الإسلام > القرآن > سور > سورة 107 الماعون > الآية ٦ من سورة الماعون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الماعون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقال هاهنا : ( الذين هم يراءون ) وقال الطبراني : حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن يونس ، عن الحسن ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة ، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد : لحامل كتاب الله ، وللمصدق في غير ذات الله ، وللحاج إلى بيت الله ، وللخارج في سبيل الله " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة قال : كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء ، فقال رجل يكنى بأبي يزيد : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سمع الناس بعمله ، سمع الله به سامع خلقه ، وحقره وصغره " .
ورواه أيضا عن غندر ، ويحيى القطان ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن رجل ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .
ومما يتعلق بقوله تعالى : ( الذين هم يراءون ) أن من عمل عملا لله فاطلع عليه الناس ، فأعجبه ذلك ، أن هذا لا يعد رياء ، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا مخلد بن يزيد ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : كنت أصلي ، فدخل علي رجل ، فأعجبني ذلك ، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " كتب لك أجران : أجر السر ، وأجر العلانية " .
قال أبو علي هارون بن معروف : بلغني أن ابن المبارك قال : نعم الحديث للمرائين .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وسعيد بن بشير متوسط ، وروايته عن الأعمش عزيزة ، وقد رواه غيره عنه .
قال أبو يعلى أيضا : حدثنا محمد بن المثنى بن موسى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو سنان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رجل : يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل يسره ، فإذا اطلع عليه أعجبه .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " له أجران : أجر السر وأجر العلانية " .
وقد رواه الترمذي ، عن محمد بن المثنى .
وابن ماجه ، عن بندار ، كلاهما عن أبي داود الطيالسي ، عن أبي سنان الشيباني - واسمه : ضرار بن مرة .
ثم قال الترمذي : غريب ، وقد رواه الأعمش وغيره .
عن حبيب عن [ النبي صلى الله عليه وسلم ] مرسلا .
وقد قال أبو جعفر بن جرير : حدثني أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن شيبان النحوي ، عن جابر الجعفي ، حدثني رجل ، عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) قال : " الله أكبر ، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا ، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته ، وإن تركها لم يخف ربه " .
فيه جابر الجعفي ، وهو ضعيف ، وشيخه مبهم لم يسم ، والله أعلم .
وقال ابن جرير أيضا : حدثني زكريا بن أبان المصري ، حدثنا عمرو بن طارق ، حدثنا عكرمة بن إبراهيم ، حدثني عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) قال : " هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها " .
وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية ، أو صلاتها بعد وقتها شرعا ، أو تأخيرها عن أول الوقت [ سهوا حتى ضاع ] الوقت .
وكذا رواه الحافظ أبو يعلى ، عن شيبان بن فروخ ، عن عكرمة بن إبراهيم به .
ثم رواه عن أبي الربيع ، عن جابر ، عن عاصم ، عن مصعب ، عن أبيه موقوفا ، وهذا أصح إسنادا ، وقد ضعف البيهقي رفعه ، وصحح وقفه ، وكذلك الحاكم .
وقوله: ( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ) يقول: الذين هم يراءون الناس بصلاتهم إذا صلوا, لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب, ولا رهبة من عقاب, وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظنونهم منهم, فيكفون عن سفك دمائهم, وسبي ذراريهم, وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, يستبطنون الكفر, ويُظهرون الإسلام, كذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر ومؤمل, قالا ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال: هم المنافقون.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثني يونس, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام في قوله: ( يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: يراءون بصلاتهم.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) يعني المنافقين.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: هم المنافقون، كانوا يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا, ويتركونها إذا غابوا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني ابن زيد: ويصلون- وليس الصلاة من شأنهم- رياءً.
قوله تعالى : الذين هم يراءون أي يري الناس أنه يصلي طاعة وهو يصلي تقية ; كالفاسق ، يري أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال : إنه يصلي .
وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة ، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس .
وأولها تحسين السمت ; وهو من أجزاء النبوة ، ويريد بذلك الجاه والثناء .
وثانيها : الرياء بالثياب القصار والخشنة ; ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا .
وثالثها : الرياء بالقول ، بإظهار التسخط على أهل الدنيا ; وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة .
ورابعها : الرياء بإظهار الصلاة والصدقة ، أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس ; وذلك يطول ، وهذا دليله ; قاله ابن العربي .قلت : قد تقدم في سورة النساء وهود وآخر الكهف القول في الرياء وأحكامه وحقيقته بما فيه كفاية .
والحمد لله .ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة ; فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها ، لقوله - عليه السلام - : ولا غمة في فرائض الله لأنها أعلام الإسلام ، وشعائر الدين ، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت ; فوجب إماطة التهمة بالإظهار ، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى ; لأنه لا يلام بتركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا .
وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين ، فتثني عليه بالصلاح .
وعن بعضهم [ ص: 190 ] أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها ; فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك .
وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة .
وقد مضى هذا المعنى في سورة ( البقرة ) عند قوله تعالى : إن تبدوا الصدقات ، وفي غير موضع .
والحمد لله على ذلك .
ولهذا وصف الله هؤلاء بالرياء والقسوة وعدم الرحمة، فقال: { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } أي يعملون الأعمال لأجل رئاء الناس.
قال ابن عباس : هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس ، ويصلونها في العلانية إذا حضروا لقوله تعالى : ( الذين هم يراءون ) وقال في وصف المنافقين : " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس " ( النساء - 142 ) .
وقال قتادة : ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل .
وقيل : لا يرجون لها ثوابا إن صلوا ولا يخافون عقابا إن تركوا .
وقال مجاهد : غافلون عنها يتهاونون بها .
وقال الحسن : هو الذي إن صلاها صلاها رياء ، وإن فاتته لم يندم .
وقال أبو العالية : لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها .
«الذين هم يراءون» في الصلاة وغيرها.
الذين هم يتظاهرون بأعمال الخير مراءاة للناس.
وثالثها : منع الماعون : أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس .
فالمراد بمنع الماعون : مع كل فضل وخير عن سواهم .
فلفظ " الماعون " أصله " معونة " والألف عوض من الهاء .
والعون : هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته .
.
فالمراد بالماعون : ما يستعان به على قضاء الحوائج ، من إناء أو فأس ، أو نار ، أو ما يشبه ذلك .ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا : الزكاة لأنه جرت عادة القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( وَيَمْنَعُونَ الماعون ) أى : لا أحسنوا عبادة ربهم ، ولا أحسنوا إلى خلقه ، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ، ويستعان به ، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم ، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى .
.وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال : هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقِدْر .
.وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها .نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أما قوله تعالى: ﴿ الذين هُمْ يُرَاءونَ ﴾ فاعلم أن الفرق بين المنافق والمرائي؛ أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر، والمرائي المظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين، أو تقول: المنافق لا يصلي سراً والمرائي تكون صلاته عند الناس أحسن.
اعلم أنه يجب إظهار الفرائض من الصلاة والزكاة لأنها شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن فيجب نفي التهمة بالإظهار.
إنما الإخفاء في النوافل إلا إذا أظهر النوافل ليقتدى به، وعن بعضهم أنه رأى في المسجد رجلاً يسجد للشكر وأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتكا لكن مع هذا قالوا: لا يترك النوافل حياء ولا يأتى بها رياء، وقلما يتيسر اجتناب الرياء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على المسح الأسود» فإن قيل: ما معنى المراءاة؟
قلنا هي مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرى الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به.
واعلم أن قوله: ﴿ عَن صلاتهم سَاهُونَ ﴾ يفيد أمرين: إخراجها عن الوقت، وكون الإنسان غافلاً فيها، قوله: ﴿ الذين هُمْ يُرَاءونَ ﴾ يفيد المراءاة، فظهر أن الصلاة يجب أن تكون خالية عن هذه الأحوال الثلاثة.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أريت ﴾ ، بحذف الهمزة، وليس بالاختيار؛ لأنّ حذفها مختص بالمضارع، ولم يصحّ عن العرب: ريت، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أوّل الكلام.
ونحوه: صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ** رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلاَبِ وقرأ ابن مسعود: ﴿ أرأيتك ﴾ بزيادة حرف الخطاب، كقوله: ﴿ أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ ﴾ [الإسراء: 62] والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو؟
إن لم تعرفه ﴿ فَذَلِكَ الذى ﴾ يكذب بالجزاء، هو الذي ﴿ يَدُعُّ اليتيم ﴾ أي: يدفعه دفعاً عنيفاً بجفوة وأذى، ويردّه ردّاً قبيحاً بزجر وخشونة.
وقرئ: ﴿ يدع ﴾ أي: يترك ويجفو ﴿ وَلاَ يَحُضُّ ﴾ ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين، جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف، يعني: أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لخشي الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه: علم أنه مكذب، فما أشدّه من كلام، وأما أخوفه من مقام.
وما أبلغه في التحذير من المعصية وأنها جديرة بأن يستدلّ بها على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين، ثم وصل به قوله ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ﴾ كأنه قال: فإذا كان الأمر كذلك، فويل للمصلين الذين يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها، حتى تفوتهم أو يخرج وقتها، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات ولا اجتناب لما يكره فيها: من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف، ولا ما قرأ من السور، وكما ترى صلاة أكثر من ترى الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ومنع حقوق أموالهم.
والمعنى: أن هؤلاء أحق بأن يكون سهوهم عن الصلاة- التي هي عماد الدين، والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك، ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام- علماً على أنهم مكذبون بالدين.
وكم ترى من المتسمين بالإسلام، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة، فيا مصيبتاه.
وطريقة أخرى: أن يكون ﴿ فَذَلِكَ ﴾ عطفاً على ﴿ الذى يُكَذّبُ ﴾ إمّا عطف ذات على ذات، أوصفة على صفة، ويكون جواب ﴿ أَرَءَيْتَ ﴾ محذوفاً لدلالة ما بعده عليه، كأنه قيل: أخبرني، وما تقول فيمن يكذب بالجزاء؟
وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين؟
أنِعم ما يصنع؟
ثم قال: ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ﴾ أي: إذا علم أنه مسيء، فويل للمصلين، على معنى: فويل لهم، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم؛ لأنهم مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين، غير مزكين أموالهم.
فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائماً مقام ضمير الذي يكذب، وهو واحد؟
قلت: معناه الجمع، لأنّ المراد به الجنس.
فإن قلت: أيّ فرق بين قوله: ﴿ عَن صلاتهم ﴾ وبين قولك: (في صلاتهم)؟
قلت: معنى: (عن): أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها؛ وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين.
ومعنى (في): أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره؛ ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم.
وعن أنس رضي الله عنه: الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ لاهون ﴾ فإن قلت: ما معنى المراآة قلت: هي مفاعلة من الإراءة، لأنّ المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حقّ الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله عليه الصلاة السلام: «ولا غمة في فرائض الله» لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين؛ ولأن تاركها يستحق الذمّ والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار؛ وإن كان تطوعاً، فحقه أن يخفي، لأنه مما لا يلام برتكه ولا تهمة فيه؛ فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فيثنى عليه بالصلاح.
وعن بعضهم: أنه رأى رجلاً في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتك؛ وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة؛ على أن اجتناب الرياء صعب إلاّ على المرتاضين بالإخلاص.
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود» ﴿ الماعون ﴾ الزكاة، قال الراعي: قِوْمٌ عَلَى الإسْلاَمِ لما يَمْنَعُوا ** مَاعُونَهُمْ وِيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلاَ وعن ابن مسعود: ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها.
وعن عائشة الماء والنار والملح؛ وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحاً في المروءة في غير حال الضرورة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا» .
﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ أيْ غافِلُونَ غَيْرُ مُبالِينَ بِها.
﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ يُرُونَ النّاسَ أعْمالَهم لِيُرُوهُمُ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ الزَّكاةَ أوْ ما يَتَعاوَرُ في العادَةِ والفاءُ جَزائِيَّةٌ.
والمَعْنى إذا كانَ عَدَمُ المُبالاةِ بِاليَتِيمِ مِن ضَعْفِ الدَّيْنِ والمُوجِبِ لِلذَّمِّ والتَّوْبِيخِ فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ والرِّياءُ الَّذِي هو شُعْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ، ومَنعُ الزَّكاةِ الَّتِي هي قَنْطَرَةُ الإسْلامِ أحَقُّ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْها الوَيْلَ، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى فَوَيْلٌ لَهُمْ، وإنَّما وضَعَ المُصَلِّينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخالِقِ والخَلْقِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ أرَأيْتَ غُفِرَ لَهُ إنْ كانَ لِلزَّكاةِ مُؤَدِّيًا».»
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)
{فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} يعنى بهذا المنافقين أى لا يصلونها سراً لأنهم لا يعتقدون وجوبها ويصلونها علانية رياء وقيل فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة وهم غافلون عن صلاتهم وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية لفرض فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا
يفعلون ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض الزكاة وما فيه منفعة وعن أنس والحسن قالا الحمد لله الذى قال عن بصلاتهم ولم يقل في صلاتهم لأن معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها وذلك فعل المنافقين ومعنى في أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره والمرا آة مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرائي الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار الفرائض فمن حقها الاعلان بها لقوله صلى الله عليه وسلم ولا عمة فى فرائض الله والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصدا للافتداء به كان جميلاً والماعون الزكاة وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها وعن عائشة رضى الله عنها الماء والنار والملح والله أعلم
سورة الكوثر مكية وهي ثلاث آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ النّاسَ فَيَعْمَلُونَ حَيْثُ يُرُوا النّاسَ ويَرَوْنَهم طَلَبًا لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
مختلف فيها وهي سبع آيات مكية قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ قرأ الكسائي، أَرَأَيْتَ بغير ألف.
وقرأ نافع بالألف بغير همزة، والباقون بالألف والهمزة، أَرَأَيْتَ.
وهذه كلها لغات العرب، واللغة المعروفة بالألف والهمزة، ومعناه ألا ترى يا محمد هذا الكافر الذي يكذب بالدين يعني: بيوم القيامة.
وقال: معناه ما تقول يا محمد في هذا الكافر، الذي يكذب بيوم القيامة، فكيف يكون حاله يوم القيامة.
وقال قتادة: نزلت في وهب بن عايل، وقال جعدة بن هبيرة: نزلت في العاص بن وائل، ويقال: هذا تهديد لجميع الكفار.
ثم قال عز وجل: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ يعني: يدفع اليتيم عن حقه، ويقال: يمنع اليتيم حقه ويظلمه وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يحث على طعام المسكين، ويقال: لا يطعم المسكين.
ثم قال عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ يعني: للمنافقين الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ يعني: لاهين عنها حتى يذهب وقتها.
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ الناس بالصلاة، ولا يريدون بها وجه الله تعالى، حتى إذا رأوا الناس صلوا، وإذا لم يروا الناس لم يصلوا.
قوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال مقاتل: يمنعون الزكاة، والماعون بلغة الحبش المال.
وعن علي بن أبي طالب- - أنه قال: يراءون بصلاتهم، ويمنعون الزكاة.
ويقال: الماعون يعني: المعروف كله، الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.
وعن أبي عبيد قال: سألت عبد الله بن مسعود، - - عن الماعون، قال: الماعون ما يتعاطاه الناس فيما بينهم، مثل الفأس والقدوم والقدر والدلو ونحو ذلك.
وروى وكيع، عن سالم بن عبد الله.
قال: سمعت عكرمة يقول: الماعون: الفأس، والقدوم، والقدر، والدلو.
قلت: من منع هذا فله الويل.
قال من راءى بصلاة وسها عنها، ومنع هذا فله الويل.
وقال القتبي: الماعون الزكاة، ويقال: الماعون هو الماء والكلأ.
وروي عن الفراء أنه قال: هو المال، والله تعالى أعلم بالصواب.
تفسير سورة «الماعون»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
قوله سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ الآية، توقيفٌ وتنبيهٌ لِتَتَذكَّرَ نَفْسُ السامعِ كلَّ من تعرفُه بهذه الصفةِ، والدينُ: الجزاءُ.
ودعُّ اليتيِمِ: دَفْعُه بعُنْفٍ إمَّا عن إطعامهِ والإحْسَانِ إليه، وإما عن حقِّه ومالِه، وهو أشد، ويُرْوَى أَن هذهِ الآيةَ نزلتْ في بعضِ المُضْطَرِبِينَ في الإسلام بمكةَ، لم يُحَقِّقُوا فيه، وفُتِنُوا فَافْتَتَنُوا، وربَّمَا كَانَ يصلى بعضُهم أحياناً مع المسلمينَ مدافعَةً وحَيْرَةً، فقال تعالى فيهم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الآية، ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره أنَّ الآيةَ نزلتْ في العاصِ بن وائلٍ، انتهى «١» ، وقال السهيليّ: قال أهل التفسير: نَزَلَ أولُ السورةِ بمكةَ في أبي جهلٍ، وهو الذي يكذِّبُ/ بالدينِ، ونزل آخرُها بالمدينةِ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ وأصحابه، وهم الذين يُرَاؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعون، انتهى، قال سعد بن أبي وقاصٍ: سألتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، فَقَالَ: «همُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِها» «٢» ، يريدُ- واللَّه أعلم- تَأْخِيرَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ، وإلى هذَا نَحَا مجاهد «٣» ، وقال
عطاء بن يَسَارٍ: الحمدُ للَّهِ الَّذِي قَال: عَنْ صَلاتِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ: في صَلاَتِهِمْ «١» .
وقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ بيانُ أنَّ صلاةَ هؤلاءِ لَيْسَتْ للَّهِ تعالى بإيمانٍ، وإنَّمَا هي رياءٌ للبشر، فلاَ قَبُولَ لها.
وقوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ وصفٌ لهم بِقِلَّةِ النفعِ لعبادِ اللَّهِ، وتلكَ شَرُّ خِصْلَةٍ، وقال عليٌّ وابن عمر: الْماعُونَ: الزكاة «٢» ، وقَالَ ابنُ مسعودٍ وابن عباس وجماعة: هُو مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ كَالفَأْسِ، والدَّلْوِ، والآنِيَةِ، والمقَصِّ ونحوه «٣» ، وسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم: مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ فَقَالَ: المَاءُ وَالنَّارُ، والمِلْحُ، ورَوَتْهُ عَائِشَةُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، وفي بَعْضِ الطُّرُقِ زيادَة الإبْرَةِ، والخَمِيرِ، قال البخاريُّ:
المَاعُونُ: المعروفُ كلُّه، وقال بعضُ العربِ: الماعونُ: الماءُ، وقال عكرمةُ: أعلاه الزكاةُ المفروضة، وأدناه عاريّة المتاع، انتهى «٤» .
سُورَةُ الماعُونِ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ أرَأيْتَ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
وقالَ هِبَةَ اللَّهِ المُفَسِّرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي المُنافِقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: في العاصِ بْنِ وائِلٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: في أبِي جَهْلٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي " الدِّينِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: الجَزاءُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: القُرْآنُ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
و " يَدُعُّ " بِمَعْنى يَدْفَعُ.
وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهُ يَدْفَعُ اليَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ دَفْعًا عَنِيفًا لِيَأْخُذَ مالَهُ.
وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهم كانُوا لا يُورِّثُونَ الصَّغِيرَ، وقِيلَ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ إبْعادًا لَهُ، لِأنَّهُ لا يَرْجُو ثَوابَ إطْعامِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ لِأنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ نَزَلَ هَذا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِصَلاتِهِمْ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِها عِقابًا.
فَإنْ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّوْا رِياءً، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ لَمْ يُصَلُّوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما تَرَكُوها البَتَّةَ ولَوْ تَرَكُوها البَتَّةَ كانُوا كُفّارًا، ولَكِنْ تَرَكُوا المُحافَظَةَ عَلى أوْقاتِها.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها.
ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي لا يَدْرِي عَنْ كَمِ انْصَرَفَ، عَنْ شَفْعٍ، أوْ عَنْ وتْرٍ.
ورَدَّ هَذا بَعْضُ العُلَماءِ فَقالَ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَها في صِلاتِهِ، ولِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ عَنْ صَلاتِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: في صَلاتِهِمْ، ولِأنَّ ذاكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ طَوْقِ ابْنِ آدَمَ.
قالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قُلْتُ: ولا أظُنُّ أبا العالِيَةِ أرادَ السَّهْوَ النّادِرَ، وإنَّما أرادَ السَّهْوَ الدّائِمَ، وذَلِكَ يُنْبِئُنا عَنِ التِفاتِ القَلْبِ عَنِ احْتِرامِ الصَّلاةِ، فَيَتَوَجَّهُ الذَّمُّ إلى ذَلِكَ لا إلى السَّهْوِ.
وَفِي ﴿ الماعُونَ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الإبْرَةُ، والماءُ، والنّارُ، والفَأْسُ، وما يَكُونُ في البَيْتِ مِن هَذا النَّحْوِ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.
ورَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ أنَّهُ قالَ: الماعُونُ: المَعْرُوفُ كُلُّهُ حَتّى ذَكَرَ القِدْرَ، والقَصْعَةَ، والفَأْسَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ الوَيْلُ لِمَن مَنَعَ هَذا، إنَّما الوَيْلُ لِمَن جَمَعَهُنَّ، فَراءى في صِلاتِهِ، وسَها عَنْها، ومَنَعَ هَذا.
قالَ الزَّجّاجُ: والماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما كانَ فِيهِ مَنفَعَةٌ كالفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَّلْوِ، والقَدّاحَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الإسْلامِ أيْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ يَعْمَرَ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.
والرّابِعُ: المالُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ.
والخامِسُ: المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والسّادِسُ: الماءُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ قالَ: وأنْشَدَنِي: يَمُجُّ صَبِيرُهُ الماعُونَ صَبّا والصَّبِيرُ: السَّحابُ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الماعُونِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ عَلِمْتُهُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِينِ ﴾ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ لِتَذْكُرَ نَفْسُ السامِعِ كُلُّ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وهَمَزَ أبُو عَمْرٍو "أرَأيْتَ" -بِخِلافٍ عنهُ-، ولَمْ يَهْمِزْها نافِعٌ وغَيْرُهُ.
و"الدِينِ": الجَزاءُ ثَوابًا وعِقابًا، والحِسابُ هُنا قَرِيبٌ مِنَ الجَزاءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ أيْ: راقَبَ فِيهِ هَذِهِ الخِلال السَيِّئَةَ تَجِدُها، و"دَعِ اليَتِيمَ": دَفْعُهُ بِعُنْفٍ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عن إطْعامِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: عن حَقِّهِ ومالِهِ، فَهَذا أشَدُّ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَدَعُ" بِفَتْحِ الدالِ خَفِيفٌ، بِمَعْنى: لا يُحْسِنُ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ لا يَأْمُرُ بِصَدَقَةٍ، ولا يَرى ذَلِكَ صَوابًا.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ المُضْطَرِّينَ في الإسْلامِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يُحَقِّقُوا فِيهِ، وفُتِنُوا فافْتُتِنُوا، وكانُوا عَلى هَذا الخُلُقِ مِنَ الغَشْمِ وغِلْظِ العِشْرَةِ والفَظاظَةِ عَلى المَساكِينِ، ورُبَّما كانَ بَعْضُهم يُصَلِّي أحْيانًا مَعَ المُسْلِمِينَ مُدافَعَةً وحَيْرَةً، فَقالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ أبُو سُفْيانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجاءَهُ يَتِيمٌ فَقَرَعَهُ بِعَصًا، فَنَزَلَتِ السُورَةُ فِيهِ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «سَألْتُ النَبِيَّ عَنِ الَّذِينَ هم عن صَلاتِهِمْ ساهُونَ، قالَ: "هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَها عن وقْتِها"،» يُرِيدُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسُلَّمٍ -واللهُ تَعالى أعْلَمُ- تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ، وإلى هَذا نَحا مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ "ساهُونَ"، هُمُ التارِكُونَ لَها، أو هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم صَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ، وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ "عن صَلاتِهِمْ"، ولَمْ يَقُلْ: "فِي صَلاتِهِمْ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لاهُونَ" بَدَلُ "ساهُونَ".
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ بَيانُ أنَّ صَلاةَ هَؤُلاءِ لَيْسَتْ لِلَّهِ تَعالى بَيِّنَةَ إيمانٍ، وإنَّما هي رِياءٌ لِلْبَشَرِ، فَلا قَبُولَ لَها، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو الأشْهَبِ: "يُرَؤُّنَ" مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، ورَوى ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "يُرَؤُنَ" بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ وصْفٌ لَهم بِقِلَّةِ النَفْعِ لِعِبادِ اللهِ، وتِلْكَ شَرُّ خُلَّةٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: الماعُونَ: الزَكاةُ، قالَ الراعِي: قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَهْلِيلا وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو ما يَتَعاطاهُ الناسُ بَيْنَهم كالفَأْسِ والدَلْوِ والآنِيَةِ والمِقَصِّ ونَحْوِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وابْنُ زَيْدٍ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الماعُونُ -بِلُغَةِ قُرَيْشٍ- المالُ، «وَسُئِلَ النَبِيُّ : ما الشَيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنعُهُ؟
فَقالَ: "الماءُ والنارُ والمِلْحُ"،» رَوَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، وفي بَعْضِ الطُرُقِ زِيادَةٌ " "والإبْرَةُ والخَمِيرُ"، وحَكى الفَرّاءُ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّ الماعُونَ الماءُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كُنّا نُعِدُّ الماعُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ عارِيَةَ القِدْرِ والدَلْوِ ونَحْوِها.» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الماعُونِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
موقع الفاء صريح في اتصال ما بعدها بما قبلها من الكلام على معنى التفريع والترتب والتسبب.
فيجيء على القول: إن السورة مكية بأجمعها أن يكون المراد بالمصلين عينَ المراد بالذي يكذب بالدين، ويدُعّ اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فقوله ﴿ للمصلين ﴾ إظهار في مقام الإِضمار كأنه قيل: فويل له على سهوه عن الصلاة، وعلى الرياء، وعلى منع الماعون، دعا إليه زيادة تعداد صفاته الذميمة بأسلوب سليم عن تتابع ستِّ صفات لأن ذلك التتابع لا يخلو من كثرة تكرار النظائر فيشبه تتابع الإِضافات الذي قيل إنه مُناكد للفصاحة، مع الإِشارة بتوسط ويل له إلى أن الويل ناشئ عن جميع تلك الصفات التي هو أهلها وهذا المعنى أشار إليه كلام «الكشاف» بغموض.
فوصفهم ب«المصلين» إِذَنْ تهكم، والمراد عدمه، أي الذين لا يصلون، أي ليسوا بمسلمين كقوله تعالى: ﴿ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ﴾ [المدثر: 43، 44] وقرينة التهكم وصفهم ب ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ .
وعلى القول بأنها مدنية أو أن هذه الآية وما بعدها منها مدنية يكون المراد ﴿ بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ المنافقين.
وروَى هذا ابنُ وهب وأشهبُ عن مالك، فتكون الفاء في قوله: ﴿ فويل للمصلين ﴾ من هذه الجملة لربطها بما قبلها لأن الله أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض.
وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع لأن المراد ب ﴿ الذي يكذب بالدين ﴾ : جنس المكذبين على أظهر الأقوال.
فإن كان المراد به معيناً على بعض تلك الأقوال المتقدمة كانت صيغة الجمع تذييلاً يشمله وغيره فإنه واحد من المتصفين بصفة ترك الصلاة، وصفة الرياء، وصفة منع الماعون.
وقوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ صفة ﴿ للمصلين ﴾ مقيِّدة لحكم الموصوف فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق.
فيكون قوله ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ترشيحاً للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم.
وعدي ﴿ ساهون ﴾ بحرف ﴿ عن ﴾ لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة.
وقوله: ﴿ الذين عن صلاتهم ساهون ﴾ يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلاّ رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة.
ويجوز أن يكون معناه: الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل فيكون إطلاق ﴿ ساهون ﴾ تهكماً كما قال تعالى: ﴿ يراءون الناس ولا يذكرون اللَّه إلا قليلاً في المنافقين ﴾ في سورة النساء (142).
و (يراءون) يقصدون أن يَرى الناسُ أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسنَ ما هم بموصوفين بها، ولذلك كَثر أن تعطف السُّمعة على الرياء فيقال: رياء وسُمعة.
وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد لأنه يلازمه تكرير الإِراءة.
والماعون}: يطلق على الإِعانة بالمال، فالمعنى: يمنعون فضلهم أو يمنعون الصدقة على الفقراء.
فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإِسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة.
وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب: الماعون: المال بلسان قريش.
وروى أشهب عن مالك: الماعون: الزكاة، ويشهد له قول الراعي: قوم على الإِسلام لمّا يمنعوا *** ماعونهم ويضيِّعوا التهليلا لأنه أراد بالتهليل الصلاة فجمع بينها وبين الزكاة.
ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشدّ وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه.
وعن عائشة: الماعون الماء والنار والملح.
وهذا ذم لهم بمنتهى البخل.
وهو الشح بما لا يزرئهم.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ هم يراءون ﴾ لتقوية الحكم، أي تأكيده.
فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون والصلاتتِ بعدها: المنافقين، فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من إطلاق الفعل على صورته كقوله تعالى: ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ﴾ [التوبة: 64] أي يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة.
﴿ ويمنعون الماعون ﴾ أي الصدقة أو الزكاة، قال تعالى في المنافقين: ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ [التوبة: 67] فلما عُرفوا بهذه الخلال كان مفاد فاء التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة المكذبين بيوم الدين ويدُعُّون اليتيم ولا يحضّون على طعام المسكين.
وحكى هبة الله بن سَلاَمَة في كتاب «الناسخ والمنسوخ»: أن هذه الآيات الثلاث نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، أي فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد بها واحد على حد قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [الشعراء: 105] أي الرسول إليهم.
والسهو حقيقته: الذهول عن أمر سبق عِلمُه، وهو هنا مستعار للإِعراض والترك عن عمد استعارة تهكمية مثل قوله تعالى: ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ [الأنعام: 41] أي تعرضون عنهم، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى: ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾ في سورة الأعراف (136) وقوله تعالى: ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ في سورة يونس (7)، وليس المقصود الوعيد على السهو الحقيقي عن الصلاة لأن حكم النسيان مرفوع على هذه الأمة، وذلك ينادي على أن وصفهم بالمصلين تهكم بهم بأنهم لا يصلون.
واعلم أنه إذا أراد الله إنزال شيء من القرآن ملحقاً بشيء قبله جعَل نظم الملحق مناسباً لما هو متصل به، فتكون الفاء للتفريع.
وهذه نكتة لم يسبق لنا إظهارها فعليك بملاحظتها في كل ما ثبت أنه نزل من القرآن ملحقاً بشيء نزل قبله منه.
سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ.
الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا.
وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً.
﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا.
﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا.
وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ.
وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ ﴿ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» .
﴿ الَّذِينَ هم يُراءُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» .
﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي: أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا.
∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا.
السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت ﴿ أرأيت الذي يكذب ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ قال: الكافر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين ﴾ قال: بالحساب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أرأيت الذي بالدين ﴾ قال: يكذب بحكم الله ﴿ فذلك الذي يدعّ اليتيم ﴾ قال: يدفعه عن حقه.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فذلك الذي يدعّ اليتيم ﴾ قال: يدفعه عن حقه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت أبا طالب يقول: يقسم حقاً لليتيم ولم يكن ** يدعّ لذي يسارهن الأصاغر وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب ﴿ يدع اليتيم ﴾ قال: يدفعه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يدع اليتيم ﴾ قال: يظلمه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس ﴿ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا ويمنعونهم العارية بغضاً لهم وهي الماعون.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم المنافقون.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ أينا لا يسهو، وأينا لا يحدث نفسه؟
قال: إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت.
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال الحاكم والبيهقي الموقوف أصح.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: الذين يؤخرونها عن وقتها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: تضييع ميقاتها.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مالك بن دينار قال: سأل رجل أبا العالية عن قوله: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ما هو؟
فقال أبو العالية: هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر، فقال الحسن: مه هو الذي يسهو عن ميقاتها حتى تفوت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: لاهون.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ الذين هم عن صلاتهم لاهون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: الحمد لله الذي قال: ﴿ هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ولم يقل في صلاتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: هو الذي يصلي ويقول: هكذا وهكذا يعني يلتفت عن يمينه وعن يساره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: يصلون رياء وليس الصلاة من شأنهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ قال: لا يبالي عنها أصلى أم لم يصلّ.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب ﴿ الذين هم يراؤون ﴾ قال: يراؤون بصلاتهم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والقدر والفأس ولا يستغني عنهن.
وأخرج الفريابي والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الماعون ﴾ قال: الفأس والقدر والدلو ونحوها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كان المسلمون يستعيرون من المنافقين الدلو والقدر والفأس وشبهه فيمنعونهم فأنزل الله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ .
وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكر «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه «عن قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟
قال: لا تمنعوا الماعون.
قالوا: وما الماعون؟
قال: في الحجر وفي الحديدة وفي الماء.
قال: فأي الحديدة؟
قال: قدوركم النحاس وحديد الناس الذي يمتهنون به.
قالوا: ما الحجر؟
قال: قدوركم الحجارة» .
وأخرج الباوردي عن الحرث بن شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يمنعه الماعون، قالوا: يا رسول الله، ما الماعون؟
قال: في الحجر وفي الماء وفي الحديد، قالوا أي الحديد؟
قال: قدر النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به.
قالوا: فما هذا الحجر؟
قال: القدر الذي من الحجارة» .
وأخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون.
قلت: يا رسول الله ما الماعون؟
قال: الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن حفصة بنت سيرين: قالت لنا أم عطية: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمنع الماعون.
قلت: وما الماعون؟
قالت: هو ما يتعاطاه الناس بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الماعون والفأس والقدر والدلو.
وأخرج آدم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: عارية متاع البيت.
وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير قال: الماعون العارية.
وأخرج الفريابي وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة أنه سئل عن الماعون فقال: هي العارية، فقيل: فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟
قال: لا ولكن إذا جمعهن ثلاثهن فله الويل إذا سهى عن الصلاة ورايا ومنع الماعون.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: الماعون الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: أولئك المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها وخفيت الزكاة فمنعوها.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: الزكاة.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي المغيرة قال: قال ابن عمر: المال الذي لا يعطى حقه.
قلت له: إن ابن مسعود قال: هو ما يتعطاه الناس بينهم من الخير.
قال: ذلك ما أقول لك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإِبرة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: الماعون بلسان قريش المال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وابن الحنفية قالا: الماعون الزكاة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: الماعون المعروف.
وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ قال: ما جاء هؤلاء بعد.
قوله: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ قال ابن عباس: يتركون الصلاة في السر، ويصلونها في العلانية (١) (٢) (٣) ثم وصفهم بالبخل أيضًا فقال: (قوله (٤) ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ واختلفوا في تفسير الماعون، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد زكاة أموالهم (٥) (٦) ، والزهري (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قالوا: الماعون: الزكاة (١٧) قال الزهري (١٨) (١٩) (٢٠) وذهب أكثر المفسرين إلى أن الماعون اسم لما يتعاوزه الناس من الدلو، والفأس والقدر وما لا يمنع كالماء، والملح وأشباه ذلك، وهو قول عبد الله بن عباس (في رواية سعيد بن جبير (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) قالوا (٢٦) (٢٧) (٢٨) (هذا قول المفسرين في تفسير الماعون (٢٩) (٣٠) وأما أهل اللغة: فقال أبو عبيدة (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) بِأجْوَدَ (٣٥) (٣٦) (٣٧) لا يحرم الماعون منه الخابطا (٣٨) (٣٩) والماعون في الإسلام الزكاة والطاعة.
قال الراعي (٤٠) قومٌ على الإسلامِ لما يمنعوا ...
ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعوا تهليلا (٤١) ويقال: رضّ بعيرك حتى يعطيك الماعون، أي ينقاد لك، ويعطيك الطاعة) (٤٢) (وهذا قول عطية عن ابن عباس قال في الماعون: هو الطاعة (٤٣) (٤٤) قال الفراء: وسمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء بعينه، وأنشدني: يمحُّ صَبِيرَةُ الماعُونَ صَبًّا (٤٥) (٤٦) وقال أبو العباس: (الماعون) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) فإن قيل على هذا: كيف خص المنافقين، وهم شر الخليقة بمنع الماعون، وهو من المحقرات، وفيهم من الكبائر (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) ومن هذا قالوا: ما له سَعْنة (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) فإنَّ ضَياعَ مَالِكَ غَيرُ مَعْنِ (٦٩) أي غير حقير ولا يسيِر.
وسميت الزكاة ماعونًا، لأنه يؤخذ من المال ربع عشره فهو قليل من كثير (٧٠) (٧١) (١) "جامع البيان" 30/ 313، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"الكشف والبيان" 13/ 162 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 212، و"لباب التأويل" 4/ 412، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 592، و"الدر المنثور" 8/ 642 وعزاه إلى ابن مردويه، و"لباب النقول" 235 وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 500 - 501.
(٢) أحد صلوا: بياض في (ع).
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) "التفسير الكبير" 32/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 215 برواية الضحاك عن ابن عباس، و"البحر المحيط" 8/ 518 "تفسير القرآن العظيم" 4/ 594 عن عطاء، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى البيهقي.
(٦) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 399، و"جامع البيان" 30/ 315، و"بحر العلوم" 3/ 518، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"المحرر الوجيز" 5/ 528، و"زاد المسير" 8/ 318، و"التفسير الكبير" 32/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 213، و"لباب التأويل" 4/ 413، و"البحر المحيط" 8/ 518 "تفسير القرآن العظيم" 4/ 594، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي في سننه.
(٧) "تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
(٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 399، و"جامع البيان" 30/ 315، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"المحرر الوجيز" 5/ 528، و"زاد المسير" 8/ 318، و"التفسير الكبير" 32/ 115، و"لباب التاويل" 4/ 413، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
(٩) "جامع البيان" 30/ 316، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 115، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) "جامع البيان" 30/ 316، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"زاد المسير" 8/ 318، و"التفسير الكبير" 32/ 115، و"لباب التأويل" 4/ 413، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
"تفسير الحسن البصري" 2/ 441.
(١٢) مكرر في (ع).
والقرظي هو محمد بن كعب، وسبق بيان أني لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٣) "جامع البيان" 30/ 316، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 352، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"زاد المسير" 8/ 318، و"التفسير الكبير" 32/ 115، و"لباب التاويل" 4/ 413، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
(١٤) "تفسير مقاتل" 254 أ، و"بحر العلوم" 3/ 518.
(١٥) "جامع البيان" 30/ 316، و"الكشف" 13/ 162 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"التفسير الكبير" 32/ 115 "لباب التأويل" 4/ 413، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى ابن أبي شيبة.
(١٦) ما بين القوسين ذكر بدلاً عن تعداد لفظ: (وجماعة) في (أ).
(١٧) في (أ)، (ع): (الزكوة).
(١٨) "جامع البيان" 30/ 319، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 353، و"زاد المسير" 8/ 318، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 214، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
(١٩) "الكشف والبيان" 13/ 162 ب، كما ورد في الحاشية 6 من كتاب "زاد المسير" 8/ 318، وقد ورد عنه في "تفسيره" 154 أ: الماء وليس المال.
(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢١) "جامع البيان" 30/ 318، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 353، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"المحرر الوجيز" 5/ 528، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 314، و"لباب التأويل" 4/ 413، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"الدر المنثور" 8/ 644 وعزاه إلى آدم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والطبراني 9/ 235 ح 9011 - 9013 - 19014 والحاكم، وصححه البيهقي وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، و"مجمع الزوائد" 7/ 143.
كما ورد عن طريق وائل عن عبد الله بن عباس مثل هذه الرواية في "كشف الأستار عن زوائد البزار" 3/ 82 - 83: ح: 2292.
(٢٢) المراجع السابقة عدا: "معالم التنزيل".
(٢٣) "جامع البيان" 30/ 318، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594.
(٢٤) "بحر العلوم" 3/ 518، و"معالم التنزيل" 4/ 532، و"لباب التأويل" 4/ 43، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 594، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٢٥) ما بين القوسين كتب بدلاً من تعدادهم لفظ "وغيره" في (أ).
(٢٦) في (أ): (قال).
(٢٧) ما بين القوسين ساقط من (أ) (٢٨) ورد معنى قوله في: "بحر العلوم" 3/ 518، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 215، و"الدر المنثور" 8/ 645 وعزاه إلى الفريابي، وابن المنذر، والبيهقي.
(٢٩) وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، وقتادة، وابن الحنفية، وابن زيد، والضحاك، وابن المسيب، وابن مسعود.
انظر: "جامع البيان"30/ 306 - 318، و"المحرر الوجيز" 5/ 528، و"البحر المحيط" 8/ 518 كما عزاه الفخر أيضًا إلى أكثر المفسرين.
"التفسير الكبير" 32/ 115.
(٣٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣١) "مجاز القرآن" 2/ 313.
(٣٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 368.
(٣٤) ساقط من (أ).
(٣٥) في (أ): (بأجود).
(٣٦) في (ع): (يقسم).
(٣٧) ورد بيت الشعر في "ديوانه" ص 199، ط.
دار صادر برواية: (بما عنده).
== "جامع البيان" 30/ 314، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"النكت والعيون" 6/ 353، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 214، و"فتح القدير" 5/ 500، و"لسان العرب" 13/ 410 (معن) برواية: (سماؤهم)، و"تاج العروس" 9/ 347 (معن).
(٣٨) ورد البيت في: "الكشف والبيان" 13/ 162 ب.
(٣٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٠) هو: عبيد بن حصين.
(٤١) ورد البيت في: "تهذيب اللغة" 3/ 17 (ويبدلوا تبديلا) بدلًا من (ويضيعوا تهليلا)، و"لسان العرب" 13/ 410 برواية (على التنزيل) بدلًا من (على الإسلام) و (يبدلوا التنزيلا) بدلًا من (يضيعوا التهليلا)، و"جامع البيان" 30/ 314 برواية (التنزيلا)، و"الكشف والبيان" 13/ 163 أبرواية (التهليلا)، و"النكت والعيون" 6/ 353 (التهليلا) وبمثل رواية التهليلا جاء في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 214، و"البحر المحيط" 8/ 518، و"روح المعاني" 30/ 242.
(٤٢) انظر فيه: "المخصص" لابن سيده 9/ 148، و"لسان العرب" 13/ 409، (معن)، و"الكشف والبيان" 13/ 163 أ.
(٤٣) "النكت والعيون" 6/ 353 ومن غير ذكر طريق عطية، و"زاد المسير" 8/ 318.
(٤٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٥) عجزه: إذا نسمٌ من الهَيْفِ اعْتراه ورد البيت غير منسوب في: "تهذيب اللغة" 3/ 17 (معن)، و"لسان العرب" 13/ 410، و"تاج العروس" 9/ 347 (معن)، و"جامع البيان" 30/ 314، و"الكشف والبيان" 13/ 162 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 214، و"شرح أبيات معاني القرآن" 23: ش 21 موضع الشاهد: الماعون هو الماء.
المعنى: الصبير: السحاب.
انظر: "شرح أبيات معاني القرآن".
(٤٦) "معاني القرآن" 3/ 295 بنصه.
(٤٧) ساقط من (أ).
(٤٨) قدوم: أي الفأس برأسين.
"مجالس ثعلب" لأحمد بن يحيى بن ثعلب: 2/ 429.
(٤٩) شَفرة: السكين العظيم.
"مختار الصحاح" ص 341 (شفر).
(٥٠) سُفرة: السفرة طعام يصنع للمسافر، والجمع سفر، وسميت الجلدة التي يوعى فيها الطعام سفرة مجازًا، و"المصباح المنير" 1/ 329 - 330 (سفر).
(٥١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥٢) ورد قوله في "تهذيب اللغة" 13/ 17 (معن)، وانظر: "لسان العرب" 13/ 410.
(٥٣) غير مقروء في (ع).
(٥٤) في (أ): (هلا).
(٥٥) ساقط من (أ).
(٥٦) غير مقروء في (ع).
(٥٧) يرزا: قال الليث: يقال: ما رَزأ فلان فلانًا شيئاً: أي ما أصاب من ماله شيئًا ولا انتقص منه.
"تهذيب اللغة" 13/ 248 (رزأ).
(٥٨) في (أ): (إلي).
(٥٩) في (أ): (منعهم).
(٦٠) في (أ): (فلم).
(٦١) في (ع): (قال).
(٦٢) منهم: ابن سيده في "المخصص" 9/ 148، 13/ 89.
(٦٣) ساقط من (أ).
(٦٤) لم أعثر على قوله في المعاني، وإنما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 17 (عن)، وانظر: "تاج العروس" 9/ 347 (معن).
(٦٥) في (ع): (سعته).
(٦٦) في (أ).
(منعه).
(٦٧) سعنة ولا معنة: أي لا قليل ولا كثير.
"إصلاح المنطق" 384، انظر: (معن) في.
"تهذيب اللغة" 3/ 17، و"لسان العرب" 13/ 411، و"تاج العروس" 9/ 347.
وأصل معنى: سعنة، ومعنة، قالوا: السعنة من المِعْزَى: صغار الأجسام في خلقها، والمعن الشيء الهين.
وقالوا أيضًا: السعنة: الكثرة من الطعام وغيره، والمعنة: القلة من الطعام وغيره.
وأيضًا: السعنة: القرية الصغيرة يُنبذ فيها، والسُعنة: المِظلة.
"تهذيب اللغة" 2/ 104 (سعن).
(٦٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦٩) البيت كاملاً: ولا ضَيَّعْتُه فأُلام فيه ...
فإنَّ ضياع مالك غير معن ورد البيت في: "ديوانه" ص 118 تأليف د.
نوري القيسي، و"تهذيب اللغة" 3/ 16، 18 (معن)، و"لسان العرب" 13/ 409، و"تاج العروس" 9/ 347، و"المخصص" 9/ 148: نعوت الماء من قبل جريه وسيلانه.
ومعناه مرتبط بالبيت السابق له وهو: يلوم أخي على إهلاك مالي ...
وما إن غاله ظهري وبطني يقول: لم يهلك مالي بطني، يريد الأكل والشرب، وظهري يريد لم أفنه في اللباس، وقيل: الجماع، يعني أنه لم يذهب ماله في الملاذ، ولا ضيعته: أي لم أكن سيئ التدبير فيهلك لسوء التدبير، وإنما صرف إلى الحقوق التي يلزمنا إنفاق المال بها، وغير معن: غير يسير ولا هين.
"ديوانه" ص 118.
(٧٠) لم أعثر على قوله، وإنما وجدته في: "تهذيب اللغة" 3/ 17 (معن)، وانظر: "لسان العرب" 13/ 410 (معن).
(٧١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين ﴾ قيل: إن هذه نزل في أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وقيل: هو مطلق والدين هنا الملة أو الجزاء ﴿ فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم ﴾ أي يدفعه بعنف، وهذا الدفع يحتمل أن يكون عن إطعامه، والإحسان إليه أو عن ماله وحقوقه، وهذا أشدّ والذي لا يحض على طعام المسكين لا يطعمه من باب أولى.
وهذه الجملة هي جواب أرأيت لأن معناها: أخبرني، فكأنه سؤال وجواب والمعنى: انظر الذي كذب بالدين، تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة، والأعمال السيئة، وإنما ذلك لأن الدين يحمل صاحبه على فعل الحسنات.
وترك السيئات فمقصود الكلام ذمّ الكفار وأحوالهم ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴾ قيل: إن هذا نزل في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، والسورة على هذا نصفها مكي ونصفها مدني قاله أبو زيد السهيلي.
وذلك أن ذكر أبي جهل وغيره من الكفار أكثر ما جاء في السور المكية، وذكر السهو عن الصلاة والرياء فيها، إنما هو من صفة الذين كانوا بالمدينة، لاسيما على قول من قال: أنها في عبد الله بن أبيّ، وقيل: إنها مكية كلها وهو الأشهر، ونزل آخرها على هذا في رجل أسلم بمكة ولم يكن صحيح الإيمان، وقيل: مدنية، والسهو عن الصلاة هو تركها أو تأخيرها تهاوناً بها.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، قال: الذين يؤخرونها عن وقتها.
وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: ﴿ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ ﴾ ولم يقل في صلاتهم.
﴿ الذين هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ هو من الرياء أي صلاتهم رياء للناس لا لله ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعون ﴾ وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس.
وي الماعون أربعة أقوال: الأول أنه الزكاة، والثاني أنه المال بلغة قريش.
الثالث أنه الماء، الرابع أنه ما يتعاطاه الناس بينهم كالآنية والفأس والدلو والمقص، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟
فقال الماء والنار والملح وزاد في بعض الطرق: الإبرة والخميرة.
الوقوف: ﴿ بالدين ﴾ ه ط لأن قوله ﴿ فذلك ﴾ كالجزاء لشرط محذوف أي إن لم تعرفه فهو فلان ﴿ اليتيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ج ﴿ للمصلين ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا ﴿ يراءون ﴾ ه لا ﴿ الماعون ﴾ ه.
التفسير: هذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر.
قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبع فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه.
وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي ومكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة.
وعن السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل: في أبي جهل.
حكى الماوردى أنه كان وصياً ليتيم فجاءه وهو عريان أن يسأله شيئاً من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي فقال له أكابر قريش استهزاء: قل لمحمد يشفع لك فجاء إلى النبي والتمس منه الشفاعة، وكان النبي لا يرد محتاجاً فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش فقالوا: صبأت فقال: لا والله ما صبأت لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم يطعنها فيّ.
وقال كثير من المفسرين: إنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين والمعنى: هل عرفت الذي يكذب الجزاء من هو فإن لم تعرفه فهو الذي يدع اليتيم، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب أو الرهبة من العقاب.
فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات، فإنكار المعاد كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي، والغرض منه لتعجيب كقولك " أرأيت فلاناً ماذا ارتكب " والخطاب لكل عاقل، أو للرسول .
وقيل: الدين ههنا هو الإسلام لأنه عند الإطلاق يقع عليه وسائر الأديان كلادين، أو يتناولها مع التقييد كقولك " دين النصارى أو اليهود " والدع الدفع بالعنف كما مر في الطور ذكر شيئين من قبائح أفعال المكذب بالجزاء على سبيل التمثيل وسبب تخصيصهما أنهما منكران بحسب الشرع وبحسب العقل والمروءة أيضاً.
وفي لفظ ﴿ يدع ﴾ بالتشديد رحمة من الله على عباده وإشارة إلى أنه إن صدر أدنى استخدام له أو شيء مما يكرهه الطبع دون الاستفخاف التام والزجر العنيف كان معفواً عند الله ولم يكتب في زمرة المكذبين بالدين، ولا سيما إذا كان بغير اختيار والحض الحث وقد مر في " الفجر".
ولما كان إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلاً على النفاق فالصلاة لا مع الخشوع كانت أولى بأن تدل على النفاق قال ﴿ فويل للمصلين ﴾ وجوز جار الله أن يكون فذلك عطفاً على الذي يكذب إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة، ويكون جواب ﴿ أرأيت ﴾ محذوفاً لدلالة ما بعده عليه كأنه قيل: أخبرني ما تقول فيمن يكذب بالجزاء وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين، أنعم ما يصنع أو أخبرني ما تقول في وصف هذين الشخصين أمرضيّ ذلك؟
ثم قال ﴿ فويل للمصلين ﴾ أي إذا علم أنه مسيء فويل لهم، فوضع صفتهم موضع ضميرهم.
وجمع.
لأن المراد بالذي هو الجنس ووجه الاتصال أنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم.
وفيه أنهم كما قصروا في شأن المخلوق حيث زجروا اليتيم ولم يحضوا على إطعام المسكين فقد قصروا في طاعة الخالق فما صلوا وما زكوا.
والسهو عن الصلاة تركها رأساً أو فعلها مع قلة مبالاة بها كقوله ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ وهو قول سعد بن أبي وقاص ومسروق والحسن ومقاتل: وفائدة عن المفيدة للبعد والمجاوزة هذه.
وأما السهو في الصلاة فذلك أم غير اختياري فلا يدخل تحت التكليف، وقد ثبت أنه سها في الصلاة، وقد أثبت الفقهاء لسجود السهو باباً في كتبهم.
وعن أنس: الحمد لله الذي لم يقر " في صلاتهم " ولعل في إضافة الصلاة إليهم إشارة إلى أن تلك الصلاة لا تليق إلا بهم لأنها كلا صلاة من حيث إنهم تركوا شرائطها وأركانها فلم يكن هناك إلا صورة صلاة صح باعتبارها إطلال المصلين عليهم في الظاهر.
ويجوز أن يطلق لفظ المصلين على تاركي الصلاة بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة ومعنى المفاعلة في المرآة أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به وقد مر في قوله ﴿ رئاء الناس ﴾ و ﴿ يراءون الناس ﴾ ولا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء أو نفي التهمة واجتناب الرياء صعب إلا على من راض نفسه وحملها على الإخلاص ومن هنا قال رسول الله " الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود" وفي ﴿ الماعون ﴾ أقوال: فأكثر المفسرين على أنه اسم جامع لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال ولا ينسب سائله إلى لؤم بل ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار لما روي " ثلاثة لا يحل منعها الماء والنار والملح" ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز في تنورك أو أن يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم.
قالوا: هو " فاعول " من المعن وهو الشيء القليل ولا منه ماله سعنة ومعنة أي كثير وقليل.
وقد تسمى الزكاة ماعوناً لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير.
قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على قدر الضرورة، وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار.
وعن أبي بكر وعلي م وابن عباس وابن الحنيفة وابن عمرو والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو الزكاة لأنه ذكرها عقيب الصلاة.
وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء ولعله خص بالذكر لأنه أعز مفقود وأرخص موجود وأول آلام أهل النار ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ وأول لذات أهل الجنة ﴿ وسقاهم ربهم شراباً ﴾ وقيل: هو حسن الانقياد والطاعة.
وفي الآيتين إشارة إلى أن الصلاة لي والماعون للخلق، فالذي يحب أن يفعل لأجلي يرونه الناس والذي هو حق الخلق يمنعونه منهم فلا يراعون جانب التعظيم لأمر الله ولا جانب الشفقة على خلق الله وهذه كمال الشقاوة نعوذ بالله منها والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْت ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ﴾ ، اختلف في نزوله/ قال ابن عباس - ما - هي مدنية.
وقال مقاتل ومجاهد وجماعة: هي مكية.
وجائز أن يكون أولها نزل بمكة؛ لأن الذي ذكر أنها نزلت في شأنه كان مكيا، وهو العاص بن وائل السهمي مع ما أنهم هم الذين يكذبون بيوم الدين، وآخرها نزل بالمدينة؛ لأن في أواخرها وصف المنافقين، وهو ما ذكر من المراءاة في الصلاة، ومنع ما ذكر.
ثم إن كان نزولها في الكفرة، فالجهة فيه والمعنى غير الجهة والسبب لو كانت نزلت في المنافقين.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْت ﴾ حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام.
ويجوز أن يكون استعماله على وجه التقرير عند السائل؛ لما يراد به إعلامه؛ على سبيل ما روي في الخبر: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما قبل منك؟" ، وكان ذلك في موضع التقرير؛ فكذلك قوله: ﴿ أَرَأَيْت ﴾ ، معناه - والله أعلم -: أن اعلم أن الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين هو الذي يكذب بالدين.
قال أهل التأويل جميعا: ﴿ يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ﴾ ، أي: بالحساب، والبعث.
وجائز أن يكون يكذب بالدين الذي يظهر، أي: يكذب بالدين الذي أظهر لك.
ولا نحقق أن كان في المنافقين؛ لأن أهل النفاق كانوا يكذبون ما يظهرون من الموافقة لرسول الله والمؤمنين.
وإن كان في أهل الكفر، فهو على الرؤساء منهم؛ فتكذيبهم بالدين هو ما كانوا يظهرون لأتباعهم من الجهد والشدة، يموهون بذلك على أتباعهم؛ ليقع عندهم أن الذي هم عليه حق، وأن الذي عليه رسول الله باطل؛ فيكذبون بالدين الذي يرون من أنفسهم، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم.
فيكفما كان إن كانت نزلت في المنافقين، أو في أهل الكفر، أو في الذي كذب بالحساب والبعث، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها عظة وتنبيه للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم؛ لأنه نعت الذي كذب بالدين إن كان المراد به الحسبا، أو الدين نفسه؛ حيث قال: ﴿ فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، كأنه قال: الذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم؛ أي: يظلم اليتيم، ويمنع حقه.
﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، يقول: - والله أعلم - للمؤمنين: لا تظلموا اليتيم، ولا تمنعوا حقه، ولا تسيئوا صحبة اليتيم، كا فعل من كذب بالدين وحضوا على طعام المسكين؛ يصف بخلهم و استهانتهم باليتيم والمساكين، وسوء معاملتهم التي عاملوهم، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ؛ لما عندهم أن من أعطي المال، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له عند الله - - ومن ضيق عليه، ومنع ذلك عنه؛ لهوان له عنده وحقارة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ...
﴾ ، يظنون أن الله - - منع من منع ذلك؛ لهوان له عنده، ومن وسع عليه، وسع لكرامة له عنده؛ فيقول: كيف أكرم من أهانه الله ؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه لا يحض على طعام المسكين.
ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمة اليتيم، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث؛ لأنه ليس لليتيم من ينصره، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه، ويمنع حقه، وكان لا يخاف عقوبة البعث؛ إذ لا يؤمن به.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَرَأَيْتٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ الآية؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية.
ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية، فأهل الإسلام لا يعتقدون [ذلك]، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك.
وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له، وليس للكافر خوف العاقبة؛ لما لا يؤمن بذلك، وإنما يمتنع المرء في الغالب من سوء الصبحة؛ لهذين: إما رغبة في جزاء الآخرة، أو خوف المكافأة في الدنيا، والمساكين لس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم، وليس لليتيم ناصر؛ ليخاف منه، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب الآخرة، ولا خوف من العقاب؛ لعدم تصديقه بذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ هو النهاية في وصفه بالبخل؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطعمه في ثوابه، فإذا لم يرج هو نفسه، فكيف يرجي غيره؟
مع ما أن الحكمة عند هؤلاء الكافرة أن من جر إلى نفسه نفعا فه الحكيم، ومن ضر نفسه فهو جائز غير حكيم، وهوإذا منع الصدقة نفع نفسه، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها؛ فلذلك لا يرغب فيها؛ فهذا المعنى الذي وصفناه، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ : إن كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله - -: ﴿ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر من المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم.
وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً...
﴾ ، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة [الصلاة الحقيقية]، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا رآهم من نأى عنهم ظن [أن ذلك] حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول، ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله: ﴿ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا يخضعون ولا يخشعون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سهوا عن صلاتهم لأنفسهم، وصلاتهم التي هي لأنفسهم هي أن تكمون الصلاة لله - - ويجعلوها له، ولا يصلوا لغير الله من الأصنام وغيرها؛ لأن من صلى لله - - يرجع منفعتها في الحقيقة إليه؛ لما تعلق بها من الجزاء الجميل، فهم بالسهو عن تلك الصلاة وتركها [يلحقون الضرر] بأنفسهم ويجعلونها للأصنام التي لا تضر ولا تنفع.
والثاني: سهوهم [عن] الصلاة حين أضاعوها، وهو ما ذكر في حرف ابن مسعود - - في قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ...
﴾ ؛ فيقول: سهيتم [عن] الصلاة فلم تمنعهم عما ذكر.
وعن ابن عباس - ما - مرفوعا: "هم الذين يؤخرونها عن وقتها".
وقال مجاهد: الساهي: الذي لا يبالى صلى أم لا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ .
وقال الحسن: هم المنافقون، يؤخرونها عن وقتها، ويراءون إذا صلوا.
وقال سعد: الترك عن الوقت.
وقال أبو العالية: الساهي: [هو] الذي لا يدري على شفع انصرف أو على وتر؟
وروي عن [عطاء بن يسار] أنه قا ل: الحمد لله حيث لم يقل: "في صلاتهم ساهون"، ولكنه قال: ﴿ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ ﴾ ، قال ابن عباس - -: هو الزكاة، رواه ابن الزبير، وعكرمة، ومجاهد عنه.
وروي عن على - -: هو الزكاة.
وعن ابن عباس - - في رواية أخرى هو العارية.
وعن ابن عمر قال: هو الذي لا يعطي حقه، وهو الزكاة.
وروي عن على - - في رواية: ﴿ ٱلْمَاعُونَ ﴾ : منع القدر، [والدلو، والفأس].
وعن ابن مسعود - - مثله، وكذا عن ابن عباس في رواية [أخرى].
وقال أبو عبيدة: كل ما فيه نفعه فهو الماعون.
وعن ابن عباس - ما -: ما جاء أهلها بعد.
فإن كان ذلك على العواري، فالمعنى منها ذم البخل، وأشده منع الفرض.
وجائز أن يكون الماعون كل معروف وكل ما يعار، يدخل في ذلك الزكاة وغيرها؛ ففيه ذكر بخلهم وشحهم ومنع الحق من المستحق.
قال أبو عوسجة: ﴿ يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، اي: يضرب، ويدفع في قفاه؛ يقال: دع يدع دعا، فهو داع، ومدعوع.
وقال القتبي: ﴿ يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، أي: يدفعه، وكذلك في قوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، أي: يدفعون.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ ﴾ : لا يحرض، ولا يحث، ﴿ سَاهُونَ ﴾ غافلون.
وفي حرف ابن مسعود - -: (لاهون)، و(أرأيتك) بالكاف، وكذلك في حرف أبي ، [والله أعلم بحقيقة ما أراد].
الذين هم يراؤون بصلاتهم وأعمالهم، لا يخلصون العمل لله.
<div class="verse-tafsir" id="91.LEMgo"
(أرأيت) ههنا بمعنى: هل عرفته وعلمت من هو على التحقيق؟.
والدين هو ما وراء المحسوس من الشؤون الإلهية التي لا تحيط بها النفس إلا من وجه معرفة آثارها في الكون المشهود ومنها إرسال الرسل المؤيدين بالأدلة القاطعة الدالة على أنهم يبلغون عن مدبر الكون ما تصلح به شؤون عباده، وأن للناس حياة أخرى يجازى فيها كل بعمله.
وكثير من الناس -بل الأغلب فيهم- يقولون إنهم يعتقدون بالدين ويصدقون بالله وبما جاء به رسله وبالحياة الآخرة، وينتحلون لأنفسهم المزايا على غيرهم ويظنون أنهم المصطفون وأن من يخالفهم قد حقت عليه كلمة الشقاء ويكتفون في الدلالة على هذه الدعوى ببعض أعمال رسمها الدين -وإن لم يكن لها أثر في قلوبهم- كالصلاة وما يشبهها مما لا ينقص مالًا ولا يجشم مشقة.
والجمهور الأعظم من النصارى واليهود والمشركين -ممن كان في زمنه - كانوا يظنون أنهم يصدقون بالدين ولا يكذبون به وغرتهم صلاتهم وصيامهم، مع أنهم كانوا في أبعد طريق عن حقيقة دينهم...
يشهد بذلك ما كان بينهم من التنافس في الباطل، واستعباد قويهم لضعيفهم، وبخل غنيهم بالمعروف يفيض به على فقيرهم.
ومع ذلك كان كل فريق منهم يعد نفسه صاحب الحظوة عند الله، ويحسب كل من خالفه في مسقط النقمة.
فأراد الله -جل شأنه- أن يعلمنا من هو المكذب بالدين، ومن تعريف المكذب به يعرف المصدق به على الحقيقة..
فبدأ الكلام بقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ ؟
على طريقة الاستفهام لينبه السامع إلى أن الأمر خفي على المحجوب عن نفسه، المغرور بأوهامه.
والخطاب لكل من يفهم الخطاب، أي هل تبينت من هو المكذب بالدين؟
إن لم تكن تبينته (فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين).
هذا هو المكذب بالدين...
فالفاء واقعة في جواب الشرط الذي دل عليه الكلام.
(ويدع اليتيم): أي يدفعه ويزجره زجرًا عنيفًا إذا جاء يطلب منه حاجة، احتقارًا له، وتكبرًا عليه لفقده النصير وخلو ظهره من المجير.
واليتيم مظهر الضعف وممثل الحاجة، فالمستهين به مستهين بكل ضعيف، محتقر لكل محتاج.
فالمعنى أن المكذب بالدين هو الذي يغمط حق غيره تعززًا بقوته..
فكل ظالم منتهك لحرمات الحقوق مكذب بالدين، متى كان ذلك له ديانا، وسواء كان ظلمه لقليل من الناس أو كثير.
والحض على طعام المسكين: الحث عليه، ودعوة الناس إليه.
والذي لا يحض على إطعام المساكين لا يطعمهم في العادة..
فقوله: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت الذي لا يستطيع له كسبًا.
وليس المسكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه، بل هذا هو الملحف الذي يجوز الإعراض عنه وتأديبه بمنعه ما يطلب.
وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه.
وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم.
وهي طريقة الجمعيات الخيرية فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله في سورة الفجر ﴿ كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ .
ونعمت الطريقة هي لإعانة الفقراء وسد شيء من حاجات المساكين.
فالمكذب بالدين هو المحقر لحقوق الضعفاء كبرًا وعتوًا، والذي يبخل بماله على الفقراء، ويبخل بسعيه عند الأغنياء لإغاثة أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بالكفاف من العيش.
وسواء كان المحتقر للحقوق البخيل بالمال والسعي مصليًا أو غير مصل، فصلاته لا تنفعه، ولا تخرجه من صف المكذبين بالدين، لأن المصدق بشيء لا تطاوعه نفسه بالخروج عن حد ما صدق به..
فلو صدق بالدين لعرف أن صلاته إنما هي عنوان الخشوع للقاهر الذي لا يجوز لأحد أن يشاركه في عظمته، الذي خلق الخلق، وحدد حدود الحق، وفرض على الأقوياء الرحمة والعدل في الضعفاء...
فمن لم تذكره صلاته بهذا الذي فرض عليه فهو كاذب في قوله مراء في ظاهر عمله..
ولهذا جاء سبحانه بالتفريع على تعريف المكذب بالدين في قوله ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ : أي إذا عرفت أن المكذب هو الذي أقفر قلبه من المرحمة وأجدب من العدل والمكرمة، فويل لأولئك الذين يصلون، ويؤدون ما يسمى صلاة في عرفهم من الأقوال والأفعال، وهم مع ذلك ساهون عن صلاتهم، أي غافلة قلوبهم عما يقولون وما يفعلون..
فهو يركع في ذهول عن ركوعه، ويسجد في لهو عن سجوده.
وإنما هي حركات تشبه الخطوات التي يخطوها في الطريق: ينقل قدمه من خطوة إلى أخرى، ولا يلاحظ في كل خطوة ذلك المقصد الذي قصده بمشيه.
فهو يدخل في الصلاة بنية أنها مطلوبة منه، ثم يمضي فيها بلا شعور بالقصد مما يفعل، وإنما تجري الأقوال، وتتابع الحركات على حسب العادة، بلا استحضار للمعاني في القلوب.
ثم هم ساهون عن حقيقة الصلاة والحكمة التي فرضها الله لها وهي إخضاع القُوَى لواهب القُوىَ..
وهل يجتمع الخضوع له والخروج عن أوامره فيما فرض أن يراعي من حقوق عباده؟
ولذلك قال في وصفهم: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ : أي يفعلون ما يرى للناس فقط، ولا يستشعرون من روح العبادة ما أوجب الله على النفوس أن تستشعره.
ثم أعاد الوصف الذي يتحقق به التكذيب بالدين مع الصلاة فقال: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ والماعون: كل ما يستعان به..
فأولئك الذين يصلون ولا يأتون من الأعمال إلا ما يرى للناس، مما لا يكلفهم بذل شيء من مالهم، ولا يخشون منه ضررًا يلحق بأبدانهم أو نقصًا يلم بجاههم، ثم يمنعون الناس معونتهم، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سد حاجتهم، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم وطمأنينتهم.
أولئك لا تنفعهم صلاتهم، ولا تخرجهم من حد المكذبين بالدين، لا فرق في ذلك بين من وسموا أنفسهم بسمة الإسلام أو غيره..
فإن حكم الله واحد لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع.
فخاصة المصدق بالدين -التي تميزه عمن سواه من المكذبين- هي العدل والمرحمة وبذل المعروف للناس.
وخاصة المكذب -التي يمتاز بها عن المصدقين- هي احتقار حقوق الضعفاء وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة، وحب الأثرة بالمال، والتعزز بالقوة، ومنع المعروف عمن يستحقه من الناس.
فهل تجد نصًا أصرح من هذا في تعريف التصديق بالدين، وبيان الصفات التي يعرف بها، وفي شرح التكذيب بالدين وتفصيل لوازمه وما يتميز به عن التصديق؟..
فهل للمسلمين -أي الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد وبما جاء به- أن يقيسوا أحوالهم، وما يجدونه من أنفسهم بما يتلونه في هذه السورة الشريفة؟
ليعرفوا هل هم من قسم المكذبين أو المصدقين وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة الذي لا أثر له إلا في ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع الذي يسمونه صيامًا، ولا أثر إلا في عبوس وجوههم وبذاءة ألسنتهم وضياع أوقاتهم في اللهم والبطالة..
وليرجعوا إلى الحق من دينهم فيقيموا الصلاة ويحيوا صورتها بالخشوع وتطامن القوى الإنسانية لقوة العلي الأعلى.
فلا يخرجون من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد له يلتمسون رضاه في رعاية حقوق براياه..
ويجعلوا من الصوم مؤدبًا للشهوة، ومهذبًا للرغبة، ورادعًا للنفس عن الأثرة، فلا يكون في صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم، ثم يؤدوا الزكاة المفروضة، ولا يبخلوا بالمعونة فيما ينفع الخاصة والعامة؟
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟..
أفلا ينظرون إلى ما نزل بهم من الضعف والذلة، وتسلط الأمم عليهم، وانتقاصها أرضهم من كل جانب...
فيعلموا أن هذا هو عقاب الله للمكذبين فيطلبوا النجاة من هذا كله بأخذ سبيل المصدقين، وينزعوا عن الانخداع بما سولته لهم أوهام بعض من يدعي العلم منهم؟..
فإن العيان قد كذبهم وأظهر أن سنة الله في الخلق لا تتبدل، وأن صورة الانتساب إلى دين لا تغني عن اتباع هديه الصحيح الذي يدل عليه النص بعد التواتر في النقل وإجادة التدبر من العقل.