الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ، وامتثلوا ما أمروا به ، فعملوا الصالحات ، بأنه سيهديهم بإيمانهم .
يحتمل أن تكون " الباء " هاهنا سببية فتقديره : بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط ، حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة .
ويحتمل أن تكون للاستعانة ، كما قال مجاهد في قوله : ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) قال : [ يكون لهم نورا يمشون به ] .
وقال ابن جريج في [ قوله : ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) قال ] : يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره ، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير ، فيقول له : من أنت ؟
فيقول : أنا عملك .
فيجعل له نورا .
من بين يديه حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله تعالى : ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلازم صاحبه ويلازه حتى يقذفه في النار .
وروي نحوه عن قتادة مرسلا فالله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ، إن الذين صدَّقوا الله ورسوله ، (وعملوا الصالحات)، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره (7) ، (يهديهم ربهم بإيمانهم) ، يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة، كما:- 17558- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم) بلغنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة حَسَنة فيقول له: ما أنت؟
فوالله إني لأراك امرأ صِدْقٍ!
فيقول: أنا عملك!
فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة.
وأما الكافر إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة سيئة وشارة سيئة (8) فيقول: ما أنت ؟
فوالله إني لأراك امرأ سَوْء!
فيقول: أنا عملك!
فينطلق به حتى يدخله النار.
17559- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (يهديهم ربهم بإيمانهم) ، قال: يكون لهم نورًا يمشون به.
17560- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح.
عن مجاهد، مثله.
17561- .
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17562- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله ، وقال ابن جريج: (يهديهم ربهم بإيمانهم) ، قال: يَمْثُل له عمله في صورة حسنة وريحٍ طيبة، يعارِض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟
فيقول: أنا عملك!
فيجعل له نورًا من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: (يهديهم ربهم بإيمانهم).
والكافر يَمْثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلازُّهُ حتى يقذفه في النار.
(9) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم ، يهديهم ربهم لدينه.
يقول: بتصديقهم هَدَاهم.
* ذكر من قال ذلك: .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
(10) * * * وقوله: (تجري من تحتهم الأنهار) ، يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم ، أنهار الجنة ، ( في جنات النعيم) ، يقول في بساتين النعيم ، الذي نعَّم الله به أهل طاعته والإيمان به.
(11) * * * فإن قال قائل: وكيف قيل : ( تجري من تحتهم الأنهار) ، وإنما وصف جل ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟
وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم ، إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها؟
وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [سورة مريم: 24].
ومعلوم أنه لم يجعل " السري" تحتها وهي عليه قاعدة ، إذ كان " السري" هو الجدول ، وإنما عني به : جعل دونها: بين يديها، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل فرعون، أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ، [سورة الزخرف: 51] ، بمعنى: من دوني، بين يديّ.
------------------- الهوامش : (7) انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
(8) في المطبوعة : " وبشارة " ، والصواب ما أثبته من المخطوطة .
(9) في المطبوعة : " ويلاده" ؛ بالدال ، وأثبت في المخطوطة.
" لازه يلازه ملازاة ولزازًا" قارنه ولزمه ولصق به (10) لم يذكر شيئًا بعد قوله : " ذكر من قال ذلك " ، وفي هامش المخطوطة " كذا " ، وهو دليل على أنه سقط قديم .
(11) انظر تفسير " جنات النعيم " فيما سلف 10 : 461 ، 462 .
قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيمقوله تعالى إن الذين آمنوا أي صدقوا .وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم أي يزيدهم هداية ; كقوله : والذين اهتدوا زادهم هدى .
وقيل : يهديهم ربهم بإيمانهم إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار .
وقال أبو روق : يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة .
وقال عطية : يهديهم يثيبهم ويجزيهم .
وقال مجاهد : يهديهم ربهم بالنور على الصراط إلى الجنة ، يجعل لهم نورا يمشون به .
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوي هذا أنه قال : يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله .
هذا معنى الحديث .
وقال ابن جريج : يجعل عملهم هاديا لهم .
الحسن : يهديهم يرحمهم .[ ص: 228 ] قوله تعالى تجري من تحتهم الأنهار قيل : في الكلام واو محذوفة ، أي وتجري من تحتهم ، أي من تحت بساتينهم .
وقيل : من تحت أسرتهم ; وهذا أحسن في النزهة والفرجة .
فلما ذكر عقابهم ذكر ثواب المطيعين فقال :ـيقول تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: جمعوا بين الإيمان، والقيام بموجبه ومقتضاه من الأعمال الصالحة، المشتملة على أعمال القلوب وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة. {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم،. ولهذا قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} الجارية على الدوام {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور، والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم، وسماع الأصوات المطربات، والنغمات المشجيات، والمناظر المفرحات. ونعيم البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر ببال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون.
قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) فيه إضمار ، أي : يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة ، ( تجري من تحتهم الأنهار ) قال مجاهد : يهديهم على الصراط إلى الجنة ، يجعل لهم نورا يمشون به .
وقيل : " يهديهم " معناه يثيبهم ويجزيهم .
وقيل : معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه ، أي : بتصديقهم هداهم " تجري من تحتهم الأنهار " أي : بين أيديهم ، كقوله عز وجل : " قد جعل ربك تحتك سريا " ( مريم - 24 ) لم يرد به أنه تحتها وهي قاعدة عليه ، بل أراد بين يديها .
وقيل : تجري من تحتهم أي : بأمرهم ، ( في جنات النعيم ) .
«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم» يرشدهم «ربهم بإيمانهم» به بأن يجعل لهم نورا يهتدون به يوم القيامة «تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم».
إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات يدلهم ربهم إلى طريق الجنة ويوفقهم إلى العمل الموصل إليه؛ بسبب إيمانهم، ثم يثيبهم بدخول الجنة وإحلال رضوانه عليهم، تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم.
بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) .أى : آمنو بما يجب الإِيمان به ، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم .( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) أي يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهي الجنة .وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها ، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار .
.قال الإِمام ابن كثير : يحتمل أن تكون الباء فى قوله ( بإيمانهم ) للسببية ، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة ، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد : ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) : أى : يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية : يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟
فيقول أنا عملك ، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله - تعالى - ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) .
والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة .
وريح منتنة فيلزم صابحه حتى يقذفه فى النار .
.
.وقوله : ( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فى جَنَّاتِ النعيم ) أى : تجري من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار ، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات ، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت .
ولا خطر على قلب بشر .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولاً، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية والدرجات الرفيعة ثانياً، أما أحوالهم وصفاتهم فهي قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ وفي تفسيره وجوه: الوجه الأول: أن النفس الإنسانية لها قوتان: القوة النظرية: وكمالها في معرفة الأشياء، ورئيس المعارف وسلطانها معرفة الله.
والقوة العملية: وكمالها في فعل الخيرات والطاعات، ورئيس الأعمال الصالحة وسلطانها خدمة الله.
فقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله تعالى وقوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى، ولما كانت القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف والرتبة، لا جرم وجب تقديمها في الذكر.
الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية قال القفال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ أي صدقوا بقلوبهم، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله تعالى.
الوجه الثالث: ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ أي شغلوا جوارحهم بالخدمة، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال: ﴿ فاعتبروا ياأولى الابصار ﴾ وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول ﴾ ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ﴾ وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله كما قال: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السموات والارض ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربعة.
المرتبة الأولى: قوله: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار فِي جنات النعيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير قوله: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ وجوه: الأول: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم ﴾ .
وثانيها: ما روي أنه عليه السلام قال: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار».
وثالثها: قال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة.
ورابعها: وهو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور اتصل به من عالم القدس، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك العالم المقدس، فإن حصل هذا الخط النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور ويرجع إلى عالم القدس، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه.
والتأويل الثاني: قال ابن الأنباري: إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات عنهم، كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت، قال القفال: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه.
كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، إلا أن حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تَجْرِى ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله: والتأويل الثالث: أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمات.
المقدمة الأولى: أن العلم نور والجهل ظلمة.
وصريح العقل يشهد بأن الأمر كذلك، ومما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين، فاتفق أن فهمها أحدهما وما فهمها الآخر، فإنك ترى وجه الفاهم متهللاً مشرقاً مضيئاً، ووجه من لم يفهم عبوساً مظلماً منقبضاً، ولهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم والإيمان والنور، وعن الجهل والكفر بالظلمات.
والمقدمة الثانية: أن الروح كاللوح، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك اللوح.
ثم هاهنا دقيقة، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه، فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك، فإن الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف والعلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف والعلوم، فإذا احتال وحصل شيء منها، كان حصول ما حصل منها معيناً له على سهولة تحصيل الباقي، وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل، فالنقوش الجسمانية يكون بعضها مانعاً من حصول الباقي، والنقوش الروحانية يكون بعضها معيناً على حصول البقية، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم الجسماني.
المقدمة الثالثة: أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك.
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور هذه المعرفة، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد، وكلما كان الاستعداد أقوى وأكمل.
كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الانهار ﴾ المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ وهي ما كانت قاعدة عليها، ولكن المعنى بين يديك، وكذا قوله: ﴿ وهذه الانهار تَجْرِى مِن تَحْتِي ﴾ المعنى بين يدي فكذا هاهنا.
المسألة الثالثة: الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضاً من جنس المعارف، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم.
بل قال: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة.
ثم إذا حصل هذا الاستعداد، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق، ليس إلا الله سبحانه وتعالى.
المرتبة الثانية: من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ دعواهم ﴾ وجوه: الأول: أن الدعوى هاهنا بمعنى الدعاء، يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى، كما يقال: شكى يشكو شكاية وشكوى.
قال بعض المفسرين: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ أي دعاؤهم.
وقال تعالى في أهل الجنة: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة ءامِنِينَ ﴾ ومما يقوى أن المراد من الدعوى هاهنا الدعاء.
هو أنهم قالوا: اللهم.
وهذا نداء لله سبحانه وتعالى، ومعنى قولهم: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: اللهم إياك نعبد الثاني: أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي وما تعبدون.
فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى.
الثالث: قال بعضهم: لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم.
والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصل ذلك أيضاً من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
الرابع: قال مسلم: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم، وذلك هو قولهم: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ الخامس: قال القاضي: المراد من قوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ أي طريقتهم في تمجيد الله تعالى وتقديسه وشأنهم وسنتهم.
والدليل على أن المراد ذلك أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ ليس بدعاء ولا بدعوى، إلا أن المدعي للشيء يكون مواظباً على ذكره، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن تلك المواظبة والملازمة.
فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر، لا جرم أطلق لفظ الدعوى عليها.
السادس: قال القفال: قيل في قوله: ﴿ لَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي ما يتمنونه، والعرب تقول: ادع ما شئت علي، أي تمن.
وقال ابن جريج: أخبرت أن قوله: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم ﴾ هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه، على أنهم إذا اشتهوا الشيء قالوا سبحانك اللهم، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني، وفي هذا التفسير وجه آخر هو أفضل وأشرف مما تقدم، وهو أن يكون المعنى أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله تعالى، أي تمنيهم لما يتمنونه، ليس إلا في تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه.
السابع: قال القفال أيضاً: ويحتمل أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات حروبهم ممن يسكنون إليه ويستنصرونه، كقولهم: يا آل فلان، فأخبر الله تعالى أن أنسهم في الجنة بذكرهم الله تعالى، وسكونهم بتحميدهم الله.
ولذتهم بتمجيدهم الله تعالى.
المسألة الثانية: أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيه وجهان: الوجه الأول: قول من يقول: إن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب المشتهيات قال ابن جريج: إذا مر بهم طيراً اشتهوه؛ قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيؤتون به، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وقال الكلبي: قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة والخدام، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون.
واعلم أن هذا القول عندي ضعيف جداً، وبيانه من وجوه: أحدها: أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمشروب والمنكوح، وهذا في غاية الخساسة.
وثانيها: أنه تعالى قال في صفة أهل الجنة: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير، فلا حاجة بهم إلى الطلب، وإذا لم يكن بهم حاجة إلى الطلب، فقد سقط هذا الكلام.
وثالثها: أن هذا يقتضي صرف الكلام عن ظاهره الشريف العالي إلى محمل خسيس لا إشعار للفظ به، وهذا باطل.
الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية أن نقول: المراد اشتغال أهل الجنة بتقديس الله سبحانه وتمجيده والثناء عليه، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر وابتهاجهم به وسرورهم به، وكمال حالهم لا يحصل إلا منه، وهذا القول هو الصحيح الذي لا محيد عنه.
ثم على هذا التقدير ففي الآية وجوه: أحدها: قال القاضي: إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم، كما ذكر في أول هذه السورة من قوله: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ﴾ فإذا دخل أهل الجنة الجنة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن الله تعالى كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول.
وثانيها: أن نقول: غاية سعادة السعداء، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال.
واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية.
إما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال، وأما الصفات الإضافية فهي المسماة بصفات الإكرام، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصوراً عليها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام ﴾ وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» ولما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات، لا جرم كان ذكر الجلال متقدماً على ذكر الإكرام في اللفظ.
وإذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على هذا الذكر العالي المقدس، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج إلهيته وإكرامه وإحسانه، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الإلهية.
وثالثها: أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر، ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ ﴾ فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم، حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام، بعد انقراض العالم، ولما كان هذا الذكر مشتملاً على هذا الشرف العالي، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول الصلاة، فإن المصلي إذا كبر قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
المرتبة الثالثة: من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ قال المفسرون: تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام، وتحية الملائكة لهم بالسلام، كما قال تعالى: ﴿ والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ وتحية الله تعالى لهم أيضاً بالسلام كما قال تعالى: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ قال الواحدي: وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول، وعندي فيه وجه آخر: وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة الله تعالى، فقد صاروا سالمين من الآفات، آمنين من المخافات والنقصانات.
وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله: ﴿ وَقَالُوا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ .
المرتبة الرابعة: من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب.
فقالوا: إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئاً قالوا: سبحانك اللهم وبحمدك، وإذا أكلوا وفرغوا.
قالوا: الحمد لله رب العالمين، وهذا القائل ما ترقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب، وحقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم.
وأما المحقون المحققون، فقد تركوا ذلك، ولهم فيه أقوال.
روى الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم» وقال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه.
ويختتمون بشكره والثناء عليه، وأقول: عندي في هذا الباب وجوه أخر: فأحدها: أن أهل الجنة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء.
فقالوا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وإنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى عليهم.
والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة.
وثانيها: أن لكل إنسان بحسب قوته معراجاً، فتارة ينزل عن ذلك المعراج، وتارة يصعد إليه.
ومعراج العارفين الصادقين، معرفة الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله، فإذا قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فهم في عين المعراج، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات.
كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ ثم أنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه، وعند الصعود يقول: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج.
وثالثها: أن نقول: إن قولنا الله اسم لذات الحق سبحانه، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال، وهي المشار إليها بقوله: ﴿ سبحانك ﴾ ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات، ترقياً يليق بالطاقة البشرية، وهي المشار إليها بقوله: ﴿ اللهم ﴾ فإذا عرج عن ذلك المكان.
واخترق في أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام، وهو المشار إليه بقوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ فهذه كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال، فإن حقت فالتوفيق من الله تعالى، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة الله تعالى.
المسألة الثانية: قال الواحدي: ﴿ أن ﴾ في قوله: ﴿ أَنِ الحمد للَّهِ ﴾ هي المخففة من الشديدة، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله: أن هالك كل من يخفى وينتعل *** على معنى أنه هالك.
وقال صاحب النظم ﴿ أن ﴾ هاهنا زائدة، والتقدير: وآخر دعواهم الحمد لله رب العالمين، وهذا القول ليس بشيء، وقرأ بعضهم ﴿ أن ﴾ الحمد لله بالتشديد، ونصب الحمد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ يسدّدهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدّي إلى الثواب، لذلك جعل ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً، لأنّ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، ويجوز أن يريد: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم ﴾ [الحديد: 12] ومنه الحديث: «إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صُوِّر حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة وأما الكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار» فإن قلت: فلقد دلّت هذه الآية على أنّ الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة، هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح، والإيمان الذي لم يقرن بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور.
قلت: الأمر كذلك.
ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعاً فيها بين الإيمان والعمل، كأنه قال: إنّ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ثم قال: بإيمانهم، أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهو بين واضح لا شبهة فيه ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ دعاؤهم، لأنّ ﴿ اللَّهم ﴾ نداء لله ومعناه: اللَّهم إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: اللَّهم إياك نعبد ولك نصلّي ونسجد.
ويجوز أن يراد بالدعاء: العبادة ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ [مريم: 48] على معنى: أن لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلاّ أن يسبحوا الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة، إنما يلهمونه فينطقون به تلذذاً بلا كلفة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ﴾ [الأنفال: 35] .
﴿ وَءَاخِرُ دعواهم ﴾ وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح ﴿ أَنِ ﴾ يقولوا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
ومعنى ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام ﴾ أنّ بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الملائكة إياهم، إضافة للمصدر إلى المفعول.
وقيل: تحية الله لهم.
وأن هي المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه الحمد لله، على أن الضمير للشأن كقوله: أَنّ كُلَّ هالِكٌ مَنْ يَحْفَي وَيَنْتَعِلُ وقرئ: ﴿ أَنَّ الحمدَ لله ﴾ بالتشديد ونصب الحمد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى سُلُوكِ سَبِيلٍ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ، أوْ لِإدْراكِ الحَقائِقِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
أوْ لِما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ، ومَفْهُومُ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنْ دَلَّ مَنطُوقُ قَوْلِهِ: ﴿ بِإيمانِهِمْ ﴾ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ بِالسَّبَبِيَّةِ وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لَهُ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَعْنى الأخِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ خَبَرٌ أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِنَ الأنْهارِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ تَجْرِي ﴾ أوْ بِيَهْدِي.
﴿ دَعْواهم فِيها ﴾ أيْ دُعاؤُهم.
﴿ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا.
﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ ﴾ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم.
﴿ فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ وآخِرُ دُعائِهِمْ.
﴿ أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، ولَعَلَّ المَعْنى أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ وكِبْرِياءَهُ مَجَّدُوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ أوِ اللَّهُ تَعالى فَحَمِدُوهُ وأثْنَوْا عَلَيْهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ، و (أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وقَدْ قُرِئَ بِها وبِنَصْبِ « الحَمْدُ» .
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} بياناً له وتفسيراً إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة ومنه الحديث إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال بإيمانهم ولم يضم إليه العمل الصالح {في جنات النعيم} متعلق بتجرى أو حال من الأنهار
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِالآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقَدْ يَخُصُّ المُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَقامِ ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةِ بِالإيمانِ وتَرَكَ ذِكْرَ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِ الصِّفَةِ مَجْرى الأسْماءِ ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ أيْ يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ وإنَّما تُذْكَرُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ وما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ.
والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لَمّا ذُكِرَ الإيمانُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا المُجَرَّدُ عَنْها ولا ما هو الأعَمُّ ولا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ في ذَلِكَ كَبْشانِ والآيَةُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ فَإنَّ مَنطُوقَها أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ وأمّا أنْ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ بِناءً عَلى ما أطْبَقُوا عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ بِفِعْلٍ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ وإلى حَمْلِ الإيمانِ عَلى ما قُلْنا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ المُعْتَبَرَ في الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جَعَلَ فِيها الصِّلَةَ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ثُمَّ قِيلَ: بِإيمانِهِمْ أيْ هَذا المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ وخُلُودِ غَيْرِ الصّالِحِ في النّارِ ثُمَّ قالَ إنَّهُ لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ مُطْلَقُ الإيمانِ وأمّا أنَّ إضافَتَهُ الى ضَمِيرِ الصّالِحِينَ يَقْتَضِي أخْذَ الصَّلاحِ قَيْدًا في التَّسَبُّبِ فَمَمْنُوعٌ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذَّواتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفاتِ وأيْضًا فَإنَّ كَوْنَ الصِّلَةِ عِلَّةً لِلْخَبَرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ فَلا يُعارِضُ السَّبَبَ الصَّرِيحَ المَنطُوقَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ المَوْصُولِ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ نَحْوَ الَّذِي كانَ مَعَنا بِالأمْسِ فَعَلَ كَذا خالٍ عَمّا يَذْكُرُونَهُ في نَحْوِ الَّذِي يُؤْمِنُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ظاهِرٌ في أنَّهُما السَّبَبُ والتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ذَلِكَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِما مَعَهُ لا المُطْلَقُ لَكِنَّهُ ذُكِرَ لِأصالَتِهِ وزِيادَةِ شَرَفِهِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا اسْتِدْراكُ ذِكْرِهِ ولا اسْتِقْلالُهُ بِالسَّبَبِيَّةِ وفِيهِ رَدٌّ عَلى القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ ادَّعى أنَّ مَفْهُومَ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنَّ مَنطُوقَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِإيمانِهِمْ ﴾ دَلَّ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ ومَنَعَ في الكَشْفِ أيْضًا كَوْنَ المَنطُوقِ ذَلِكَ وفَرْعِهِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ مِن جَعْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ واقِعَيْنِ في الصِّلَةِ لِيَجْرِيا مَجْرى العِلَّةِ ثُمَّ لَمّا أُعِيدَ الإيمانُ مُضافًا كانَ إشارَةً إلى الإيمانِ المَقْرُونِ لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ مَعْهُودٌ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو هَذا والأصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: ولَوْ سَلِمَ أنَّ المَنطُوقَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لِأنَّ العَمَلَ يُعَدُّ شَرْطًا حِينَئِذٍ جَمْعًا بَيْنَ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ بِقَدْرِ الإمْكانِ فَلَمْ يَلْغِ اقْتِرانَ العَمَلِ ولا دَلالَةَ السَّبَبِيَّةِ وهَذا فائِدَةُ إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ ثانِيًا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأصالَةِ وزِيادَةِ الشَّرَفِ ولا مُخالِفَ لَهُ مِنَ الجَماعَةِ لِأنَّ العُصاةَ غَيْرُ مَهْدِيِّينَ وأمّا أنَّ كُلَّ مَن لَيْسَ مُهْتَدِيًا فَهو خالِدٌ في النّارِ فَهو مَمْنُوعٌ غايَةَ المَنعِ انْتَهى (وفِي القَلْبِ) مِن هَذا المَنعِ شَيْءٌ والأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى ما قَدَّمْناهُ في تَقْرِيرِ كَوْنِ الآيَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ والهِدايَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُحْتَمَلُ أنْ تُفَسَّرَ بِالدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى البُغْيَةِ وبِمُجَرَّدِ الدَّلالَةِ والمُخْتارِ الأوَّلِ واخْتارَ الثّانِيَ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى يَهْدِيهِمْ طَرِيقَ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ وذَلِكَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أوْ عَلى أنَّ إيمانَهم يُظْهِرُ نُورًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يُسَدِّدُهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ السَّبِيلِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ والهِدايَةِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقِيلَ: المُرادُ يَهْدِيهِمْ إلى إدْراكِ حَقائِقِ الأُمُورِ فَتَنْكَشِفُ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فالِالتِفاتُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّهُمْ ﴾ لِتَشْرِيفِهِمْ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِمْ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ فَمَحَلُهُ الرَّفْعُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿ يَهْدِيهِمْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ ما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وإنْ جُعِلَ حالًا مُنْتَظِرَةً لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِهَذا التَّقْدِيرِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا فَسَّرَ ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ بِيُسَدِّدُهم إلَخْ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَيانًا لَهُ وتَفْسِيرًا لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِسَبَبِ السَّعادَةِ كالوُصُولِ إلَيْها ولا يَخْفى أنَّ سَبِيلَ هَذا البَيانِ سَبِيلُ البَدَلِ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ وحِينَئِذٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ 9﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ أُخْرى مِن مَفْعُولِ ﴿ يَهْدِيهِمْ ﴾ فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ ﴿ الأنْهارُ ﴾ فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي أوْ بِيَهْدِي والمُرادُ عَلى ما قِيلَ بِالمَهْدِيِّ إلَيْهِ إمّا مَنازِلُهم في الجَنَّةِ أوْ ما يُرِيدُونَهُ فِيها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وذلك أن أهل مكة قالوا للنبي : ائتنا بعلامة كما أتت بها الأنبياء قومهم، فنزل: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: في مجيء الليل وذهاب النهار، ومجيء النهار وذهاب الليل، ويقال: ما يأخذ النهار من الليل وما يأخذ الليل من النهار، وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، من العجائب، يعني: فيما خلق الله لَآياتٍ، يعني: علامات لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ الله ويخشون عقوبته.
ويقال: لقوم يتقون الشرك.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا، يعني: لا يخافون البعث بعد الموت، ويقال: لا يرجون ثوابنا بعد الموت.
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: اختاروا ما فِى الحياة الدنيا، يعني: على ثواب الآخرة وَاطْمَأَنُّوا بِها، يقول: ورضوا بها وسكنوا إليها وآثروها وفرحوا بها.
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، يعني: عن محمد والقرآن معرضون فلا يؤمنون.
ويقال: تاركين لها ومكذبين بها، ويقال: لم يتفكروا فيها.
قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ، يعني: أهل هذه الصفة مصيرهم إلى النار بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، يعني: جزاء لكفرهم وتكذيبهم.
ثم أنزل فيما أعدّ الله للمؤمنين، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ وقال مقاتل: يهديهم على الصراط إلى الجنة بالنور بِإِيمانِهِمْ يعني: بتوحيدهم الله تعالى في الدنيا.
وقال الضحاك: يدعوهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة، وقال الكلبي نحو هذا.
ويقال: هذا على معنى التقديم، ومعناه: إن الذين يهديهم ربهم بإيمانهم حتى آمنوا وعملوا الصالحات، ويقال: يهديهم ربهم في الدنيا، حتى يثبتهم على الإيمان ويدخلهم في الآخرة الجنة بإيمانهم، ويقال: ينجيهم ربهم بإيمانهم، وقال الحسن: يرحمهم ربهم بإيمانهم.
ثم قال تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ينتعمون فيها.
ثم قال: دَعْواهُمْ فِيها، يعني: قولهم في الجنّات: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، فهذه علامة بينهم وبين خدمهم في الجنة، فإذا قالوا هذه المقالة جاءهم الخدم بالموائد ووضعوها بين أيديهم وأوتوا بما يشتهون.
فإذا فرغوا من الطعام، قالوا الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: وآخر قولهم بعد ما فرغوا من الطعام أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ على معنى التقديم، وقال الضحاك: في قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وذلك أن أهل الجنة إذا خلفوا القيامة وصاروا إلى دار الكرامة، يكون فاتحة كلامهم سبحانك اللهم على ما مننت به علينا، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ يقول: يسلم عليهم الملائكة من الله تعالى.
ويقال: يسلم بعضهم على بعض، ويقال: يسلمون على الله تعالى، ويقال: تحيتهم لله تعالى بالسلام، كقوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: 44] وَآخِرُ دَعْواهُمْ، يعني: بعد ما رأوا من الكرامات وبعد ما أكلوا من الطعام، حمدوا الله تعالى على ما أعطاهم من الخير.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يصحُّ أن يريد بالأمر اسم الجنْس من الأمور، ويصحُّ أن يريد الأمر الذي هو مصْدَر أَمر يأْمُرُ، وتدبيره لا إله إلا هو إِنما هو الإِنفاذ لأنه قد أحاط بكلِّ شيء عِلْماً، قال مجاهدٌ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يَقْضيه وحْده «١» .
وقوله سبحانه: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ردٌّ على العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها عند اللَّه.
ذلِكُمُ اللَّهُ أي: الذي هذه صفاتُهُ فاعبدوه، ثم قَرَّرهم على هذه الآيات والعبر، فقال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
وقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ...
الاية إِنباءٌ بالبعث.
وقوله: يَبْدَؤُا الْخَلْقَ يريد: النشأة الأولى، والإِعادةُ: هي البَعْثُ من القبور.
لِيَجْزِيَ: هي لام كَيْ، والمعنى: أنَّ الإِعادة إِنما هي ليقع الجزاءُ على الأعمال.
وقوله: بِالْقِسْطِ: أي: بالعدل.
وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا: ابتداء، والحَمِيمُ الحارُّ المسخَّن، وحميمُ النار فيما ذكر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا أَدْنَاهُ الكَافِرُ مِنْ فِيهِ، تَسَاقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ» «٢» وهو كما وصفه سبحانه:
يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩] .
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ...
الآية: هذا استمرارٌ على وَصْف/ آياته سبحانه، والتنْبيه على صنعته الدَّالة علَى وحدانيته، وعظيم قُدْرته.
وقوله: قَدَّرَهُ مَنازِلَ: يحتمل أنْ يعود الضمير على «القمر» وحده لأنه المراعَى في معرفة عَدَدِ السِّنينَ والحِسَابِ عنْد العرب، ويحتمل أنْ يريدَ الشَّمْسَ والقَمَرَ معاً، لكنه اجتزأ بذكْر أَحدهما كما قال: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] .
وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أيْ: رفقاً بكم، ورَفعاً للالتباس في معايشِكُم وغير ذلك مما يُضْطَرُّ فيه إلى معرفة التواريخ.
وقوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: إِنما خصهم، لأن نَفْعَ هذا فيهم ظَهَرَ.
وقوله سبحانه: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: آية اعتبار وتنبيهٍ، والآياتُ: العلامات، وخصَّص القوم المتَّقين تشريفاً لهم إِذ الاعتبار فيهم يقع، ونسبتهم إِلَى هذه الأشياء المَنْظُور فيها أَفْضَلُ مِنْ نسبة مَنْ لم يَهْتَدِ ولا اتقى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...
الآية: قال أبو عُبَيْدة «١» وغيره:
يَرْجُونَ، في هذه الآية: بمعنى يخافُون «٢» واحتجوا ببَيْتِ أَبي ذُؤَيْبٍ: [الطويل]
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ...
وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ «٣»
وقال ابن سِيدَه والفرّاء: لفظة الرَّجاءِ، إِذا جاءَتْ منفيَّةً، فإِنها تكونُ بمعنى الخَوْفِ، فعَلَى هذا التأويل معنى الآية: إِنَّ الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم: الرجاءُ، في هذه الآية: على بابه وذلك أن الكافر المكذِّب بالبعث لا يُحْسِنُ ظَنًّا بأنه يَلْقَى اللَّه، ولا له في الآخرة أمَلٌ إِذ لو كان له فيها أَمَلٌ لقارنه لا محالة خَوْفٌ، وهذه الحالُ من الخَوْفِ المقارِنِ هي القائِدَةُ إِلى النجاة.
قال ع «٤» : والذي أقُولُ به: إنَّ الرجاء في كلِّ موضع هو علَى بابه، وأنَّ بيت
قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " ضِياءً " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ضِئاءً " بِهَمْزَتَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: ذاتُ ضِياءٍ.
" والقَمَرَ نُورًا " أيْ: ذاتُ نُورٍ.
" وقَدَّرَهُ مَنازِلَ " أيْ: قَدَّرَ لَهُ، فَحُذِفَ الجارُّ والمَعْنى: هَيَّأ ويَسَّرَ لَهُ مَنازِلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى " القَمَرِ " لِأنَّهُ المُقَدِّرُ لِعِلْمِ السِّنِينَ والحِسابِ.
وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَحُذِفَ أحَدُهُما اخْتِصارًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ تَقْدِيرَ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ خاصَّةً، لِأنَّ بِهِ تُعْلَمُ الشُّهُورُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ لَهُما، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ أحَدِهِما مِن صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَنازِلُ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا مِن أوَّلِ الشَّهْرِ إلى ثَمانِي وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَسِرُّ.
وهَذِهِ المَنازِلُ، هي النُّجُومُ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إلَيْها الأنْواءَ، وأسْماؤُها عِنْدَهم كَـ الشِّرَطانِ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانِ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاُءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرِ، والرِّشاءُ وهو الحُوتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ، مِن إظْهارِ صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ والدَّلِيلُ عَلى وحْدانِيِّتِهِ.
﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يُفَصِّلُ " بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ، والمَعْنى: نُبَيِّنُها.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يَسْتَدِلُّونَ بِالأماراتِ عَلى قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
والثّانِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ.
فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ الآياتِ لِمَن لَمْ يَحْمِلْهُ هَواهُ عَلى خِلافِ ما وضَحَ لَهُ مِنَ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَخافُونَ البَعْثَ.
﴿ وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴾ اخْتارُوا ما فِيها عَلى الآخِرَةِ.
﴿ واطْمَأنُّوا بِها ﴾ آثَرُوها.
و قالَ غَيْرُهُ: رَكَنُوا إلَيْها، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.
﴿ والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها آياتُ القُرْآنِ ومُحَمَّدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن صُنْعِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا قَوْلُهُ: " غافِلُونَ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُكَذِّبُونَ.
وقالَ غَيْرُهُ: مُعْرِضُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ثَوابًا بِإيمانِهِمْ.
والثّانِي: يَجْعَلُ لَهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ بِإيمانِهِمْ.
والثّالِثُ: يَزِيدُهم هُدًى بِإيمانِهِمْ.
والرّابِعُ: يُثِيبُهم بِإيمانِهِمْ.
فَأمّا الهِدايَةُ، فَقَدْ سَبَقَتْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ أيْ: تَجْرِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم يَرَوْنَها مِن عُلُوٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعْواهم فِيها ﴾ أيْ: دُعاؤُهم.
وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في أوَّلِ (الأعْرافِ ٥) .
وَفِي المُرادِ بِهَذا الدُّعاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُهم ما يَشْتَهُونَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلَّما اشْتَهى أهْلُ الجَنَّةِ شَيْئًا، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ " فَيَأْتِيهِمْ ما يَشْتَهُونَ؛ فَإذا طَعِمُوا، قالُوا: " الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " فَذَلِكَ آخِرُ دَعْواهم.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إذا مَرَّ بِهِمُ الطَّيْرُ يَشْتَهُونَهُ، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ " فَيَأْتِيهِمُ المَلَكُ بِما اشْتَهَوْا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ " .
فَإذا أكَلُوا، حَمِدُوا رَبَّهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " .
والثّانِي: أنَّهم إذا أرادُوا الرَّغْبَةَ إلى اللَّهِ تَعالى في دُعاءٍ يَدْعُونَهُ بِهِ، قالُوا: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ "، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَيِّيهِمْ بِالسَّلامِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّحِيَّةَ: المُلْكُ، فالمَعْنى: مُلْكُهم فِيها سالِمٌ ذَكَرَهَما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ أيْ: دُعاؤُهم وقَوْلُهم: ﴿ أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، و ابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: " أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الدّالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم يَبْتَدِؤُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ، ويَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَفْتَتِحُونَ كَلامَهم بِالتَّوْحِيدِ، ويَخْتِمُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا".
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ".
فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ واطْمَأنُّوا بِها ﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ.
لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَهْدِيهِمْ ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا ﴾ فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِإيمانِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟
فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ ، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعْواهم فِيها ﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و ﴿ سُبْحانَكَ اللهُمَّ ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟
فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ <div class="verse-tafsir"
جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتكون أحوال المؤمنين مستقلة بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين، وهذا من طرق الاهتمام بالخبر.
ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويهاً بأهلها وإغاضة للكافرين.
وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم.
والهداية: الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه.
فمعنى ﴿ يهديهم ربهم ﴾ يرشدهم إلى ما فيه خيرهم.
والمقصود الإرشاد التكويني، أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها.
وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين.
والباء في ﴿ بإيمانهم ﴾ للسببية، بحيث إن الإيمان يكون سبباً في مضمون الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف بالموصولية نظير قوله: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا إلى بما كانوا يكسبون ﴾ [يونس: 7، 8] في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى، بأن يجعل الله للإيمان نُوراً يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سبباً مغناطيسياً لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكماللِ لا يزال يزداد يوماً فيوماً، ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح.
وفي الحديث: «قد يكون في الأمم محدَّثون فإن يك في أمتي أحدٌ فعمر بن الخطاب» قال ابن وهب: تفسير محدَّثون ملهمون الصواب، وفي الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يَنظر بنور الله» ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع.
وفي العدول عن اسم الجلالة العَلَم إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير ﴿ الذين آمنوا ﴾ تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولًى لأوليائه فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة.
والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة.
وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعُروج مراتب الكمال.
وجملة: ﴿ تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم ﴾ خبر ثان لِذكر ما يحصل لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا.
وتقدم القول في نظير ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ في سورة [البقرة: 25].
والمراد من تحت منازلهم.
والجنات تقدم.
والنعيم تقدم في قوله تعالى: ﴿ لهم فيها نعيم مقيم ﴾ في سورة [براءة: 21].
وجملة: دعواهم فيها سبحانك اللهم } وما عطف عليها أحوال من ضمير ﴿ الذين آمنوا ﴾ .
والدعوى: هنا الدعاء.
يقال: دعوة بالهاء، ودعوَى بألف التأنيث.
وسبحان: مصدر بمعنى التسبيح، أي التنزيه.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ في سورة [البقرة: 32].
﴿ اللهم ﴾ نداء لله تعالى، فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه، فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي.
ويجوز أن تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة الرحمات والنعيم، كما قال أمية بن أبي الصلت: إذَا أثنى عليك المرءُ يوماً *** كَفَاه عن تَعَرضِه الثناء واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة ﴿ سبحانك اللهم ﴾ يشعر بأنهم لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول، لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر بالقصر، (وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام) ولكن قوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ يفيد أن هذا التحميد من دعواهم، فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى.
ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعَموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه، فهو جامع للعبارة عن الكمالات.
والتحية: اسم جنس لما يُفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة.
وأصلها مشتقة من مصدر حيَّاهُ إذا قال له عند اللقاء أحياك الله.
ثم غلبت في كل لفظ يقال عند اللقاء، كما غلب لفظ السلام، فيشمل: نحو حيَّاك الله، وعِم صباحاً، وعِمْ مساء وصبّحك الله بخير، وبتّ بخير.
وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ في سورة [النساء: 86].
ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام، أي لفظ سلام، إخباراً عن الجنس بفرد من أفراده، أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم.
والظاهر أن التحية بينهم هي كلمة (سلام)، وأنها محكية هنا بلفظها دون لفظ السلام عليكم أو سلام عليكم، لأنه لو أريد ذلك لقيل وتحيتهم فيها السلام بالتعريف ليتبادر من التعريف أنه السلام المعروف في الإسلام، وهو كلمة السلام عليكم.
وكذلك سلام الله عليهم بهذا اللفظ قال تعالى: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ [يس: 58] وأما قوله: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ [الرعد: 23، 24] فهو تلطف معهم بتحيتهم التي جاءهم بها الإسلام.
ونكتة حذف كلمة (عليكم) في سلام أهل الجنة بعضهم على بعض أن التحيّة بينهم مجرد إيناس وتكرمة فكانت أشبه بالخبر والشكر منها بالدعاء والتأمين كأنهم يغتبطون بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنة فتنطلق ألسنتهم عند اللقاء معبرة عما في ضمائرهم، بخلاف تحيّة أهل الدنيا فإنها تقع كثيراً بين المتلاقين الذين لا يعرِف بعضهم بعضاً فكانت فيها بقية من المعنى الذي أحدَث البشر لأجله السلامَ، وهو معنى تأمين الملاقِي من الشر المتوقَّع من بين كثير من المتناكرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَجْعَلُ لَهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَجْعَلُ عَمَلَهم هادِيًا لَهم إلى الجَنَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (يَتَلَقّى المُؤْمِنَ عَمَلُهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ فَيُؤْنِسُهُ ويَهْدِيهِ، ويَتَلَقّى الكافِرَ عَمَلُهُ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ ويُضِلُّهُ)» .
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَهم بِالهِدايَةِ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ لَهم.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّانِي: تَجْرِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم يَرَوْنَها مِن عُلُوٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ يَعْنِي بَيْنَ يَدِي.
وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اشْتَهَوُا الشَّيْءَ أوْ أرادُوا أنْ يَدْعُوا بِالشَّيْءِ قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءُ)، قالَهُ الرَّبِيعُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أنَّهم إذا أرادُوا الرَّغْبَةَ إلى اللَّهِ في دُعاءٍ يَدْعُونَهُ كانَ دُعاؤُهم لَهُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ومُلْكُهم فِيها سالِمٌ.
والتَّحِيَّةُ المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنانٍ الكَلْبِيِّ: ولَكُلُّ ما نالَ الفَتى قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَّحِيَّةَ الثّانِي: أنَّ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيها سَلامٌ.
أيْ: سَلِمْتَ وأمِنتَ مِمّا بُلِيَ بِهِ أهْلُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ آخِرَ دُعائِهِمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، كَما كانَ أوَّلُ دُعائِهِمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا قَوْلَ قَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهم إذا أجابَهم فِيما دَعَوْهُ وآتاهم ما اشْتَهَوْا حِينَ طَلَبُوهُ بِالتَّسْبِيحِ قالُوا بَعْدَهُ: شُكْرًا لِلَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال: يكون لهم نوراً يمشون به.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال: حدثنا الحسن قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول له: ما أنت.
فوالله إني لأراك عين امرئ صدق.
فيقول له: أنا عملك.
فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، وأما الكافر فإذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له: ما أنت فوالله إني لأراك عين امرئ سوء، فيقول: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول: من أنت؟
فيقول: أنا عملك الصالح، فيجعل له نوراً من بين يديه حتى يدخله الجنة، والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه حتى يقذفه في النار.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال: حتى يدخلهم الجنة.
فحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لأحدهم يومئذ أعلم بمنزله منكم اليوم بمنزلنا، ثم ذكر عن العلماء أنه أنزلهم الجنة سبعة منازل، لكل منزل من تلك المنازل أهل في سبع فضائل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يسعى عليهم بما سألوا وبما خطر على أنفسهم حتى إذا امتلأوا كان طعامهم ذلك جشاء وريح المسك ليس فيها حدث، ثم ألهموا الحمد والتسبيح كما ألهموا النفس، ثم يجتني فاكهتها قائماً وقاعداً ومتكئاً على أي حال كان عليه، ثم لا تصل إلى فيه حتى تعود كما كانت أنها بركة الرحمة، وبركة الرحمن لا تفنى وهي الخزائن التي لا تنقطع أبداً ما أخذ منها لم ينقص وما ترك منها لم يفسد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ ، معناه: يهديهم ربهم إلى الجنان ثوابًا لهم بإيمانهم [وأعمالهم الصالحة، هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (١) ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ [ (٢) (٣) (٤) (٥) وقال قتادة: إن المؤمن يُصوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟
فيقول: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة، والكافر على ضد ذلك، فلا يزال به عمله حتى يدخله النار (٦) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: إن الله تعالى يزيدهم هداية بخصائص وألطاف وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ الآية (٧) ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ أي من (٨) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 88، والثعلبي 7/ 6 أ، والبغوي 4/ 122، وابن الجوري 4/ 10، والماوردي 2/ 423.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٣) رواه ابن جرير 11/ 89، وابن أبي حاتم 6/ 1929، والبغوي 4/ 122.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 6 أ، والسمرقندي 2/ 89، ولعل القول لمقاتل بن حيان إذ لم أجده في "تفسير مقاتل بن سليمان".
(٥) "تفسير الثعلبي" 7/ 6 أ، والقرطبي 8/ 312.
(٦) رواه عنه بنحوه مرفوعًا ابن جرير 11/ 88، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1929، عن قتادة عن الحسن مرفوعًا أيضًا، وهو حديث مرسل، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 448.
(٧) ذكره بنحوه الرازى في "تفسيره" 17/ 42، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 127.
(٨) ساقط من (م).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانهم ﴾ أي يسددهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو أرجح لما بعده ﴿ دعواهم فِيهَا ﴾ أي دعاؤهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: يهديهم ربهم بإيمانهم في الدنيا طريق الجنة في الآخرة، وهو يعني ما ذكر في القصة أن المؤمن إذا أخرج من القبر يصور له عمله في صورة حسنة.
والثاني: يهديهم [ربهم] بإيمانهم، [أي: يهديهم ربهم بإيمانهم] فيصيرون مهتدين بهدايته إياهم ويشبه يهديهم ربهم بإيمانهم أي يدعوهم إلى الخيرات في الدنيا بإيمانهم، والله أعلم.
فهذا على المعتزلة؛ لأنهم يمتنعون عن تسمية صاحب الكبيرة مؤمناً ومعه إيمان، فيلزمهم أن يمتنعوا عما وعد له وإن كان معه إيمان، فإذا ذكر له الوعد مع هذا ألزمهم أن يسموه مؤمناً لما معه من الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .
يقول أهل التأويل: من تحت أهل الجنة، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ دعوى الإيمان؛ أي: يدعون في الآخرة من الإيمان والتوحيد لله والتنزيه له كما ادعوا في الدنيا وحدانية الله ونزهوه.
وقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ .
هو حرف تنزيه وتبرئة الرب عن الأشباه وجميع الآفات التي وصفته المشبهة الملحدة بها، فهذا يدل أن ما خرج مخرج الدعوى فإنه لا يختلف باختلاف الدور.
وقال عامة أهل التأويل: هو من الدعاء لا من الدعوى، يقولون: إنهم إذا اشتهوا طعاماً أو شراباً وتمنوا شيئاً فيدعونه بقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ فيؤتون ما تمنوا واشتهوا؛ لما ذكر أنه لا تنقطع اللذات في الجنة، ولو كان ما يقولون لكان فيه انقطاع اللذات والشهوات، إلا أن يقال: إنهم يلهمون شهوات وأماني فيشتهون، وقال الله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ولا نعلم ما أراد به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يخبر أنه ليس على أهل الجنة من العبادات شيء سوى التوحيد وهو كلمة التوحيد.
والثاني: يقولون ذلك لعظيم ما رأوا من النعيم وعجيب ما عاينوا.
والثالث: شكراً لما أعطاهم من ألوان النعيم والأطعمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن الملائكة يأتون بما اشتهوا ويسلمون عليهم ويردون السلام على الملائكة؛ فذلك قوله: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ ، فإذا طعموا وفرغوا قالوا عند ذلك: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وهو قول ابن عباس وغيره من أهل التأويل، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ والسلام الذي لا عيب فيه ولا مطعن، أي كلام بعضهم لبعض منزه منقى من جميع العيوب والمطاعن؛ كقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل: يقولون على أثر فراغهم من الطعام والشراب ذلك.
وقال الحسن: إن الله رضي عن عباده بالشكر لما أنعم عليهم في الدنيا والآخرة بـ ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ ﴾ أي دعواهم في الآخرة: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، كما كان دعواهم في الدنيا ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات يرزقهم الله الهداية الى العمل الصالح الموصل إلى رضاه؛ بسبب إيمانهم، ثم يدخلهم الله يوم القيامة في جنات النعيم الدائم، تجري من تحتهم الأنهار.
<div class="verse-tafsir" id="91.OZlAV"