الآية ٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥ من سورة يونس

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار ، وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو صغيرا ، ثم يتزايد نوره وجرمه ، حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر ، كما قال تعالى : ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 39 ، 40 ] .

وقال : ( والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة : ( وقدره ) أي : القمر ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام .

( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) أي : لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك ، وحجة بالغة ، كما قال تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) .

وقال تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] .

وقوله : ( نفصل الآيات ) أي : نبين الحجج والأدلة ( لقوم يعلمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ، (هو الذي جعل الشمس ضياء)، بالنهار ، (والقمر نورًا) بالليل.

ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمسَ وأنار القمر ، (وقدّره منازل) ، يقول: قضاه فسوّاه منازلَ ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها ، على حالٍ واحدةٍ أبدًا.

(30) * * * وقال: (وقدّره منازل) ، فوحّده، وقد ذكر " الشمس " و " القمر " ، فإن في ذلك وجهين: أحدهما : أن تكون " الهاء " في قوله: (وقدره) للقمر خاصة، لأن بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين ، لا بالشمس.

والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ، [سورة التوبة: 62] ، وكما قال الشاعر: (31) رَمَـانِي بِـأَمْرٍ كُـنْتُ مِنْـهُ وَوَالِـدِي بَرِيًّـا, وَمِـنْ جُـولِ الطَّـوِيِّ رَمَانِي (32) * * * وقوله: (لتعلموا عدد السنين والحساب)، يقول: وقدّر ذلك منازل ، (لتعلموا) ، أنتم أيها الناس ، ( عدد السنين)، دخول ما يدخل منها، أو انقضاءَ ما يستقبل منها ، وحسابها ، يقول: وحساب أوقات السنين ، وعدد أيامها، وحساب ساعات أيامها ، (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ)، يقول جل ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق.

يقول الحق تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحقٍّ وحدي، بغير عون ولا شريك ، (يفصل الآيات) يقول: يبين الحجج والأدلة (33) ، (لقوم يعلمون) ، إذا تدبروها، حقيقةَ وحدانية الله وصحةَ ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، من خلع الأنداد ، والبراءة من الأوثان.

--------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير " التقدير " فيما سلف 11 : 560 .

(31) هو ابن أحمر ، أو : الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي .

(32) معاني القرآن للفراء 1 : 458 ، اللسان ( جول ) ، وغيرهما .

وكانت بينه وبين رجل حكومة في بئر ، فقال خصمه : " إنه لص ابن لص " ، فقال هذا الشعر ، وبعده : دَعَـانِي لِصًّـا فِي لُصُوصٍ , ومَا دَعَا بِهَـا وَالِـدِي فِيمَـا مَضَـى رَجُـلاَن ورواية البيت على الصواب : " ومن أجل الطوى " ، و " الطوى " : البئر .

و " الجول " و " الجال " ناحية من نواحي البئر إلى أعلاها من أسفلها .

(33) انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف : 14 : 152 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

، وتفسير "الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمونقوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء مفعولان ، أي مضيئة ، ولم يؤنث لأنه مصدر ; أو ذات ضياءوالقمر نورا عطف ، أي منيرا ، أو ذا نور ، فالضياء ما يضيء الأشياء ، والنور ما يبين فيخفى ؛ لأنه من النار من أصل واحد .

والضياء جمع ضوء ; كالسياط والحياض جمع سوط وحوض .

وقرأ قنبل عن ابن كثير " ضئاء " بهمز الياء ولا وجه له ؛ لأن ياءه كانت واوا مفتوحة وهي عين الفعل ، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام .

قال المهدوي : ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب ، قدمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا ، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة .

وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال .

ويقال : إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السماوات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع .قوله تعالى وقدره منازل أي ذا منازل ، أو قدر له منازل .

ثم قيل : المعنى وقدرهما ، فوحد إيجازا واختصارا ; كما قال : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها .

وكما قال :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفوقيل : إن الإخبار عن القمر وحده ; إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها ، كما تقدم في " البقرة " .

وفي سورة يس : والقمر قدرناه منازل أي [ ص: 226 ] على عدد الشهر ، وهو ثمانية وعشرون منزلا .

ويومان للنقصان والمحاق ، وهناك يأتي بيانه .لتعلموا عدد السنين والحساب قال ابن عباس : لو جعل شمسين ، شمسا بالنهار وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل ، لم يعلم عدد السنين وحساب الشهور .

وواحد السنين سنة ، ومن العرب من يقول : سنوات في الجمع ومنهم من يقول : سنهات .

والتصغير سنية وسنيهة .قوله تعالى ما خلق الله ذلك إلا بالحق أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب ، وإظهارا لصنعته وحكمته ، ودلالة على قدرته وعلمه ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ; فهذا هو الحق .قوله تعالى يفصل الآيات لقوم يعلمون تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها على قدرته تعالى ، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب ; فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب يفصل بالياء ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لقوله من قبله : ما خلق الله ذلك إلا بالحق وبعده وما خلق الله في السماوات والأرض فيكون متبعا له .

وقرأ ابن السميقع " تفصل " بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول ، و " الآيات رفعا .

الباقون " نفصل " بالنون على التعظيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـلما قرر ربوبيته وإلهيته، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ و ‏{‏لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏}‏ فإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها، وكيفية استنباط الدليل على أقرب وجه، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، الناشئين عن الأدلة والبراهين، وعن العلم واليقين‏.‏ وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى، وعلمه، وحياته، وقيوميته، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن، دال على كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه‏.‏ وما فيها من أنواع المنافع والمصالح ـ كجعل الشمس ضياء، والقمر نورا، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل ـ يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة‏.‏ وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها‏.‏ وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الذي جعل الشمس ضياء ) بالنهار ، ( والقمر نورا ) بالليل .

وقيل : جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ( وقدره منازل ) أي : قدر له ، يعني : هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها ، ولم يقل : قدرهما .

قيل : تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما ، كما قال : " والله ورسوله أحق أن يرضوه " ( التوبة - 62 ) .

وقيل : هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن القمر يعرف به انقضاء الشهور والسنين ، لا بالشمس .

ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماؤها : الشرطين ، والبطين ، والثرياء ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنسر ، والطوف ، والجبهة ، والزبرة ، والصرفة ، والعواء ، والسماك ، والغفر ، والزباني ، والإكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعايم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، وفرع الدلو المقدم ، وفرع الدلو المؤخر ، وبطن الحوت .

وهذه المنازل مقسومة على البروج ، وهي اثنا عشر برجا : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت .

ولكل برج منزلان وثلث منزل ، فينزل القمر كل ليلة منزلا منها ، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين ، وإن كان تسعا وعشرين فليلة واحدة ، فيكون تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما ، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها .

قوله تعالى : ( لتعلموا عدد السنين ) أي : قدر المنازل " لتعلموا عدد السنين " دخولها وانقضاءها ، ( والحساب ) يعني : حساب الشهور والأيام والساعات .

( ما خلق الله ذلك ) رده إلى الخلق والتقدير ، ولو رده إلى الأعيان المذكورة لقال : تلك .

( إلا بالحق ) أي : لم يخلقه باطلا بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته .

( يفصل الآيات لقوم يعلمون ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ويعقوب : " يفصل " بالياء ، لقوله : " ما خلق " وقرأ الباقون : " نفصل " بالنون على التعظيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي جعل الشمس ضياءً» ذات ضياء، أي نور «والقمر نورا وقدره» من حيث سيره «منازل» ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما «لتعلموا» بذلك «عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك» المذكور «إلا بالحق» لا عبثا تعالى عن ذلك «يفصل» بالياء والنون يبين «الآيات لقوم يعلمون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله هو الذي جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورًا، وقدَّر القمر منازل، فبالشمس تعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، ما خلق الله تعالى الشمس والقمر إلا لحكمة عظيمة، ودلالة على كمال قدرة الله وعلمه، يبيِّن الحجج والأدلة لقوم يعلمون الحكمة في إبداع الخلق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السموات والأرض ، أتبع ذلك بذكر مظاهر أخرى لقدرته ، تتمثل فى خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال - تعالى - :( هُوَ الذي جَعَلَ الشمس .

.

.

) .ففى هاتين الآيتين - كما يقول الآلوسى - تنبيه على الاستدلال على وجوده - تعالى - ووجدته وعلمه وقدرته وحكمته .

بآثار صنيعه فى النير بعد التنبيه على الاستدلال بما مر وبيان لبعض أفراد التدبير الذى أشير إليه إشارة إجمالية ، وإرشاد إلى أنه - سبحانه - حين دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير البديع .

فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب أولى وأحرى .وقوله ( جعل ) يجوز أن يكون بمعنى أنشأ وأبدع ، فيكون لفظ ( ضياء ) حال من المفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى صير فيكون اللفظ المذكور مفعولا ثانيا .وقوله ( ضياء ) جمع ضوء كسوط وسياط ، وحياض ، وقيل هو مصدر ضاء يضوء ضياء كقام يقوم قياما ، وصام يصوم صياما ، وعلى كلا الوجهين فالكلام على حذف مضاف .والمعنى : الله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم الشمس ذات ضياء ، وجعل لكم القمر ذا نور ، لكي تنتفعوا بهما فى مختلف شئونكم .قال الجمل : " وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأكمل من النور ، وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار ، فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر " .هذا دليل ، ومما يدل على التفرقة بين الشمس والقمر فى نورهما قوله - تعالى - : ( وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ) وقوله - سبحانه - : ( تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فى السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ) وقوله : ( وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ) معطوف على ما قبله .والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة فى الزمان أو المكان أو غيرهما قال - تعالى - : ( والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ) المنازل : جمع منزل ، وهى أماكن النزول ، وهى - كما يقول بعضهم - ثمانية وعشرون منزلا ، وتنقسم إلى اثني عشر برجا وهى : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، لكل برج منها منزلان وثلث منزل ، وينزل القمر فى كل ليلة منزلا منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين .ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما ، ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما .والضمير فى قوله : ( قدرناه ) يعود إلى القمر ، كما فى قوله - تعالى - : ( والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم ) أي : والله - تعالى - هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ، وقدر للقمر منازل ينزل فيها فى كل ليلة على هيئة خاصة ، وطريقة بديعة تدل على قدرة الله وحكمته .قالوا : وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده ، لسرعة سيره بالنسبة إلى الشمس : ولأن منازله معلومة محسوسة ، ولأنه العمدة فى تواريخ العرب ، ولأن أحكام الشرع منوطة به فى الأغلب .وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معا ، أى : وقدر لهما منازل ، أو قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانها فى السير ، ولا يتعدى أحدهما على الآخر كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وإنما وحد الضمير للإيجاز كما فى قوله - تعالى - : ( والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) وقوله : ( وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ) بيان للحكمة من الخلق والتقدير .أي : جعل - سبحانه - الشمس ضياء ، والقمر نورا ، وقدره منازل ، لتعلموا عدد السنين التى يفيدكم علمها فى مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله - تعالى - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء ، وجعل شعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع فى النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى .

فبالشمس تعرف الأيام ، ويسير القمر تعرف الشهور والأعوام .واسم الإِشارة فى قوله ( مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ) يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل .أي : ما خلق الله ذلك الذى ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق ، ومقترنا بالحكمة البالغة التى تقتضيها مصالحكم .وقوله : ( يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) استئناف مسوق لبيان المنتفعين بهذه الدلائل الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده .أى : يفصل - سبحانه - ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ، فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الإلهية.

واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق السموات والأرض، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر، وهذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر، بناء على أنه لابد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة، وإيصال العقاب إلى أهل الكفر، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة، وإعداد مهمات الشتاء والصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور.

فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا.

فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية، كان ذلك أولى.

فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد.

المسألة الثانية: الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال: الأجسام في ذواتها متماثلة، وفي ماهياتها متساوية، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية، فلو خالف بعضها بعضاً لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة، وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفاً بها أو لا صفة لها ولا موصوفاً بها والكل باطل.

أما القسم الأول: فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات، فتكون الذوات في أنفسها، مع قطع النظر عن تلك الصفات، متساوية في تمام الماهية، وإذا كان الأمر كذلك، فكل ما يصح على جسم، وجب أن يصح على كل جسم، وذلك هو المطلوب.

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضاً، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار.

فنقول: هذا أيضاً باطل.

لأن ذلك الموصوف، إما أن يكون حجماً ومتحيزاً أو لا يكون، والأول باطل، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر، ويستمر ذلك إلى غير النهاية.

وأيضاً فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلاً للحال، ولم يكن كون أحدهما محلاً والآخر حالاً، أولى من العكس، فيلزم كون كل واحد منهما محلاً للآخر وحالاً فيه، وذلك محال، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز، وله حجم.

فنقول: مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز، وحاصل في الجهة، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة، يمتنع أن يكون حالاً في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة.

وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: ما به خالف جسم جسماً، لا حال في الجسم ولا محل له، فهذا أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئاً مبايناً عن الجسم لا تعلق له به، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية، وذلك هو المطلوب، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية.

وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضاً، وبالعكس.

وإذا كان كذلك، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد.

وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ وهو المطلوب.

المسألة الثالثة: قال أبو علي الفارسي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياماً، وصام صياماً، وعلى أي الوجهين حملته، فالمضاف محذوف، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود.

المسألة الرابعة: قال الواحدي: روي عن ابن كثير من طريق قنبل ﴿ ضئاء ﴾ بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام وصيام، فلا وجه للهمزة فيها.

ثم قال: وعلى البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين، وأخر العين التي هي واو، إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفاً بعد ألف زائدة انقلبت همزة، كما انقلبت في سقاء وبابه.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس، وهو أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس، فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس، فهو من مواقف العقول.

واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض؟

والحق أنه عرض، وهو كيفية مخصوصة، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة، فهي مباحث عميقة، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات.

وإذا عرفت هذا فنقول: النور اسم لأصل هذه الكيفية، وأما الضوء، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس ﴿ الشمس ضِيَاء ﴾ والكيفية القائمة بالقمر ﴿ نُوراً ﴾ ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر، وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً  ﴾ وفي آية أخرى ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً  ﴾ المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ نظيره.

قوله تعالى في سورة يس: ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ  ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل.

والثاني: أن يكون المعنى وقدره ذا منازل.

المسألة السابعة: الضمير في قوله: ﴿ وَقَدَّرَهُ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه لهما، وإنما وحد الضمير للإيجاز، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  ﴾ والثاني: أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده، لأن بسير القمر تعرف الشهور، وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله  ﴾ .

المسألة الثامنة: اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل.

وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم.

وبحركة القمر تحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم.

وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، فالنهار يكون زماناً للتكسب والطلب، والليل يكون زماناً للراحة، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية.

ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين، وحيزه المعين، وصفته المعينة، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر.

وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله: ﴿ مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ﴾ ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة، ونظيره قوله تعالى في آل عمران: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك  ﴾ وقال في سورة آخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنه تعالى لو كان مريداً لكل ظلم، وخالقاً لكل قبيح، ومريداً لإضلال من ضل، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق.

المسألة الثانية: قال حكماء الإسلام: هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي.

إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم، لكان خلقها عبثاً وباطلاً وغير مفيد، وهذه النصوص تنافي ذلك، والله أعلم.

ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة، واحداً عقيب الآخر، فصلاً فصلاً مع الشرع والبيان.

وفي قوله: ﴿ نُفَصّلُ ﴾ قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ يُفَصّلُ ﴾ بالياء، وقرأ الباقون بالنون.

ثم قال: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد منه العقل الذي يعم الكل.

والثاني: أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته وآثار إحسانه، وحجة القول الأول: عموم اللفظ، وحجة القول الثاني: أنه لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل، فجاء كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ مع أنه عليه السلام كان منذراً للكل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الياء في ﴿ ضِيَاء ﴾ منقلبة عن واو ضوء لكسرة ما قبلها.

وقرئ: ﴿ ضئاء ﴾ بهمزتين بينهما ألف على القلب، بتقديم اللام على العين، كما قيل في عاق: عقا.

والضياء أقوى من النور ﴿ وَقَدَّرَهُ ﴾ وقدّر القمر.

والمعنى وقدّر مسيره ﴿ مَنَازِلَ ﴾ أو قدّره ذا منازل، كقوله تعالى: ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ ﴾ [يس: 39] .

﴿ والحساب ﴾ وحساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور أي ما خلقه إلاّ ملتبساً بالحق الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثاً.

وقرئ: ﴿ يفصل ﴾ ، بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ أيْ ذاتَ ضِياءٍ وهو مَصْدَرٌ كَقِيامٍ أوْ جَمْعُ ضَوْءٍ كَسِياطٍ وسَوْطٍ والياءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلَ هُنا وفي « الأنْبِياءِ» وفي « القَصَصِ»: « ضِئاءَ» بِهَمْزَتَيْنِ عَلى القَلْبِ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ.

﴿ والقَمَرَ نُورًا ﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ سُمِّيَ نُورًا لِلْمُبالَغَةِ وهو أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ كَما عَرَفْتَ، وقِيلَ ما بِالذّاتِ ضَوْءٌ وما بِالعَرَضِ نُورٌ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ نَيِّرَةً في ذاتِها والقَمَرَ نَيِّرًا بِعَرَضِ مُقابَلَةِ الشَّمْسِ والِاكْتِسابِ مِنها.

﴿ وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ واحِدٍ أيْ قَدَّرَ مَسِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ أوْ لِلْقَمَرِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ومُعايَنَةِ مَنازِلِهِ وإناطَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ بِهِ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ﴾ حِسابَ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ في مُعامَلاتِكم وتَصَرُّفاتِكم.

﴿ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ.

﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّأمُّلِ فِيها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ وحَفْصٌ (يُفَصِّلُ) بِالياءِ.

﴿ إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِن أنْواعِ الكائِناتِ.

﴿ لآياتٍ ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.

﴿ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ العَواقِبَ فَإنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء} الياء فيه منقلبة عن واو ضوء لكسرة ما قبلها وقلبها قتيل همزة لأنها للحركة أجمل {والقمر نُوراً} والضياء أقوى من النور فلذا جعله للشمس {وَقَدَّرَهُ} وقدر القمر أي وقدر مسيره {مَنَازِلَ} أو وقدره ذا منازل كقوله {والقمر قدرناه منازل} {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين} أي عدد السنين والشهور فاكتفى بالسنين لاشتمالها على الشهور {والحساب} وحساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور {مَا خَلَقَ الله ذلك} المذكور {إِلاّ} ملتبساً {بالحق} الذي هو

يونس (٥ _ ١٠)

الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثاً {يُفَصّلُ الآيات} مكي وبصري وحفص وبالنون غيرهم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فينتفعون بالتأمل فيها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ بِآثارِ صَنِيعِهِ في النَّيِّرَيْنِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ وبَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ التَّدْبِيرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ دَبَّرَ أُمُورَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعاشِهِمْ هَذا التَّدَبُّرَ البَدِيعَ فَلَأنْ يُدَبِّرَ مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعادِهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ أوْلى وأحْرى، أوْ جَعَلَ إمّا بِمَعْنى أنْشَأ وأبْدَعَ فَضِياءً حالٌ مِن مَفْعُولِهِ وإمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، والكَلامُ عَلى حَدِّ - ضِيقِ فَمِ القِرْبَةِ - إذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وهي عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِن شِمْسَةِ القِلادَةِ لِلْخَرَزَةِ الكَبِيرَةِ وسَطُها وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أعْظَمُ الكَواكِبِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ ويَشْهَدُ لَهُ الحِسُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومِنهم مَن قالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها في الفَلَكِ الأوْسَطِ بَيْنَ أفْلاكِ العُلْوِيَّةِ وبَيْنَ أفْلاكِ الثَّلاثَةِ الأُخَرِ وهو أمْرٌ ظَنِّيٌّ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والضِّياءُ مَصْدَرٌ كَقِيامٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: كَوْنُهُ جَمْعًا كَحَوْضٍ وحِياضٍ وسَوْطٍ وسِياطٍ أقْيَسُ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفْرادَ النُّورِ فِيما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وأصْلُ الكَلامِ جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُضِيئَةً وأنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ مُضافٍ فَيُفِيدَ المُبالَغَةَ بِجَعْلِها نَفْسَ الضِّياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِئاءً بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ والوَجْهُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ آخِرَ الياءِ وقَدَّمَ الهَمْزَةَ فَلَمّا وقَعَتِ الياءُ طَرَفًا بَعْدَ ألْفِ زائِدَةٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً عِنْدَ قَوْمٍ وعِنْدَ آخَرِينَ قُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ قُلِبَتِ الألِفُ هَمْزَةً لِئَلّا يَجْتَمِعَ ألِفانِ ﴿ والقَمَرَ نُورًا ﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ مُنِيرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ آنِفًا والنُّورُ قِيلَ: أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ ما قَوِيَ مِنَ النُّورِ والنُّورُ شامِلٌ لِلْقَوِيِّ والضَّعِيفِ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَشْبِيهُ هُداهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِلنّاسِ بِالنُّورِ المَوْجُودِ في اللَّيْلِ أثْناءَ الظَّلامِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ كالنُّورِ في الظَّلامِ فَيُهْدى قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ ظَلامٌ لَمْ يَضِلَّ أحَدٌ وهو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ وفِيهِ نَظَرٌ وقِيلَ: هُما مُتَبايِنانِ فَما كانَ بِالذّاتِ فَهو ضِياءٌ وما كانَ بِالعَرَضِ فَهو نُورٌ ولِكَوْنِ الشَّمْسِ نَيِّرَةً بِنَفْسِها نُسِبَ إلَيْها الضِّياءُ ولِكَوْنِ نُورِ القَمَرِ مُسْتَفادًا مِنها نَسَبَ إلَيْهِ النُّورَ وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الحُكَماءِ ولَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ فَإنَّهُ شاعَ نُورُ الشَّمْسِ ونُورُ النّارِ ونَحْنُ قَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وفي كِتابِنا الطِّرازِ المُذَهَّبِ وأتَيْنا فِيهِ هُدًى لِلنّاظِرِينَ بَقِيَ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِفادَةِ المَذْكُورَةِ سَواءٌ كانَتْ عَلى سَبِيلِ الِانْعِكاسِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِيرَ جَوْهَرُ القَمَرِ مُسْتَنِيرًا كَما في المِرْآةِ أوْ بِأنْ يَسْتَنِيرَ جَوْهَرُهُ عَلى ما هو الأشْبَهُ عِنْدَ الإمامِ قَدْ ذَكَرَها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ حَتّى القاضِي في تَفْسِيرِهِ وهو مِمّا لَمْ يَجِئْ مِن حَدِيثِ مَن عَرَجَ إلى السَّماءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنَّما جاءَ عَنِ الفَلاسِفَةِ وقَدْ زَعَمُوا أنَّ الأفْلاكَ الكُلِّيَّةَ تِسْعَةٌ أعْلاها فَلَكُ الأفْلاكِ ثُمَّ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ فَلَكُ كِيوانَ ثُمَّ فَلَكُ بَرْجِيسَ ثُمَّ فَلَكُ بَهْرامَ ثُمَّ فَلَكُ الشَّمْسِ ثُمَّ فَلَكُ الزُّهْرَةِ ثُمَّ فَلَكُ الكاتِبِ ثُمَّ فَلَكُ القَمَرِ وزَعَمَ صاحِبُ التُّحْفَةِ أنَّ فَلَكَ الشَّمْسِ تَحْتَ فَلَكِ الزُّهْرَةِ وما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ هو الأوَّلُ واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنهم عَلى هَذا التَّرْتِيبِ بِما يَبْقِي مَعَهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ الشَّمْسِ وبَيْنَ الزُّهْرَةِ والكاتِبِ كالكَسْفِ والِانْكِسافِ واخْتِلافُ المَنظَرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِذاتِ الشُّعْبَتَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ لا يُتَصَوَّرُ هُناكَ لِأنَّ الزُّهْرَةَ والكاتِبَ يَحْتَرِقانِ عِنْدَ الِاقْتِرانِ في مُعْظَمِ المَعْمُورَةِ والَثّانِي أيْضًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لِتِلْكَ الآلَةِ لِأنَّها تُنْصَبُ في سَطْحِ نِصْفِ النَّهارِ وهَذانِ الكَوْكَبانِ لا يَظْهَرانِ هُناكَ لِكَوْنِهِما حَوالَيِ الشَّمْسِ بِأقَلَّ مِن بُرْجَيْنِ فَإذا بَلَغا نِصْفَ النَّهارِ كانَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ الأرْضِ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً فَلا يَرَيانِ أصْلًا وجَعَلَ الشَّمْسَ في الفَلَكِ الأوْسَطِ لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ كَأنَّها شِمْسَةُ القِلادَةِ أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ المَلِكِ في العالَمِ فَكَما يَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أنْ يَكُونَ في وسَطِ العَسْكَرِ يَنْبَغِي لَها أنْ تَكُونَ في وسَطِ كُراتِ العالَمِ أمْرٌ إقْناعِيٌّ بَلْ هو مِن قَبِيلِ التَّمَسُّكِ بِجِبالِ القَمَرِ ومِثْلُ ذَلِكَ تَمَسُّكُهم في عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ الأفْلاكِ بِأنَّهُ لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ثَخَنُ الفَلَكِ الأعْظَمِ أقَلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْأجْسامِ مِنَ الثَّخانَةِ إذْ لا كَوْكَبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ ثَخَنُهُ مُساوِيًا لِقُطْرِهِ فالزّائِدُ عَلى أقَلِّ ما يُمْكِنُ فَضْلٌ وقَدْ بَيَّنَ في رِسالَةِ الأبْعادِ والأجْرامِ أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في الثَّخَنِ وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الثَّوابِتِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ الأفْلاكُ مُتَوافِقَةً في حَرَكاتِها جِهَةً وقُطْبًا ومِنطَقَةً وسُرْعَةً بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَخالُفِ بَعْضِها لَمْ يَكُنْ هُناكَ دَلِيلٌ يَنْفِيهِ لَأنَّ المَرْصُودَ مِنها أقَلُّ قَلِيلٍ.

فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما لَمْ يُرْصَدْ مُتَخالِفًا عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما اسْتُدِلَّ ومَن عَلِمَ أنَّ أرْبابَ الأرْصادِ مُنْذُ زَمانٍ يَسِيرٍ وجَدُوا كَوْكَبًا سَيّارًا أبْطَأ سَيْرًا مِن زُحَلَ وسَمَّوْهُ هِرَشْلًا وقَدْ رَصَدَهُ لالِنْتُ فَوَجَدَهُ يَقْطَعُ البُرْجَ في سِتِّ سِنِينَ شَمْسِيَّةٍ وأحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وسَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وهو يَوْمُ تَحْرِيرِنا هَذا المَبْحَثَ وهو اليَوْمُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ مِن جُمادى الآخِرَةِ سَنَةَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ والسِّتِّ والخَمْسِينَ حَيْثُ الشَّمْسُ في السُّنْبُلَةِ قَدْ قُطِعَ مِنَ الحُوتِ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ وثَلاثَ عَشْرَةَ دَقِيقَةً راجِعًا لا يَبْقى لَهُ اعْتِمادٌ عَلى ما قالَهُ المُتَقَدِّمُونَ ويَجُوزُ أمْثالُ ما ظَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرُونَ وأيْضًا مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ ثَمانِيَةً لا مَكانَ كَوْنَ جَمِيعِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبٍ مُمَثِّلِ زُحَلَ أيْ في مُتَمِّمِهِ الحاوِي عَلى أنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ والفَلَكَ الثّامِنَ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ دائِرَةُ البُرُوجِ المارَّةُ بِأوائِلِ البُرُوجِ مُنْتَقِلَةً بِحَرَكَةِ الثّامِنِ غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ بِحَرَكَةِ المُمَثِّلِ لِيَحْصُلَ انْتِقالُ الثَّوابِتِ بِحَرَكَةِ المُمَثِّلِ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ كَما هو الواقِعُ وقَدْ صَرَّحَ البَرْجَنْدِيُّ أنَّ القُدَماءَ لَمْ يُثْبِتُوا الفَلَكَ الأعْظَمَ وإنَّما أثْبَتَهُ المُتَأخِّرُونَ وأيْضًا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبْعَةً بِأنْ يُفْرَضَ الثَّوابِتُ ودائِرَةُ البُرُوجِ عَلى مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ ويَكُونَ هُناكَ نَفْسانِ تَتَّصِلُ إحْداهُما بِمَجْمُوعِ السَّبْعَةِ وتُحَرِّكُها إحْدى الحَرَكَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والأُخْرى بِالكُرَةِ السّابِعَةِ وتُحَرِّكُها الأُخْرى ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تُفْرَضَ دَوائِرُ البُرُوجِ مُتَحَرِّكَةً بِالسَّرِيعَةِ دُونَ البَطِيئَةِ كَتَحَرُّكِها مُتَوَهِّمَةً عَلى سُطُوحِ المُمَثِّلاتِ بِالسَّرِيعَةِ دُونَ البَطِيئَةِ لِيَنْقُلَ الثَّوابِتَ بِالبَطِيئَةِ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ كَما هو الواقِعُ ونَحْنُ مِن وراءِ المَنعِ فِيما يَرُدُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ وأيْضًا ذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثَّوابِتُ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ فَتَكُونُ تَحْتَ كُراتِ السَّيّارَةِ لا فَوْقُها وما يُقالُ: مِن أنّا نَرى أنَّ هَذِهِ السَّيّارَةَ تَكْسِفُ الثَّوابِتَ والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ لا مَحالَةَ مَدْفُوعٌ بِأنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ إنَّما تَكْسِفُ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ مِنَ المِنطَقَةِ دُونَ القَرِيبَةِ مِنَ القُطْبَيْنِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ المِنطَقَةِ مَرْكُوزَةٌ في الفُلْكِ الثّامِنِ والقَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ مَرْكَوَزَةٌ في كُرَةٍ أُخْرى تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ عَلى أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في جِسْمٍ آخَرَ ودُونَ إثْباتِ الِامْتِناعِ خَرْطَ القَتادِ وذَكَرُوا في اسْتِفادَةِ نُورِ القَمَرِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ أنَّهُ مِنَ الحَدَسِيّاتِ لِاخْتِلافِ أشْكالِهِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ وبُعْدِهِ مِنها وذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ الهَيْثَمِ لا يُفِيدُ الجَزْمَ بِالِاسْتِفادَةِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ القَمَرُ كُرَةٌ نِصْفُها مُضِيءٌ ونِصْفُها مُظْلِمٌ ويَتَحَرَّكُ عَلى نَفْسِهِ فَيَرى هِلالًا ثُمَّ بَدْرًا ثُمَّ يَنْمَحِقُ وهَكَذا دائِمًا ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلى اخْتِلافِ الأشْكالِ حَسَبَ القُرْبِ والبُعْدِ لِيَدُلَّ عَلى المُدَّعِي وهو حُصُولُ الخُسُوفِ عِنْدَ تَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَصاحِبِ حِكْمَةِ العَيْنِ وصاحِبِ المَواقِفِ نَقَلُوا ما نَقَلُوا عَنِ ابْنِ الهَيْثَمِ ولَمْ يَقِفُوا عَلى مَقْصُودِهِ مِنهُ فَقالُوا: إنَّهُ ضَعِيفٌ وإلّا لَما انْخَسَفَ القَمَرُ في شَيْءٍ مِنَ الِاسْتِقْبالاتِ أصْلًا وذَلِكَ كَما قالَ العامِلِيُّ عَجِيبٌ مِنهم وأنْتَ تَعْلَمُ أنْ لا جَزْمَ أيْضًا وأنَّ ضَمَّ ما ضُمَّ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سَبَبٌ آخَرُ لِاخْتِلافِ تِلْكَ الأشْكالِ النُّورِيَّةِ لَكُنّا لا نَعْلَمُهُ كَأنْ يَكُونَ كَوْكَبٌ كَمَدٌ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ يَنْخَسِفُ بِهِ في بَعْضِ اسْتِقْبالاتِهِ وإنْ طُعِنَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ لَرُئِيَ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ والخُسُوفُ مِن آثارِ إرادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ مِن دُونِ تَوَسُّطِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنَ الشَّمْسِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَها وبَيْنَهُ بَلْ لَيْسَ هُناكَ إلّا تَوَسُّطُ الكافِ والنُّونِ وهو كافٍ عِنْدَ مَن سَلِمَتْ عَيْنُهُ مِنَ الغَيْنِ ولِلْمُتَشَرِّعِينَ مِنَ المُحْدَثِينَ وكَذا لِساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم كَلِماتٌ شَهِيرَةٌ في هَذا الشَّأْنِ ولَعَلَّكَ قَدْ وقَفْتَ عَلَيْها وإلّا فَسَتَقِفُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقَدِ اسْتَنَدُوا فِيما يَقُولُونَ إلى أخْبارٍ نَبَوِيَّةٍ وأرْصادٍ قَلْبِيَّةٍ وغالِبُ الأخْبارِ في ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ وما بَلَغَ مِنها آحادٌ ومَعَ هَذا قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِما لا يُنافِي مَذْهَبَ الفَلاسِفَةِ والحَقُّ أنَّهُ لا جَزْمَ بِما يَقُولُونَهُ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وما يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ وأنَّ القَوْلَ بِهِ مِمّا لا يَضُرُّ بِالدِّينِ إلّا إذا صادَمَ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (هَذا) وسُمِّيَ القَمَرُ قَمَرًا لِبَياضِهِ كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ واعْتَبَرَ هو وغَيْرُهُ كَوْنَهُ قَمَرًا بَعْدَ ثَلاثٍ ﴿ وقَدَّرَهُ ﴾ أيْ قَدَّرَ لَهُ وهَيَّأ ﴿ مَنازِلَ ﴾ أوْ قَدَّرَ مَسِيرَهُ في مَنازِلَ فَمَنازِلُ عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ بِهِ وعَلى الثّانِي نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدَّرَ بِمَعْنى جَعَلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ و(مَنازِلَ) حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ جَعَلَهُ وخَلَقَهُ مُتَنَقِّلًا وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى جَعَلَ المُتَعَدِّيَ لِاثْنَيْنِ أيْ صَيَّرَهُ ذا مَنازِلَ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ لِلْقَمَرِ وتَخْصِيصُهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ ولِأنَّ مَنازِلَهُ مَعْلُومَةٌ مَحْسُوسَةٌ ولِكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ ولِأنَّ أحْكامَ الشَّرْعِ مَنُوطَةٌ بِهِ في الأكْثَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ ولِلشَّمْسِ بِتَأْوِيلِ كُلٍّ مِنهُما والمَنازِلُ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وهي الشَّرَطانُ والبُطَيْنُ والثُّرَيّا والدَّبَرانُ والهُقَعَةُ والهُنَعَةُ والذِّراعُ والنُّثَرَةُ والطَّرَفُ والجَبْهَةُ والزُّبَرَةُ والصُّرَفَةُ والعُواءُ والسِّماكُ الأعْزَلُ والعُفَرَةُ والزَّبانى والإكْلِيلُ والقَلْبُ والشُّوَلَةُ والنَّعائِمُ والبَلْدَةُ وسَعْدُ الذّابِحِ وسَعْدُ بَلْعَ وسَعْدُ السُّعُودِ وسَعْدُ الأخْبِيَةِ وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ والفَرْغُ المُؤَخَّرُ وبَطْنُ الحُوتِ وهي مُقَسَّمَةٌ عَلى البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ المَشْهُورَةِ فَيَكُونُ لِكُلِّ بُرْجٍ مَنزِلانِ وثُلُثٌ والبُرْجُ عِنْدَهم ثَلاثُونَ دَرَجَةً حاصِلَةً مِن قِسْمَةِ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ أجْزاءَ دائِرَةِ البُرُوجِ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ والدَّرَجَةُ عِنْدَهم مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ دَقِيقَةً وهي مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ ثانِيَةً وهي مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ ثالِثَةً وهَكَذا إلى الرَّوابِعِ والخَوامِسِ والسَّوادِسِ وغَيْرِها ويَقْطَعُ القَمَرُ بِحَرَكَتِهِ الخاصَّةِ في كُلِّ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً وثَلاثَ دَقائِقَ وثَلاثًا وخَمْسِينَ ثانِيَةً وسِتًّا وخَمْسِينَ ثالِثَةً وتَسْمِيَةُ ما ذَكَرْنا مَنازِلَ مَجازٌ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَواكِبَ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الثَّوابِتِ قَرِيبَةٌ مِنَ المِنطَقَةِ والمَنزِلَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْقَمَرِ الفَراغُ الَّذِي يَشْغَلُهُ جِرْمُ القَمَرِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ في المَكانِ فَمَعْنى نُزُولِ القَمَرِ في هاتِيكَ المَنازِلِ مُسامَتَتُهُ إيّاها وكَذا تُعْتَبَرُ المُسامَتَةُ في نُزُولِهِ في البُرُوجِ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ أوَّلًا في الفَلَكِ الأعْظَمِ وأمّا تَسْمِيَةُ نَحْوِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزَةِ بِذَلِكَ فَبِاعْتِبارِ المُسامَتَةِ أيْضًا وكانَ أوَّلُ المَنازِلِ الشَّرَطِينَ ويُقالُ لَهُ النَّطْحُ وهو لِأوَّلِ الحَمَلِ ثُمَّ تَحَرَّكَتْ حَتّى صارَ أوَّلُها عَلى ما حَرَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ الفَرْغَ المُؤَخَّرَ ولا يَثْبُتُ عَلى ذَلِكَ لِلثَّوابِتِ حَرَكَةً عَلى التَّوالِي عَلى الصَّحِيحِ وإنْ كانَتْ بَطِيئَةً وهي حَرَكَةُ فَلَكِها ومُثْبِتُو ذَلِكَ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِها جُزْأً واحِدًا مِن دَرَجاتِ مِنطَقَتِهِ فَقِيلَ هي سِتٌّ وسِتُّونَ سَنَةً شَمْسِيَّةً أوْ ثَمانٍ وسِتُّونَ سَنَةً قَمَرِيَّةً وذَهَبَ ابْنُ الأعْلَمِ إلى أنَّها سَبْعُونَ سَنَةً شَمْسِيَّةً وطابَقَهُ الرَّصْدُ الجَدِيدُ الَّذِي تَوَلّاهُ نُصَيْرٌ الطُّوسِيُّ بِمَراغَةَ وزَعَمَ مُحْيِي الدِّينِ أحَدُ أصْحابِهِ أنَّهُ تَوَلّى رَصْدَ عِدَّةٍ مِنَ الثَّوابِتِ كَعَيْنِ الثَّوْرِ وقَلْبِ العَقْرَبِ بِذَلِكَ الرَّصْدِ فَوَجَدَها تَتَحَرَّكُ في كُلِّ سِتٍّ وسِتِّينَ سَنَةً شَمْسِيَّةً دَرَجَةً واحِدَةً وادَّعى بَطْلَيْمُوسُ أنَّهُ وجَدَ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ إلى المِنطَقَةِ مُتَحَرِّكَةً في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ دَرَجَةً واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأحْوالِ وهو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ حَسْبَما يَشاءُ ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ والحِسابَ ﴾ أيْ ولِتَعْلَمُوا الحِسابَ بِالأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ واللّامُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن أمالِيِّ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَدَّرَ واسْتَشْكَلَ هو ذَلِكَ بِأنَّ عِلْمَ العَدَدِ والحِسابِ لا يَفْتَقِرُ لِكَوْنِ القَمَرِ مُقَدَّرًا بِالمَنازِلِ بَلْ طُلُوعُهُ وغُرُوبُهُ كافٍ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ صَلاحُ الثِّمارِ بِوُقُوعِ شُعاعِ القَمَرِ عَلَيْها وُقُوعًا تَدْرِيجِيًّا وكَوْنُهُ أدَلَّ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ كَثْرَةُ اخْتِلافِ أحْوالِ المُمْكِنِ وزِيادَةِ تَفاوُتِ أوْصافِهِ أدْعى إلى احْتِياجِهِ إلى صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبٍ بِالذّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ وأجابَ مَوْلانا سَرِيِّ الدِّينِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الحِسابِ حِسابُ الأوْقاتِ بِمَعْرِفَةِ الماضِي مِنَ الشَّهْرِ والباقِي مِنهُ وكَذا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ قالَ: وهَذا إذا عُلِّقَتِ اللّامُ بِقَدَّرَهُ مَنازِلَ فَإنَّ عَلَّقْتَهُ بِجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَمْ يَرِدِ السُّؤالُ ولَعَلَّ الأُولى عَلى هَذا أنْ يُحْمَلَ ﴿ السِّنِينَ ﴾ عَلى ما يَعُمُّ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةَ والقَمَرِيَّةَ وإنْ كانَ المُعْتَبَرُ في التّارِيخِ العَرَبِيِّ الإسْلامِيِّ السَّنَةَ القَمَرِيَّةَ والتَّفاوُتَ بَيْنَ السَّنَتَيْنِ عَشَرَةَ أيّامٍ وإحْدى عَشْرَةَ ساعَةً ودَقِيقَةً واحِدَةً فَإنَّ السَّنَةَ الأُولى عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا وخَمْسَ ساعاتٍ وتِسْعٍ وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى الرَّصْدِ الأبْلَخانِيِّ والسَّنَةُ الثّانِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا وثَمانِي ساعاتٍ وثَمانٍ وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً، ويَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنهُما إلى بَسِيطَةٍ وكَبِيسَةٍ وبَيانُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وتَخْصِيصُ العَدَدِ بِالسِّنِينَ والحِسابَ بِالأوْقاتِ لِما أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ مَعْنى مُغايِرٌ لِمَراتِبِ الأعْدادِ كَما اعْتُبِرَ في الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ وتَحْقِيقُهُ أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ انْفِصالِيَّةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها عَدَدٌ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ كالسَّنَةِ المُتَحَصِّلَةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مِن أيّامٍ مَعْلُومَةٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِنها مِن ساعاتٍ كَذَلِكَ والعَدُّ مُجَرَّدُ إحْصائِهِ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنْ يَتَحَصَّلَ بِذَلِكَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ولَمّا لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ تَحْصِيلُ حَدٍّ مُعَيَّنٍ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ غَيْرُ أسامِيِّ مَراتِبِ الأعْدادِ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ وتَحَصُّلُ مَراتِبُ الأعْدادِ مِنَ العَشَراتِ والمِئاتِ والأُلُوفِ اعْتِبارِيٌّ لا يُجْدِي في تَحْصِيلِ المَعْدُودِ نَفْعًا وحَيْثُ اعْتُبِرَ في الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ تَحْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي لَها أسامٍ خاصَّةٌ وأحْكامٌ مُسْتَقِلَّةٌ عُلِّقَ بِها الحِسابُ المُنْبِئَ عَنْ ذَلِكَ والسَّنَةُ مِن حَيْثُ تَحَقَّقِها في نَفْسِها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِسابُ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةً مِنها وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ لَيْسَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ أعْنِي حَيْثِيَّةَ تَحَصُّلِها مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ قَدْ حَصَلَ كُلٌّ مِنها مِن عِدَّةِ ساعاتٍ فَإنَّ ذَلِكَ وظِيفَةُ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المَعْدُودَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَها شَيْءٌ غَيْرَ ذَلِكَ وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِما وُجُودًا وعِلْمًا عَلى العَكْسِ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ لَهُ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا وإنْ لَمْ تَتَّحِدِ الجِهَةُ أوْ لِأنَّ العَدَدَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَحْصِيلُ أمْرٍ آخَرَ حَسْبَما حَقَّقَ آنِفًا نازِلٌ مِنَ الحِسابِ الَّذِي اعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ﴿ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما حَكى سُبْحانَهُ مِنَ الأحْوالِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ ما خَلَقَ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا فِيهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ أوْ مُراعًى فِيهِ ذَلِكَ فالمُرادُ بِالحَقِّ هُنا خِلافُ الباطِلِ والعَبَثِ ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَذْكُورَةَ أوِ الأعَمَّ مِنها ويَدْخُلُ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ نُفَصِّلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ المُنَبِّهَةَ عَلى ذَلِكَ وقُرِئَ (نُفَصِّلُ) بِنُونِ العَظَمَةِ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5﴾ الحِكْمَةَ في إبْداعِ الكائِناتِ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى شُؤُونِ مُبْدِعِها جَلَّ وعَلا أوْ يَعْلَمُونَ ما في تَضاعِيفِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ فَيُؤْمِنُونَ بِها وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، والمُرادُ لِقَوْمٍ عُقَلاءَ مِن ذَوِي العِلْمِ فَيَعُمُّ مَن ذَكَرْنا وغَيْرَهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقد ذكرناه.

ثم قال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يعني: يقضي القضاء وينظر في تدبير الخلق.

وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن ابن سابط قال: مدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل.

أما جبريل، فعلى الرياح والوحي والجنود.

وأما ميكائيل، فعلى النبات والمطر.

وأما ملك الموت، فعلى الأنفس.

وأما إسرافيل، فينزل إليهم بما يؤمرون.

مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ، لأن الكفار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، وبعضهم كانوا يعبدون الملائكة، فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة لأحد إلاَّ بإذن الله ويقال: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ يعني: لا يشفع أحد لأحد يوم القيامة من الملائكة ولا من المرسلين، إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ في الشفاعة لهم.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي يفعل هذا من خلق السموات والارض، وتدبير الخلق، هو ربكم وخالقكم، فَاعْبُدُوهُ فدل أولاً على وحدانيته وتدبيره، ثم أمرهم بالتوحيد والطاعة فقال: فَاعْبُدُوهُ، يعني: وحدوه وأطيعوه.

أَفَلا تَذَكَّرُونَ، يعني: أفلا تتعظون بالقرآن؟

ويقال: أفلا تتعظون بأن لا تعبدوا من لا يملك شيئاً، وتعبدون من يملك الدنيا وما فيها؟

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرُونَ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال وأقيم التشديد مقامه.

ثم خوفهم فقال: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، يعني: مرجع الخلائق كلهم يوم القيامة.

وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، يعني: البعث كائناً وصدقاً.

وقال الزجاج: وَعْدَ اللَّهِ صار نصباً على معنى وعدكم الله وعداً، لأن قوله إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معناه: الوعد بالرجوع إليه.

إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قال أهل اللغة: الياء صلة ومعناه: إنه بدأ الخلق ثم يعيده، يعني: خلق الخلق في الدنيا ثم يحييهم بعد الموت يوم القيامة، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: لكي يثبت الذين آمنوا بالبعث بعد الموت، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ يعني: عملوا الطاعات بالعدل وقال الضحاك: يعني: الذين قاموا بالعدل وأقاموا على توحيده، يعطيهم من رياض الجنة حتى يرضوا.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ويجزي الذين كفروا.

ثم بينّ جزاءهم، فقال تعالى: لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ، يعني: ماءً حاراً قد انتهى حره، وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ يعني: يجحدون بالرسالة والكتاب.

ثم ذكَّرهم النعم، لكي يستحيوا منه ولا يعبدوا غيره، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً بالنهار وَالْقَمَرَ نُوراً بالليل، ويقال: جعل الشمس ضياء مع الحر، والقمر نوراً بلا حر، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ يعني: جعل الليل والنهار منازل يزيد أحدهما وينقص الآخر، ولا يجاوزان المقدار الذي قدره.

ويقال قَدَّرَهُ يعني: القمر مَنازِلَ كل ليلة بمنزلة من النجوم، وهي ثمانية وعشرون منزلاً في كل شهر.

وهذا كقوله وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: 39] لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ يعني: لتعلموا بالقمر حساب السنين والشهور، كقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: 189] .

ثم قال: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، يعني: لتعلموا عدد السنين والحساب، ولتعتبروا وتعلموا أن له خالقاً ومدبراً وهو قادر على أن يحيي الموتى.

ثم قال: يُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: يبيِّن العلامات، يعني: علامة وحدانيته لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، يعني: لمن كان له عقل وذهن وتمييز.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص يُفَصِّلُ الْآياتِ بالياء، وقرأ الباقون بالنون، ومعناهما قريب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يصحُّ أن يريد بالأمر اسم الجنْس من الأمور، ويصحُّ أن يريد الأمر الذي هو مصْدَر أَمر يأْمُرُ، وتدبيره لا إله إلا هو إِنما هو الإِنفاذ لأنه قد أحاط بكلِّ شيء عِلْماً، قال مجاهدٌ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يَقْضيه وحْده «١» .

وقوله سبحانه: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ردٌّ على العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها عند اللَّه.

ذلِكُمُ اللَّهُ أي: الذي هذه صفاتُهُ فاعبدوه، ثم قَرَّرهم على هذه الآيات والعبر، فقال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ.

وقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ...

الاية إِنباءٌ بالبعث.

وقوله: يَبْدَؤُا الْخَلْقَ يريد: النشأة الأولى، والإِعادةُ: هي البَعْثُ من القبور.

لِيَجْزِيَ: هي لام كَيْ، والمعنى: أنَّ الإِعادة إِنما هي ليقع الجزاءُ على الأعمال.

وقوله: بِالْقِسْطِ: أي: بالعدل.

وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا: ابتداء، والحَمِيمُ الحارُّ المسخَّن، وحميمُ النار فيما ذكر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا أَدْنَاهُ الكَافِرُ مِنْ فِيهِ، تَسَاقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ» «٢» وهو كما وصفه سبحانه:

يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩] .

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ...

الآية: هذا استمرارٌ على وَصْف/ آياته سبحانه، والتنْبيه على صنعته الدَّالة علَى وحدانيته، وعظيم قُدْرته.

وقوله: قَدَّرَهُ مَنازِلَ: يحتمل أنْ يعود الضمير على «القمر» وحده لأنه المراعَى في معرفة عَدَدِ السِّنينَ والحِسَابِ عنْد العرب، ويحتمل أنْ يريدَ الشَّمْسَ والقَمَرَ معاً، لكنه اجتزأ بذكْر أَحدهما كما قال: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] .

وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أيْ: رفقاً بكم، ورَفعاً للالتباس في معايشِكُم وغير ذلك مما يُضْطَرُّ فيه إلى معرفة التواريخ.

وقوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: إِنما خصهم، لأن نَفْعَ هذا فيهم ظَهَرَ.

وقوله سبحانه: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: آية اعتبار وتنبيهٍ، والآياتُ: العلامات، وخصَّص القوم المتَّقين تشريفاً لهم إِذ الاعتبار فيهم يقع، ونسبتهم إِلَى هذه الأشياء المَنْظُور فيها أَفْضَلُ مِنْ نسبة مَنْ لم يَهْتَدِ ولا اتقى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...

الآية: قال أبو عُبَيْدة «١» وغيره:

يَرْجُونَ، في هذه الآية: بمعنى يخافُون «٢» واحتجوا ببَيْتِ أَبي ذُؤَيْبٍ: [الطويل]

إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ...

وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ «٣»

وقال ابن سِيدَه والفرّاء: لفظة الرَّجاءِ، إِذا جاءَتْ منفيَّةً، فإِنها تكونُ بمعنى الخَوْفِ، فعَلَى هذا التأويل معنى الآية: إِنَّ الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم: الرجاءُ، في هذه الآية: على بابه وذلك أن الكافر المكذِّب بالبعث لا يُحْسِنُ ظَنًّا بأنه يَلْقَى اللَّه، ولا له في الآخرة أمَلٌ إِذ لو كان له فيها أَمَلٌ لقارنه لا محالة خَوْفٌ، وهذه الحالُ من الخَوْفِ المقارِنِ هي القائِدَةُ إِلى النجاة.

قال ع «٤» : والذي أقُولُ به: إنَّ الرجاء في كلِّ موضع هو علَى بابه، وأنَّ بيت

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " ضِياءً " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ضِئاءً " بِهَمْزَتَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: ذاتُ ضِياءٍ.

" والقَمَرَ نُورًا " أيْ: ذاتُ نُورٍ.

" وقَدَّرَهُ مَنازِلَ " أيْ: قَدَّرَ لَهُ، فَحُذِفَ الجارُّ والمَعْنى: هَيَّأ ويَسَّرَ لَهُ مَنازِلَ.

قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى " القَمَرِ " لِأنَّهُ المُقَدِّرُ لِعِلْمِ السِّنِينَ والحِسابِ.

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَحُذِفَ أحَدُهُما اخْتِصارًا.

وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ تَقْدِيرَ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ خاصَّةً، لِأنَّ بِهِ تُعْلَمُ الشُّهُورُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ لَهُما، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ أحَدِهِما مِن صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَنازِلُ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا مِن أوَّلِ الشَّهْرِ إلى ثَمانِي وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَسِرُّ.

وهَذِهِ المَنازِلُ، هي النُّجُومُ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إلَيْها الأنْواءَ، وأسْماؤُها عِنْدَهم كَـ الشِّرَطانِ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانِ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاُءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرِ، والرِّشاءُ وهو الحُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ، مِن إظْهارِ صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ والدَّلِيلُ عَلى وحْدانِيِّتِهِ.

﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يُفَصِّلُ " بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ، والمَعْنى: نُبَيِّنُها.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يَسْتَدِلُّونَ بِالأماراتِ عَلى قُدْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.

والثّانِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ.

فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ الآياتِ لِمَن لَمْ يَحْمِلْهُ هَواهُ عَلى خِلافِ ما وضَحَ لَهُ مِنَ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَخافُونَ البَعْثَ.

﴿ وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴾ اخْتارُوا ما فِيها عَلى الآخِرَةِ.

﴿ واطْمَأنُّوا بِها ﴾ آثَرُوها.

و قالَ غَيْرُهُ: رَكَنُوا إلَيْها، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

﴿ والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها آياتُ القُرْآنِ ومُحَمَّدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن صُنْعِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ: " غافِلُونَ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُكَذِّبُونَ.

وقالَ غَيْرُهُ: مُعْرِضُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ثَوابًا بِإيمانِهِمْ.

والثّانِي: يَجْعَلُ لَهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ بِإيمانِهِمْ.

والثّالِثُ: يَزِيدُهم هُدًى بِإيمانِهِمْ.

والرّابِعُ: يُثِيبُهم بِإيمانِهِمْ.

فَأمّا الهِدايَةُ، فَقَدْ سَبَقَتْ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ أيْ: تَجْرِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم يَرَوْنَها مِن عُلُوٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعْواهم فِيها ﴾ أيْ: دُعاؤُهم.

وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في أوَّلِ (الأعْرافِ ٥) .

وَفِي المُرادِ بِهَذا الدُّعاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُهم ما يَشْتَهُونَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلَّما اشْتَهى أهْلُ الجَنَّةِ شَيْئًا، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ " فَيَأْتِيهِمْ ما يَشْتَهُونَ؛ فَإذا طَعِمُوا، قالُوا: " الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " فَذَلِكَ آخِرُ دَعْواهم.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إذا مَرَّ بِهِمُ الطَّيْرُ يَشْتَهُونَهُ، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ " فَيَأْتِيهِمُ المَلَكُ بِما اشْتَهَوْا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ " .

فَإذا أكَلُوا، حَمِدُوا رَبَّهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " .

والثّانِي: أنَّهم إذا أرادُوا الرَّغْبَةَ إلى اللَّهِ تَعالى في دُعاءٍ يَدْعُونَهُ بِهِ، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ "، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَيِّيهِمْ بِالسَّلامِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّحِيَّةَ: المُلْكُ، فالمَعْنى: مُلْكُهم فِيها سالِمٌ ذَكَرَهَما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ أيْ: دُعاؤُهم وقَوْلُهم: ﴿ أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، و ابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: " أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الدّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم يَبْتَدِؤُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ، ويَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَفْتَتِحُونَ كَلامَهم بِالتَّوْحِيدِ، ويَخْتِمُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ عَلى وصْفِ آياتِ اللهِ والتَنْبِيهِ عَلى صَنْعَتِهِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الضِياءَ أعْظَمُ مِنَ النُورِ وأبْهى بِحَسَبِ الشَمْسِ والقَمَرِ، ويَلْحَقُ هاهُنا اعْتِراضٌ وهو أنّا وجَدْنا اللهَ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ بِخَلْقِهِ بِالنُورِ، فَقالَ: ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ النُورَ أعْظَمُ هَذِهِ الأشْياءِ وأبْلَغُها في الشُرُوقِ، وإلّا فَلِمَ تُرِكَ التَشْبِيهُ الأعْلى الَّذِي هو الضِياءُ وعُدِلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُورُ؟

فالجَوابُ عن هَذا والِانْفِصالُ أنْ تَقُولَ: إنَّ لَفْظَةَ النُورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَيْلِ وأثْناءَ الظَلامِ، ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ مِثْلَ الشَمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُورِ في الظَلامِ فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ، ولَوْ جَعَلَهُ كالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِياءُ عَلى هَذا الِانْفِصالِ أبْلَغَ في الشُرُوقِ كَما اقْتَضَتْ آيَتُنا هَذِهِ، واللهُ عَزَّ وجَلَّ هو ضِياءُ السَماواتِ والأرْضِ ونُورُها وقَيُّومُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا الِانْفِصالُ، واللهُ المُسْتَعانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ ﴾ يُرِيدُ البُرُوجَ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وأمّا الضَمِيرُ الَّذِي رَدَّهُ عَلى القَمَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَمْسِ مَعَهُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالضَمِيرِ القَمَرَ وحْدَهُ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ، لَكِنَّهُ اجْتَزَأ بِذِكْرِ الواحِدِ كَما قالَ: ﴿ واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ  ﴾ ، وكَما قالَ الشاعِرُ: رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا، ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي قالَ الزَجّاجُ: وكَما قالَ الآخَرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ المَعْنى: قُدَّرَ هَذَيْنِ النَيِّرَيْنِ مَنازِلَ لِكَيْ تَعْلَمُوا بِها عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ رِفْقًا بِكُمْ، ورَفْعًا لِلِالتِباسِ في مَعاشِكم وتَجْرِكم وإجاراتِكِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَوارِيخِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ لِلْفائِدَةِ لا لِلَّعِبِ والإهْمالِ، فَهي إذًا يَحِقُّ أنْ تَكُونَ كَما هي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يُفَصِّلُ الآياتِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وعاصِمٌ، والباقُونَ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ إنَّما خَصَّهم لِأنَّ نَفْعَ التَفْصِيلِ فِيهِمْ ظَهَرَ وعَلَيْهِمْ أضاءَ وَإنْ كانَ التَفْصِيلُ إنَّما وقَعَ مُجْمَلًا لِلْكُلِّ مُعَدًّا لِيُحَصِّلَهُ الجَمِيعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "ضِياءً"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ فِيما رُوِيَ أيْضًا عنهُ: "ضِئاءً" بِهَمْزَتَيْنِ، وأصْلُهُ ضِياءٌ فَقُلِبَتْ، فَجاءَتْ "ضِئاءًا"، فَقُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ الآيَةُ، آيَةُ اعْتِبارٍ وتَنْبِيهٍ، ولَفْظَةُ (الِاخْتِلافِ) تَعُمُّ تَعاقُبَ اللَيْلِ والنَهارِ وكَوْنَهُما خَلْفَهُ وما يَتَعاوَرانِهِ مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن لَواحِقِ سَيْرِ الشَمْسِ وبِحَسَبِ أقْطارِ الأرْضِ، قَوْلُهُ: ﴿ وَما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، والآياتُ: العَلاماتُ والدَلائِلُ، وخَصَّصَ القَوْمَ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لَهم إذِ الِاعْتِبارُ فِيهِمْ يَقَعُ، ونِسْبَتُهم إلى هَذِهِ الأشْياءِ المَنظُورِ فِيها أفْضَلُ مِن نِسْبَةِ مَن لَمْ يَهْتَدِ ولا اتَّقى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا استئناف ابتدائي أيضاً، فضمير (هو) عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ [يونس: 3].

وهذا استدلال آخر على انفراده تعالى بالتصرف في المخلوقات، وهذا لون آخر من الاستدلال على الإلهية ممزوج بالامتنان على المحجوجين به لأن الدليل السابق كان متضمناً لِعظيم أمر الخلق وسعة العلم والقدرة بذكر أشياء ليس للمخاطبين حظ في التمتع بها.

وهذا الدليل قد تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتهما تقديراً مضبوطاً ألهم الله البشر للانتفاع به في شؤون كثيرة من شؤون حياتهم.

فجَعْلُ الشمسسِ ضياء لانتفاع الناس بضيائها في مشاهدة ما تهمهم مشاهدته بما به قوام أعمال حياتهم في أوقات أشغالهم.

وجَعْل القمر نوراً للانتفاع بنوره انتفاعاً مناسباً للحاجة التي قد تعرض إلى طلب رؤية الأشياء في وقت الظلمة وهو الليل.

ولذلك جُعل نوره أضعف ليُنتفع به بقدر ضرورة المنتفع، فمن لم يضطرَّ إلى الانتفاع به لا يشعرُ بنوره ولا يصرفه ذلك عن سكونه الذي جُعل ظلام الليل لحصوله، ولو جعلت الشمس دائمة الظهور للناس لاستووا في استدامة الانتفاع بضيائها فيشغلهم ذلك عن السكون الذي يستجدون به ما فتر من قواهم العصبية التي بها نشاطُهم وكمالُ حياتهم.

والضياء: النور الساطع القوي، لأنه يضيء للرائي.

وهو اسم مشتق من الضوء، وهو النور الذي يوضح الأشياء، فالضياء أقوى من الضوء.

ويَاء (ضياء) منقلبة عن الواو لوقوع الواو إثر كَسرة الضاد فقلبت ياء للتخفيف.

والنور: الشعاع، وهو مشتق من اسم النار، وهو أعم من الضياء، يصدق على الشعاع الضعيف والشعاع القوي، فضياء الشمس نور، ونور القمر ليس بضياء.

هذا هو الأصل في إطلاق هذه الأسماء، ولكن يكثر في كلام العرب إطلاق بعض هذه الكلمات في موضع بعض آخر بحيث يَعسر انضباطه.

ولما جعل النور في مقابلة الضياء تعين أن المراد به نورٌ مَّا.

وقوله: ﴿ ضياء ﴾ و ﴿ نوراً ﴾ حالان مشيران إلى الحكمة والنعمة في خلقهما.

والتقدير: جعل الأشياء على مِقدار عنْد صُنعها.

والضمير المنصوب في (قَدَّره): إما عائد إلى النور فتكون المنازل بمعنى المراتب، وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس نيراً من كُرة القمر، كما في قوله تعالى: ﴿ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم ﴾ [يس: 39].

أي حتى نقص نوره ليلةً بعد ليلة فعاد كالعرجون البالي.

ويكون ﴿ منازل ﴾ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿ قدَّره ﴾ فهو ظرف مستقر، أي تقديراً على حسب المنازل، فالنور في كل منزلة لَه قدَر غير قدره الذي في منزلة أخرى.

وإما عائد إلى (القمر) على تقدير مضاف، أي وقدر سيره، فتكون ﴿ منازل ﴾ منصوباً على الظرفية.

والمنازل: جمع منزل؛ وهو مكان النزول.

والمراد بها هنا المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر.

وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ليَالي الشهر القمري.

وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي سُمُوت يلوح للناس القمرُ كل ليلة في سَمْت منها، كأنه ينزل بها.

وقد رَصدها البشر فوجدوها لا تختلف.

وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام إلا بصنع الخالق الحكيم.

وهذه المنازل أماراتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف، فوضع العلماء السابقون لها أسماء.

وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها في الطلوع عند الفجر في فصُول السنة.

والعرب يبْتدئون ذِكرها بالشَرَطَاننِ وهكذا، وذلك باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل، فأول ليلة من ليالي الهلال للشَّرَطان وهكذا.

وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول السنة الشمسية.

وهي: العَوَّاء، السِّمَاك الاعْزل، الغَفْر، الزُّبَاني، الإكليل، القَلْب، الشَّوْلَةَ، النَعَائم، البَلْدَة، سَعْد الذَّابححٍ، سَعْدُ بَلَع، سَعْد السُّعود، سَعْد الأخْبِيَة، الفَرْغ الأعلى، الفَرْغ الأسفل، الحُوت، الشَّرَطَاننِ، البُطَيْن، الثُّرَيَّا، الدَّبَران، الهَقْعَة، الهَنْعَة، ذِرَاع الأسَد، النَّشْرَة، الطَّرْف، الجَبْهَة، الزُّبْرَة، الصَّرْفَة.

وهذه المنازل منقسمة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول السنة، فلكل برج من الاثني عشر بُرجاً مَنزلتان وثُلُث، وهذا ضابط لمعرفة نجومها ولا علاقة له باعتبارها مَنازل للقمر.

وقد أنبأنا الله بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين والحساب، أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر.

والحساب: مصدر حسب بمعنى عد.

وهو معطوف على ﴿ عدد ﴾ ، أي ولتعلموا الحساب.

وتعريفه للعهد، أي والحساب المعروف.

والمراد به حساب الأيام والأشهر لأن حساب السنين قد ذكر بخصوصه.

ولما اقتصر في هذه الآية على معرفة عدد السنين تعين أن المراد بالحساب حساب القمر، لأن السنة الشرعية قمرية، ولأن ضمير ﴿ قدره ﴾ عائد على ﴿ القمر ﴾ وإن كان للشمس حساب آخر وهو حساب الفصول.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر حسبانا ﴾ [الأنعام: 96].

فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر، ومن معرفة الأشهر تعرف السنة.

وفي ذلك رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة.

وفي هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر.

وجملة: ﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق ﴾ مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وذكر حكمة بعض ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم، كما قال تعالى في هذه السورة [7] ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون.

﴾ والباء للملابسة.

و(الحق) هنا مقابل للباطل.

فهو بمعنى الحكمة والفائدة، لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك الحق يطلق على مقابل ذلك.

وفي هذا رد على المشركين الذين لم يَهتدوا لما في ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس آلهتَهم.

قال تعالى: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ﴾ [ص: 27].

وقال: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين مَا خلقناهما إلا بالحق ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الدخان: 38 39].

ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة ﴿ نُفصّل الآيات لقوم يعلمون ﴾ ، فهذه الجملة مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة، ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان.

ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله: ﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق ﴾ .

فعلى قراءة نفصل بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ففي ضمير صاحب الحال التفات، وعلى قراءة ﴿ يفصل ﴾ بالتحتية وهي لابن كثير في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر.

والتفصيل: التبيين، لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في سورة [الأنعام: 55].

والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار.

وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون، أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به المضارع من تجدد العِلم، وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودَأبه، فإن العلماء أهل العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين.

وذكر لفظ (قوم) إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم، فكان من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة [البقرة: 164].

وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ولا ممن رسخ فيهم العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ.

﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما مِن شَفِيعٍ يُشَفَّعُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الشَّفاعَةِ.

الثّانِي: ما مِن أحَدٍ يَتَكَلَّمُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: لا ثانِيَ مَعَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي هو الزَّوْجُ لِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وهو واحِدٌ فَرْدٌ لا حَيَّ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ المَلائِكَةَ والبَشَرَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ فَكانَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُفْنِيهِ.

الثّانِي: ما قالَهُ مُجاهِدٌ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُبِيدُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تكلم ربنا بكلمتين فصارت إحداهما شمساً والأخرى قمراً وكانا من النور جميعاً، ويعودان إلى الجنة يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ﴾ قال: لم يجعل الشمس كهيئة القمر كي يعرف الليل من النهار، وهو قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ [ الاسراء: 12] الآية.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هو الذي جعل لكم الشمس ضياء والقمر نوراً ﴾ قال: وجوههما إلى السموات وأقفيتهما إلى الأرض.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: الشمس والقمر وجوههما إلى العرش وأقفيتهما إلى الأرض.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر.

أنه كان بين يديه نار إذ شهقت فقال: والذي نفسي بيده إنها لتعوذ بالله من النار الكبرى، ورأى القمر حين جنح للغروب فقال، والله إنه ليبكي الآن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: لا تطلع الشمس حتى يصبحها ثلاثمائة ملك وسبعون ملكاً، أما سمعت أمية بن أبي الصلت يقول: ليست بطالعة لنا في رسلنا ** إلا معذبة وإلا تجلد <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ﴾ ، قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط وسياط، وحوض وحياض، أر مصدر ضاء يضوء ضياءً، كقولك قام قيامًا، وصام صيامًا (١) (٢) وروي عن ابن كثير من طريق قنبل (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ ، قال الفراء (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ومعنى قدر: أي هيأ ويسر (٢٠) ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ يتوجه علي أحد وجهين (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: لو جعلت شمسين شمسًا بالنهار وشمسًا بالليل ليس فيها ظلمة (٢٤) (٢٥) قال الكلبي: يعني حساب المشهور والسنين والأيام والساعات (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ يعني ما تقدم (٢٧) ﴿ ذَلِكَ ﴾ يُشار به إلى أكثر من الواحد، وذكرناه في قوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ مستقصى مشروحًا (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بالعدل؛ لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق (٢٩) (٣٠) ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ في سورة الأنعام (٣١) وقوله تعالى: ﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ أي نبينها ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي يتدلون بالأمارات والبراهين على قدرة الله، ولهذا خص العلماء؛ لأنهم المستدلون دون الجُهّال الذين لا يبلغون هذه المنزلة.

(١) في "الحجة": عاد عيادةً.

(٢) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 258.

(٣) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي مولاهم، أبو عمر المكي، مقرئ أهل مكة في عصره، وراوية الإمام ابن كثير، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، وتوفي سنة 291 هـ.

انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 230، "غاية المنتهى" 2/ 165، "النشر في القراءات العشر" 1/ 115.

(٤) ساقط من (م).

(٥) انظر: "السبعة" ص 323، "التيسير" ص 120، "إرشاد المبتدي" ص 359، " النشر" 1/ 406.

(٦) انظر: "السبعة" ص 323، "النشر" 1/ 406، "البحر المحيط" 5/ 125، ولا وجه لتغليط قنبل إذ وافقه الحلواني عن القواس، عن ابن كثير، انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 328، "النشر" 1/ 406، وانظر توجيه القراءة والرد على من ضعفها في "الدر المصون" 6/ 151 - 152.

(٧) ساقط من (ح).

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(١٠) أجل سقاء، سقاي؛ لأنه من سقى يسقي، فلما تطرفت الياء بعد ألف زائدة انقلبت همزة.

(١١) قال الجوهري: أصل قسي: قووس؛ لأنه (فعول) إلا أنهم قدموا اللام وصيروه قسو على (فلوع) ثم قلبوا الواو ياء وكسروا القاف كما كسروا عين عِصِيّ، فصارت فسي على (فِليع).

"الصحاح" (قوس)، "لسان العرب" (قوس).

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(١٣) في (ى): (فصححوا)، والمثبت موافق لـ"الحجة"، وهو أنسب للسياق.

(١٤) في (ح): (علّوه).

(١٥) نقل الواحدي توجيه القراءة من "الحجة للقراء السبعة" 4/ 258.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 458.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 7.

(١٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 86، والثعلبي 7/ 5 أ، والبغوي 4/ 121، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 50.

(١٩) انظر مثلاً: تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ  ﴾ .

(٢٠) في "لسان العرب" (قدر) تقدير الله الخلق: تيسيره كلًّا منهم لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء.

(٢١) في (خ): (الوجهين).

(٢٢) ساقط من (ح).

(٢٣) انظر الوجهين في "التبيان في إعراب القرآن" ص 433.

(٢٤) في (خ): (ظل).

(٢٥) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 310.

(٢٦) "تنوير المقباس" ص 208 عنه، عن ابن عباس مختصرًا.

(٢٧) ساقط من (ي).

(٢٨) ساقط من (ح).

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) انظر: "زاد المسير" 4/ 9، "البحر المحيط" 5/ 126.

(٣١) الآية 73.

من "تفسير البسيط" ونصه: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق: أي بكمال قدرته وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق) اهـ.

ثم أحال على آية سورة يونس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً ﴾ وصف أفعال الله وقدرته وحكمته والضياء أعظم من النور ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ الضمير للقمر والمعنى قدر سيره في منازل ﴿ والحساب ﴾ يعني حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي ﴿ مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق ﴾ [الروم: 8] أي ما خلقه عبثاً، والإشارة بذلك إلى ما تقدم من المخلوقات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.

يزيد.

﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.

الباقون بالنون.

﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.

﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.

ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.

وقيل: لا رب غيري.

وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.

وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.

وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.

ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.

واعلم أنه  لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.

ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد  بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ .

وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى  ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد  في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.

و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.

وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.

ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله  المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.

وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.

ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.

قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.

وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.

والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.

وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد  .

أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.

ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي  ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.

ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.

وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.

والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.

والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.

قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.

ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.

ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.

قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.

ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.

ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.

وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.

ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون  ﴾ يعني أنه  لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.

ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.

ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.

وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.

وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.

والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.

وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟

واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه  خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.

هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله  كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.

فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟

ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟

سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟

فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.

ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.

ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.

فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟

قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.

ومنها أنه  خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.

وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.

فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟

قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.

ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله  علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.

ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.

ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.

ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.

ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟

ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟

ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.

وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله  برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.

ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.

وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.

والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.

والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.

ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.

ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟

ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.

فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.

وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.

ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.

وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.

فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله  أعلم بحقائق الأمور.

ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".

وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.

والضياء أقوى من النور.

ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله  : { ﴿ يسألونك عن الأهلة  ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.

ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.

وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.

ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.

وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله  : ﴿ إن عدة الشهور  ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.

وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.

ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء  ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".

وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.

قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.

ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله  : ﴿ وهم من الساعة مشفقون  ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.

وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله  : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.

ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله  : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ وقوله  : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.

والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .

وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.

فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.

قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.

والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.

وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.

ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.

﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله  ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.

وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.

قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.

وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.

وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون  ﴾ أي ما يتمنونه.

وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله  عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.

وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.

قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.

قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.

وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله  قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".

التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد  كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.

والثانية من الحق لنبيه  إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.

وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.

والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد  لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.

إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.

﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.

ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.

جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.

وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ﴾ : إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ يقول: إن ربكم الله الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه.

وقوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ : قد تقدم ذكره في صدر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ : وهو - أيضاً - على الأول: إن الذي يستحق صرف العبادة إليه وتوجيه الشكر إليه هو الذي يدبر الأمر في مصالح الخلق في جر المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، لا الذين لا يملكون المنافع إلى أنفسهم أو دفع المضار عنهم، فضلا [عن] أن يملكوا أجرها إلى من يعبدهم أو دفع المضار عنهم.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ أي يقضيه، والتدبير والقضاء واحد.

وقال بعضهم: ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ : يقدر، وهو ما ذكرنا التدبير والتقدير سواء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ : الشفيع هو ذو المنزلة والقدر عند الذي يشفع إليه، لا أحد في الشاهد يشفع لآخر إلى آخر إلا بعد أن يكون الشفيع عند الذي يشفع إليه ذا منزلة وقدر، فإذا كان كذلك فمع ذلك أيضاً لا يشفع إلا من بعد ما أذن له بالشفاعة لمن جاء بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ يقول: ذلكم الذي يستحق العبادة هو ربكم، الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ودبر أموركم، فاعبدوه ولا تعبدوا الذي لا يملك شيئاً من ذلك.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه هو المستحق للعبادة، وهو المستوجب للشكر، لا الذين تعبدون أنتم.

أو أن يقول: أفلا تذكرون أن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض هو ربكم، وهو مدبر أمور الخلائق في مصالحهم ما يرجع إلى مصالحهم في دنياهم ودينهم، لا الذي يعبدون من دون الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ : إليه مرجع الخلائق كلهم في جميع الأوقات، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه؛ وكذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ هم بارزون له في الدنيا والآخرة، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له.

وكذلك: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات جميعا، لكنه خص ذلك اليوم لما لا ينازع في الملك في ذلك اليوم، [ويقرون بالملك له في ذلك اليوم] وفي الدنيا من قد نازع في ملكه.

هذا - والله أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك، وإن كان الملك في الدارين جميعاً فعلى ذلك المرجع، أو سمى البعث رجوعاً إليه، لما المقصود من إنشائه البعث، فسماه بذلك لما ذكرنا؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه إياهم سوى الإنشاء والإفناء، كان خلقه إياهم عبثاً وباطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ .

يحتمل ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ : البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده.

ويحتمل ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ من الثواب والعقاب في الآخرة؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب للمسيء.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أي: عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق جميعاً، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم من إعادته على مثال؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

قيل: بالعدل، لكن ما يجزيهم، إنما يجزيهم إفضالاً وإحساناً لا استيجاباً واستحقاقاً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ وجوهاً: أحدها: أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، ويفصل بين [العدو والولي] في الآخرة في الجزاء، ويجعل للولي علامة وأثراً يعرف بهما من العدو؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق إليهم من النعيم، ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا من هذا، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه أن يكون هو ذلك.

ويحتمل ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ الوزن، أي: يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على القدر، أي: يحزي بالحسنة قدراً لا يزيد على ذلك، ولكن يجزي للخير خيراً وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ بالعدل، أي: يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم، ولكن عملوا بالعدل فيه، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا بالعدل، أي: لا يعذبهم في النار إذا آمنوا، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، والله أعلم بالصواب ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ ﴾ أي: يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا، فيكون القسط على هذا التأويل نعتاً لهم.

وإن كان ما ذكر من القسط راجعاً إلى الله ووصفاً له فهو يخرج على وجوه: أحدها: يجزي فريقاً من المؤمنين بالعدل، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان، [ولإساءتهم جزاء الإساءة؛ فيكون جزاء بالعدل، ويجزي فريقاً آخر منهم بالفضل والإحسان: يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة،] ويكفر عن سيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...

﴾ الآية [النساء: 48، 116].

والثاني: يجزيهم بالفضل؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه، أي: يضع الفضل في أهله لا يضعه في غير أهله، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل، إذ هم أهل له - والله أعلم - وهو كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ  ﴾ .

والثالث: العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد الجور؛ كقوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية [النساء: 129]، لا يحتمل أن يقول: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور [لأن] في مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل؛ إذ للفضل درجات، وأصله أن جزاء الآخرة كله إفضال وإحسان وإنعام لا استحقاق واستيجاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ .

قيل: الحميم: [هو] الشراب الذي انتهى حره غايته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ﴾ ذكر في الشمس الضياء وفي القمر النور فهو - والله أعلم - لأن الليل مظلم يظهر نور القمر فيه ويغلب على ظلمة الليل ويقهرها، وأما النهار فهو مبصر على ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ جعل فيه النور، فلو جعل الشمس في النور خاصة، لكان لا يظهر نور الشمس ولا غلب نورها على نور النهار، ويغلبه ويقهره ليظهر المنافع التي [جعل فيها ولو كان نوراً مثله لم يظهر نور هذا من هذا ولم يوصل إلى المنافع التي] جعلت فيها للخلق، وهو ما ذكر أنه مد الظل، وأخبر أنه لو شاء لجعله ساكناً ولو كان ساكناً ممتدّاً على ما جعل بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ لكان لا يعرف الظل، ثم أخبر أنه جعل الشمس دليلا عليه ليعرف بها الظل، فتنسخ الشمس ذلك [الظل] الممدود شيئاً بعد شيء، فصارت الشمس بها يعرف الظل وبها يظهر فضل ذلك الضياء الذي في الشمس كان به يعرف نورها من نور النهار وبه يوصل إلى منافع الشمس، ولو كان نوراً لكان لا يعرف ولا يظهر؛ إذ لا يغلب أحدهما صاحبه - والله أعلم - ولا يعرف آية الشمس من آية النهار، ثم جعل آية الشمس غالبة على جميع الآيات حتى لا تبصر النجوم بالنهار أصلا والقمر وإن كان نوره يرى بجلاء، فإن نور الشمس قد يغلبه ويقهره حتى لا يظهر أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .

يشبه أن يكون التقدير الذي ذكر لهما جميعاً ويعرف الحساب وعدد السنين لهما جميعاً، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (وقدرهما منازل)، وجائز أن يكون جعل الشمس بالذي يعرف بها أوقات الصلوات والأزمنة من الشتاء والصيف لا يعرف ذلك بالقمر، وجعل في القمر معرفة الشهور والسنين، وفي الشمس معرفة أوقات الصلوات والأزمنة، لا يعرف بها الشهور والسنون إلا بعد جهد؛ وبالقمر لا تعرف أوقات الصلوات والأزمنة، جعل الله  في الشمس منفعتين: منفعة التقلب ومعرفة الأزمنة، ومعرفة نضج الأشياء وينعها، وفي القمر منفعتين أيضاً: أحدهما: معرفة حساب الأيام والشهور والسنين، ومعرفة نضج الإنزال والأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ ليس أن يعرف هذا بهما ولا يعرف غيره، بل يعرف ما ذكر وأشياء كثيرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم والكيساني: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفته.

وقال قائلون: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه [دلالة معرفة] الشهادة له على الخلق، وهي شهادة الوحدانية والألوهية.

وقال بعضهم: ما خلق الله ذلك إلا بالأمر الكائن لا محالة وهو البعث.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثاً باطلا؛ وهو كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ولكن بحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: نبين أو نصرفها لقوم ينتفعون بعلمهم، إنما ذكر الآيات فيما ذكر لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون الآيات التي ينتفعون بها ويعقلون الشيء، إنما يكون للشيء الذي ينتفع به لا للذي لا ينتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ .

إن في اختلاف الليل والنهار آية البعث ودلالة تدبير صانعهما، أما دلالة البعث فيه أن كل واحد منهما إذا جاء ذهب الآخر وفني حتى لا يبقى له الأثر، ثم يتجددان ويحدثان على ذلك أمرهما، ويتلف كل واحد منهما صاحبه حتى لا يبقى له الأثر، فمن قدر على ما ذكرنا قدر على بعثهم وإنشائهم بعد الموت بعدما صاروا تراباً، وأما دلالة التدبير فهو جريانهما [وسيرهما] على سنن واحد وتقدير واحد من غير تغيير يقع فيهما أو تفاوت أو نقصان يقع فيهما أو زيادة وإن كان أحدهما يدخل في الآخر، دل على ما ذكرنا أنهما يجريان ويختلفان على شيء واحد وجريان واحد؛ أن فيهما تدبيراً غير ذاتي وعلماً أزليّاً وأنه واحد؛ إذ لو كان التدبير فيهما لعدد لكانا مختلفين ولا يجريان على قدر واحد من غير تفاوت فيهما أو نقصان أو زيادة، دل أنه واحد، وبالله التوفيق.

وفي ذلك دلالة وحدانية منشئهما وخالقهما؛ لأنه أنشأهما وبينهما من البعد ما بينهما من البعد، وجعل منافع أحدهما متصلة بمنافع الآخر على بعد ما بينهما، دل أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد منع كل منهم فعله عن الوصول بالآخر على ما هو فعل ملوك الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ .

مخالفة الله ويتقون جميع الشرور والمساوي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الَّذي جعل الشمس تشع الضوء وتنشره، وجعل القمر نورًا يُسْتَنار به، وقَدَّرَ سيره بعدد منازله الثماني والعشرين، والمنزلة هي المسافة التي يقطعها كل يوم وليلة؛ لتعلموا -أيها الناس- بالشمس عدد الأيام، وبالقمر عدد الشهور والسنين، ما خلق الله السماوات والأرض وما فيهما إلا بالحق؛ ليظهر قدرته وعظمته للناس، يبين الله هذه الأدلة الواضحة والبراهين الجلية على وحدانيته لقوم يعلمون الاستدال بها على ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.GoM97"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر