«كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٣٢

الحديث رقم ٨٣٢ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء قبل السلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من…

«كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ.»

سند حديث: ٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من…

هذا الحديث يعد من جوامع الكلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالمعاني الجامعة في كلمات يسيرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ فيه من جملة آفات وشرور تعوق حركة سير العبد إلى الله، فتعوذ النبي -صلى الله صلى الله عليه وسلم- من:
"العجز والكسل": وهما قرينان من معوقات الحركة؛ وعدم الفعل إما ان يكون بسبب ضعف الهمة وقلة الإراده فهو: الكسل، فالكسلان من أضعف الناس همة، وأقلهم رغبة، وقد يكون عدم الفعل لعدم قدرة العبد فهو: العجز.
و"الجبن والبخل": وهما من موانع الواجب والإحسان، فالجبن يضعف قلب الإنسان فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لضعف قلبه وتعلقه بالناس دون رب الناس.
والبخل يدعو صاحبه للإمساك في موضع الإنفاق، فلا يعطى حق الخالق من زكوات، ولا حق المخلوق من النفقات، فهو مبغوض عند الناس وعند الله.
"والهرم": هو بلوغ الشخص أرذل العمر، فالإنسان إذا بلغ أرذل العمر فقد كثيرا من حواسه، وخارت قواه، فلا يستطيع عبادة الله تعالى ، ولا يجلب لأهله نفعا.
ثم استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، وعذاب القبر حق، ولذا شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من عذابه في كل صلاة.
ثم التعوذ من فتنة المحيا والممات ليشمل الدارين، ففتنة المحيا مصائبها وابتلاءاتها، "وفتنة الممات" بأن يخشى على نفسه سوء الخاتمة وشؤم العاقبة، وفتنة الملكين في القبر وغيرهما.
وفي رواية :" وضلع الدين وغلبة الرجال" فكلاهما من القهر، فضلع الدين شدته وثقله ولا معين له فيه، فهو قهر للرجل ولكن بحق، و"غلبة الرجال" أي: تسلطهم، وهو القهر بالباطل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسية، وبدنية، وخارجية، والحديث مشتمل على الاستعاذة منها جميعا.
  • العجز والكسل قرينان: فإن تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره إما أن يكون مصدره: أ‌-عدم القدرة، فهو عجز.ب‌-أو يكون قادرا عليه لكن تخلف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبه يلام عليه ما لا يلام على العجز.
  • الإحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فمانع الأول: بخيل، ومانع الثاني: جبان، ولذلك استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجبن والبخل.
  • إثبات عذاب القبر، ومشروعية التعوذ من فتنته.
  • القهر الذي ينال العبد نوعان: أ‌-قهر بحق: وهو ضلع الدين .ب‌-قهر بباطل: وهو غلبة الرجال.
  • اللجوء إلى الله -تعالى- طلبا للنجاة من هذه الشرور، والتحذير من الوقوع فيها.
  • في هذا الحديث يُعلِّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته كيفية الاستعاذة بالله -تعالى- القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بالله -تعالى- تحقق عدة فوائد من أهمها: أ-أنها عبادة محبوبة لله -تعالى-. ب-يستشعر العبد في الاستعاذة الافتقار إلى الله -تعالى- القادر في كل أمر وإن دق.ج-أنها تحقق للعبد الأمن من كل ما يخشاه.د-أنها تحقق له الأمن النفسي من خلال الشعور بالطمأنينة، وهذا الحديث يؤكد هذا المعنى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِ هُوَ الثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الْحَذْفَ بِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَحْثِ فِي ثُبُوتِ الْعَطْفِ فِيهِمَا فِي سِيَاقِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ يَضُرُّ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَيَكُونُ مُقَصِّرًا بِخِدْمَةِ اللَّهِ وَفِي حَقِّ رَسُولِهِ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِذَلِكَ عُظِّمَتِ الْمَعْصِيَةُ بِتَرْكِهَا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ حَقًّا لِلْعِبَادِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا أَخَلَّ بِحَقِّ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ مَضَى وَمَنْ يَجِيءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِوُجُوبِ قَوْلِهِ فِيهَا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، وَحَمَّادٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِيمَا أَرَى اهـ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا هُنَا لَا عَنْ قَبِيصَةَ وَلَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سَيْفٍ، نَعَمْ هُوَ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ. بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٤٩ - بَاب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ

٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ.

[الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٧١٢٩، ٦٣٧٧، ٦٣٧٦، ٦٣٧٥، ٦٣٦٨، ٢٣٩٧، ٨٣٣]

٨٣٣ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ "

٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

[الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٧٣٨٨، ٦٣٢٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، هَذَا الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ تَرْتِيبِهِ، لَكِنْ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، لَا تَقْيِيدَ فِيهِ بِمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ ذِكْرًا مَخْصُوصًا فَتَعَيَّنَ أَنْ

يَكُونَ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكُلِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ الَّذِي ادَّعَاهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَحَلِّ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، فَكَمَا أَنَّ لِلسُّجُودِ ذِكْرًا مَخْصُوصًا وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ، فَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لَهُ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَأُمِرَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا هُوَ تَرْتِيبُ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّهُ مُطَالَبٌ بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الذِّكْرِ، وَلَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ تَرْتِيبِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ مُنَافَاةٌ، لِأَنَّ قَبْلَ السَّلَامِ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَسَأَذْكُرُ كَلَامَهُ آخِرَ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ -: هَذَا يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْينِ مَحَلِّهِ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ مَوْطِنَيْنِ - السُّجُودِ أَوِ التَّشَهُّدِ - لِأَنَّهُمَا أُمِرَ فِيهِمَا بِالدُّعَاءِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مِنْ تَعْيِينِهِ بِهَذَا الْمَحَلِّ، فَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذِكْرِ التَّشَهُّدِ ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. ثُمَّ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَلِمَاتٍ يُعَظِّمُهُنَّ جِدًّا. قُلْتُ: فِي الْمَثْنَى (١) كِلَيْهِمَا؟ قَالَ بَلْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

هَذِهِ رِوَايَةُ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِلَفْظِ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَذَكَرَهُ، وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، فَهَذَا فِيهِ تَعْيِينُ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ، فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ. وَمَا وَرَدَ الْإِذْنُ فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِتْنَةُ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْعُرْفِ لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ اهـ. وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمَسِيحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وَعَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْفَرَبْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنْهُ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ، يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ.

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيبِ الدَّجَّالِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَقِيلَ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ. وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّ رِجْلَهُ كَانَتْ لَا أَخْمُصَ لَهَا، وَقِيلَ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاشِيخَا فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ، وَقِيلَ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ قَائِلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ عِيسَى بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا أَوْرَدَهَا فِي

شَرْحِ الْمَشَارِقِ.

قَوْلُهُ: (فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ)، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَقَدْ صَحَّ يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْآتِي فِي الْجَنَائِزِ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلَا يَكُونُ مَعَ هَذَا الْوَجْهِ مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ: عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ، وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحِيرَةِ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ، وَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ: مَنْ رَبُّكَ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَالُ التَّثَبُّتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرَمِ) أَيِ الدَّيْنِ، يُقَالُ غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ ادَّانَ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَدَانُ فِيمَا لَا يَجُوزُ وَفِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدِ اسْتَعَاذَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَغْرَمُ الْغُرْمُ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنَ الْمَغْرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، وَلَفْظُهَا: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (مَا أَكْثَرَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى التَّعَجُّبِ. وقَوْلُهُ: (إِذَا غَرِمَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يَسْتَدِينُ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، فَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ عَنْهُ إِلَّا مُطَوَّلًا وَرَأَيْتُهُ بِاللَّفْظِ الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ سَنَدًا وَمَتْنًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ دُعَاؤُهُ بِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ،

أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْلِيمَ لِأُمَّتِهِ.

ثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ السُّؤَالُ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى هُنَا أَعُوذُ بِكَ لِأُمَّتِي.

ثَالِثُهَا: سُلُوكُ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَإِلْزَامُ خَوْفِ اللَّهِ وَإِعْظَامِهِ وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَكْرَارُ الطَّلَبِ مَعَ تَحَقُّيقِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَغْفِرَةِ لَا يَتْرُكُ التَّضَرُّعَ فَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ أَحْرَى بِالْمُلَازَمَةِ. وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ مَعَ تَحَقُّقِهِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَقِيلَ عَلَى الثَّالِثِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحَقُّيقِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ الْيَزَنِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ نُونٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ سِوَى طَرَفَيْهِ مِصْرِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَهُوَ يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، وَصَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ اللَّيْثِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَخَالَفَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، اللَّيْثَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٨٣٢ - ٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) سقط قوله «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ وابن عساكر، أنَّها (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَدْعُو فِي) آخر (الصَّلَاةِ) بعد التَّشهُّد قبل السَّلام، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ مرفوعًا: «إذا تشهَّد أحدكم فليقل»: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بفتح الميم وكسر السِّين مُخفَّفةً، وقيَّده بـ «الدَّجال» ليمتاز عن عيسى ابن مريم . والدَّجل: الخلط، وسُمِّي به لكثرة خلطه الباطل بالحق، أو من «دجل»: كذب، والدَّجَّال: الكذَّاب. وبـ «المسيح» لأنَّ إحدى عينيه ممسوحةٌ، «فَعِيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، أو لأنَّه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيَّامٍ معدودةٍ، فهو بمعنى «فاعلٍ»، أو لأنَّ الخير مُسِح منه، فهو مسيح الضَّلال. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ما يعرض للإنسان مدَّة حياته من الافتتان، أي: الابتلاء بالدُّنيا والشَّهوات والجهالات (وَفِتْنَةِ المَمَاتِ) ما يفتتن (١) به عند الموت في أمر الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، أُضِيفت إليه لقربها منه، أو من فتنة القبر، ولا تكرار مع قوله أوَّلًا: «عذاب القبر»؛ لأنَّ العذاب مُرتَّبٌ على الفتنة، والسَّبب غير المُسبِّب. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ) أي: ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضع الاسم (وَ) أعوذ بك من (المَغْرَمِ) أي: الدَّين، فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثمَّ يعجز عن أدائه، فأمَّا دينٌ احتاجه وهو

قادرٌ على أدائه فلا استعاذة منه، والأوَّل حقُّ الله، والثَّاني حقُّ العباد. (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ (قَائِلٌ) في رواية النَّسائيِّ من طريق مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ: أنَّ السَّائل عائشة، ولفظها: «فقلت: يا رسول الله» (مَا أَكْثَرَ) بفتح الرَّاء على التَّعجُّب (مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ!) في محلِّ نصبٍ به، أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم! (فَقَالَ) (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ) بكسر الرَّاء، وجواب «إذا» قوله: (حَدَّثَ فَكَذَبَ) بأن يحتجَّ بشيءٍ في وفاء ما عليه ولم يقم به، فيصير كاذبًا. وذالُ «كَذَبَ» مُخفَّفةٌ، وهو عُطِف على «حَدَّث» (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) كأن قال لصاحب الدَّين: أُوفيكَ دينَك في يوم كذا، ولم يُوفِ، فيصير مخلفًا لوعده، والكذب وخُلْف الوعد من صفات المنافقين، وللحَمُّويي والمُستملي: «وإذا وعد أخلف» وهذا الدُّعاء صدر منه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وإلَّا فهو معصومٌ من ذلك، أو أنَّه سلك به طريق التَّواضع، وإظهار العبوديَّة، وإلتزام خوف الله تعالى، والافتقار إليه، ولا يمنع تكرُّر الطَّلب مع تحقُّق الإجابة لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات، ويرفع الدَّرجات، وزاد أبو ذَرٍّ عن المُستملي هنا:

«قال محمَّد بن يوسف بن مطرٍ الفَِرَبْريِّ يحكي عن المؤلِّف أنَّه قال: سمعت خلف بن عامرٍ الهَمْدانيَّ يقول في المَسِيح؛ بفتح الميم وتخفيف السِّين، والمِسِّيح مشدد مع كسر الميم: ليس بينهما فرقٌ، وهما واحدٌ في اللَّفظ، أحدهما: عيسى ابن مريم ، والآخر: الدَّجال» لا اختصاص لأحدهما (١) بأحد الأمرين، لكن إذا أُرِيد الدَّجَّال قُيِّد به، كما مرَّ، وقال أبو داود في «السُّنن»: «المسِّيح» مُثقَّلٌ: هو الدَّجَّال، ومُخفَّفٌ: عيسى ، وحُكِي عن بعضهم: أنَّ الدَّجَّال مسيخٌ؛ بالخاء المُعجَمة، لكن نُسِب إلى التَّصحيف.

وفي الحديث: التَّحديثُ بالجمع والإخبار، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، ورواته ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(وَ) بالسَّند السَّابق إلى شعيبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة» ( قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَسْتَعِيذُ فِي) آخر (صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) ساقه هنا مختصرًا، وفي السَّابق [خ¦٨٣٢] مُطوَّلًا ليفيد أنَّ الزُّهريَّ رواه كذلك مع زيادة ذكر السَّماع عن عائشة . فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدَّجَّال مع تحقُّق عدم إدراكه؟ أُجيب بأنَّ فائدته تعليم أمَّته لينتشر خبره بين الأمَّة جيلًا بعد جيلٍ بأنَّه كذَّابٌ مبطلٌ ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، حتَّى لا يلتبس كفره عند خروجه على من يدركه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِ هُوَ الثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الْحَذْفَ بِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَحْثِ فِي ثُبُوتِ الْعَطْفِ فِيهِمَا فِي سِيَاقِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ يَضُرُّ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَيَكُونُ مُقَصِّرًا بِخِدْمَةِ اللَّهِ وَفِي حَقِّ رَسُولِهِ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِذَلِكَ عُظِّمَتِ الْمَعْصِيَةُ بِتَرْكِهَا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ حَقًّا لِلْعِبَادِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا أَخَلَّ بِحَقِّ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ مَضَى وَمَنْ يَجِيءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِوُجُوبِ قَوْلِهِ فِيهَا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، وَحَمَّادٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِيمَا أَرَى اهـ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا هُنَا لَا عَنْ قَبِيصَةَ وَلَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سَيْفٍ، نَعَمْ هُوَ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ. بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٤٩ - بَاب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ

٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ.

[الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٧١٢٩، ٦٣٧٧، ٦٣٧٦، ٦٣٧٥، ٦٣٦٨، ٢٣٩٧، ٨٣٣]

٨٣٣ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ "

٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

[الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٧٣٨٨، ٦٣٢٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، هَذَا الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ تَرْتِيبِهِ، لَكِنْ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، لَا تَقْيِيدَ فِيهِ بِمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ ذِكْرًا مَخْصُوصًا فَتَعَيَّنَ أَنْ

يَكُونَ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكُلِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ الَّذِي ادَّعَاهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَحَلِّ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، فَكَمَا أَنَّ لِلسُّجُودِ ذِكْرًا مَخْصُوصًا وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ، فَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لَهُ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَأُمِرَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا هُوَ تَرْتِيبُ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّهُ مُطَالَبٌ بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الذِّكْرِ، وَلَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ تَرْتِيبِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ مُنَافَاةٌ، لِأَنَّ قَبْلَ السَّلَامِ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَسَأَذْكُرُ كَلَامَهُ آخِرَ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ -: هَذَا يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْينِ مَحَلِّهِ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ مَوْطِنَيْنِ - السُّجُودِ أَوِ التَّشَهُّدِ - لِأَنَّهُمَا أُمِرَ فِيهِمَا بِالدُّعَاءِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مِنْ تَعْيِينِهِ بِهَذَا الْمَحَلِّ، فَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذِكْرِ التَّشَهُّدِ ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. ثُمَّ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَلِمَاتٍ يُعَظِّمُهُنَّ جِدًّا. قُلْتُ: فِي الْمَثْنَى (١) كِلَيْهِمَا؟ قَالَ بَلْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

هَذِهِ رِوَايَةُ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِلَفْظِ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَذَكَرَهُ، وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، فَهَذَا فِيهِ تَعْيِينُ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ، فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ. وَمَا وَرَدَ الْإِذْنُ فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِتْنَةُ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْعُرْفِ لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ اهـ. وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمَسِيحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وَعَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْفَرَبْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنْهُ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ، يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ.

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيبِ الدَّجَّالِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَقِيلَ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ. وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّ رِجْلَهُ كَانَتْ لَا أَخْمُصَ لَهَا، وَقِيلَ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاشِيخَا فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ، وَقِيلَ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ قَائِلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ عِيسَى بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا أَوْرَدَهَا فِي

شَرْحِ الْمَشَارِقِ.

قَوْلُهُ: (فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ)، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَقَدْ صَحَّ يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْآتِي فِي الْجَنَائِزِ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلَا يَكُونُ مَعَ هَذَا الْوَجْهِ مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ: عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ، وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحِيرَةِ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ، وَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ: مَنْ رَبُّكَ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَالُ التَّثَبُّتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرَمِ) أَيِ الدَّيْنِ، يُقَالُ غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ ادَّانَ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَدَانُ فِيمَا لَا يَجُوزُ وَفِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدِ اسْتَعَاذَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَغْرَمُ الْغُرْمُ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنَ الْمَغْرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، وَلَفْظُهَا: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (مَا أَكْثَرَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى التَّعَجُّبِ. وقَوْلُهُ: (إِذَا غَرِمَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يَسْتَدِينُ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، فَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ عَنْهُ إِلَّا مُطَوَّلًا وَرَأَيْتُهُ بِاللَّفْظِ الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ سَنَدًا وَمَتْنًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ دُعَاؤُهُ بِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ،

أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْلِيمَ لِأُمَّتِهِ.

ثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ السُّؤَالُ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى هُنَا أَعُوذُ بِكَ لِأُمَّتِي.

ثَالِثُهَا: سُلُوكُ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَإِلْزَامُ خَوْفِ اللَّهِ وَإِعْظَامِهِ وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَكْرَارُ الطَّلَبِ مَعَ تَحَقُّيقِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَغْفِرَةِ لَا يَتْرُكُ التَّضَرُّعَ فَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ أَحْرَى بِالْمُلَازَمَةِ. وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ مَعَ تَحَقُّقِهِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَقِيلَ عَلَى الثَّالِثِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحَقُّيقِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ الْيَزَنِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ نُونٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ سِوَى طَرَفَيْهِ مِصْرِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَهُوَ يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، وَصَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ اللَّيْثِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَخَالَفَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، اللَّيْثَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٨٣٢ - ٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) سقط قوله «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ وابن عساكر، أنَّها (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَدْعُو فِي) آخر (الصَّلَاةِ) بعد التَّشهُّد قبل السَّلام، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ مرفوعًا: «إذا تشهَّد أحدكم فليقل»: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بفتح الميم وكسر السِّين مُخفَّفةً، وقيَّده بـ «الدَّجال» ليمتاز عن عيسى ابن مريم . والدَّجل: الخلط، وسُمِّي به لكثرة خلطه الباطل بالحق، أو من «دجل»: كذب، والدَّجَّال: الكذَّاب. وبـ «المسيح» لأنَّ إحدى عينيه ممسوحةٌ، «فَعِيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، أو لأنَّه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيَّامٍ معدودةٍ، فهو بمعنى «فاعلٍ»، أو لأنَّ الخير مُسِح منه، فهو مسيح الضَّلال. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ما يعرض للإنسان مدَّة حياته من الافتتان، أي: الابتلاء بالدُّنيا والشَّهوات والجهالات (وَفِتْنَةِ المَمَاتِ) ما يفتتن (١) به عند الموت في أمر الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، أُضِيفت إليه لقربها منه، أو من فتنة القبر، ولا تكرار مع قوله أوَّلًا: «عذاب القبر»؛ لأنَّ العذاب مُرتَّبٌ على الفتنة، والسَّبب غير المُسبِّب. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ) أي: ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضع الاسم (وَ) أعوذ بك من (المَغْرَمِ) أي: الدَّين، فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثمَّ يعجز عن أدائه، فأمَّا دينٌ احتاجه وهو

قادرٌ على أدائه فلا استعاذة منه، والأوَّل حقُّ الله، والثَّاني حقُّ العباد. (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ (قَائِلٌ) في رواية النَّسائيِّ من طريق مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ: أنَّ السَّائل عائشة، ولفظها: «فقلت: يا رسول الله» (مَا أَكْثَرَ) بفتح الرَّاء على التَّعجُّب (مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ!) في محلِّ نصبٍ به، أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم! (فَقَالَ) (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ) بكسر الرَّاء، وجواب «إذا» قوله: (حَدَّثَ فَكَذَبَ) بأن يحتجَّ بشيءٍ في وفاء ما عليه ولم يقم به، فيصير كاذبًا. وذالُ «كَذَبَ» مُخفَّفةٌ، وهو عُطِف على «حَدَّث» (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) كأن قال لصاحب الدَّين: أُوفيكَ دينَك في يوم كذا، ولم يُوفِ، فيصير مخلفًا لوعده، والكذب وخُلْف الوعد من صفات المنافقين، وللحَمُّويي والمُستملي: «وإذا وعد أخلف» وهذا الدُّعاء صدر منه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وإلَّا فهو معصومٌ من ذلك، أو أنَّه سلك به طريق التَّواضع، وإظهار العبوديَّة، وإلتزام خوف الله تعالى، والافتقار إليه، ولا يمنع تكرُّر الطَّلب مع تحقُّق الإجابة لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات، ويرفع الدَّرجات، وزاد أبو ذَرٍّ عن المُستملي هنا:

«قال محمَّد بن يوسف بن مطرٍ الفَِرَبْريِّ يحكي عن المؤلِّف أنَّه قال: سمعت خلف بن عامرٍ الهَمْدانيَّ يقول في المَسِيح؛ بفتح الميم وتخفيف السِّين، والمِسِّيح مشدد مع كسر الميم: ليس بينهما فرقٌ، وهما واحدٌ في اللَّفظ، أحدهما: عيسى ابن مريم ، والآخر: الدَّجال» لا اختصاص لأحدهما (١) بأحد الأمرين، لكن إذا أُرِيد الدَّجَّال قُيِّد به، كما مرَّ، وقال أبو داود في «السُّنن»: «المسِّيح» مُثقَّلٌ: هو الدَّجَّال، ومُخفَّفٌ: عيسى ، وحُكِي عن بعضهم: أنَّ الدَّجَّال مسيخٌ؛ بالخاء المُعجَمة، لكن نُسِب إلى التَّصحيف.

وفي الحديث: التَّحديثُ بالجمع والإخبار، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، ورواته ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(وَ) بالسَّند السَّابق إلى شعيبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة» ( قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَسْتَعِيذُ فِي) آخر (صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) ساقه هنا مختصرًا، وفي السَّابق [خ¦٨٣٢] مُطوَّلًا ليفيد أنَّ الزُّهريَّ رواه كذلك مع زيادة ذكر السَّماع عن عائشة . فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدَّجَّال مع تحقُّق عدم إدراكه؟ أُجيب بأنَّ فائدته تعليم أمَّته لينتشر خبره بين الأمَّة جيلًا بعد جيلٍ بأنَّه كذَّابٌ مبطلٌ ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، حتَّى لا يلتبس كفره عند خروجه على من يدركه.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل