الآية ٤٧ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤٧ من سورة يونس

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ) قال مجاهد : يعني يوم القيامة .

( قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) كما قال تعالى : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) [ الزمر : 69 ] ، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها ، وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم ، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة .

وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق ، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ، ويقضى لهم ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلائق " فأمته إنما حازت قصب السبق لشرف رسولها ، صلوات الله وسلامه عليه [ دائما ] إلى يوم الدين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولكل أمة خلت قبلكم ، أيها الناس ، رسول أرسلته إليهم، كما أرسلت محمدًا إليكم ، يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته ، (فإذا جاء رسولهم) ، يعني: في الآخرة، كما:- 17666- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم) ، قال: يوم القيامة.

* * * وقوله: ( قضي بينهم بالقسط)، يقول قضي حينئذ بينهم بالعدل (7) ، ( وهم لا يظلمون)، من جزاء أعمالهم شيئًا ، ولكن يجازي المحسن بإحسانه .

والمسيءُ من أهل الإيمان ، إما أن يعاقبه الله ، وإما أن يعفو عنه، والكافر يخلد في النارِ.

فذلك قضاء الله بينهم بالعدل، وذلك لا شكّ عدلٌ لا ظلمٌ.

17667- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( قضي بينهم بالقسط)، قال: بالعدل.

--------------------------- الهوامش : (7) انظر تفسير " القسط " فيما سلف ص : 21 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون قوله تعالى ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط يكون المعنى : ولكل أمة رسول شاهد عليهم ، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم ; مثل .

فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد .

وقال ابن عباس : تنكر الكفار غدا مجيء الرسل إليهم ، فيؤتى بالرسول فيقول : قد أبلغتكم الرسالة ; فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب .

دليله قوله : ويكون الرسول عليكم شهيدا .

ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم ; فمن آمن فاز ونجا ، ومن لم يؤمن هلك وعذب .

دليله قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

والقسط : العدل .وهم لا يظلمون أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ‏}‏ من الأمم الماضية ‏{‏رَسُولٌ‏}‏ يدعوهم إلى توحيد الله ودينه‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَ‏}‏ هم ‏{‏رَسُولُهُمْ‏}‏ بالآيات، صدقه بعضهم، وكذبه آخرون، فيقضي الله بينهم بالقسط بنجاة المؤمنين، وإهلاك المكذبين ‏{‏وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ‏}‏ بأن يعذبوا قبل إرسال الرسول وبيان الحجة، أو يعذبوا بغير جرمهم، فليحذر المكذبون لك من مشابهة الأمم المهلكين، فيحل بهم ما حل بأولئك‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ) وكذبوه ، ( قضي بينهم بالقسط ) أي عذبوا في الدنيا وأهلكوا بالعذاب ، يعني : قبل مجيء الرسول ، لا ثواب ولا عقاب .

وقال مجاهد ومقاتل : فإذا جاء رسولهم الذي أرسل إليهم يوم القيامة قضي بينه وبينهم بالقسط ، ( وهم لا يظلمون ) لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكل أمة» من الأمم «رسول فإذا جاء رسولهم» إليهم فكذبوه «قضي بينهم بالقسط» بالعدل فيعذبون وينجى الرسول ومن صدقه «وهم لا يظلمون» بتعذيبهم بغير جرم فكذلك نفعل بهؤلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكل أمة خَلَتْ قبلكم -أيها الناس- رسول أرسلتُه إليهم، كما أرسلت محمدًا إليكم يدعو إلى دين الله وطاعته، فإذا جاء رسولهم في الآخرة قُضِيَ حينئذ بينهم بالعدل، وهم لا يُظلمون مِن جزاء أعمالهم شيئًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر رحمته بعباده ، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال - تعالى - : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) .أى : أنه - سبحانه - اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس ، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه ، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة ، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به ، قضى - سبحانه - بينه وبينهم بالعدل ، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر ، ولا يظلم ربك أحدا .قال الإِمام ابن كثير عند تفسير لهذه الآية " فكل أمة تعرض على الله - تعالى - بحضرة رسولها ، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم ، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة ، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم فى الخلق ، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة ، يفصل بينهم ويقضى لهم جاء فى الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، المقضى لهم قبل الخلائق ، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها - صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه، بين أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولاً والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

فإن قيل: كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ  ﴾ .

قلنا: الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضراً مع القوم، لأن تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولاً إليهم، كما لا يمنع تقدم رسولنا من كونه مبعوثاً إلينا إلى آخر الأبد.

وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ووقوع موجبات التخليط فيها.

المسألة الثانية: في الكلام إضمار والتقدير: فإذا جاء رسولهم وبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون قضى بينهم أي حكم وفصل.

المسألة الثالثة: المراد من الآية أحد أمرين: إما بيان أن الرسول إذا بعث إلى كل أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلاً ولا يكون ظلماً، لأنهم من قبل أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب، أو يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في وقت المحاسبة، وبأن الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما شاهد منهم، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به الزجر في الدنيا كالمساءلة، وإنطاق الجوارح، والشهادة عليهم بأعمالهم والموازين وغيرها، وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهيد عليهم، فكأنه تعالى يقول: أنا شهيد عليهم وعلى أعمالهم يوم القيامة، ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة مع كل قوم رسولهم، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال.

والمراد منه المبالغة في إظهار العدل.

واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وقوله: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً  ﴾ ودليل القول الثاني قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِى اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق ﴿ فَإِذَا جَاء ﴾ هم ﴿ رَسُولَهُمْ ﴾ بالبينات فكذبوه، ولم يتبعوه ﴿ قُضِىَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين النبيّ ومكذّبيه ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل، فأنجى الرسول وعذّب المكذّبون، كقوله؛ ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 15] أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى: ﴿ وَجِيء بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق ﴾ [الزمر: 69] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وَإمّا نُرِيَنَّكَ نُبَصِّرَنَّكَ.

﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ في حَياتِكَ كَما أراهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ.

﴿ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وهو جَوابُ ﴿ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ وجَوابُ ﴿ نُرِيَنَّكَ ﴾ مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَذاكَ.

﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ﴾ مَجازٌ عَلَيْهِ ذَكَرَ الشَّهادَةَ وأرادَ نَتِيجَتَها ومُقْتَضاها ولِذَلِكَ رَتَّبَها عَلى الرُّجُوعِ بِـ ﴿ ثُمَّ ﴾ ، أوْ مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

﴿ رَسُولٌ ﴾ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ.

﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ ﴾ بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهُ.

﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُكَذِّبِيهِ.

﴿ بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وأُهْلِكَ المُكَذِّبُونَ.

﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وعِقابِ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق {فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ} بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه {قُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين النبي ومكذبيه {بالقسط} بالعدل فأنجى الرسول وعذب المكذبين أو ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بالقسط {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لا يعذب أحد بغير ذنبه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ رَسُولٌ ﴾ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ ﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ ﴾ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَشْهَدَ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ وحَكَمَ بِنَجاةِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 47﴾ أصْلًا والجُمْلَةُ قِيلَ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُؤَكِّدَةٌ لَهُ وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسْتَمِرًّا عَدَمُ ظُلْمِهِمْ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أوْ لِكُلِّ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ فَإذا جاءَ رَسُولُهم فَبَلَّغَهم ودَعاهم فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم أيْ بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها بِالعَدْلِ وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكَذِّبِينَ والأوَّلُ مِمّا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ والِاسْتِقْبالُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِثْلَ ما احْتِيجَ في التَّفْسِيرِ الثّانِي وقَدْ رُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، يعني: لأهل كل دين رسول أتاهم، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ، يعني: فأبلغهم فكذبوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ وبين رسولهم بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وقال مجاهد: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ يعني: يوم القيامة، قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ، وهو قوله تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن العذاب ينزل بنا قُلْ يا محمد: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً، يعني: ليس في يدي دفع مضرة ولا جر منفعة، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.

إن يقويني عليه.

قال مقاتل: معناه قل: لا أملك لنفسي أن أدفع عنها سوءاً حين ينزل، ولا أن أسوق إليها خيراً إلا ما شاء الله فيصيبني، فكيف أملك على نزول العذاب بكم؟

وقال القتبي: الضُّر بضم الضاد، الشدة والبلاء، كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام: 17] وكقوله: ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ [النحل: 54] والضُّر بفتح الضاد ضد النفع، ومنه قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً [يونس: 49] يعني: قل لا أملك جر نفع ولا دفع ضَرَ.

ثم قال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ يعني: وقتنا.

- ويقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي مهلة ويقال: أجل الموت (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)

وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ...

الآية:

الضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.

وقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.

وقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:

معناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:

الجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.

ص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.

انتهى.

وأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.

وقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ» ، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ مِمّا أراهُ اللَّهُ في حَياتِهِ مِن عَذابِهِمْ.

﴿ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ﴿ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا، انْتَقَمْنا آجِلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

قالَ الفَرّاءُ: " ثُمَّ " هاهُنا عَطْفٌ، ولَوْ قِيلَ: مَعْناها هُناكَ اللَّهُ شَهِيدٌ، كانَ جائِزًا.

وقالَ غَيْرُهُ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ثَمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ " بِفَتْحِ الثّاءِ، يُرادُ بِهِ: هُنالِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذا جاءَ في الدُّنْيا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في دُعائِهِمْ، قُضِيَ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا جاءَهم في الدُّنْيا، حُكِمَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اتِّباعِهِ وخِلافِهِ بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

والثّانِي: إذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا جاءَ شاهِدًا عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: إذا جاءَ في القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيْنَ الأُمَّةِ، فَأُثِيبَ المُحْسِنُ وعُوقِبَ المُسِيءُ.

والثّانِي: بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ﴿ قالُوا بَلى  ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ [يونس: 46]، وهي بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها.

وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة هي منتهى الإمهال، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك.

فهذا إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب، فهي ناظرة إلى قوله تعالى: ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ [القصص: 59] وقوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ [الإسراء: 15].

وجملة: ﴿ لكل أمة رسول ﴾ ليست هي المقصود من الإخبار بل هي تمهيد للتفريع المفرع عليها بقوله: ﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ الخ، فلذلك لا يؤخذ من الجملة الأولى تعين أن يرسل رسول لكل أمة لأن تعيين الأمة بالزمن أو بالنسب أو بالموطن لا ينضبط، وقد تخلو قبيلة أو شعب أو عصر أو بلاد عن مجيء رسول فيها ولو كان خلوها زمناً طويلاً.

وقد قال الله تعالى: ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46].

فالمعنى: ولكل أمة من الأمم ذواتتِ الشرائع رسول معروف جاءها مثل عاد وثمود ومدين واليهودِ والكلدان.

والمقصود من هذا الكلام ما تفرع عليه من قوله: ﴿ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ﴾ .

والفاء للتفريع و(إذا) للظرفية مجردة عن الاستقبال، والمعنى: أن في زمن مجيء الرسول يكون القضاء بينهم بالقسط.

وتقديم الظرف على عامله وهو (قضي) للتشويف إلى تلقي الخبر.

وكلمة (بين) تدل على توسط في شيئين أو أشياء، فتعين أن الضمير الذي أضيفت إليه هنا عائد إلى مجموع الأمة ورسولها، أي قُضي بين الأمةِ ورسولها بالعَدل، أي قضَى اللّهُ بينهم بحسب عملهم مع رسولهم.

والمعنى: أن الله يمهل الأمة على ما هي فيه من الضلال فإذا أرسل إليها رسولاً فإرسالُه أمارة على أن الله تعالى أراد إقلاعهم عن الضلال فانتهى أمد الإمهال بإبلاغ الرسول إليهم مرادَ الله منهم فإن أطاعوه رضي الله عنهم وربحوا، وإن عصوه وشاقوه قضى الله بين الجميع بجزاء كل قضاء حق لا ظلم فيه وهو قضاء في الدنيا.

وقد أشعر قوله: ﴿ قضي بينهم ﴾ بحدوث مشاقة بين الكافرين وبين المؤمنين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا تحذير من مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار لأهل مكة بما نالهم.

وقد كان من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبته أن أبقى الله على العرب فلم يستأصلهم، ولكنه أراهم بطشته وأهلك قادتهم يوم بدر، ثم ساقهم بالتدريج إلى حظيرة الإسلام حتى عمهم وأصبحوا دعاته للأمم وحملة شريعته للعالم.

ولما أشعر قوله: ﴿ قضي بينهم ﴾ بأن القضاء قضاء زجر لهم على مخالفة رسولهم وأنه عقاب شديد يكاد من يراه أو يسمعه أن يجول بخاطره أنه مبالغ فيه أتي بجملة ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ ، وهي حال مؤكدة لعاملها الذي هو ﴿ قُضي بينهم بالقسط ﴾ للإشعار بأن الذنب الذي قضي عليهم بسببه ذنب عظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي نَبِيًّا يَدْعُوهم إلى الهُدى ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ.

﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ قُضِيَ بَيْنَهم لِيَكُونَ رَسُولُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا قَضى اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُّنْيا واعِيًا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ قال: سوء العذاب في حياتك ﴿ أو نتوفينك ﴾ قبل ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ وفي قوله: ﴿ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ﴾ قال: يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ ، ذكر المفسرون (١) (٢) أحدهما: أن مجيء الرسول والقضاء بينهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: فإذا كذبوا رسولهم قضي بينهم بالعدل (٣) (٤) (٥) (٦) القول الثاني: أن المراد بمجيء الرسول والقضاء ما يكون في القيامة، وهو قول مقاتل ومجاهد وابن عباس في بعض الروايات (٧) (٨) (٩) وقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول لهم يوم القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتبي؟

فيقولون: ما أتانا لك رسول ولا كتاب (١٠) ﴿ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ (١١) قال أبو إسحاق: ودليل القول الأول: قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ  ﴾ الآية، أعلم أنه لا يعذب قومًا إلا بعد الإعذار والإنذار، ودليل القول الثاني قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا  ﴾ ، أعلَم الله أن كل رسول شاهد على أمته بإيمانهم وكفرهم (١٢) وزاد ابن الأنباري بيانًا ومعنى فقال في القول الأول: ولكل أمة رسول يرسله الله إليهم سفيرًا بينه وبينهم، مبشرًا ومنذرًا، فإذا جاءهم الرسول في الدنيا ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: حكم عليهم عند اتباعه وعناده (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا  ﴾ الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ ، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد لا ينقص الذين صدقوا، ويُجازى الذين كذبوا (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 100، والثعلبي 7/ 16 ب، والبغوي 4/ 136.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 23، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 63.

(٣) ذكره ابن الجوزي 4/ 37 بنحوه، عن عطاء بن السائب.

(٤) في (ح) و (ز): (المكذبين).

(٥) في (ى): (ونجي).

(٦) في (ى): (الرسول).

(٧) منها رواية الكلبي كما في "تفسير الماوردي" 2/ 437.

(٨) رواه ابن جرير 11/ 121، وابن أبي حاتم 6/ 1955، والثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 136.

(٩) "تفسير مقاتل" 141 أ، والثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 136.

(١٠) في (ح) و (ز): (بكتاب).

(١١) أورده القرطبي في "تفسيره" 8/ 349 بمعناه.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 23/ 24 بتصرف بالزيادة وترتيب الجمل، وقد يكون ذلك بسبب اختلاف النسخ، كما أشار إليه الأزهري في "مقدمة التهذيب" 1/ 27.

(١٣) في "الوسيط" عند اتباع المؤمنين وعناد الكافرين.

(١٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 549، أشار إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 37 دون تعيين القاتل.

(١٥) في (ح) و (ز): (وبإتباعهم)، وهو خطأ.

(١٦) في (ى): (و).

(١٧) يعني ابن الأنباري، ولم أجد من ذكره عنه.

(١٨) من (م)، وفي بقية النسخ: (هناك).

(١٩) "الوسيط" 2/ 549 بنحوه عن عطاء، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 214.

(٢٠) في (م): (يعلموا)، وهو خطأ.

(٢١) "تفسير مقاتل" 141 أبنحوه.

(٢٢) لم أجده.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً ﴾ تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني يوم الحشر فهوعلى هذا حال من الضمير في يلبثوا ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ شرط جوابه وإلينا مرجعهم.

والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ﴿ ثُمَّ الله شَهِيدٌ ﴾ ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح ﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ ﴾ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ : "إما" حرف شك، وكذلك حرف أو، لكن يكون تأويله - والله أعلم - على حذف إما وإضمار حرف "إن" كأنه يقول: إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم، أو نتوفينك ولا نرينك شيئاً.

أو أن يكون قوله: إن نرينك بعض ما نعدهم أي: لقد نريك بعض ما نعدهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ ، فعلى هذا التأويل يريه بعض ما يعدهم، ولا يريه كل ما وعدهم.

وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئاً.

فإن قيل: حرف "إما" حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى الله، وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب؟!

قيل: جميع حروف الشك الذي أضيف إلى الله هو على اليقين والوجوب نحو حرف "عسى" و "لعل" ونحو ذلك، فعلى ذلك حرف "إما" [و]، "أو" فهو لم يزل عالما بما كان ويكون في أوقاته.

وأما حرف الاستفهام والشك يخرج على مخرج الإيجاب والإلزام على ما ذكرنا في حرف التشبيه، أو أن يكون رسول الله وعد لهم أن يريهم شيئاً، فقال عند ذلك: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  ﴾ لا نرينك شيئاً يقول: ليس إليك ما وعدتهم، إنما ذلك إلينا؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴾ : هذا يحتمل ثم الله شهيد لك يوم القيامة على ما فعلوا من التكذيب بالآيات وردها؛ وهو كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

ويحتمل أنه عالم بما يفعلون لا يغيب عنه شيء وهو وعيد؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  ﴾ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ أي: لكل أمة فيما خلا رسول الله بعث إليهم لست أنا أول رسول بعثت إليكم؛ كقوله  : ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ  ﴾ .

﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط؛ أي: يقضي بين الرسل وبين الأمم بالعدل بما كان من الرسل من تبليغ الرسالة إليهم والدعاء إلى دين الله، ومن الأمم من التكذيب للرسل والرد للآيات، قضي بينهم بالعدل وهم لا يظلمون لا يزاد على ما كان ولا ينقص.

ويحتمل قوله: ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يهلك المكذبون منهم وينجي الرسل ومن صدقهم، كقوله  : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [يونس: 103] ويجوز أن يقضي بين المعرضين وبين المجيبين والمطيعين يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : وذلك أنه لما أوعدهم العذاب حين قال: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قالوا: متى هذا العذاب الذي توعدنا هذا يا محمد إن كنت صادقاً بأن العذاب نازل بنا في الدنيا، وهو على التأويل الثاني الذي ذكرنا لقد نرينك بعض ما وعدناهم.

فقال: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ولا أملك أيضاً جرّ منفعة إليها يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك على أن أسوق إليها خيراً ألبتة، فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم إنما ذلك إلى الله هو المالك عليه والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه؛ وذلك كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ أي: إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تأخيره ولا يستقدمون، أي: لا يقدرون على تقديمه، ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه فيسألون ذلك، ولكن لا يؤخر إذا جاء ولا يقدم قبل أجله.

وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل انقضاء أجله، فهو رد على المعتزلة حيث قالوا: من قتل آخر فإنما قتله قبل أجله، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وهم يقولون: يستقدمون، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكل أمة من الأمم السابقة رسول أرسل إليهم، فإذا بلغهم ما أمر بتبليغه، وكذبوه حكم بينهم وبينه بالعدل، فنجاه الله بفضله، وأهلكهم بعدله، وهم لا يظلمون من جزاء أعمالهم شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.zjVwD"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل