«كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٠٢

الحديث رقم ٧٢٠٢ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف يبايع الإمام الناس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٢٠٢ في صحيح البخاري

«كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتَ.»

إسناد حديث رقم ٧٢٠٢ من صحيح البخاري

٧٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٢٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا.

٧٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ.

٧٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كَتَبَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.

[الحديث ٧٢٠٣ - طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢]

٧٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.

٧٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ.

٧٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ "قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيَّ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ"

٧٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ قَالَ الْمِسْوَرُ طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنْ اللَّيْلِ فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ ادْعُ لِي عَلِيًّا فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا

الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ

: قَوْلُهُ (بَابُ كَيْفَ يُبَايِعُ الْإِمَامُ النَّاسَ) الْمُرَادُ بِالْكَيْفِيَّةِ: الصِّيَغُ الْقَوْلِيَّةُ لَا الْفِعْلِيَّةُ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ السِّتَّةِ وَهِيَ الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَعَلَى الْهِجْرَةِ، وَعَلَى الْجِهَادِ، وَعَلَى الصَّبْرِ، وَعَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، وَلَوْ وَقَعَ الْمَوْتُ، وَعَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْعَةِ بَيْنَهُمْ فِيهِ بِالْقَوْلِ.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ مُسْتَوْفًى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ:

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا

وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِمَّا هُنَا مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَفِيهِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ بِالْإِفْرَادِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَرِيرٍ وَهُوَ الرَّابِعُ، وَسَيَّارٌ فِي السَّنَدِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ ابْنُ وَرْدَانَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا قَبْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ وَآخَرَ بَعْدَهُ وَفِيهِمَا مَعًا: أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ وَهُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ، فَالثَّلَاثَةُ فِي حُكْمِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي أُقِرُّ إِلَخْ بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بَنِيهِ بِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُمُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ بِحَضْرَتِهِ ; كَتَبَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُهُ: قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ فِي آخِرِهِ وَالسَّلَامُ وَقَوْلُهُ: فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْد اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ إِلَخْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَكْتُبُ، وَكَانَ إِذَا كَتَبَ يَكْتُبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ أَيْضًا: وَالسَّلَامُ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ أَوَّلًا إِلَيْهِ وَثَانِيًا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا، وَالثَّانِي: هُوَ الْمَكْتُوبُ لَا الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ أَيْ كَتَبَ هَذَا، وَهُوَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتَقْدِيرُهُ: مِنَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُرِيدُ ابْنَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمُرَادُ بِالِاجْتِمَاعِ اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مُفَرَّقَةً، وَكَانَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُدَّعَى لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَهُمَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَعَاذَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ الْجُيُوشَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَمَاتَ يَزِيدُ وَجُيُوشُهُ مُحَاصِرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ادَّعَى الْخِلَافَةَ حَتَّى

مَاتَ يَزِيدُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ بِالْخِلَافَةِ بِالْحِجَازِ، وَبَايَعَ أَهْلُ الْآفَاقِ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَلَمْ يَعِشْ إِلَّا نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَاتَ، فَبَايَعَ مُعْظَمُ الْآفَاقِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَانْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَمِصْرَ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ وَجَمِيعِ بِلَادِ الشَّامِ حَتَّى دِمَشْقَ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَتِهِ إِلَّا جَمِيعُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ وَكَانُوا بِفِلَسْطِينَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَخَرَجَ بِمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى جِهَةِ دِمَشْقَ

وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ قَدْ بَايَعَ فِيهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَاقْتَتَلُوا: بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَغَلَبَ مَرْوَانُ عَلَى الشَّامِ، ثُمَّ لَمَّا انْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الشَّامِ كُلُّهُ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ فَحَاصَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَرٍ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ثُمَّ مَاتَ فِي سَنَتِهِ، فَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ; وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَامَ مَقَامَهُ وَكَمُلَ لَهُ مُلْكُ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، وَلِابْنِ الزُّبَيْرِ مُلْكُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ إِلَّا أَنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَدْعُو إِلَى الْمَهْدِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ نَحْوَ السَّنَتَيْنِ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ لِأَخِيهِ فَحَاصَرَهُ حَتَّى قُتِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، وَانْتَظَمَ أَمْرُ الْعِرَاقِ كُلُّهُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَدَامَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، فَسَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى مُصْعَبٍ فَقَاتَلَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا وَمَلَكَ الْعِرَاقَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا الْحِجَازُ وَالْيَمَنُ فَقَطْ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، الْحَجَّاجَ فَحَاصَرَهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ امْتَنَعَ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْ لِعَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا كَانَ امْتَنَعَ أَنْ يُبَايِعَ لِعَلِيٍّ أَوْ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ بَايَعَ لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا اصْطَلَحَ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَبَايَعَ لِابْنِهِ يَزِيدَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لِأَحَدٍ حَالَ الِاخْتِلَافِ إِلَى أَنْ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَانْتَظَمَ الْمُلْكُ كُلُّهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَبَايَعَ لَهُ حِينَئِذٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ.

وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ حَرْبٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ: بَعَثُوا إِلَى ابْنِ عُمَرَ لَمَّا بُويِعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَدَّ يَدَهُ وَهِيَ تَرْعُدُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُعْطِي بَيْعَتِي فِي فُرْقَةٍ، وَلَا أَمْنَعُهَا مِنْ جَمَاعَةٍ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ ابْنُ عُمَرَ أَنْ تُوُفِّيَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَصَّى الْحَجَّاجَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَدَسَّ الْحَجَّاجُ عَلَيْهِ الْحَرْبَةَ الْمَسْمُومَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مَوْتِهِ .

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ سَلَمَةَ فِي الْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْتِ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْبَيْعَةِ عَلَى الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا.

فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسنة رَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بِالْجِيمِ مُصَغَّرُ جَارِيَةٍ هُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ) أَيْ عَيَّنَهُمْ فَجَعَلَ الْخِلَافَةَ شُورَى بَيْنَهُمْ أَيْ وَلَّاهُمُ التَّشَاوُرَ فِيمَنْ يُعْقَدُ لَهُ الْخِلَافَةُ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ فِي ذِكْرِ قَتْلِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُمْ لِعُمَرَ - لَمَّا طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ - اسْتَخْلِفْ فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ فَسَمَّى: عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَفِيهِ: فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ وَأَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ قَالَ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِهِمْ مَا رَأَيْتُ - إِلَى أَنْ قَالَ - هَذَا الْأَمْرُ بَيْنَ سِتَّةِ رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَذَكَرَهُمْ وَبَدَأَ بِعُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَانْتَظِرُوا أَخَاكُمْ

طَلْحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَدِمَ فِيهِمْ فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِي الْأَمْرِ.

وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَنْ يَعْدُوكُمْ أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، فَإِنْ كُنْتَ يَا عُثْمَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ يَا عَلِيُّ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْمِلَنَّ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قَالَ: وَيَتَّبِعُ الْأَقَلُّ الْأَكْثَرَ، وَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمَّرَ فَاقْتُلُوهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَغْرَبَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ عَمِّهِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَتَابَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ طَهْمَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَحَبِيبٌ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَسَاقَ الثَّلَاثَةَ لَكِنَّ رِوَايَةَ حَبِيبٍ مُخْتَصَرَةٌ وَالْأخَريينَ مُوَافِقَتَانِ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ الرَّهْطُ عَلَى عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، فَسَمَّى السِّتَّةَ. فَذَكَرَ قِصَّةً، إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى سِتَّةٍ: إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدٍ وَكَانَ طَلْحَةُ غَائِبًا فِي أَمْوَالِهِ بِالسَّرَاةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَرَاءٍ خَفِيفَةٍ، بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَبَدَأَ فِي هَذِهِ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ الْجَمِيعِ وَبِعُثْمَانَ قَبْلَ عَلِيٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي السِّيَاقِ الْأَوَّلِ لَمْ يَقْصِدِ التَّرْتِيبَ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَخْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ، وَفِيهِ: مَا يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ طَلْحَةَ، وَأَنَّ سَعْدًا جَعَلَ أَمْرَهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرَ إِلَى عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ إِلَى عُثْمَانَ، وَفِيهِ: قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيُّكُمْ يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيمَنْ بَقِيَ. فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَتُرْوَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي عُثْمَانَ أَوْ عَلِيٍّ، وَقَوْلُهُ: أُنَافِسُكُمْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُنَازِعُكُمْ فِيهِ، إِذْ لَيْسَ لِي فِي الِاسْتِقْلَالِ فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَقَوْلُهُ: عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ وَلِأَجْلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى، بَدَلَ عَنْ وَهِيَ أَوْجَهٌ.

قَوْلُهُ: فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ يَعْنِي أَمْرَ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَمَالَ النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ فَانْثَالَ النَّاسُ، وَهِيَ بِنُونٍ وَمُثَلَّثَةٍ أَيْ قَصَدُوهُ كُلُّهُمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَأَصْلُ النَّثْلِ الصَّبُّ يُقَالُ: نَثَلَ كِنَانَتَهُ أَيْ صَبَّ مَا فِيهَا مِنَ السِّهَامِ.

قَوْلُهُ: وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ: يَمْشِي خَلْفَهُ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْرَاضِ.

قَوْلُهُ: (وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَعَادَهَا لِبَيَانِ سَبَبِ الْمَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ زَادَ الزُّبَيْدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يُشَاوِرُونَهُ وَيُنَاجُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ، لَا يَخْلُو بِهِ رَجُلٌ ذُو رَأْيٍ فَيَعْدِلَ بِعُثْمَانَ أَحَدًا.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ هَجْعٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ: بَعْدَ طَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يُقَالُ: لَقِيتُهُ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَقُولُ بَعْدَ هَجْعَةٍ، وَالْهَجْعُ وَالْهَجْعَةُ وَالْهَجِيعُ وَالْهُجُوعُ بِمَعْنًى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي: التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: بَعْدَ هَجِيعٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ الثَّلَاثَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي اللَّيْلَةَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: وَاللَّهِ مَا حَمَلْتُ فِيهَا غَمْضًا مُنْذُ ثَلَاثٍ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فِي هَذِهِ اللَّيَالِيَ وَقَوْلُهُ: بِكَثِيرِ نَوْمٍ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ اللَّيْلَ سَهَرًا بَلْ نَامَ لَكِنْ يَسِيرًا مِنْهُ وَالِاكْتِحَالُ كِنَايَةٌ عَنْ دُخُولِ النَّوْمِ جَفْنَ الْعَيْنِ كَمَا يَدْخُلُهَا الْكُحْلُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: مَا ذَاقَتْ عَيْنَاي كَثِيرَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (فَادْعُ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَسَارَّهُمَا بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِطَلْحَةَ ذِكْرًا فَلَعَلَّهُ كَانَ شَاوَرَهُ قَبْلَهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) بِالْمُوَحَّدَةِ سَاكِنَةٌ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ انْتَصَفَ وَبَهْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ، وَقِيلَ: مُعْظَمُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ زَادَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَجَعَلَ يُنَاجِيهِ تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمَا أَحْيَانًا فَلَا يَخْفَى عَلَيَّ

شَيْءٌ مِمَّا يَقُولَانِ وَيُخْفِيَانِ أَحْيَانًا.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ أَيْ: أَنْ يُوَلِّيَهُ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَظُنُّهُ أَشَارَ إِلَى الدَّعَايَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي عَلِيٍّ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ خَافَ مِنْ عَلِيٍّ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ خَافَ إِنْ بَايَعَ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُطَاوِعَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ: فَلَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ فَأَصْبَحْنَا وَمَا أَرَاهُ يُبَايَعُ إِلَّا لِعَلِيٍّ يَعْنِي مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرَائِنِ تَقْدِيمِهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي عُثْمَانَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ عَلِيٍّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ عُثْمَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَكْسُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوَّلًا: اذْهَبْ فَادْعُ عُثْمَانَ وَفِيهِ: فَخَلَا بِهِ وَفِيهِ: لَا أَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمَا شَيْئًا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَمَرَّةً بَدَأَ بِهَذِهِ وَمَرَّةً بَدَأَ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: (وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ) أَيْ قَدِمُوا إِلَى مَكَّةَ فَحَجُّوا مَعَ عُمَرَ وَرَافَقُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُمْ مُعَاوِيَةُ أَمِيرُ الشَّامِ، وَعُمَيْرُ بْنُ سَعِدٍ أَمِيرُ حِمْصٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَمِيرُ مِصْرَ.

قَوْلُهُ: فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ جَلَسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: فَلَمَّا صَلَّى صُهَيْبٌ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَخَطَّى حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَجَاءَهُ رَسُولُ سَعْدٍ يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَانْظُرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَبَايِعْ لِنَفْسِكَ.

قَوْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ زَادَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: فَأَعْلَنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ أَيْ لَا يَجْعَلُونَ لَهُ مُسَاوِيًا بَلْ يُرَجِّحُونَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا) أَيْ مِنَ الْمَلَامَةِ إِذَا لَمْ تُوَافِقِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَتَرَدَّدْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ فِي عُثْمَانَ، لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ: بَدَأَ بِعَلِيٍّ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَاللَّهِ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ حَفِظَهُ لَكِنْ طَوَى بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي اللَّيْلِ لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُمَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَأَخَذَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَضَ عَلَى عَلِيٍّ فَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَعَرَضَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا فَقَالَ: مَا ذَنْبِي بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ فَقُلْتُ لَهُ: أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَقَالَ فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَعَرَضْتُهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ضَعِيفٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مَا لَكَ جَفَوْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُثْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً، وَفِيهَا: قَوْلُ عُثْمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: سِيرَةُ عُمَرَ فَإِنِّي لَا أُطِيقُهَا وَلَا هُوَ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَايَعَهُ عَلَى أَنْ يَسِيرَ سِيرَةَ عُمَرَ فَعَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا ضَعْفُ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ إِذْ لَوْ كَانَ اسْتَخْلَفَ بِشَرْطِ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَةِ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ مَا أَجَابَ بِهِ عُذْرًا فِي التَّرْكِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَإِنَّمَا قَالَ لِعَلِيٍّ ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَطْمَعْ فِي الْخِلَافَةِ مَعَ وُجُودِهِ وَوُجُودِ عُثْمَانَ، وَسُكُوتُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ دَلِيلٌ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ، وَعَلَى الرِّضَا بِعُثْمَانَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي

شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: حَجَجْتُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَلَمْ أَرَهُمْ يَشُكُّونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ إِلَى حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ مَنْ تَرَى قَوْمَكَ يُؤَمِّرُونَ بَعْدِي. قَالَ. قُلْتُ: قَدْ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى عُثْمَانَ وَشَهَرُوهُ لَهَا. وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَخَيْثَمَةُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَكَانَ الْحَادِي يَحْدُو أَنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُخَاطِبًا لِعُثْمَانَ (أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَقَالَ: نَعَمْ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَأَخْرَجَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَمْرِ الشُّورَى لِأَنِّي كُنْتُ رَسُولَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ. فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ يَا عَلِيُّ مُبَايِعِي إِنْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسُنَّةِ الْمَاضِينَ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَى طَاقَتِي، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أُبَايِعُكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاعْتَمَّ وَلَبِسَ السَّيْفَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ رَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى عُثْمَانَ فَبَايَعَهُ فَعَرَفْتُ أَنَّ خَالِيَ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُمَا فَأَعْطَاهُ أَحَدُهُمَا وَثِيقَةً، وَمَنَعَهُ الْآخَرُ إِيَّاهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَا يَرَيَانِ ذَلِكَ بِخِلَافِ عَلِيٍّ، وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَهُ وَهُمُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيرَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِهِ لَا التَّقْلِيدُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّابِعِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِهِمَا لِلضَّرُورَةِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ لَهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ فِي الدِّينِ وَالْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالسِّيَاسَةِ مَا لِلسِّتَّةِ الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ أَرْضَاهُمْ دِينًا، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْأَفْضَلِ مِنْهُمْ لَكَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ، وَهُوَ قَصَدَ أَنْ لَا يَتَقَلَّدَ الْعُهْدَةَ فِي ذَلِكَ ; فَجَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضْلِ، لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ، وَلَا يَأْلُونَ الْمُسْلِمِينَ نُصْحًا فِي النَّظَرِ وَالشُّورَى، وَأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْهُمْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْفَاضِلِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي مَنْزِلَةٍ وَغَيْرُهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ، وَعَلِمَ رِضَا الْأُمَّةِ بِمَنْ رَضِيَ بِهِ السِّتَّةُ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ بُطْلَانُ قَوْلِ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَطَاعُوا عُمَرَ فِي جَعْلِهَا شُورَى، وَلَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ مَا وَجْهُ التَّشَاوُرِ فِي أَمْرٍ كُفِينَاهُ بِبَيَانِ اللَّهِ لَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَفِي رِضَا الْجَمِيعِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ فِي الْإِمَامَةِ أَوْصَافٌ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ اسْتَحَقَّهَا، وَإِدْرَاكُهَا يَقَعُ بِالِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمَوْثُوقَ بِدِيَانَتِهِمْ إِذَا عَقَدُوا عَقْدَ الْخِلَافَةِ لِشَخْصٍ بَعْدَ التَّشَاوُرِ وَالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ، إِذْ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ، لَقَالَ قَائِلٌ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، فَلَمَّا لَمْ يَعْتَرِضْ مِنْهُمْ مُعْتَرِضٌ بَلْ رَضُوا وَبَايَعُوا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ، انْتَهَى. مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ.

وَيَتَحَصَّلُ مِنْهُ جَوَابُ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيرَةِ عُمَرَ فِي أُمَرَائِهِ الَّذِينَ كَانَ يُؤَمِّرُهُمْ فِي الْبِلَادِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاعِي الْأَفْضَلَ فِي الدِّينِ فَقَطْ بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ مَزِيدُ الْمَعْرِفَةِ بِالسِّيَاسَةِ مَعَ اجْتِنَابِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ مِنْهَا، فَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَخْلَفَ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا.

٧٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ.

٧٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كَتَبَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.

[الحديث ٧٢٠٣ - طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢]

٧٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.

٧٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ.

٧٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ "قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيَّ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ"

٧٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ قَالَ الْمِسْوَرُ طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنْ اللَّيْلِ فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ ادْعُ لِي عَلِيًّا فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا

الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ

: قَوْلُهُ (بَابُ كَيْفَ يُبَايِعُ الْإِمَامُ النَّاسَ) الْمُرَادُ بِالْكَيْفِيَّةِ: الصِّيَغُ الْقَوْلِيَّةُ لَا الْفِعْلِيَّةُ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ السِّتَّةِ وَهِيَ الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَعَلَى الْهِجْرَةِ، وَعَلَى الْجِهَادِ، وَعَلَى الصَّبْرِ، وَعَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، وَلَوْ وَقَعَ الْمَوْتُ، وَعَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْعَةِ بَيْنَهُمْ فِيهِ بِالْقَوْلِ.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ مُسْتَوْفًى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ:

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا

وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِمَّا هُنَا مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَفِيهِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ بِالْإِفْرَادِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَرِيرٍ وَهُوَ الرَّابِعُ، وَسَيَّارٌ فِي السَّنَدِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ ابْنُ وَرْدَانَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا قَبْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ وَآخَرَ بَعْدَهُ وَفِيهِمَا مَعًا: أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ وَهُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ، فَالثَّلَاثَةُ فِي حُكْمِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي أُقِرُّ إِلَخْ بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بَنِيهِ بِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُمُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ بِحَضْرَتِهِ ; كَتَبَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُهُ: قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ فِي آخِرِهِ وَالسَّلَامُ وَقَوْلُهُ: فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْد اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ إِلَخْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَكْتُبُ، وَكَانَ إِذَا كَتَبَ يَكْتُبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ أَيْضًا: وَالسَّلَامُ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ أَوَّلًا إِلَيْهِ وَثَانِيًا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا، وَالثَّانِي: هُوَ الْمَكْتُوبُ لَا الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ أَيْ كَتَبَ هَذَا، وَهُوَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتَقْدِيرُهُ: مِنَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُرِيدُ ابْنَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمُرَادُ بِالِاجْتِمَاعِ اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مُفَرَّقَةً، وَكَانَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُدَّعَى لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَهُمَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَعَاذَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ الْجُيُوشَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَمَاتَ يَزِيدُ وَجُيُوشُهُ مُحَاصِرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ادَّعَى الْخِلَافَةَ حَتَّى

مَاتَ يَزِيدُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ بِالْخِلَافَةِ بِالْحِجَازِ، وَبَايَعَ أَهْلُ الْآفَاقِ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَلَمْ يَعِشْ إِلَّا نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَاتَ، فَبَايَعَ مُعْظَمُ الْآفَاقِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَانْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَمِصْرَ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ وَجَمِيعِ بِلَادِ الشَّامِ حَتَّى دِمَشْقَ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَتِهِ إِلَّا جَمِيعُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ وَكَانُوا بِفِلَسْطِينَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَخَرَجَ بِمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى جِهَةِ دِمَشْقَ

وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ قَدْ بَايَعَ فِيهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَاقْتَتَلُوا: بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَغَلَبَ مَرْوَانُ عَلَى الشَّامِ، ثُمَّ لَمَّا انْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الشَّامِ كُلُّهُ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ فَحَاصَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَرٍ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ثُمَّ مَاتَ فِي سَنَتِهِ، فَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ; وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَامَ مَقَامَهُ وَكَمُلَ لَهُ مُلْكُ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، وَلِابْنِ الزُّبَيْرِ مُلْكُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ إِلَّا أَنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَدْعُو إِلَى الْمَهْدِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ نَحْوَ السَّنَتَيْنِ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ لِأَخِيهِ فَحَاصَرَهُ حَتَّى قُتِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، وَانْتَظَمَ أَمْرُ الْعِرَاقِ كُلُّهُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَدَامَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، فَسَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى مُصْعَبٍ فَقَاتَلَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا وَمَلَكَ الْعِرَاقَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا الْحِجَازُ وَالْيَمَنُ فَقَطْ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، الْحَجَّاجَ فَحَاصَرَهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ امْتَنَعَ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْ لِعَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا كَانَ امْتَنَعَ أَنْ يُبَايِعَ لِعَلِيٍّ أَوْ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ بَايَعَ لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا اصْطَلَحَ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَبَايَعَ لِابْنِهِ يَزِيدَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لِأَحَدٍ حَالَ الِاخْتِلَافِ إِلَى أَنْ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَانْتَظَمَ الْمُلْكُ كُلُّهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَبَايَعَ لَهُ حِينَئِذٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ.

وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ حَرْبٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ: بَعَثُوا إِلَى ابْنِ عُمَرَ لَمَّا بُويِعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَدَّ يَدَهُ وَهِيَ تَرْعُدُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُعْطِي بَيْعَتِي فِي فُرْقَةٍ، وَلَا أَمْنَعُهَا مِنْ جَمَاعَةٍ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ ابْنُ عُمَرَ أَنْ تُوُفِّيَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَصَّى الْحَجَّاجَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَدَسَّ الْحَجَّاجُ عَلَيْهِ الْحَرْبَةَ الْمَسْمُومَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مَوْتِهِ .

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ سَلَمَةَ فِي الْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْتِ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْبَيْعَةِ عَلَى الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا.

فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسنة رَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بِالْجِيمِ مُصَغَّرُ جَارِيَةٍ هُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ) أَيْ عَيَّنَهُمْ فَجَعَلَ الْخِلَافَةَ شُورَى بَيْنَهُمْ أَيْ وَلَّاهُمُ التَّشَاوُرَ فِيمَنْ يُعْقَدُ لَهُ الْخِلَافَةُ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ فِي ذِكْرِ قَتْلِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُمْ لِعُمَرَ - لَمَّا طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ - اسْتَخْلِفْ فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ فَسَمَّى: عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَفِيهِ: فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ وَأَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ قَالَ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِهِمْ مَا رَأَيْتُ - إِلَى أَنْ قَالَ - هَذَا الْأَمْرُ بَيْنَ سِتَّةِ رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَذَكَرَهُمْ وَبَدَأَ بِعُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَانْتَظِرُوا أَخَاكُمْ

طَلْحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَدِمَ فِيهِمْ فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِي الْأَمْرِ.

وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَنْ يَعْدُوكُمْ أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، فَإِنْ كُنْتَ يَا عُثْمَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ يَا عَلِيُّ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْمِلَنَّ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قَالَ: وَيَتَّبِعُ الْأَقَلُّ الْأَكْثَرَ، وَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمَّرَ فَاقْتُلُوهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَغْرَبَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ عَمِّهِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَتَابَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ طَهْمَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَحَبِيبٌ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَسَاقَ الثَّلَاثَةَ لَكِنَّ رِوَايَةَ حَبِيبٍ مُخْتَصَرَةٌ وَالْأخَريينَ مُوَافِقَتَانِ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ الرَّهْطُ عَلَى عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، فَسَمَّى السِّتَّةَ. فَذَكَرَ قِصَّةً، إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى سِتَّةٍ: إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدٍ وَكَانَ طَلْحَةُ غَائِبًا فِي أَمْوَالِهِ بِالسَّرَاةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَرَاءٍ خَفِيفَةٍ، بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَبَدَأَ فِي هَذِهِ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ الْجَمِيعِ وَبِعُثْمَانَ قَبْلَ عَلِيٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي السِّيَاقِ الْأَوَّلِ لَمْ يَقْصِدِ التَّرْتِيبَ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَخْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ، وَفِيهِ: مَا يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ طَلْحَةَ، وَأَنَّ سَعْدًا جَعَلَ أَمْرَهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرَ إِلَى عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ إِلَى عُثْمَانَ، وَفِيهِ: قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيُّكُمْ يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيمَنْ بَقِيَ. فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَتُرْوَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي عُثْمَانَ أَوْ عَلِيٍّ، وَقَوْلُهُ: أُنَافِسُكُمْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُنَازِعُكُمْ فِيهِ، إِذْ لَيْسَ لِي فِي الِاسْتِقْلَالِ فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَقَوْلُهُ: عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ وَلِأَجْلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى، بَدَلَ عَنْ وَهِيَ أَوْجَهٌ.

قَوْلُهُ: فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ يَعْنِي أَمْرَ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَمَالَ النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ فَانْثَالَ النَّاسُ، وَهِيَ بِنُونٍ وَمُثَلَّثَةٍ أَيْ قَصَدُوهُ كُلُّهُمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَأَصْلُ النَّثْلِ الصَّبُّ يُقَالُ: نَثَلَ كِنَانَتَهُ أَيْ صَبَّ مَا فِيهَا مِنَ السِّهَامِ.

قَوْلُهُ: وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ: يَمْشِي خَلْفَهُ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْرَاضِ.

قَوْلُهُ: (وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَعَادَهَا لِبَيَانِ سَبَبِ الْمَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ زَادَ الزُّبَيْدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يُشَاوِرُونَهُ وَيُنَاجُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ، لَا يَخْلُو بِهِ رَجُلٌ ذُو رَأْيٍ فَيَعْدِلَ بِعُثْمَانَ أَحَدًا.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ هَجْعٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ: بَعْدَ طَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يُقَالُ: لَقِيتُهُ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَقُولُ بَعْدَ هَجْعَةٍ، وَالْهَجْعُ وَالْهَجْعَةُ وَالْهَجِيعُ وَالْهُجُوعُ بِمَعْنًى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي: التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: بَعْدَ هَجِيعٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ الثَّلَاثَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي اللَّيْلَةَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: وَاللَّهِ مَا حَمَلْتُ فِيهَا غَمْضًا مُنْذُ ثَلَاثٍ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فِي هَذِهِ اللَّيَالِيَ وَقَوْلُهُ: بِكَثِيرِ نَوْمٍ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ اللَّيْلَ سَهَرًا بَلْ نَامَ لَكِنْ يَسِيرًا مِنْهُ وَالِاكْتِحَالُ كِنَايَةٌ عَنْ دُخُولِ النَّوْمِ جَفْنَ الْعَيْنِ كَمَا يَدْخُلُهَا الْكُحْلُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: مَا ذَاقَتْ عَيْنَاي كَثِيرَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (فَادْعُ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَسَارَّهُمَا بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِطَلْحَةَ ذِكْرًا فَلَعَلَّهُ كَانَ شَاوَرَهُ قَبْلَهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) بِالْمُوَحَّدَةِ سَاكِنَةٌ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ انْتَصَفَ وَبَهْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ، وَقِيلَ: مُعْظَمُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ زَادَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَجَعَلَ يُنَاجِيهِ تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمَا أَحْيَانًا فَلَا يَخْفَى عَلَيَّ

شَيْءٌ مِمَّا يَقُولَانِ وَيُخْفِيَانِ أَحْيَانًا.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ أَيْ: أَنْ يُوَلِّيَهُ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَظُنُّهُ أَشَارَ إِلَى الدَّعَايَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي عَلِيٍّ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ خَافَ مِنْ عَلِيٍّ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ خَافَ إِنْ بَايَعَ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُطَاوِعَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ: فَلَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ فَأَصْبَحْنَا وَمَا أَرَاهُ يُبَايَعُ إِلَّا لِعَلِيٍّ يَعْنِي مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرَائِنِ تَقْدِيمِهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي عُثْمَانَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ عَلِيٍّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ عُثْمَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَكْسُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوَّلًا: اذْهَبْ فَادْعُ عُثْمَانَ وَفِيهِ: فَخَلَا بِهِ وَفِيهِ: لَا أَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمَا شَيْئًا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَمَرَّةً بَدَأَ بِهَذِهِ وَمَرَّةً بَدَأَ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: (وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ) أَيْ قَدِمُوا إِلَى مَكَّةَ فَحَجُّوا مَعَ عُمَرَ وَرَافَقُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُمْ مُعَاوِيَةُ أَمِيرُ الشَّامِ، وَعُمَيْرُ بْنُ سَعِدٍ أَمِيرُ حِمْصٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَمِيرُ مِصْرَ.

قَوْلُهُ: فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ جَلَسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: فَلَمَّا صَلَّى صُهَيْبٌ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَخَطَّى حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَجَاءَهُ رَسُولُ سَعْدٍ يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَانْظُرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَبَايِعْ لِنَفْسِكَ.

قَوْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ زَادَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: فَأَعْلَنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ أَيْ لَا يَجْعَلُونَ لَهُ مُسَاوِيًا بَلْ يُرَجِّحُونَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا) أَيْ مِنَ الْمَلَامَةِ إِذَا لَمْ تُوَافِقِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَتَرَدَّدْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ فِي عُثْمَانَ، لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ: بَدَأَ بِعَلِيٍّ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَاللَّهِ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ حَفِظَهُ لَكِنْ طَوَى بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي اللَّيْلِ لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُمَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَأَخَذَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَضَ عَلَى عَلِيٍّ فَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَعَرَضَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا فَقَالَ: مَا ذَنْبِي بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ فَقُلْتُ لَهُ: أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَقَالَ فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَعَرَضْتُهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ضَعِيفٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مَا لَكَ جَفَوْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُثْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً، وَفِيهَا: قَوْلُ عُثْمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: سِيرَةُ عُمَرَ فَإِنِّي لَا أُطِيقُهَا وَلَا هُوَ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَايَعَهُ عَلَى أَنْ يَسِيرَ سِيرَةَ عُمَرَ فَعَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا ضَعْفُ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ إِذْ لَوْ كَانَ اسْتَخْلَفَ بِشَرْطِ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَةِ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ مَا أَجَابَ بِهِ عُذْرًا فِي التَّرْكِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَإِنَّمَا قَالَ لِعَلِيٍّ ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَطْمَعْ فِي الْخِلَافَةِ مَعَ وُجُودِهِ وَوُجُودِ عُثْمَانَ، وَسُكُوتُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ دَلِيلٌ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ، وَعَلَى الرِّضَا بِعُثْمَانَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي

شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: حَجَجْتُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَلَمْ أَرَهُمْ يَشُكُّونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ إِلَى حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ مَنْ تَرَى قَوْمَكَ يُؤَمِّرُونَ بَعْدِي. قَالَ. قُلْتُ: قَدْ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى عُثْمَانَ وَشَهَرُوهُ لَهَا. وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَخَيْثَمَةُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَكَانَ الْحَادِي يَحْدُو أَنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُخَاطِبًا لِعُثْمَانَ (أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَقَالَ: نَعَمْ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَأَخْرَجَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَمْرِ الشُّورَى لِأَنِّي كُنْتُ رَسُولَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ. فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ يَا عَلِيُّ مُبَايِعِي إِنْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسُنَّةِ الْمَاضِينَ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَى طَاقَتِي، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أُبَايِعُكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاعْتَمَّ وَلَبِسَ السَّيْفَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ رَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى عُثْمَانَ فَبَايَعَهُ فَعَرَفْتُ أَنَّ خَالِيَ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُمَا فَأَعْطَاهُ أَحَدُهُمَا وَثِيقَةً، وَمَنَعَهُ الْآخَرُ إِيَّاهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَا يَرَيَانِ ذَلِكَ بِخِلَافِ عَلِيٍّ، وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَهُ وَهُمُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيرَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِهِ لَا التَّقْلِيدُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّابِعِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِهِمَا لِلضَّرُورَةِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ لَهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ فِي الدِّينِ وَالْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالسِّيَاسَةِ مَا لِلسِّتَّةِ الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ أَرْضَاهُمْ دِينًا، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْأَفْضَلِ مِنْهُمْ لَكَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ، وَهُوَ قَصَدَ أَنْ لَا يَتَقَلَّدَ الْعُهْدَةَ فِي ذَلِكَ ; فَجَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضْلِ، لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ، وَلَا يَأْلُونَ الْمُسْلِمِينَ نُصْحًا فِي النَّظَرِ وَالشُّورَى، وَأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْهُمْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْفَاضِلِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي مَنْزِلَةٍ وَغَيْرُهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ، وَعَلِمَ رِضَا الْأُمَّةِ بِمَنْ رَضِيَ بِهِ السِّتَّةُ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ بُطْلَانُ قَوْلِ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَطَاعُوا عُمَرَ فِي جَعْلِهَا شُورَى، وَلَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ مَا وَجْهُ التَّشَاوُرِ فِي أَمْرٍ كُفِينَاهُ بِبَيَانِ اللَّهِ لَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَفِي رِضَا الْجَمِيعِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ فِي الْإِمَامَةِ أَوْصَافٌ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ اسْتَحَقَّهَا، وَإِدْرَاكُهَا يَقَعُ بِالِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمَوْثُوقَ بِدِيَانَتِهِمْ إِذَا عَقَدُوا عَقْدَ الْخِلَافَةِ لِشَخْصٍ بَعْدَ التَّشَاوُرِ وَالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ، إِذْ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ، لَقَالَ قَائِلٌ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، فَلَمَّا لَمْ يَعْتَرِضْ مِنْهُمْ مُعْتَرِضٌ بَلْ رَضُوا وَبَايَعُوا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ، انْتَهَى. مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ.

وَيَتَحَصَّلُ مِنْهُ جَوَابُ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيرَةِ عُمَرَ فِي أُمَرَائِهِ الَّذِينَ كَانَ يُؤَمِّرُهُمْ فِي الْبِلَادِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاعِي الْأَفْضَلَ فِي الدِّينِ فَقَطْ بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ مَزِيدُ الْمَعْرِفَةِ بِالسِّيَاسَةِ مَعَ اجْتِنَابِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ مِنْهَا، فَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَخْلَفَ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد