الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٠٧ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإن يمسسك الله بضر ) إلى آخرها ، بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد ، فهو الذي يستحق العبادة وحده ، لا شريك له .
روى الحافظ ابن عساكر ، في ترجمة صفوان بن سليم ، من طريق عبد الله بن وهب : أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى ، عن صفوان بن سليم ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله نفحات من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده واسألوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم " ثم رواه من طريق الليث ، عن عيسى بن موسى ، عن صفوان ، عن رجل من أشجع ، عن أبي هريرة مرفوعا ؛ بمثله سواء وقوله : ( وهو الغفور الرحيم ) أي : لمن تاب إليه وتوكل عليه ، ولو من أي ذنب كان ، حتى من الشرك به ، فإنه يتوب عليه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يصبك الله ، يا محمد ، بشدة أو بلاء ، (1) فلا كاشف لذلك إلا ربّك الذي أصابك به ، دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة والأنداد (2) ، (وإن يردك بخير ) ، يقول: وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور (3) ، (فلا رادّ لفضله ) ، يقول: فلا يقدر أحدٌ أن يحول بينك وبين ذلك ، ولا يردّك عنه ولا يحرمكه; لأنه الذي بيده السّرّاء والضرّاء ، دون الآلهة والأوثان ، ودون ما سواه ، (يصيب به من يشاء ) ، يقول: يصيب ربك ، يا محمد بالرخاء والبلاء والسراء والضراء ، من يشاء ويريد (4) ( من عباده وهو الغفور ) ، لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإيمان به وطاعته ، (الرحيم ) بمن آمن به منهم وأطاعه ، أن يعذبه بعد التوبة والإنابة.
(5) * * *
قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيمقوله تعالى وإن يمسسك الله بضر أي يصيبك به فلا كاشف أي لا دافع له إلا هو وإن يردك بخير أي يصبك برخاء ونعمة فلا راد لفضله يصيب به أي بكل ما أراد من الخير والشر من يشاء من عباده وهو الغفور لذنوب عباده وخطاياهم الرحيم بأوليائه في الآخرة .
هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها { فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: { وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } أي: لا يقدر أحد من الخلق، أن يرد فضله وإحسانه، كما قال تعالى: { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } { يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي: يختص برحمته من شاء من خلقه، والله ذو الفضل العظيم، { وَهُوَ الْغَفُورُ } لجميع الزلات، الذي يوفق عبده لأسباب مغفرته، ثم إذا فعلها العبد، غفر الله ذنوبه، كبارها، وصغارها.
{ الرَّحِيمِ } الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغنى عن إحسانه، طرفة عين، فإذا عرف العبد بالدليل القاطع، أن الله، هو المنفرد بالنعم، وكشف النقم، وإعطاء الحسنات، وكشف السيئات والكربات، وأن أحدًا من الخلق، ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.
( وإن يمسسك الله بضر ) أي : يصبك بشدة وبلاء ، ( فلا كاشف له ) فلا دافع له ، ( إلا هو وإن يردك بخير ) رخاء ونعمة وسعة ، ( فلا راد لفضله ) فلا مانع لرزقه ، ( يصيب به ) بكل واحد من الضر والخير ، ( من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) .
«وإن يَمسسك» يصبك «الله بضر» كفقر ومرض «فلا كاشف» رافع «له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد» دافع «لفضله» الذي أرادك به «يصيب به» أي بالخير «من شاء من عباده وهو الغفور الرحيم».
وإن يصبك الله -أيها الرسول- بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا هو جلَّ وعلا وإن يُرِدْك برخاء أو نعمة لا يمنعه عنك أحد، يصيب الله عز وجل بالسراء والضراء من يشاء من عباده، وهو الغفور لذنوب مَن تاب، الرحيم بمن آمن به وأطاعه.
ثم بين - سبحانه - أنه وحده هو الضار والنافع فقال : ( وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغفور الرحيم ) ." المس " : أعم من اللمس فى الاستعمال ، يقال : مسه السوء والكبر والعذاب والتعب ، أى : أصابه ذلك ونزل به .والضر : اسم للألم والحزن وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما ، كما أن النفع اسم للذة والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما .والخير : اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبلة .والمعنى : ( وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ ) كمرض وتعب وحزن ، فلا كاشف له ، أى : لهذا الضر ( إِلاَّ هُوَ ) - سبحانه - .( وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ) كمنحة وغنى وقوة ( فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ) أى : فلا يستطيع أحد أن يرد هذا الخير عنك .وعبر - سبحانه - بالفضل مكان الخير للإِرشاد إلى تفضله على عباده بأكثر مما يستحقون من خيرات .وقوله ( يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) أى : يصيب بذلك الفضل والخير ( مَن يَشَآءُ ) إصابته ( مِنْ عِبَادِهِ ) .( وَهُوَ الغفور الرحيم ) أى : وهو الكثير والمغفرة والرحمة لمن تاب إليه ، وتوكل عليه ، وأخلص له العبادة .وفى معنى هذه الآية جاء قوله - تعالى - : ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ) وقال ابن كثير : " وروى ابن عاسكر عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اطلبوا اليخر دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات ربكم ، فإن لله نفحات من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع الممكنات مستندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه، والعقول والهة فيه، والرحمة والجود والوجود فائض منه.
واعلم أن الشيء إما أن يكون ضاراً وإما أن يكون نافعاً، وإما أن يكون لا ضاراً ولا نافعاً، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير، ولما كان الضر أمراً وجودياً لا جرم قال فيه: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ ﴾ ولما كان الخير قد يكون وجودياً وقد يكون عدمياً، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات، فبين سبحانه وتعالى أنه إن قضى لأحد شراً فلا كاشف له إلا هو، وإن قضى لأحد خيراً فلا راد لفضله ألبتة ثم في الآية دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لا راد لفضله، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات، وأن الشر مطلوب بالعرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن رب العزة أنه قال: سبقت رحمتي غضبي الثاني: أنه تعالى قال في صفة الخير: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وذلك يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب.
والثالث: أنه قال: ﴿ وَهُوَ الغفور الرحيم ﴾ وهذا أيضاً يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع، وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، ثم نبه على أن الخير مراد بالذات، والشر مراد بالعرض وتحت هذا الباب أسرار عميقة، فهذا ما نقوله في هذه الآية.
المسألة الثانية: قال المفسرون: إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في صفة الأصنام أنها لا تضر ولا تنفع، بين في هذه الآية أنها لا تقدر أيضاً على دفع الضرر الواصل من الغير، وعلى الخير الواصل من الغير.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ الله بِضُرّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ يعني بمرض وفقر فلا دافع له إلا هو.
وأما قوله: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ فقال الواحدي: هو من المقلوب معناه وإن يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ يدل على أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، فهذه الدقيقة لا تستفاد إلا من هذا التركيب.
<div class="verse-tafsir"
أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضرّ، أنّ الله عزّ وجلّ هو الضارّ النافع، الذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلاّ هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به.
وكذلك إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه، فكيف بالأوثان؟
فهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها، وهو أبلغ من قوله: ﴿ إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ ﴾ [الزمر: 38] .
فإن قلت: لم ذكر المسّ في أحدهما، والإرادة في الثاني؟
قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً: الإرادة والإصابة في كل واحد من الضرّ والخير، وأنه لا رادّ لما يريده منهما، ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ وهو الإصابة في أحدهما، والإرادة في الآخر؛ ليدلّ بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله تعالى: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة.
﴿ قَدْ جَاءكُمُ الحق ﴾ فلم يبق لكم عذر ولا على الله حجّة، فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلاّ نفسه، ومن آثر الضلال فما ضرّ إلاّ نفسه، واللام وعلى: دلا على معنى النفع والضرّ.
وكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل.
وفيه حثّ على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك ﴿ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ بحفيظ موكول إليّ أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ ﴾ بِنَفْسِهِ إنْ دَعَوْتَهُ أوْ خَذَلْتَهُ.
﴿ فَإنْ فَعَلْتَ ﴾ فَإنْ دَعْوَتَهُ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ تَبَعَةِ الدُّعاءِ.
﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ وإنْ يُصِبْكَ بِهِ.
﴿ فَلا كاشِفَ لَهُ ﴾ يَرْفَعُهُ.
﴿ إلا هُوَ ﴾ إلّا اللَّهُ.
﴿ وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ ﴾ فَلا دافِعَ.
﴿ لِفَضْلِهِ ﴾ الَّذِي أرادَكَ بِهِ ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ وأنَّ الضُّرَّ إنَّما مَسَّهم لا بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ووُضِعَ الفَضْلُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم عَلَيْهِ، ولَمْ يُسْتَثْنَ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.
﴿ يُصِيبُ بِهِ ﴾ بِالخَيْرِ.
﴿ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ فَتَعَرَّضُوا لِرَحْمَتِهِ بِالطّاعَةِ ولا تَيْأسُوا مِن غُفْرانِهِ بِالمَعْصِيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِن يَمْسَسْكَ الله} يصبك {بِضُرّ} مرض {فَلاَ كاشف لَهُ} لذلك الضر {إِلاَّ هُوَ} إلاَّ الله {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} عافية {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} فلا
رادَّ لمراده {يُصَيبُ بِهِ} بالخير {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} قطع بهذه الآية على بعاده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه والاعتماد إلا عليه {وَهُوَ الغفور} المكفر بالبلاء {الرحيم} المعافي بالعطاء أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر أن الله هو الضار النافع الذي إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد فكيف بالجماد الذي لا شعور به وكذا إن أرادك بخير لم يرد احدما يريده بك من الفضل والإحسان فكيف بالأوثان وهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها وهو أبلغ من قوله إِنْ أَرَادَنِىَ الله بضر هل من كاشفات ضره أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته وإنما ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر كأنه أراد أن يذكر الأمرين الإرادة والإصابة فى كل واحد من الضر وأنه لاراد لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما والإرادة فى الآخر ليدل
يونس (١٠٨ _ ١٠٩)
بما ذكر على ما ترك على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله يصيب به من يشاء من عباده
﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما أوْرَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن سَلْبِ النَّفْعِ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ وتَصْوِيرٍ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ أيْ وإنْ يُصِبْكَ بِسُوءٍ ما ﴿ فَلا كاشِفَ لَهُ ﴾ عَنْكَ كائِنًا مَن كانَ وما كانَ ﴿ إلا هُوَ ﴾ وحْدَهُ فَثَبَتَ عَدَمُ كَشْفِ الأصْنامِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وهو بَيانٌ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِرَفْعِ المَكْرُوهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِجَلْبِ المَحْبُوبِ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا فَإنَّ رَفْعَ المَكْرُوهِ أدْنى مَراتِبِ النَّفْعِ فَإذا انْتَفى انْتَفى النَّفْعُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ تَحْقِيقٌ لِسَلْبِ الضَّرَرِ الوارِدِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ إنْ يُرِدْ أنْ يُصِيبَكَ بِخَيْرٍ ﴿ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما أرادَكَ بِهِ مِن خَيْرٍ فَهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لا نَفْسِ الجَوابِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ فَيَضانَ الخَيْرِ مِنهُ تَعالى بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والكَرَمِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أيْ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ كائِنًا مَن كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الأصْنامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو بَيانٌ لِعَدَمِ ضُرِّها بِدَفْعِ المَحْبُوبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ ضُرِّها بِرَفْعِهِ أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ اسْتِلْزامًا جَلِيًّا ولَعَلَّ ذِكْرَهُ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِأنَّ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ يُصِيبُ وما يُصِيبُ لا يَكُونُ إلّا بِإرادَتِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ الخَيْرَ مَقْصُودٌ لِلَّهِ تَعالى بِالذّاتِ والضُّرِّ إنَّما يَقَعُ جَزاءً عَلى الأعْمالِ ولَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ في كُلٍّ مِنَ الخَيْرِ والضُّرِّ لِاقْتِضاءِ المَقامِ تَأْكِيدَ كُلٍّ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ إلّا أنَّهُ قَصَدَ الإيجازَ في الكَلامِ فَذَكَرَ في أحَدِهِما المَسَّ وفي الآخَرِ الإرادَةَ لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ في كُلِّ جانِبٍ عَلى ما تُرِكَ في الجانِبِ الآخَرِ فَفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى احْتِباكًا وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ ولَمْ يَسْتَثْنِ سُبْحانَهُ في جانِبِ الخَيْرِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ ويُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ حَيْثُ صَرَّحَ جَلَّ شَأْنُهُ بِالإصابَةِ بِالفَضْلِ المُنْتَظِمِ لِما أرادَ مِنَ الخَيْرِ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَسْتَثْنِ جَلَّ وعَلا في ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ فَرَضَ فِيهِ أنَّ تَعَلُّقَ الخَيْرِ بِهِ واقِعٌ بِإرادَتِهِ تَعالى وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَكُونُ بِإرادَةِ ضِدِّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو مُحالٌ وهَذا بِخِلافِ مَسِّ الضُّرِّ فَإنَّ إرادَةَ كَشْفِهِ لا تَسْتَلْزِمُ المُحالَ وهو تَعَلُّقُ الإرادَتَيْنِ بِالضِّدَّيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ وفي العُدُولِ عَنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إيماءً كَما قِيلَ إلى أنَّ المَقْصُودَ هو الإنْسانُ وسائِرُ الخَيْراتِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِهِ وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن رُجُوعِ ضَمِيرِ (بِهِ) إلى الفَضْلِ هو الظّاهِرُ المُناسِبُ وجُوِّزَ رُجُوعُهُ لِما ذَكَرَ ولَيْسَ بِذاكَ وحَمْلُ الفَضْلِ عَلى العُمُومِ أوَّلًا وآخِرًا حَسْبَما عَلِمْتَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ رادًّا عَلى مَن جَعَلَهُ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ الخَيْرِ بِعَيْنِهِ عَلى أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِ أوَّلًا ظاهِرًا مِن بابِ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إظْهارًا لِما ذَكَرَ مِنَ الفائِدَةِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُنادِي بِالعُمُومِ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ - عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ 107﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصِيبُ بِهِ ﴾ إلَخْ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ والكُلُّ تَذْيِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ الأخِيرَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها وذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ لِأنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ أوَّلَ الآيَةِ: ﴿ فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذا الكَلامِ عَلى ما فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ لَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ ويُجْعَلُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ ﴾ إشارَةً إلى مَقامٍ هو آخِرُ دَرَجاتِ العارِفِينَ لِأنَّ ما سِوى الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحِينَئِذٍ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ ولا ضارَّ إلّا هو وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رُجُوعَ إلّا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في الدّارَيْنِ ومَعْنى ﴿ فَإنْ فَعَلْتَ ﴾ إلَخْ فَإنِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ أيِ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذْ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مَعْزُولٌ عَنِ التَّصَرُّفِ فَإضافَةُ التَّصَرُّفِ إلَيْهِ وضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وهو الظُّلْمُ وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِالأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لِلِانْتِفاعِ بِها مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَحْوِهِما لا يُنافِي الرُّجُوعَ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ بَصَرُ العَقْلِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مُشاهِدًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وجُودِهِ وإحْسانِهِ في إيجادِ تِلْكَ المَوْجُوداتِ وإيداعِ تِلْكَ المَنافِعِ فِيها مَعَ الجَزْمِ بِأنَّها في أنْفُسِها وذَواتِها مَعْدُومَةٌ وهالِكَةٌ ولا وُجُودَ لَها ولا بَقاءَ ولا تَأْثِيرَ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإبْقائِهِ وإفاضَةِ ما فِيها مِنَ الخَواصِّ عَلَيْها بِجُودِهِ وإحْسانِهِ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ تَقْرِيرٌ لِأنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّهُ لا مُعَوَّلَ إلّا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو كَلامٌ حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ زَعْمَهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ إلَخْ لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا الكَلامِ في الآياتِ ساداتُنا الصُّوفِيَّةُ فَفي أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَوَّفَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ في إقْبالِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ مِنَ الطّالِبِينَ غَيْرِي والمُؤْثِرِينَ عَلى جَمالِ مُشاهَدَتِي ما لا يَلِيقُ مِنَ الحَدَثانِ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ إقامَةَ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ بِتَصْحِيحِ المَعْرِفَةِ وهو لا يَكُونُ إلّا بِتَرْكِ النَّظَرِ إلى ما سِوى الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ تَأْكِيدًا لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ولا تَدْعُ ﴾ إلَخْ حَيْثُ أشارَ فِيهِ إلى أنَّ مَن طَلَبَ النَّفْعَ أوِ الضُّرَّ مِن غَيْرِهِ تَعالى فَهو ظالِمٌ أيْ واضِعٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها ومِن هُنا قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: الظّالِمُ مَن طَلَبَ نَفْعَهُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ نَفْعَ نَفْسِهِ واسْتَدْفَعَ الضُّرَّ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ الدِّفاعَ عَنْ نَفْسِهِ ومَن عَجَزَ عَنْ إقامَةِ نَفْسِهِ كَيْفَ يُقِيمُ غَيْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ يَمْسَسْكَ إلَخْ ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّهُ تَعالى قَطَعَ عَلى عِبادِهِ الرَّهْبَةَ والرَّغْبَةَ إلّا مِنهُ وإلَيْهِ بِإعْلامِهِ أنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ وقَدْ يَكُونُ الضُّرُّ إشارَةً إلى الحِجابِ والخَيْرُ إشارَةً إلى كَشْفِ الجَمالِ أيْ إنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّ الحِجابِ فَلا كاشِفَ لِضُرِّكَ إلّا هو بِظُهُورِ أنْوارِ وِصالِهِ وإنْ يُرِدْكَ بِكَشْفِ جَمالِهِ فَلا رادَّ لِفَضْلِ وِصالِهِ مِن سَبَبٍ وعِلَّةٍ فَإنَّ المُخْتَصَّ في الأزَلِ بِالوِصالِ لا يَحْتَجِبُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ في الفَضْلِ السّابِقِ مَصُونٌ مِن جَرَيانِ القَهْرِ (هَذا) ولَعَلَّهُ مُغْنٍ عَنِ الكَلامِ مِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ حَسْبَما هو العادَةُ في الكِتابِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة، وذلك حين دعوه إلى دين آبائهم، فقال: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الإسلام، وترجون أن أرجع إلى دينكم، وأترك هذا الدين فلا أفعل ذلك، وهو قوله: فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة، ويقال: معناه، إن كنتم فى شك من ديني، فأنا مستيقن في دينكم ومعبودكم أنهما باطلان، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ يعني: أوحده وأطيعه الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ يعني: يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: مع المؤمنين على دينهم، ولا أرجع عن ذلك.
قوله تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ يعني: أن الله تعالى، قال لي في القرآن: أن أخلص عملك ودينك لِلدِّينِ حَنِيفاً يعني: استقم على التوحيد مخلصاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أو يقال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين.
إلى هاهنا أمر النبيّ أن يقول ذلك للكفار، وقد تمّ الكلام إلى هذا الموضع.
ثم قال الله تعالى للنبي بهذا أمرتك وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً يعني: وأمرتك أن تخلص عملك ودينك لِلدّينِ حَنِيفاً يعني: استقم على ذلك مستقيما.
والحنف في اللغة: هو الميل والإقبال على شيء لا يرجع عنه أبداً، لهذا سُمِّيَ الرجل أحنف، إذا كان أصابع رجليه مائلاً بعضها إلى بعض.
ثم قال تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: لا تعبد غير الله مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ يعني: ما لا ينفعك إن عبدته، ولا يضرك إن عصيته، وتركتَ عبادته، فَإِنْ فَعَلْتَ ذلك، يعني: فإن عبدت غير الله فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ يعني: الضّارّين أنفسهم.
قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ يصبك الله بشدة أو بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، يعني: لا دافع لذلك الضر إلا هو.
يعني: لا تقدر الأصنام على دفع الضر عنك وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يعني: إن يُصِبْكَ بسعة في الرزق وصحة في الجسم، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يعني: لا مانع لعطائه.
يُصِيبُ بِهِ يعني: بالفضل مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من كان أهلاً لذلك.
وَهُوَ الْغَفُورُ لذنوب المؤمنين، الرَّحِيمُ بهم.
فأعلم الله تعالى أنه كاشف الضر، ومعطي الفضل في الدنيا، وهو الغفور في الآخرة، للمؤمنين، الرحيم بقبول حسناتهم.
قال الفقيه ، حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا شيخ بصري عن الحسن، أنه قال: قال عامر بن قيس: ما أبالي ما أصابني من الدنيا وما فاتني منها، بعد ثلاث آيات ذكرهن الله تعالى في كتابه قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وقوله: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: 2] وقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: 6] .
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...
الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة.
وقوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ...
الآية: الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي: اجعل طريقك واعتمالك للدِّين والشرْعِ.
وقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ...
الآية، قد تقدَّم أن ما كان من هذا النوع، فالخطاب فيه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيره.
وقوله سبحانه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ...
الآية: مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، والضر لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان.
وقوله: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ لفظ تامّ العموم.
وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ: هذه مخاطبةٌ لجميع الكفّار ومستمرّة مدى الدهر، والْحَقُّ: هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: منسوخَةٌ بالقتَالِ.
وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضاً بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ أيْ: بِشِدَّةٍ وبَلاءٍ " فَلا كاشِفَ " لِذَلِكَ " إلّا هو " دُونَ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الأصْنامِ.
وإنْ يُصِبْكَ بِخَيْرٍ، أيْ: بِرَخاءٍ ونِعْمَةٍ وعافِيَةٍ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَكَ إيّاهُ.
" يُصِيبُ بِهِ " أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.
والثّانِي: مُحَمَّدٌ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ أيْ: فَإنَّما يَكُونُ وبالُ ضَلالِهِ عَلى نَفْسِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ: في مَنعِكم مِنِ اعْتِقادِ الباطِلِ، والمَعْنى: لَسْتُ بِحَفِيظٍ عَلَيْكم مِنَ الهَلاكِ كَما يَحْفَظُ الوَكِيلُ المَتاعَ مِنَ الهَلاكِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، والَّتِي بَعْدَها أيْضًا، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ، والجِزْيَةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والصَّحِيحُ: أنَّهُ لَيْسَ هاهُنا نَسْخٌ.
أمّا الآيَةُ الأُولى، فَقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ عَلَيْها في نَظِيرَتِها في (الأنْعامِ:١٠٧) .
وأمّا الثّانِيَةُ، فَقَدْ ذَكَرْنا نَظِيرَتَها في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٠٩) قَوْلُهُ: ﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِن الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ المَعْنى: قِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ، ثُمَّ جاءَتِ العِبارَةُ بِهَذا التَرْتِيبِ، والوَجْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المَنحى والمَقْصِدِ، أيِ:اجْعَلْ طَرِيقَكَ واعْتِمادَكَ لِلدِّينِ والشَرْعِ، و"حَنِيفًا" مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وجَعَلَ تَسْمِيَةَ المُعْوَجِّ القَدَمِ أحْنَفَ عَلى وجْهِ التَفاؤُلِ.
ومَن قالَ: "الحَنَفُ: المَيْلُ" جَعَلَ "حَنِيفًا" هاهُنا: مائِلًا عن حالِ الكَفَرَةِ وطَرِيقِهِمْ، و"حَنِيفًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَدْعُ ﴾ مَعْناهُ: قِيلَ لِي: ولا تَدْعُ، فَهو عَطْفٌ عَلى "أقِمْ"، وهَذا الأمْرُ والمُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ إذا كانَتْ هَكَذا فَأحْرى أنْ يَتَحَرَّزَ مِن ذَلِكَ غَيْرُهُ، "وَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ" هو الأصْنامُ والأوثانُ، والظالِمُ: الَّذِي يَضَعُ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ ﴾ الآيَةُ، مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ لِلَّهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ لِلنّاسِ بِما يُحِسُّونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ، والضُرُّ لَفْظٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ كانَ ذَلِكَ في مالِهِ أو في بَدَنِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُظْهِرَةٌ فَسادَ حالِ الأصْنامِ، لَكِنَّ كُلَّ مُمَيِّزٍ أدْنى مَيْزٍ يَعْرِفُ يَقِينًا أنَّها لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تَجْلِبُ نَفْعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ لَفْظٌ تامُّ العُمُومِ، وخَصَّصَ النَبِيُّ الفِقْهَ بِالذِكْرِ في قَوْلِهِ: « "مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِينِ"»، وهو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لِلَفْقِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ تَرْجِيَةٌ وبَسْطٌ ووَعْدٌ ما.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ﴾ [يونس: 106] لقصد التعريض بإبطال عقيدة المشركين أن الأصنام شفعاء عند الله، فلما أبطَلت الآية السابقة أن تكون الأصنام نافعة أو ضارة، وكان إسناد النفع أو الضر أكثر ما يقع على معنى صدورهما من فاعلهما ابتداء، ولا يتبادر من ذلك الإسناد معنى الوساطة في تحصيلهما من فاعل، عقبت جملة ﴿ ولا تدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ﴾ [يونس: 106] بهذه الجملة للإعلام بأن إرادة الله النفع أو الضر لأحد لا يستطيع غيره أن يصرفه عنها أو يتعرض فيها إلا من جعل الله له ذلك بدعاء أو شفاعة.
ووجه عطفها على الجملة السابقة لما بينهما من تغاير في المعنى بالتفصيل والزيادة، وبصيغتي العموم في قوله: ﴿ فلا كاشف له إلا هو ﴾ وفي قوله: ﴿ فلا رادَّ لفضله ﴾ الداخل فيهما أصنامهم وهي المقصودة، كما صُرح به في قوله تعالى في سورة [الزمر: 38] ﴿ أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن مُمسكات رحمته ﴾ وتوجيهُ الخطاب للنبيء لأنه أولى الناس بالخير ونفي الضر.
فيعلم أن غيره أولى بهذا الحكم وهذا المقصود.
والمس: حقيقته وضع اليد على جسم لاختبار ملمسه، وقد يطلق على الإصابة مجازاً مرسلاً.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ في آخر سورة [الأعراف: 201].
والإرادة بالخير: تقديرُه والقصدُ إليه.
ولما كان الذي لا يعجزه شيء ولا يتردد علمه فإذا أراد شيئاً فعله، فإطلاق الإرادة هنا كناية عن الإصابة كما يدل عليه قوله بعده: يصيب به من يشاء من عباده } .
وقد عبر بالمس في موضع الإرادة في نظيرها في سورة [الأنعام: 17] ﴿ وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ﴾ ولكن عبر هنا بالإرادة مبالغة في سلب المقدرة عمن يريد معارضة مراده تعالى كائناً من كان بحيث لا يستطيع التعرض لله في خيره ولو كان بمجرد إرادته قبل حصول فعله، فإن التعرض حينئذٍ أهون لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما آية سورة الأنعام فسياقها في بيان قدرة الله تعالى لا في تنزيهه عن المعارض والمعاند.
والفضل: هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير للدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به لأنهم عبيد إليه يصيبهم بما يشاء.
وتنكير (ضُر) و(خير) للنوعية الصالحة للقلة والكثرة.
وكل من جملة؛ فلا كاشف له إلا هو } وجملة: ﴿ فلا رادَّ لفضله ﴾ جواب للشرط المذكور معها، وليس الجواب بمحذوف.
وجملة: ﴿ يصيب به من يشاء من عباده ﴾ واقعة موقع البيان لما قبلها والحوصلة له، فلذلك فصلت عنها.
والضمير المجرور بالباء عائد إلى الخير، فيكون امتناناً وحثاً على التعرض لمرضاة الله حتى يكون مما حقت عليهم مشيئة الله أن يصيبهم بالخير؛ أو يعودُ إلى ما تقدم من الضر، والضمير باعتبار أنه مذكور فيكون تخويفاً وتبشيراً وتحذيراً وترغيباً.
وقد أجملت المشيئة هنا ولم تبين أسبابها ليسلك لها الناس كل مسلك يأملون منه تحصيلها في العطاء وكل مسلك يتقون بوقعهم فيها في الحرمان.
والإصابة: اتصال شيء بآخر ووروده عليه، وهي في معنى المس المتقدم، فقوله: ﴿ يصيب به من يشاء ﴾ هو في معنى قوله في سورة [الأنعام: 17] ﴿ وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ﴾ والتذييل بجملة: وهو الغفور الرحيم} يشير إلى أن إعطاء الخير فضل من الله ورحمة وتجاوز منه تعالى عن سيئات عباده الصالحين، وتقصيرهم وغفلاتهم، فلو شاء لما تجاوز لهم عن شيء من ذلك فتورطوا كلهم.
ولولا غفرانه لَما كانوا أهلاً لإصابة الخير، لأنهم مع تفاوتهم في الكمال لا يخلون من قصور عن الفضل الخالد الذي هو الكمال عند الله، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إني ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» ويشير أيضاً إلى أن الله قد تجاوز عن كثير من سيئات عباده المسْرفين ولم يؤاخذهم إلا بما لا يرضى عنه بحال كما قال: ﴿ ولا يرضَى لعباده الكفر ﴾ [الزمر: 7]، وأنه لولا تجاوزه عن كثير لمسهم الله بضر شديد في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ أيِ اسْتَقِمْ بِإقْبالِ وجْهِكَ عَلى ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ حَنِيفًا، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالوَجْهِ النَّفْسَ.
وَ ﴿ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ حاجًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَّبَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مُسْتَقِيمًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: مُخْلِصًا، قالَهُ عَطاءٌ.
الخامِسُ: مُؤْمِنًا بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ قالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: حَمِدْتُ اللَّهَ حِينَ هَدى فُؤادِي مِنَ الإشْراكِ لِلدِّينِ الحَنِيفِ السّادِسُ: سابِقًا إلى الطّاعَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ في الرِّجْلَيْنِ وهو أنْ تَسْبِقَ إحْداهُما الأُخْرى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ يقول: بعافية.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: ثلاث آيات وجدتها في كتاب الله تعالى اكتفيت بها عن جميع الخلائق، قوله: ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عامر بن قيس رضي الله عنه قال: ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق: أولهن ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ﴾ والثانية ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ﴾ [ فاطر: 2] والثالثة ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ [ هود: 6] .
وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن من روعاتكم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً.
مثله سواء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ ، الباء هاهنا للتعدية، والمعني يجعل الضر يمسك بحلوله فيك، كأنه قيل: يمسك الضر، والضر: اسم لكل ما يتضرر به الإنسان، قال ابن عباس: يريد: بمرض وفقر، ﴿ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾ ، معنى الكشف رفع الساتر، ولما جعل الضر بما يمس جعل دفعه كشفًا له] (١) ﴿ إِلَّا هُوَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ هو من المقلوب، معناه: وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالإرادة جاز: يريدك بالخير، ويريد بك الخير.
﴿ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ لا مانع لما يفضل به عليك من رخاء ونعمة وصحة ونصر، وقوله تعالى: ﴿ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ يجوز (٢) (٣) (٤) (١) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).
(٢) في (ح) و (ز) و (ى): (ويجوز).
(٣) في (م): (لخبر).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز) و (م).
<div class="verse-tafsir"
﴿ انظروا ﴾ أمرٌ بالاعتبار والنظر في آيات الله ﴿ وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ ﴾ الآية: تهديد ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ اعتراض بين العامل ومعموله وهما كذلك، وننج المؤمنين ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ الوجه هنا بمعنى القصد والدين ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: ﴿ واصبر حتى يَحْكُمَ الله ﴾ وعد بالنصر والظهور على الكفار.
القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بالياء التحتانية.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.
﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالتشديد فيهما.
الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.
والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.
عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.
وبالجملة فالله يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.
ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.
والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.
ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.
وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.
وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.
وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.
وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.
وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.
ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.
ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.
والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .
ثم إنه لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.
والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.
ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.
أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.
وقد مر مثله في هذه السورة.
وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.
وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.
وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.
وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.
يروى أن يونس بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.
وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.
وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟
فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.
وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.
ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه ما أراد إيمان الكل.
وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.
ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.
فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.
وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.
وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.
أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.
ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.
ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.
وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟
ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول فقال ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.
قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.
وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.
ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.
وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.
ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.
قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.
و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.
قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.
ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.
و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.
ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.
وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.
قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.
وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه بالذات والشر بالعرض.
ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.
وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ﴾ الآية.
وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.
يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.
ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.
وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.
فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.
﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ .
قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ : الذي أدين به، أو [إن] كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه.
﴿ فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم إليه كنتم شاكين في دينكم الذي أنتم عليه، فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك، [ثم تدعونني إلى دينكم الذي أنتم عليه بالشك، يذكر سفههم بتركهم إجابتهم بالشك ودعائهم إياه بالشك إلى دينهم لأن الشك] يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب الدعاء إليه إنما يوجب الدعاء إليه بطلان غيره لا الشك، هذا - والله أعلم - محتمل وهو يخرج على وجهين أيضاً: أحدهما: على الإضمار، والآخر على المنابذة، والإضمار ما ذكرنا: إن كنتم في شك من ديني الذي أدين به [وأدعوكم إليه فإني لا أشك فيه، هذا وجه الإضمار، ووجه المنابذة: يقول إن كنتم في شك مما أعبد وأدين به] فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تدينون؛ وهو كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ : والتوفي هو [النهاية والغاية] في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون توفيكم ولا الإضرار بكم إن لم تعبدوها، يذكر سفههم ويلزمهم الحجة أن الذي يتوفاهم هو المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : يشبه أن يكون قوله: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ من المرسلين؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فعلى ذلك هذا.
ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهي أن يكون من المشركين أو الشاكين؛ فعلى ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ أي: أمرت أن أقيم نفسي لله خالصة سالمة لا أشرك فيها غيره ولا أجعل لسواه فيها نصيباً، أو أن يقول: إني أمرت أن أقيم نفسي على ما عليها شهادة خلقتها؛ إذ خلقة كل نفس تشهد على وحدانية الله وألوهيته، أو يقول: أقم وجه أمرك لما تدين به وتقيم عليه.
﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : هذا ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ﴾ : إن أطعته وأجبته، ﴿ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾ : إن تركت إجابته وطاعته.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر المنفعة.
ويحتمل الدعاء نفسه، أي: لا تدعوا من دون الله إلهاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : [ذكر هاهنا] الظلم إن فعل ما ذكر والمراد منه الشرك، وذكر في قصة آدم وحواء: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة؛ ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب؛ لذلك كان ما ذكروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ : فيه الرجاء والطمع إلى من دونه؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ : أخبر أنه إن أراد خيراً وفضلا فلا راد لذلك الفضل، والخير، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها، فإذا [أراده لإنسان] كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده؛ دل أنه إذا أراد الإيمان لأحد كان مؤمنا، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا: إنه أراد الإيمان للخلق كلهم.
لكنهم لم يؤمنوا؛ إذ أخبر أنه إذا أراد به خيراً فلا راد [لذلك الفضل]، وهم يقولون: بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه، وبالله العصمة.
وفيه أن ليس على الله فعل [لهم] - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا، والفضل هو فعل ما ليس عليه، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ : يصيب به من يشاء من الفضل والخير أو من الشر، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : لا يعجل بالعقوبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ : قيل: الحق محمد وقيل: الحق: القرآن الذي أنزل عليه، وأمكن أن يكون الحق هو الدين الذي كان يدعوهم رسول الله إليه؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ فيشبه أن يكون الحق هو الدين الذي شكوا فيه، أي: قد جاءكم ما يزيل عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين.
ويحتمل الحق محمداً على ما ذكره بعض أهل التأويل وكان رسول الله في أول نشوئه إلى آخره آية.
ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر.
﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، سماه بأسماء مختلفة سماه حقّاً وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه وتمسك به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أي: من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه، أي: ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي: بمسلط.
قال بعض أهل التأويل: هو منسوخ، نسخته آية القتال، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط على حفظ أعمالهم، إنما عليه التبليغ؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: اصبر على أذاهم لأنهم كانوا يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به، يقول: اصبر على أذاهم ولا تعجل [عليهم] بالعقوبة حتى يحكم الله عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم الله بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تبيلغ الرسالة والقيام لما أمرت به، والله أعلم.
وإن يصبك الله -أيها الرسول- ببلاء، وطلبت صرفه عنك فلا صارف له إلا هو سبحانه، وإن يردك برخاء فلا أحد يمنع فضله، يصيب بفضله من يشاء من عباده، فلا مكره له، وهو الغفور لمن تاب من عباده، الرحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.O59Ko"