الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٨٤٧
الحديث رقم ١٨٤٧ من كتاب «كتاب الأقضية» في موطأ مالك، تحت باب: باب الترغيب في القضاء بالحق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١ - حَدَّثَنَا يحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم ترجعون إلي لأحكم بينكم إذا تخاصمتم، ولعل بعضكم يكون أبين كلامًا وأعلم بحجته وأقدر على بيان مقصوده من الآخر، فأحكم للذي غلب بحجته على خصمه على الظاهر من كلامه، فالذي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام، يؤول به إلى النار، وحكمي لا ينفعه والحالُ ما ذُكر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[كِتَاب الْأَقْضِيَةِ] [باب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَاب الْأَقْضِيَةِ
بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ»
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٣٦ - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ
١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ
١٤٢٤ - ١٣٩١ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الصَّحَابِيِّ (عَنْ) أُمِّهَا (أُمِّ سَلَمَةَ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. وَفِي أُخْرَى: جَلَبَةَ خِصَامٍ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ، اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا قَالَتْ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) بِفَتْحَتَيْنِ، الْخَلْقُ، يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ، وَالْحَصْرُ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ حَصْرٌ خَاصٌّ، أَيْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْبَوَاطِنِ وَيُسَمَّى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ: قَصْرُ قَلْبٍ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَضْعَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُدْرِكَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا ظَوَاهِرَهَا، فَإِنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَسْلَمُ مِنْ قَضَايَا تَحْجُبُهُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا تُرِكَ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يُؤَيَّدْ بِالْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: مِثْلُكُمْ (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ)
فِيمَا بَيْنَكُمْ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: ٦٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٦٥) الْآيَةَ، وَقَالَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٩] (سورة الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٤٩) الْآيَةَ. وَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: ١٠٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠٥) الْآيَةَ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ. ثُمَّ تَرُدُّونَهُ إِلَيَّ، وَلَا أَعْلَمُ بَاطِنَ الْأَمْرِ (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَعْلَمَ (بِحُجَّتِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " أَبْلَغَ " وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّحَنِ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، الْفِطْنَةِ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَفْصَحَ، وَأَعْلَمَ بِتَقْرِيرِ مَقْصُودِهِ، وَأَعْلَمَ بِبَيَانِ دَلِيلِهِ، وَأَقْدَرَ عَلَى الْبَرْهَنَةِ عَلَى دَفْعِ دَعْوَى خَصْمِهِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ. هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّحْنِ، بِسُكُونِ الْحَاءِ، وَهُوَ الصَّرْفُ عَنِ الصَّوَابِ، أَيْ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنِ الْإِعْرَابِ بِالْحُجَّةِ، وَضَعْفُهُ لَا يَخْفَى، وَجُمْلَةُ " أَنْ يَكُونَ " خَبَرُ " لَعَلَّ " مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ، أَيْ كَائِنٍ، أَوْ " أَنْ " زَائِدَةٌ، أَوِ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَعَلَّ وَصْفَ بَعْضِكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ (مِنْ بَعْضٍ) فَيَغْلِبُ خَصْمَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ (فَأَقْضِيَ) فَأَحْكُمُ (لَهُ) أَيْ لِلَّذِي غَلَبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ " فَأَقْضِيَ لَهُ "، أَيْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْطِنْ لِحُجَّتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ.
(وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ) لِبِنَاءِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الظَّاهِرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى نَحْوٍ، بِالتَّنْوِينِ، مِمَّا أَسْمَعُ (مِنْهُ) وَمِنْ فِي (مِمَّا) بِمَعْنَى لِأَجْلِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) إِنَّهُ الْبَيِّنَةُ أَوِ الْإِقْرَارُ، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ التُّهْمَةُ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ، فَأَتَوْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعَدَ فَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ» ". فَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْ رِضَاهُمُ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ قَاطِعٌ بِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا حَقَّقَ عِلْمَهُ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ; إِذْ لَعَلَّهَا كَاذِبَةٌ أَوْ وَاهِمَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي الْمَالِ فَقَطْ دُونَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ
يُجَرِّحُ وَيُعَدِّلُ بِعِلْمِهِ.
(فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بِحَقِّ مُسْلِمٍ، وَذَكَرَهُ لِيَكُونَ أَهْوَلَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّ وَعِيدَ غَيْرِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، فَذَكَرَ الْمُسْلِمَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ كَذَلِكَ. (فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أَيْ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ النَّارِ لَهُ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: ١٠] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠) قَالَ السُّبْكِيُّ: هَذِهِ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَهَا، بَلْ مَعْنَاهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزُ الْوُقُوعِ، قَالَ: وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ، لَا بِسَبَبِ تَبَيُّنِ حُجَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَقَدْ صَانَ اللَّهُ أَحْكَامَ نَبِيِّهِ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ لِلتَّخَيُّرِ بَلْ لِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: ٢٩] (سورة الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٢٩) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ خِطَابٌ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ هَلْ هُوَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ؟ فَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَأْخُذْ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَلْيَتْرُكْ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْقُلُ الْأَصْلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسُهُ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ، وَإِنْ شَهِدَا بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحِلُّ الْحَرَامَ فِي الْعُقُودِ كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، فَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدَيْ زُورٍ، حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَادَّعَاهُ الرَّجُلُ وَهِيَ تَجْحَدُ أَوْ تَعَمَّدَ رَجُلَانِ شَهَادَةَ الزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ تَزَوُّجُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ وَأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إِجْمَاعًا كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ، فَمِنْ حَقِّ الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنْ قَبْلِهِ، وَمُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ اتَّفَقَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ. هَذَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُلَخِّصًا لِكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَاجِيِّ وَعِيَاضٍ وَغَيْرِهِمْ: مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَهُ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ فَحَكَمَ فِيهِ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا
أَمَرَ اللَّهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْكَامِهِ أَجْرَى لَهُ حُكْمَهُمْ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَهُ، فَأَجْرَى اللَّهُ أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ فِيمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ سَاعَدَهُمَا، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ. اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ عَلَى بَوَاطِنِ كُلِّ مَنْ يَتَخَاصَمُ إِلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِخَفِيِّ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ طَرِيقًا عَامًّا وَلَا قَاعِدَةً كُلِّيَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ لِاسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لَهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فَنَادِرٌ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: ٦٢] . فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَاطِنِ أَيْضًا وَأَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ، وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَقَدْ شَاهَدْتُ بَعْضَ الْمُخَرِّفِينَ وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعْرِضُونَ عَنِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَحْكُمُونَ بِالْخَوَاطِرِ الْقَلْبِيَّةِ وَيَقُولُونَ: الشَّاهِدُ الْمُتَّصِلُ بِي أَعْدَلُ مِنَ الشَّاهِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنِّي، وَهَذِهِ مَخْرَقَةٌ أَبْرَزَتْهَا زَنْدَقَةٌ يُقْتَلُ صَاحِبُهَا قَطْعًا، وَهَذَا خَيْرُ الْبَشَرِ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " مُعْتَرِفًا بِالْقُصُورِ عَنْ إِدْرَاكِ الْمُغَيَّبَاتِ وَعَامِلًا بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ. اهـ.
وَقَدْ زَادَ فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا: " «فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَقِّي لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسَتَهِمَا ثُمَّ تَحَالَلَا وَتَوَخَّيَا» "، أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِي الْقِسْمَةِ ثُمَّ اسْتَهِمَا، أَيِ اقْتَرِعَا لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا. وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ، وَتَابَعَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[كِتَاب الْأَقْضِيَةِ] [باب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَاب الْأَقْضِيَةِ
بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ»
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٣٦ - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ
١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ
١٤٢٤ - ١٣٩١ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الصَّحَابِيِّ (عَنْ) أُمِّهَا (أُمِّ سَلَمَةَ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. وَفِي أُخْرَى: جَلَبَةَ خِصَامٍ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ، اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا قَالَتْ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) بِفَتْحَتَيْنِ، الْخَلْقُ، يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ، وَالْحَصْرُ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ حَصْرٌ خَاصٌّ، أَيْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْبَوَاطِنِ وَيُسَمَّى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ: قَصْرُ قَلْبٍ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَضْعَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُدْرِكَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا ظَوَاهِرَهَا، فَإِنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَسْلَمُ مِنْ قَضَايَا تَحْجُبُهُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا تُرِكَ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يُؤَيَّدْ بِالْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: مِثْلُكُمْ (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ)
فِيمَا بَيْنَكُمْ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: ٦٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٦٥) الْآيَةَ، وَقَالَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٩] (سورة الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٤٩) الْآيَةَ. وَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: ١٠٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠٥) الْآيَةَ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ. ثُمَّ تَرُدُّونَهُ إِلَيَّ، وَلَا أَعْلَمُ بَاطِنَ الْأَمْرِ (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَعْلَمَ (بِحُجَّتِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " أَبْلَغَ " وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّحَنِ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، الْفِطْنَةِ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَفْصَحَ، وَأَعْلَمَ بِتَقْرِيرِ مَقْصُودِهِ، وَأَعْلَمَ بِبَيَانِ دَلِيلِهِ، وَأَقْدَرَ عَلَى الْبَرْهَنَةِ عَلَى دَفْعِ دَعْوَى خَصْمِهِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ. هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّحْنِ، بِسُكُونِ الْحَاءِ، وَهُوَ الصَّرْفُ عَنِ الصَّوَابِ، أَيْ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنِ الْإِعْرَابِ بِالْحُجَّةِ، وَضَعْفُهُ لَا يَخْفَى، وَجُمْلَةُ " أَنْ يَكُونَ " خَبَرُ " لَعَلَّ " مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ، أَيْ كَائِنٍ، أَوْ " أَنْ " زَائِدَةٌ، أَوِ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَعَلَّ وَصْفَ بَعْضِكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ (مِنْ بَعْضٍ) فَيَغْلِبُ خَصْمَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ (فَأَقْضِيَ) فَأَحْكُمُ (لَهُ) أَيْ لِلَّذِي غَلَبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ " فَأَقْضِيَ لَهُ "، أَيْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْطِنْ لِحُجَّتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ.
(وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ) لِبِنَاءِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الظَّاهِرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى نَحْوٍ، بِالتَّنْوِينِ، مِمَّا أَسْمَعُ (مِنْهُ) وَمِنْ فِي (مِمَّا) بِمَعْنَى لِأَجْلِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) إِنَّهُ الْبَيِّنَةُ أَوِ الْإِقْرَارُ، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ التُّهْمَةُ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ، فَأَتَوْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعَدَ فَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ» ". فَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْ رِضَاهُمُ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ قَاطِعٌ بِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا حَقَّقَ عِلْمَهُ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ; إِذْ لَعَلَّهَا كَاذِبَةٌ أَوْ وَاهِمَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي الْمَالِ فَقَطْ دُونَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ
يُجَرِّحُ وَيُعَدِّلُ بِعِلْمِهِ.
(فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بِحَقِّ مُسْلِمٍ، وَذَكَرَهُ لِيَكُونَ أَهْوَلَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّ وَعِيدَ غَيْرِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، فَذَكَرَ الْمُسْلِمَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ كَذَلِكَ. (فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أَيْ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ النَّارِ لَهُ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: ١٠] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٠) قَالَ السُّبْكِيُّ: هَذِهِ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَهَا، بَلْ مَعْنَاهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزُ الْوُقُوعِ، قَالَ: وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ، لَا بِسَبَبِ تَبَيُّنِ حُجَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَقَدْ صَانَ اللَّهُ أَحْكَامَ نَبِيِّهِ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ لِلتَّخَيُّرِ بَلْ لِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: ٢٩] (سورة الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٢٩) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ خِطَابٌ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ هَلْ هُوَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ؟ فَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَأْخُذْ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَلْيَتْرُكْ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْقُلُ الْأَصْلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسُهُ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ، وَإِنْ شَهِدَا بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحِلُّ الْحَرَامَ فِي الْعُقُودِ كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، فَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدَيْ زُورٍ، حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَادَّعَاهُ الرَّجُلُ وَهِيَ تَجْحَدُ أَوْ تَعَمَّدَ رَجُلَانِ شَهَادَةَ الزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ تَزَوُّجُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ وَأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إِجْمَاعًا كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ، فَمِنْ حَقِّ الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنْ قَبْلِهِ، وَمُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ اتَّفَقَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ. هَذَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُلَخِّصًا لِكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَاجِيِّ وَعِيَاضٍ وَغَيْرِهِمْ: مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَهُ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ فَحَكَمَ فِيهِ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا
أَمَرَ اللَّهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْكَامِهِ أَجْرَى لَهُ حُكْمَهُمْ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَهُ، فَأَجْرَى اللَّهُ أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ فِيمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ سَاعَدَهُمَا، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ. اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ عَلَى بَوَاطِنِ كُلِّ مَنْ يَتَخَاصَمُ إِلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِخَفِيِّ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ طَرِيقًا عَامًّا وَلَا قَاعِدَةً كُلِّيَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ لِاسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لَهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فَنَادِرٌ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: ٦٢] . فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَاطِنِ أَيْضًا وَأَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ، وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَقَدْ شَاهَدْتُ بَعْضَ الْمُخَرِّفِينَ وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعْرِضُونَ عَنِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَحْكُمُونَ بِالْخَوَاطِرِ الْقَلْبِيَّةِ وَيَقُولُونَ: الشَّاهِدُ الْمُتَّصِلُ بِي أَعْدَلُ مِنَ الشَّاهِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنِّي، وَهَذِهِ مَخْرَقَةٌ أَبْرَزَتْهَا زَنْدَقَةٌ يُقْتَلُ صَاحِبُهَا قَطْعًا، وَهَذَا خَيْرُ الْبَشَرِ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " مُعْتَرِفًا بِالْقُصُورِ عَنْ إِدْرَاكِ الْمُغَيَّبَاتِ وَعَامِلًا بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ. اهـ.
وَقَدْ زَادَ فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا: " «فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَقِّي لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسَتَهِمَا ثُمَّ تَحَالَلَا وَتَوَخَّيَا» "، أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِي الْقِسْمَةِ ثُمَّ اسْتَهِمَا، أَيِ اقْتَرِعَا لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا. وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ، وَتَابَعَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.