّى نزل هناك، وذلك في ذي (٤) الحجَّة سنة ستٍّ وثلاثين، فتراسلوا، فلم يتمَّ لهم أمرٌ، فوقع القتال إلى أن قُتِلَ من الفريقين من قتل (٥)، وعند ابن سعدٍ: أنَّهم اقتتلوا في غرَّة صفرٍ، فلمَّا كاد أهل الشام أن يغلبوا؛ رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، ودعَوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين، فجرى ما جرى من اختلافهما، واستبداد معاوية بملك الشَّام، واشتغال عليٍّ بالخوارج (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُبْعَثَ) يظهر (دَجَّالُونَ) بفتح الدَّال المهملة والجيم المشدَّدة، جمع «دجَّال»، يُقال: دجل فلانٌ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ومنه أُخِذَ الدَّجَّال، ودجله: سحره، وقيل: سُمِّي الدَّجَّال دجَّالًا؛ لتمويهه على النَّاس وتلبيسه، يقال: دجل؛ إذا موَّه ولبَّس،
والدَّجَّال يُطلَق (١) في اللُّغة على أوجهٍ كثيرةٍ؛ منها: الكذَّاب كما قال هنا: دجَّالون (كَذَّابُونَ) ولا يُجمَع ما كان على «فَعَّال» جمع تكسيرٍ عند جماهير النُّحاة؛ لئلَّا يذهب بناء المبالغة منه، فلا يُقال إلَّا: دجَّالون؛ كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسَّرًا؛ فهو شاذٌّ؛ كما قال مالك بن أنسٍ ﵀ في محمَّد بن إسحاق: إنَّما هو دجَّالٌ (٢) من الدَّجاجلة (٣)، قال عبد الله بن إدريس الأَوديُّ: وما علمت أنَّ دجَّالًا يُجمع على «دجاجلة» حتَّى سمعتها من مالك بن أنسٍ ﵁، وهؤلاء الكذَّابون عددهم (قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ) وفي حديث حذيفة ﵁ عند أبي نعيمٍ -وقال: حديثٌ غريبٌ تفرَّد به معاوية بن هشامٍ-: «يكون في أمَّتي دجَّالون كذَّابون سبعةٌ وعشرون؛ منهم أربع نسوةٍ»، وأخرجه أحمد بسندٍ جيِّدٍ، وفي حديث ثوبان عند أبي داود والتِّرمذيِّ، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم (٤): «وأنَّه سيكون في أمَّتي كذَّابون ثلاثون» (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ) زاد ثوبان: «وأنا خاتم النَّبيِّين لا نبيَّ بعدي»، ولأحمد وأبي يَعلى عن ابن عمر: «وثلاثون كذَّابون أو أكثر»، وعنه عند الطَّبرانيِّ (٥): «لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج سبعون كذَّابًا»، وسندهما ضعيفٌ، وعلى تقدير الثُّبوت فيُحمَل على المبالغة في الكثرة لا التَّحديد، وأمَّا رواية الثَّلاثين بالنِّسبة لرواية سبع وعشرين؛ فعلى طريق جبر الكسر، وقد ظهر ما في هذا الحديث، فلو عُدَّ من ادَّعى النُّبوَّة من زمنه ﷺ ممَّن اشتُهِر بذلك واتَّبعه جماعةٌ على ضلاله؛ لوُجِدَ هذا العدد، ومن طالع كتب الأخبار والتَّواريخ وجد ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدَّجَّال الأكبر أنَّهم يدَّعون النُّبوَّة، وذلك يدَّعي الإلهيَّة، مع اشتراك الكلِّ في التَّمويه وادِّعاء الباطل العظيم (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ) بقبض العلماء، وقد وقع ذلك فلم يبق إلَّا رسمه (وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ) وقد كثر ذلك في البلاد الشَّمالية والشَّرقية والغربيَّة (٦)، حتَّى قيل: إنَّها استمرَّت في بلدةٍ من بلاد الرُّوم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نُفَيلٍ عند أحمد:
«وبين يدي السَّاعة سنوات الزَّلازل» (وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) عند زمان المهديِّ؛ لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذُّ العيش عند ذلك؛ لانبساط عدله، فتُستَقصَر مدَّته؛ لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء وإن طالت، ويستطيلون مدَّة (١) أيَّام الشِّدَّة وإن قصرت، أو المراد: يتقارب أهل الزَّمان في الجهل، فيكونون كلُّهم جهلاء، أو المراد: الحقيقة، بأن يعتدل اللَّيل والنَّهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدَّل النَّهار (٢) (وَتَظْهَرَ الفِتَنُ) أي: تكثر وتشتهر، فلا تُكتَم (وَيَكْثُرَ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ (وَهْوَ القَتْلُ) في رواية ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال: «القتل»، وهو صريحٌ في أنَّ تفسير «الهرج» مرفوعٌ، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرِّواية، ولا كونه (٣) بلسان الحبشة (وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ، فَيَفِيضَ) بالنَّصب عطفًا على سابقه، أي: يكثر حتَّى يسيل (حَتَّى يُهِمَّ) -بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الهاء (٤) وتشديد الميم-: يُحزِنَ (رَبَّ المَالِ) مالكه (مَنْ) أي (٥): الذي (يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) -فـ «ربَّ» مفعولٌ بـ «يهمَّ» - والموصول مع صلته فاعله (وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) قال الطِّيبيُّ (٦): معطوفٌ على مقدَّرٍ؛ المعنى: حتَّى يُهِمَّ طلبُ من يقبل الصَّدقة صاحبَ المال في طلبه؛ حتَّى يجده وحتَّى يعرضه (فَيَقُولَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتى (٧) يعرضه عليه، فيقول» (الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ) أي: لا حاجةَ (لِي بِهِ) قال القرطبيُّ في «تذكرته»: هذا ممَّا لم يقع، بل
يكون فيما يأتي، وقال في «الفتح»: التَّقييد بقوله: «فيكم» يُشعِر بأنَّه في زمن الصَّحابة، فهو إشارةٌ إلى ما فتح لهم من الفتوح، واقتسامهم أموال الفرس والرُّوم، وقوله: «فيفيض … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز أنَّ الرَّجل كان لا يجد من يقبل صدقته كما مرَّ، وقوله: «حتَّى يعرضه … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارةٌ إلى ثلاثة أحوالٍ: الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصَّحابة، الثَّانية: فَيْضُه؛ بحيث يكثر فيحصل استغناء كلِّ أحدٍ عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، الثَّالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتَّى يُهِمَّ صاحب المال؛ لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد (١) بأنَّه يعرضه على غيره ولو كان يستحقُّ الصَّدَقة، فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النَّار واشتغال النَّاس بالمحشر (٢) (وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنْيَانِ) بأنَّ كلًا ممَّن يبني يريد (٣) أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أو المراد: المباهاة به في الزِّينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازديادٍ (وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) لما يرى من عظيم البلاء، ورياسة (٤) الجهلاء، وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، واستحلال الحرام، والتحكُّم بغير حقٍّ في الأموال والأعراض والأبدان كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحقَّ، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلَّا إليه (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ) يعني (٥) (آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) وفي هذه الآية بحوثٌ حسنةٌ تتعلَّق بعلم العربيَّة، وعليها تنبني مسائل من أصول الدِّين، وذلك أنَّ المعتزليَّ يقول: مجرَّد الإيمان الصَّحيح لا يكفي، بل لا بدَّ من انضمام عملٍ يقترن به
ويصدِّقه، واستدلَّ بظاهر هذه الآية -كما قال في «الكشَّاف» - ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صفةٌ لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ﴾ والمعنى: أنَّ أشراط (١) السَّاعة إذا جاءت وهي آياتٌ ملجئةٌ مضطرَّةٌ ذهب أوانُ (٢) التَّكليف عندها، فلم ينفعِ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدِّمةٍ إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمةً إيمانها غير كاسبةٍ خيرًا في إيمانها، فلم يفرِّق -كما ترى- بين النَّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النَّفس التي آمنت في وقتها (٣) ولم تكسب خيرًا؛ ليُعلم أنَّ قوله: ﴿الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكَّ إحداهما عن (٤) الأخرى حتَّى يفوز صاحبهما (٥) ويسعد، وإلَّا فالشَّقوة والهلاك. انتهى. وقد أُجيب عن هذا الظَّاهر بأنَّ المعنيَّ بالآية الكريمة: أنَّه إذا أتى بعض الآيات؛ لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا، فقد علَّق نفي الإيمان بأحد وصفين؛ إمَّا نفي سبق الإيمان فقط، وإمَّا سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه: أنَّه ينفع الإيمان السَّابق وحده، أو السَّابق ومعه الخير، ومفهوم الصِّفة قويٌّ، فيُستَدلُّ بالآية لمذهب أهل السُّنَّة؛ فقد قلبوا دليلهم عليهم، وقال ابن المُنَيِّر ناصر الدِّين: هو يروم الاستدلال على أنَّ الكافر والعاصي في الخلود سواءٌ؛ حيث سوَّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات، ولا يتمُّ ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام في البلاغة يلقَّب باللَّفِّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنةً قبل إيمانها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبلُ ما تكسبه من الخير بعدُ، فلفَّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغةً، ويظهر بذلك أنَّها لا تخالف مذهب الحقِّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدِّم من الخلود؛ فهي بالرَّدِّ على مذهبه أَولى من أن تدلَّ له، وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتينَّ على النَّاس ليلةٌ تعدل ثلاث ليالٍ من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك؛ يعرفها المتنفِّلون،
يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم (١)، فبينما هم كذلك؛ صاح (٢) النَّاس بعضهم في بعضٍ (٣) فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد: فإذا هم بالشَّمس قد طلعت من مغربها، فيضجُّ (٤) النَّاس ضجَّةً (٥) واحدةً (٦) حتَّى إذا صارت في وسط السَّماء؛ رجعت وطلعت من (٧) مطلعها، قال: حينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها»، قال ابن كثيرٍ: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وليس هو في شيءٍ من الكتب السِّتَّة (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا) بغير تحتيَّةٍ بعد الموحَّدة في «ثوبهما» ليتبايعاه (فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ) وعند الحاكم من حديث عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «تطلع (٨) عليكم قبل السَّاعة سحابةٌ سوداء من قبل المغرب مثل التُّرس، فما تزال ترتفع حتَّى تملأ السَّماء، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أيُّها النَّاس -ثلاثًا- يقول في الثَّالثة: أتى أمر الله، قال: والذي نفسي بيده؛ إنَّ الرَّجلين لينشران الثَّوب بينهما فما يطويانه … » الحديث، (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللَّام وسكون القاف بعدها حاءٌ مهملةٌ، واللِّقحة: اللَّبون من النُّوق (فَلَا يَطْعَمُهُ) أي: فلا يشربه (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيْطُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر اللَّام بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ، أي: يُصلِح بالطِّين (حَوْضَهُ) فيسدّ شقوقه؛ ليملأه ويسقي منه دوابَّه (فَلَا يَسْقِي فِيهِ (٩)) أي: تقوم
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي زرْعَة الرَّازِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمي فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أبْغض مُعَاوِيَة، قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتل عليّاً بِغَيْر حق، فَقَالَ لَهُ أَبُو زرْعَة: رب مُعَاوِيَة رب رَحِيم وخصم مُعَاوِيَة خصم كريم فَمَا دخولك بَينهمَا؟ وَقيل: الفئتان الْخَوَارِج وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: دعوتهما وَاحِدَة أَي: يدعيان الْإِسْلَام ويتأول كل مِنْهُمَا أَنه محق. قَوْله: حَتَّى يبْعَث أَي: حَتَّى يظْهر دجالون جمع دجال أَي خلاطون بَين الْحق وَالْبَاطِل مموهون، وَالْفرق بَينهم وَبَين الدَّجَّال الْأَكْبَر أَنهم يدعونَ النُّبُوَّة وَهُوَ يَدعِي الإلاهية لكِنهمْ كلهم مشتركون فِي التمويه وادعاء الْبَاطِل الْعَظِيم، وَقد وجد كثير مِنْهُم فضحهم الله وأهلكهم. قَوْله: قريب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: عَددهمْ قريب. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو مَنْصُوب مَكْتُوب بِلَا ألف على اللُّغَة الربيعية، وَقد وَقع فِي حَدِيث ثَوْبَان بِالْجَزْمِ: أَنهم ثَلَاثُونَ، وَهُوَ: سَيكون فِي أمتِي كذابون ثَلَاثُونَ، كلهم يزْعم أَنه نَبِي وَأَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: بَين يَدي السَّاعَة ثَلَاثُونَ دجالًا كذابا، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سَمُرَة الْمصدر بالكسوف، وَفِيه: وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ كذابا آخِرهم الْأَعْوَر الدَّجَّال، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج سَبْعُونَ كذابا، وَسَنَده ضَعِيف، وَكَذَا عَن أبي يعلى من حَدِيث أنس، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف، وَهُوَ وَإِن ثَبت فَمَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة لَا على التَّحْدِيد. وروى أَحْمد بِسَنَد جيد عَن حُذَيْفَة: يكون فِي أمتِي دجالون كذابون سَبْعَة وَعِشْرُونَ، مِنْهُم أَربع نسْوَة وَإِنِّي خَاتم النَّبِيين وَلَا نَبِي بعدِي. قَوْله: وَكلهمْ يزْعم أَنه رَسُول الله ظَاهره يدل على أَن كلاًّ مِنْهُم يَدعِي النُّبُوَّة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله: وَيقبض الْعلم يَعْنِي: يقبض الْعلمَاء، وَقد تقدم فِي كتاب الْعلم: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم، وَفِي رِوَايَة: أَن يقل الْعلم. قَوْله: وتكثر الزلازل وَقد استمرت الزلزلة فِي بَلْدَة من بِلَاد الرّوم الَّتِي هِيَ للْمُسلمين ثَلَاثَة عشر شهرا. قَوْله: ويتقارب الزَّمَان أَي: أَهله بِأَن يكون كلهم جُهَّالًا، وَيحْتَمل الْحمل على الْحَقِيقَة بِأَن يعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار دَائِما، وَذَلِكَ بِأَن تنطبق منْطقَة البروج على معدل النَّهَار. قَوْله: حَتَّى يكثر فِيكُم المَال إِشَارَة إِلَى مَا وَقع من الْفتُوح واقتسامهم أَمْوَال الْفرس وَالروم فِي زمن الصَّحَابَة. قَوْله: فيفيض من الفيضان وَهُوَ أَن يكثر حَتَّى يسيل كالوادي، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز لِأَنَّهُ وَقع فِي زَمَنه أَن الرجل كَانَ يعرض مَاله للصدقة فَلَا يجد من يقبل صدقته. قَوْله: حَتَّى يهم بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء قَالَ ابْن بطال: رب هُوَ مفعول، و: من يقبل، فَاعله، ويهمه أَي: يحزنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء وبفتح الْيَاء وَضم الْهَاء وحينئذٍ يكون: رب، فَاعِلا. أَي: يَقْصِدهُ. قَوْله: من يقبل قَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهره أَن يُقَال من لَا يقبل. قلت: يُرِيد بِهِ من شَأْنه أَن يكون قَابلا لَهَا قَوْله: لَا أرب بِفتْحَتَيْنِ أَي: لَا حَاجَة لي بِهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا سيقع فِي زمن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: بِهِ للْمُبَالَغَة. قَوْله: لقحته بِكَسْر اللَّام الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ والناقة الحلوب. قَوْله: فَلَا يطعمهُ أَي: فَلَا يشربه. قَوْله: هُوَ يليط يُقَال لَاطَ ويليط إِذْ طينه وَأَصْلحهُ وألصقه. يُقَال: لَاطَ حبه بقلبي يليط ويلوط ليطاً ولوطاً ولياطة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لطت الْحَوْض بالطين ألواطه لوطاً أَي: طينته. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: كل شَيْء لصق بِشَيْء فقد لَاطَ بِهِ يلوط لوطاً ويليط أَيْضا. قَوْله: أَكلته بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة، وَبِفَتْحِهَا الْمرة الْوَاحِدَة. إِلَى فِيهِ أَي: إِلَى فَمه.
٢٦ - (بابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الدَّجَّال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٧١٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، حَدثنَا إسْماعِيلُ، حدّثني قيْسٌ قَالَ: قَالَ لي المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: مَا سَأَلَ أحَدٌ النبيَّ عنِ الدَّجَّالِ مَا سألْتهُ، وإنَّهُ قَالَ لي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ قُلْتُ لأنّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مَعَه جَبَلَ خُبْزٍ ونَهَرَ ماءٍ، قَالَ: هُوَ أهْوَنُ عَلى الله مِنْ ذالِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن شهَاب بن عباد وَآخَرين: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير.
قَوْله: الدَّجَّال قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شخص بِعَيْنِه ابتلى الله عباده بِهِ وأقدره على أَشْيَاء من مقدورات الله تعال من إحْيَاء الْمَيِّت وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض وإمطار السَّمَاء وإنبات الأَرْض بأَمْره، ثمَّ يعجزه الله عز وَجل بعد ذَلِك فَلَا يقدر على شَيْء من ذَلِك، وَهُوَ يكون مُدعيًا للإلاهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله من انتقاصه بالعور وعجزه عَن إِزَالَته عَن نَفسه وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ. فَإِن قلت: إِظْهَار المعجزة على يَد الْكذَّاب لَيْسَ يُمكن. قلت: إِنَّه يَدعِي الإلاهية واستحالته ظَاهِرَة فَلَا مَحْذُور فِيهِ، بِخِلَاف مدعي النُّبُوَّة فَإِنَّهَا مُمكنَة، فَلَو أَتَى الْكَاذِب فِيهَا بمعجزة لالتبس النَّبِي بالمتنبي. وَفَائِدَة تَمْكِينه من هَذِه الخوارق امتحان الْعباد. قَوْله: وَإنَّهُ أَي وَإِن النَّبِي، قَالَ لي: مَا يَضرك مِنْهُ أَي: من الدَّجَّال. قَوْله: لأَنهم أَي: لِأَن النَّاس، ويروى: أَنهم، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُتَعَلق بمقدر يُنَاسب الْمقَام، وَقدر بَعضهم الخشية مِنْهُ مثلا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: جبل وَفِي رِوَايَة مُسلم: مَعَه جبال من خبز وَلحم قَوْله: ونهر بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك قَالَ القَاضِي: هُوَ أَهْون على الله من أَن يَجْعَل ذَلِك سَببا لضلال الْمُؤمنِينَ، بل هُوَ لِيَزْدَادَ الَّذين آمنُوا إِيمَانًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ مَعَه شَيْء من ذَلِك.
٧١٢٣ - حدّثنا مُوساى بنُ إسماعِيلُ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ أراهُ عنِ النبيِّ قَالَ: أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْناى كأنَّها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
قَوْله: أرَاهُ بِضَم الْهمزَة الْقَائِل بِهِ هُوَ البُخَارِيّ، وَقد سقط قَوْله: أرَاهُ إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأبي زيد الْمروزِي وَأبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، فَصَارَت صورته مَوْقُوفَة وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ. والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ: عَن النَّبِي، قَوْله: أَعور الْعين الْيُمْنَى أَي: أَعور عين الْجِهَة الْيُمْنَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَعور عين الْيُمْنَى، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: طافئة بِالْهَمْزَةِ وَهِي الَّتِي ذهب نورها، وَبلا همزَة: الناتئة الشاخصة.
٧١٢٤ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفصٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ إسْحاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ النبيُّ يَجِىءُ الدَّجَالُ حتَّى يَنْزِلَ فِي ناحِيَةَ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجِفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رجَفاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كلُّ كافِرٍ ومُنافِق.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، وشيبان هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: حَتَّى ينزل فِي نَاحيَة الْمَدِينَة وَيَأْتِي عَن قريب بعد بَاب: ينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق عَن أنس: فَيَأْتِي سبخَة الجرف، فَيضْرب رواقه فَيخرج إِلَيْهِ كل مُنَافِق وَمُنَافِقَة، والجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء وبالفاء مَكَان بطرِيق الْمَدِينَة من جِهَة الشَّام على ميل، وَقيل: ثَلَاثَة أَمْيَال، والرواق الْفسْطَاط، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي أُمَامَة. ينزل عِنْد الطَّرِيق الْأَحْمَر عِنْد مُنْقَطع السبخة قَوْله: ثمَّ ترجف الْمَدِينَة ويروى: فترجف الْمَدِينَة، وَهُوَ أوجه، وَمَعْنَاهُ: تتحرك الْمَدِينَة ويضطرب أَهلهَا. قَوْله: فَيخرج إِلَيْهِ أَي: إِلَى الدَّجَّال كل كَافِر ومنافق قلت: الَّذِي يظْهر لي أَن المُرَاد بالكافر غلاة الروافض، لأَنهم كفرة، وَفِي الْمَدِينَة رفضة، وَفِي حَدِيث محجن بن الأدرع عِنْد أَحْمد وَالْحَاكِم: فَلَا يبْقى مُنَافِق وَلَا منافقة وَلَا فَاسق وَلَا فاسقة إِلَّا خرج إِلَيْهِ.
٠٧١٢٥ - حدّثنا عبدُ الْعَزِيز بنُ عبد الله، حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عَن أبيهِ عَن جدِّهِ، عَن أبي بكرةَ عَن النبيّ قَالَ: لَا يدخُلُ المدينةَ رُعبُ الْمَسِيح الدّجال، وَلها يومئذٍ
سَبْعَة أبوابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكان
انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه
٧١٢٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدّثنا مِسْعَرٌ، حدّثنا سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيمَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيح، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكانِ.
قَالَ: وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ صَالِحٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَقَالَ لي أبُو بَكْرَة، سَمِعْتُ النبيَّ بِهاذا.
انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام الْكُوفِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي بكرَة نفيع الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَهَذَا ثَبت للمستملي وَحده، وَسقط للْكُلّ غَيره.
قَوْله: رعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبكسون الثَّانِي وَهُوَ الْفَزع.
قَوْله: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق أَي: مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي روى عَنهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرحمان بن عَوْف وَهُوَ أَخُو سعد بن إِبْرَاهِيم. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق ثُبُوت لِقَاء إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف لأبي بكرَة لِأَن إِبْرَاهِيم مدنِي وَقد تستنكر رِوَايَته عَن أبي بكرَة. لِأَنَّهُ نزل الْبَصْرَة على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَن مَاتَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد. قَوْله: بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
٧١٢٧ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ، فأثْنى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيَ إلاّ وقَدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، ولَكِنِّي سأقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ أعْوَرُ وإنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
قَوْله: وَمَا من نَبِي إلَاّ وَقد أنذره قومه زَاد فِي رِوَايَة معمر: لقد أنذره نوح قومه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: لم يكن نَبِي بعد نوح إلَاّ وَقد أنذر قومه الدَّجَّال. فَإِن قلت: هَذَا مُشكل لِأَن الْأَحَادِيث قد ثبتَتْ أَنه يخرج بعد أُمُور ذكرت، وَأَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، يقْتله بعد أَن ينزل من السَّمَاء فَيحكم بالشريعة المحمدية. قلت: كَانَ وَقت خُرُوجه أُخْفِي عَن نوح وَمن بعده فكأنهم أنذروا بِهِ وَلم يذكر لَهُم وَقت خُرُوجه، فحذروا قَومهمْ من فتنته. قَوْله: إِنَّه أَعور إِنَّمَا اقْتصر على هَذَا مَعَ أَن أَدِلَّة الْحُدُوث فِي الدَّجَّال ظَاهِرَة، لَكِن العور أثر محسوس يُدْرِكهُ الْعَالم والعامي وَمن لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِذا ادّعى الربوبية وَهُوَ نَاقص الْخلقَة، والإلاه يتعالى عَن النَّقْص، علم أَنه كَذَّاب.
٧١٢٨ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بَيْنما أَنا نائمٌ أطُوفُ بالكَعْبَةِ، فإذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أوْ يُهَراقُ رأسُهُ مَاء قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، ألْتَفِتُ فإذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأسِ، أعْوَرُ العَيْنِ، كَأَن عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيَةٌ، قالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً، ابنُ قَطَنٍ رجُلٌ مِنْ خُزاعَةَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا قد مضى فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب الطّواف بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الرَّجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترَون في الفقراء، فما (١) يَبْرح حتَّى يرجع بماله، فيتذكَّر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز النَّاس؛ وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدلَ وإيصال الحقوق كلِّها (٢) لأهلها (٣) حتَّى استغنَوا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُسَدَّدٌ) المذكور (حَارِثَةُ) بن وهبٍ (أَخُو عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ) ﵁؛ هي أمُّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيِّب بن ربيعة بن أصرم الخزاعيَّة، ذكرها ابن سعدٍ قال: وكان الإسلام فرَّق بينها وبين عمر (قَالَهُ) أي: قول مسدَّدٍ هذا (أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ نفسه، وهذا -أي: قوله: «قاله (٤) أبو عبد الله» - ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي.
٧١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ) تقدَّم [خ¦٦٩٣٥] أنَّ
المراد بهما: عليٌّ ومن معه، ومعاوية ومن معه (١) (تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ) ذكر ابن أبي خيثمة: أنَّ الذي قُتِلَ من الفريقين سبعون ألفًا، وقيل: أكثر (دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ) كلُّ واحدةٍ منهما تدعو إلى الإسلام، وتتأوَّل كلُّ فرقةٍ أنَّها مُحِقَّةٌ، ويُؤخَذ منه الرَّدُّ على الخوارج ومَن معهم في تكفيرهم كُلًّا من الطَّائفتين، وفي روايةٍ: «دعواهما واحدةٌ» أي: دينهما واحدٌ، فالكلُّ مسلمون يدعون (٢) بدعوة الإسلام عند الحرب؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمَّدًا رسول الله ﷺ، وكان سبب تقاتل الطَّائفتين ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسندٍ جيِّدٍ عن الزُّهريِّ قال: لمَّا بلغ معاوية غلبة عليٍّ على أهل الجمل؛ دعا إلى الطَّلب بدم عثمان ﵁، فأجابه أهل الشَّام، فسار إليه عليٌّ ﵁، فالتقيا بصفِّين، وذكر يحيى بن سليمان الجعفيُّ أحد شيوخ البخاريِّ في «كتاب صفِّين» من تأليفه بسندٍ جيِّدٍ عن أبي مسلمٍ الخولانيِّ أنَّه قال لمعاوية: أأنت تُنازع عليًّا في الخلافة؟ أَوَ أنت مثله؟ قال: لا؛ وإنِّي لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان ﵁ قُتِلَ مظلومًا؟ وأنا ابن عمِّه ووليُّه أطلب بدمه، فائتوا عليًّا، فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان، فأتَوه فكلَّموه، فقال: يدخل في البيعة، ويحاكمهم إليَّ، فامتنع معاوية ﵁، فسار عليٌّ والجيوش من العراق حتَّى نزلوا (٣) صفِّين، وسار معاوية حتَّى نزل هناك، وذلك في ذي (٤) الحجَّة سنة ستٍّ وثلاثين، فتراسلوا، فلم يتمَّ لهم أمرٌ، فوقع القتال إلى أن قُتِلَ من الفريقين من قتل (٥)، وعند ابن سعدٍ: أنَّهم اقتتلوا في غرَّة صفرٍ، فلمَّا كاد أهل الشام أن يغلبوا؛ رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، ودعَوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين، فجرى ما جرى من اختلافهما، واستبداد معاوية بملك الشَّام، واشتغال عليٍّ بالخوارج (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُبْعَثَ) يظهر (دَجَّالُونَ) بفتح الدَّال المهملة والجيم المشدَّدة، جمع «دجَّال»، يُقال: دجل فلانٌ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ومنه أُخِذَ الدَّجَّال، ودجله: سحره، وقيل: سُمِّي الدَّجَّال دجَّالًا؛ لتمويهه على النَّاس وتلبيسه، يقال: دجل؛ إذا موَّه ولبَّس،
والدَّجَّال يُطلَق (١) في اللُّغة على أوجهٍ كثيرةٍ؛ منها: الكذَّاب كما قال هنا: دجَّالون (كَذَّابُونَ) ولا يُجمَع ما كان على «فَعَّال» جمع تكسيرٍ عند جماهير النُّحاة؛ لئلَّا يذهب بناء المبالغة منه، فلا يُقال إلَّا: دجَّالون؛ كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسَّرًا؛ فهو شاذٌّ؛ كما قال مالك بن أنسٍ ﵀ في محمَّد بن إسحاق: إنَّما هو دجَّالٌ (٢) من الدَّجاجلة (٣)، قال عبد الله بن إدريس الأَوديُّ: وما علمت أنَّ دجَّالًا يُجمع على «دجاجلة» حتَّى سمعتها من مالك بن أنسٍ ﵁، وهؤلاء الكذَّابون عددهم (قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ) وفي حديث حذيفة ﵁ عند أبي نعيمٍ -وقال: حديثٌ غريبٌ تفرَّد به معاوية بن هشامٍ-: «يكون في أمَّتي دجَّالون كذَّابون سبعةٌ وعشرون؛ منهم أربع نسوةٍ»، وأخرجه أحمد بسندٍ جيِّدٍ، وفي حديث ثوبان عند أبي داود والتِّرمذيِّ، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم (٤): «وأنَّه سيكون في أمَّتي كذَّابون ثلاثون» (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ) زاد ثوبان: «وأنا خاتم النَّبيِّين لا نبيَّ بعدي»، ولأحمد وأبي يَعلى عن ابن عمر: «وثلاثون كذَّابون أو أكثر»، وعنه عند الطَّبرانيِّ (٥): «لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج سبعون كذَّابًا»، وسندهما ضعيفٌ، وعلى تقدير الثُّبوت فيُحمَل على المبالغة في الكثرة لا التَّحديد، وأمَّا رواية الثَّلاثين بالنِّسبة لرواية سبع وعشرين؛ فعلى طريق جبر الكسر، وقد ظهر ما في هذا الحديث، فلو عُدَّ من ادَّعى النُّبوَّة من زمنه ﷺ ممَّن اشتُهِر بذلك واتَّبعه جماعةٌ على ضلاله؛ لوُجِدَ هذا العدد، ومن طالع كتب الأخبار والتَّواريخ وجد ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدَّجَّال الأكبر أنَّهم يدَّعون النُّبوَّة، وذلك يدَّعي الإلهيَّة، مع اشتراك الكلِّ في التَّمويه وادِّعاء الباطل العظيم (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ) بقبض العلماء، وقد وقع ذلك فلم يبق إلَّا رسمه (وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ) وقد كثر ذلك في البلاد الشَّمالية والشَّرقية والغربيَّة (٦)، حتَّى قيل: إنَّها استمرَّت في بلدةٍ من بلاد الرُّوم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نُفَيلٍ عند أحمد:
«وبين يدي السَّاعة سنوات الزَّلازل» (وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) عند زمان المهديِّ؛ لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذُّ العيش عند ذلك؛ لانبساط عدله، فتُستَقصَر مدَّته؛ لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء وإن طالت، ويستطيلون مدَّة (١) أيَّام الشِّدَّة وإن قصرت، أو المراد: يتقارب أهل الزَّمان في الجهل، فيكونون كلُّهم جهلاء، أو المراد: الحقيقة، بأن يعتدل اللَّيل والنَّهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدَّل النَّهار (٢) (وَتَظْهَرَ الفِتَنُ) أي: تكثر وتشتهر، فلا تُكتَم (وَيَكْثُرَ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ (وَهْوَ القَتْلُ) في رواية ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال: «القتل»، وهو صريحٌ في أنَّ تفسير «الهرج» مرفوعٌ، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرِّواية، ولا كونه (٣) بلسان الحبشة (وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ، فَيَفِيضَ) بالنَّصب عطفًا على سابقه، أي: يكثر حتَّى يسيل (حَتَّى يُهِمَّ) -بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الهاء (٤) وتشديد الميم-: يُحزِنَ (رَبَّ المَالِ) مالكه (مَنْ) أي (٥): الذي (يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) -فـ «ربَّ» مفعولٌ بـ «يهمَّ» - والموصول مع صلته فاعله (وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) قال الطِّيبيُّ (٦): معطوفٌ على مقدَّرٍ؛ المعنى: حتَّى يُهِمَّ طلبُ من يقبل الصَّدقة صاحبَ المال في طلبه؛ حتَّى يجده وحتَّى يعرضه (فَيَقُولَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتى (٧) يعرضه عليه، فيقول» (الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ) أي: لا حاجةَ (لِي بِهِ) قال القرطبيُّ في «تذكرته»: هذا ممَّا لم يقع، بل
يكون فيما يأتي، وقال في «الفتح»: التَّقييد بقوله: «فيكم» يُشعِر بأنَّه في زمن الصَّحابة، فهو إشارةٌ إلى ما فتح لهم من الفتوح، واقتسامهم أموال الفرس والرُّوم، وقوله: «فيفيض … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز أنَّ الرَّجل كان لا يجد من يقبل صدقته كما مرَّ، وقوله: «حتَّى يعرضه … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارةٌ إلى ثلاثة أحوالٍ: الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصَّحابة، الثَّانية: فَيْضُه؛ بحيث يكثر فيحصل استغناء كلِّ أحدٍ عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، الثَّالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتَّى يُهِمَّ صاحب المال؛ لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد (١) بأنَّه يعرضه على غيره ولو كان يستحقُّ الصَّدَقة، فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النَّار واشتغال النَّاس بالمحشر (٢) (وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنْيَانِ) بأنَّ كلًا ممَّن يبني يريد (٣) أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أو المراد: المباهاة به في الزِّينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازديادٍ (وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) لما يرى من عظيم البلاء، ورياسة (٤) الجهلاء، وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، واستحلال الحرام، والتحكُّم بغير حقٍّ في الأموال والأعراض والأبدان كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحقَّ، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلَّا إليه (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ) يعني (٥) (آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) وفي هذه الآية بحوثٌ حسنةٌ تتعلَّق بعلم العربيَّة، وعليها تنبني مسائل من أصول الدِّين، وذلك أنَّ المعتزليَّ يقول: مجرَّد الإيمان الصَّحيح لا يكفي، بل لا بدَّ من انضمام عملٍ يقترن به
ويصدِّقه، واستدلَّ بظاهر هذه الآية -كما قال في «الكشَّاف» - ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صفةٌ لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ﴾ والمعنى: أنَّ أشراط (١) السَّاعة إذا جاءت وهي آياتٌ ملجئةٌ مضطرَّةٌ ذهب أوانُ (٢) التَّكليف عندها، فلم ينفعِ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدِّمةٍ إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمةً إيمانها غير كاسبةٍ خيرًا في إيمانها، فلم يفرِّق -كما ترى- بين النَّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النَّفس التي آمنت في وقتها (٣) ولم تكسب خيرًا؛ ليُعلم أنَّ قوله: ﴿الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكَّ إحداهما عن (٤) الأخرى حتَّى يفوز صاحبهما (٥) ويسعد، وإلَّا فالشَّقوة والهلاك. انتهى. وقد أُجيب عن هذا الظَّاهر بأنَّ المعنيَّ بالآية الكريمة: أنَّه إذا أتى بعض الآيات؛ لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا، فقد علَّق نفي الإيمان بأحد وصفين؛ إمَّا نفي سبق الإيمان فقط، وإمَّا سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه: أنَّه ينفع الإيمان السَّابق وحده، أو السَّابق ومعه الخير، ومفهوم الصِّفة قويٌّ، فيُستَدلُّ بالآية لمذهب أهل السُّنَّة؛ فقد قلبوا دليلهم عليهم، وقال ابن المُنَيِّر ناصر الدِّين: هو يروم الاستدلال على أنَّ الكافر والعاصي في الخلود سواءٌ؛ حيث سوَّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات، ولا يتمُّ ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام في البلاغة يلقَّب باللَّفِّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنةً قبل إيمانها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبلُ ما تكسبه من الخير بعدُ، فلفَّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغةً، ويظهر بذلك أنَّها لا تخالف مذهب الحقِّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدِّم من الخلود؛ فهي بالرَّدِّ على مذهبه أَولى من أن تدلَّ له، وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتينَّ على النَّاس ليلةٌ تعدل ثلاث ليالٍ من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك؛ يعرفها المتنفِّلون،
يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم (١)، فبينما هم كذلك؛ صاح (٢) النَّاس بعضهم في بعضٍ (٣) فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد: فإذا هم بالشَّمس قد طلعت من مغربها، فيضجُّ (٤) النَّاس ضجَّةً (٥) واحدةً (٦) حتَّى إذا صارت في وسط السَّماء؛ رجعت وطلعت من (٧) مطلعها، قال: حينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها»، قال ابن كثيرٍ: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وليس هو في شيءٍ من الكتب السِّتَّة (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا) بغير تحتيَّةٍ بعد الموحَّدة في «ثوبهما» ليتبايعاه (فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ) وعند الحاكم من حديث عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «تطلع (٨) عليكم قبل السَّاعة سحابةٌ سوداء من قبل المغرب مثل التُّرس، فما تزال ترتفع حتَّى تملأ السَّماء، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أيُّها النَّاس -ثلاثًا- يقول في الثَّالثة: أتى أمر الله، قال: والذي نفسي بيده؛ إنَّ الرَّجلين لينشران الثَّوب بينهما فما يطويانه … » الحديث، (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللَّام وسكون القاف بعدها حاءٌ مهملةٌ، واللِّقحة: اللَّبون من النُّوق (فَلَا يَطْعَمُهُ) أي: فلا يشربه (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيْطُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر اللَّام بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ، أي: يُصلِح بالطِّين (حَوْضَهُ) فيسدّ شقوقه؛ ليملأه ويسقي منه دوابَّه (فَلَا يَسْقِي فِيهِ (٩)) أي: تقوم
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي زرْعَة الرَّازِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمي فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أبْغض مُعَاوِيَة، قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتل عليّاً بِغَيْر حق، فَقَالَ لَهُ أَبُو زرْعَة: رب مُعَاوِيَة رب رَحِيم وخصم مُعَاوِيَة خصم كريم فَمَا دخولك بَينهمَا؟ وَقيل: الفئتان الْخَوَارِج وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: دعوتهما وَاحِدَة أَي: يدعيان الْإِسْلَام ويتأول كل مِنْهُمَا أَنه محق. قَوْله: حَتَّى يبْعَث أَي: حَتَّى يظْهر دجالون جمع دجال أَي خلاطون بَين الْحق وَالْبَاطِل مموهون، وَالْفرق بَينهم وَبَين الدَّجَّال الْأَكْبَر أَنهم يدعونَ النُّبُوَّة وَهُوَ يَدعِي الإلاهية لكِنهمْ كلهم مشتركون فِي التمويه وادعاء الْبَاطِل الْعَظِيم، وَقد وجد كثير مِنْهُم فضحهم الله وأهلكهم. قَوْله: قريب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: عَددهمْ قريب. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو مَنْصُوب مَكْتُوب بِلَا ألف على اللُّغَة الربيعية، وَقد وَقع فِي حَدِيث ثَوْبَان بِالْجَزْمِ: أَنهم ثَلَاثُونَ، وَهُوَ: سَيكون فِي أمتِي كذابون ثَلَاثُونَ، كلهم يزْعم أَنه نَبِي وَأَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: بَين يَدي السَّاعَة ثَلَاثُونَ دجالًا كذابا، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سَمُرَة الْمصدر بالكسوف، وَفِيه: وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ كذابا آخِرهم الْأَعْوَر الدَّجَّال، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج سَبْعُونَ كذابا، وَسَنَده ضَعِيف، وَكَذَا عَن أبي يعلى من حَدِيث أنس، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف، وَهُوَ وَإِن ثَبت فَمَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة لَا على التَّحْدِيد. وروى أَحْمد بِسَنَد جيد عَن حُذَيْفَة: يكون فِي أمتِي دجالون كذابون سَبْعَة وَعِشْرُونَ، مِنْهُم أَربع نسْوَة وَإِنِّي خَاتم النَّبِيين وَلَا نَبِي بعدِي. قَوْله: وَكلهمْ يزْعم أَنه رَسُول الله ظَاهره يدل على أَن كلاًّ مِنْهُم يَدعِي النُّبُوَّة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله: وَيقبض الْعلم يَعْنِي: يقبض الْعلمَاء، وَقد تقدم فِي كتاب الْعلم: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم، وَفِي رِوَايَة: أَن يقل الْعلم. قَوْله: وتكثر الزلازل وَقد استمرت الزلزلة فِي بَلْدَة من بِلَاد الرّوم الَّتِي هِيَ للْمُسلمين ثَلَاثَة عشر شهرا. قَوْله: ويتقارب الزَّمَان أَي: أَهله بِأَن يكون كلهم جُهَّالًا، وَيحْتَمل الْحمل على الْحَقِيقَة بِأَن يعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار دَائِما، وَذَلِكَ بِأَن تنطبق منْطقَة البروج على معدل النَّهَار. قَوْله: حَتَّى يكثر فِيكُم المَال إِشَارَة إِلَى مَا وَقع من الْفتُوح واقتسامهم أَمْوَال الْفرس وَالروم فِي زمن الصَّحَابَة. قَوْله: فيفيض من الفيضان وَهُوَ أَن يكثر حَتَّى يسيل كالوادي، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز لِأَنَّهُ وَقع فِي زَمَنه أَن الرجل كَانَ يعرض مَاله للصدقة فَلَا يجد من يقبل صدقته. قَوْله: حَتَّى يهم بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء قَالَ ابْن بطال: رب هُوَ مفعول، و: من يقبل، فَاعله، ويهمه أَي: يحزنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء وبفتح الْيَاء وَضم الْهَاء وحينئذٍ يكون: رب، فَاعِلا. أَي: يَقْصِدهُ. قَوْله: من يقبل قَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهره أَن يُقَال من لَا يقبل. قلت: يُرِيد بِهِ من شَأْنه أَن يكون قَابلا لَهَا قَوْله: لَا أرب بِفتْحَتَيْنِ أَي: لَا حَاجَة لي بِهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا سيقع فِي زمن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: بِهِ للْمُبَالَغَة. قَوْله: لقحته بِكَسْر اللَّام الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ والناقة الحلوب. قَوْله: فَلَا يطعمهُ أَي: فَلَا يشربه. قَوْله: هُوَ يليط يُقَال لَاطَ ويليط إِذْ طينه وَأَصْلحهُ وألصقه. يُقَال: لَاطَ حبه بقلبي يليط ويلوط ليطاً ولوطاً ولياطة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لطت الْحَوْض بالطين ألواطه لوطاً أَي: طينته. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: كل شَيْء لصق بِشَيْء فقد لَاطَ بِهِ يلوط لوطاً ويليط أَيْضا. قَوْله: أَكلته بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة، وَبِفَتْحِهَا الْمرة الْوَاحِدَة. إِلَى فِيهِ أَي: إِلَى فَمه.
٢٦ - (بابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الدَّجَّال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٧١٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، حَدثنَا إسْماعِيلُ، حدّثني قيْسٌ قَالَ: قَالَ لي المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: مَا سَأَلَ أحَدٌ النبيَّ عنِ الدَّجَّالِ مَا سألْتهُ، وإنَّهُ قَالَ لي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ قُلْتُ لأنّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مَعَه جَبَلَ خُبْزٍ ونَهَرَ ماءٍ، قَالَ: هُوَ أهْوَنُ عَلى الله مِنْ ذالِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن شهَاب بن عباد وَآخَرين: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير.
قَوْله: الدَّجَّال قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شخص بِعَيْنِه ابتلى الله عباده بِهِ وأقدره على أَشْيَاء من مقدورات الله تعال من إحْيَاء الْمَيِّت وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض وإمطار السَّمَاء وإنبات الأَرْض بأَمْره، ثمَّ يعجزه الله عز وَجل بعد ذَلِك فَلَا يقدر على شَيْء من ذَلِك، وَهُوَ يكون مُدعيًا للإلاهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله من انتقاصه بالعور وعجزه عَن إِزَالَته عَن نَفسه وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ. فَإِن قلت: إِظْهَار المعجزة على يَد الْكذَّاب لَيْسَ يُمكن. قلت: إِنَّه يَدعِي الإلاهية واستحالته ظَاهِرَة فَلَا مَحْذُور فِيهِ، بِخِلَاف مدعي النُّبُوَّة فَإِنَّهَا مُمكنَة، فَلَو أَتَى الْكَاذِب فِيهَا بمعجزة لالتبس النَّبِي بالمتنبي. وَفَائِدَة تَمْكِينه من هَذِه الخوارق امتحان الْعباد. قَوْله: وَإنَّهُ أَي وَإِن النَّبِي، قَالَ لي: مَا يَضرك مِنْهُ أَي: من الدَّجَّال. قَوْله: لأَنهم أَي: لِأَن النَّاس، ويروى: أَنهم، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُتَعَلق بمقدر يُنَاسب الْمقَام، وَقدر بَعضهم الخشية مِنْهُ مثلا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: جبل وَفِي رِوَايَة مُسلم: مَعَه جبال من خبز وَلحم قَوْله: ونهر بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك قَالَ القَاضِي: هُوَ أَهْون على الله من أَن يَجْعَل ذَلِك سَببا لضلال الْمُؤمنِينَ، بل هُوَ لِيَزْدَادَ الَّذين آمنُوا إِيمَانًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ مَعَه شَيْء من ذَلِك.
٧١٢٣ - حدّثنا مُوساى بنُ إسماعِيلُ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ أراهُ عنِ النبيِّ قَالَ: أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْناى كأنَّها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
قَوْله: أرَاهُ بِضَم الْهمزَة الْقَائِل بِهِ هُوَ البُخَارِيّ، وَقد سقط قَوْله: أرَاهُ إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأبي زيد الْمروزِي وَأبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، فَصَارَت صورته مَوْقُوفَة وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ. والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ: عَن النَّبِي، قَوْله: أَعور الْعين الْيُمْنَى أَي: أَعور عين الْجِهَة الْيُمْنَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَعور عين الْيُمْنَى، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: طافئة بِالْهَمْزَةِ وَهِي الَّتِي ذهب نورها، وَبلا همزَة: الناتئة الشاخصة.
٧١٢٤ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفصٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ إسْحاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ النبيُّ يَجِىءُ الدَّجَالُ حتَّى يَنْزِلَ فِي ناحِيَةَ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجِفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رجَفاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كلُّ كافِرٍ ومُنافِق.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، وشيبان هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: حَتَّى ينزل فِي نَاحيَة الْمَدِينَة وَيَأْتِي عَن قريب بعد بَاب: ينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق عَن أنس: فَيَأْتِي سبخَة الجرف، فَيضْرب رواقه فَيخرج إِلَيْهِ كل مُنَافِق وَمُنَافِقَة، والجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء وبالفاء مَكَان بطرِيق الْمَدِينَة من جِهَة الشَّام على ميل، وَقيل: ثَلَاثَة أَمْيَال، والرواق الْفسْطَاط، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي أُمَامَة. ينزل عِنْد الطَّرِيق الْأَحْمَر عِنْد مُنْقَطع السبخة قَوْله: ثمَّ ترجف الْمَدِينَة ويروى: فترجف الْمَدِينَة، وَهُوَ أوجه، وَمَعْنَاهُ: تتحرك الْمَدِينَة ويضطرب أَهلهَا. قَوْله: فَيخرج إِلَيْهِ أَي: إِلَى الدَّجَّال كل كَافِر ومنافق قلت: الَّذِي يظْهر لي أَن المُرَاد بالكافر غلاة الروافض، لأَنهم كفرة، وَفِي الْمَدِينَة رفضة، وَفِي حَدِيث محجن بن الأدرع عِنْد أَحْمد وَالْحَاكِم: فَلَا يبْقى مُنَافِق وَلَا منافقة وَلَا فَاسق وَلَا فاسقة إِلَّا خرج إِلَيْهِ.
٠٧١٢٥ - حدّثنا عبدُ الْعَزِيز بنُ عبد الله، حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عَن أبيهِ عَن جدِّهِ، عَن أبي بكرةَ عَن النبيّ قَالَ: لَا يدخُلُ المدينةَ رُعبُ الْمَسِيح الدّجال، وَلها يومئذٍ
سَبْعَة أبوابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكان
انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه
٧١٢٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدّثنا مِسْعَرٌ، حدّثنا سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيمَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيح، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكانِ.
قَالَ: وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ صَالِحٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَقَالَ لي أبُو بَكْرَة، سَمِعْتُ النبيَّ بِهاذا.
انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام الْكُوفِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي بكرَة نفيع الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَهَذَا ثَبت للمستملي وَحده، وَسقط للْكُلّ غَيره.
قَوْله: رعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبكسون الثَّانِي وَهُوَ الْفَزع.
قَوْله: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق أَي: مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي روى عَنهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرحمان بن عَوْف وَهُوَ أَخُو سعد بن إِبْرَاهِيم. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق ثُبُوت لِقَاء إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف لأبي بكرَة لِأَن إِبْرَاهِيم مدنِي وَقد تستنكر رِوَايَته عَن أبي بكرَة. لِأَنَّهُ نزل الْبَصْرَة على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَن مَاتَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد. قَوْله: بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
٧١٢٧ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ، فأثْنى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيَ إلاّ وقَدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، ولَكِنِّي سأقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ أعْوَرُ وإنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
قَوْله: وَمَا من نَبِي إلَاّ وَقد أنذره قومه زَاد فِي رِوَايَة معمر: لقد أنذره نوح قومه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: لم يكن نَبِي بعد نوح إلَاّ وَقد أنذر قومه الدَّجَّال. فَإِن قلت: هَذَا مُشكل لِأَن الْأَحَادِيث قد ثبتَتْ أَنه يخرج بعد أُمُور ذكرت، وَأَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، يقْتله بعد أَن ينزل من السَّمَاء فَيحكم بالشريعة المحمدية. قلت: كَانَ وَقت خُرُوجه أُخْفِي عَن نوح وَمن بعده فكأنهم أنذروا بِهِ وَلم يذكر لَهُم وَقت خُرُوجه، فحذروا قَومهمْ من فتنته. قَوْله: إِنَّه أَعور إِنَّمَا اقْتصر على هَذَا مَعَ أَن أَدِلَّة الْحُدُوث فِي الدَّجَّال ظَاهِرَة، لَكِن العور أثر محسوس يُدْرِكهُ الْعَالم والعامي وَمن لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِذا ادّعى الربوبية وَهُوَ نَاقص الْخلقَة، والإلاه يتعالى عَن النَّقْص، علم أَنه كَذَّاب.
٧١٢٨ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بَيْنما أَنا نائمٌ أطُوفُ بالكَعْبَةِ، فإذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أوْ يُهَراقُ رأسُهُ مَاء قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، ألْتَفِتُ فإذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأسِ، أعْوَرُ العَيْنِ، كَأَن عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيَةٌ، قالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً، ابنُ قَطَنٍ رجُلٌ مِنْ خُزاعَةَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا قد مضى فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب الطّواف بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ،