وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعُرَيْضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا فَقَالَ عُمَرُ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا وَاللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ
ــ
١٤٦٣ - ١٤٢٦ - (مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ
بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ (أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ) بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَشْهَلِيَّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَهِدَ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ وَلَهُ فِيهَا ذِكْرٌ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ. وَقَالَ ابْنُ شَاهِينَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي دَاوُدَ يَقُولُ: هُوَ الَّذِي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: " «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ذُو مَسْحَةٍ مِنْ جَمَالٍ، زِنَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زِنَةَ أُحُدٍ» ". فَطَلَعَ الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ. (سَاقَ خَلِيجًا لَهُ) قَالَ الْمَجْدُ: الْخَلِيجُ النَّهْرُ وَشَرْمٌ مِنَ الْبَحْرِ وَالْجَفْنَةُ وَالْحَبْلُ (مِنَ الْعُرَيْضِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَادٍ بِالْمَدِينَةِ بِهِ أَمْوَالٌ لِأَهْلِهَا (فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ) الْأَنْصَارِيِّ، أَكْبَرُ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ (فَأَبَى) امْتَنَعَ (مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ) لِأَيِّ شَيْءٍ (تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَجُوزُ لِجَهْلِ قَدْرِ شُرْبِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ الْأَعْلَى أَوْلَى حَتَّى يُرْوَى (فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا) أَفْعَلُ ذَلِكَ (فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ) فِي الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ (مَا يَنْفَعُهُ، وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ) لِأَنَّكَ (تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا) أَرْضَى بِهَذَا (وَاللَّهِ) أَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ (فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ) الْبَاجِيُّ: فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ لَا الْأَلْفَاظِ إِنْ كَانَتْ يَمِينُ عُمَرَ عَلَى مَعْنَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ; إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ عَلَى بَطْنِ مُحَمَّدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ: إِنْ خَالَفْتَ حُكْمِي عَلَيْكَ وَحَارَبْتَ وَأَدَّتِ الْمُحَارَبَةُ إِلَى قَتْلِكَ وَإِجْرَائِهِ عَلَى بَطْنِكَ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ نُصْرَةً لِلْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ) أَيْ يُجْرِيهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدٍ (فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ) ذَلِكَ، أَيْ أَجْرَاهُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ عُمَرَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلِمَالِكٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْمُخَالَفَةُ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِحَدِيثِ: " «لَا يَحْلُبَنَّ
أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ» ". وَاللَّبَنُ مُتَجَدِّدٌ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ وَالْأَرْضُ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا بِالسَّاقِيَةِ لَا يُعْتَاضُ مِنْهَا. وَالثَّانِي: الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا، وَهِيَ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ. وَالثَّالِثُ: الْمُوَافَقَةُ لَهُ عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُخَالَفَةُ أَهْلِ زَمَنِ مَالِكٍ لِزَمَنِ عُمَرَ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ، كَأَنْ يُقَالُ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُونَ مِنَ الْفُجُورِ، وَأَخَذَ بِهِ مَنْ يُوثَقُ بِرَأْيِهِ، فَلَوْ كَانَ الشَّأْنُ مُعْتَدِلًا فِي زَمَانِنَا كَاعْتِدَالِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَأَيْتُ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِكَ لِأَنَّكَ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ، وَلَكِنْ فَسَدَ النَّاسُ وَاسْتَحَقُّوا التُّهْمَةَ، فَأَخَافُ أَنْ يَطُولَ وَيَنْسَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَرْيُ هَذَا الْمَاءِ، وَقَدْ يَدَّعِي بِهِ جَارُكَ دَعْوَى فِي أَرْضِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا صَارَتْ لَهُ أَرْضُهُ بِإِحْيَائِهِ لَهَا بَعْدَ أَنْ أَحْيَا الضَّحَّاكُ أَرْضَهُ عَلَى مَا قَالَ أَشْهَبُ: إِنْ أَحْيَيْتَ أَرْضَكَ بَعْدَ إِحْيَاءِ عَيْنِهِ وَأَرْضِهِ قَضَى عَلَيْكَ بِمَمَرِّهِ فِي أَرْضِكَ وَإِجْرَاءِ مَائِهِ فِيهَا إِلَى أَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُكَ قَبْلَ عَيْنِهِ وَأَرْضِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْضِ عَلَى مُحَمَّدٍ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ إِلَى الْأَفْضَلِ ثِقَةً أَنَّهُ لَا يُحَنِّثُهُ اهـ مُلَخَّصًا.