الآية ١ من سورة الكوثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 108 الكوثر > الآية ١ من سورة الكوثر

إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الكوثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الكوثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الكوثر وهي مدنية ، وقيل : مكية .

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، عن المختار بن فلفل ، عن أنس بن مالك قال : أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة ، فرفع رأسه مبتسما ، إما قال لهم وإما قالوا له : لم ضحكت ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه أنزلت علي آنفا سورة " .

فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ( إنا أعطيناك الكوثر ) حتى ختمها ، قال : " هل تدرون ما الكوثر ؟

" ، قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة ، عليه خير كثير ، ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد الكواكب ، يختلج العبد منهم فأقول : يا رب ، إنه من أمتي .

فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " .

هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي ، وهذا السياق .

وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشخب فيه ميزابان من السماء عن نهر الكوثر ، وأن عليه آنية عدد نجوم السماء .

وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق محمد بن فضيل وعلي بن مسهر ، كلاهما عن المختار بن فلفل ، عن أنس .

ولفظ مسلم قال : " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد ، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما ، قلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟

قال : " أنزلت علي آنفا سورة " ، فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ) ثم قال : " أتدرون ما الكوثر ؟

" قلنا : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ، عليه خير كثير ، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم ، فأقول : رب إنه من أمتي .

فيقول : إنك لا تدري ما أحدث بعدك " .

وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية ، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة ، وأنها منزلة معها .

فأما قوله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ) فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة .

وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى ، عن أنس فقال : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أخبرنا ثابت عن أنس أنه قرأ هذه الآية ( إنا أعطيناك الكوثر ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت الكوثر ، فإذا هو نهر يجري ، ولم يشق شقا ، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ ، فضربت بيدي في تربته ، فإذا مسكه ذفرة ، وإذا حصاه اللؤلؤ " وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر ، حافتاه خيام اللؤلؤ ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء ، فإذا مسك أذفر .

قلت : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله عز وجل " .

ورواه البخاري في صحيحه ، ومسلم من حديث شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال : " أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا الكوثر " .

وهذا لفظ البخاري رحمه الله .

وقال ابن جرير : حدثنا الربيع ، أخبرنا ابن وهب ، عن سليمان بن هلال ، عن شريك بن أبي نمر ، قال : سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ، مضى به جبريل في السماء الدنيا ، فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فذهب يشم ترابه ، فإذا هو مسك .

قال : " يا جبريل ، ما هذا النهر ؟

قال : هو الكوثر الذي خبأ لك ربك " .

وقد تقدم [ في ] حديث الإسراء في سورة " سبحان " ، من طريق شريك ، عن أنس [ عن النبي صلى الله عليه وسلم ] وهو مخرج في الصحيحين .

وقال سعيد ، عن قتادة ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر ، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف ، فقال الملك الذي معه : أتدري ما هذا ؟

هذا الكوثر الذي أعطاك الله .

وضرب بيده إلى أرضه ، فأخرج من طينه المسك " وكذا رواه سليمان بن طرخان ومعمر وهمام وغيرهم ، عن قتادة به .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن أبي سريج ، حدثنا أبو أيوب العباسي ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثني محمد بن عبد الله ، ابن أخي ابن شهاب ، عن أبيه ، عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر ، فقال : " هو نهر أعطانيه الله في الجنة ، ترابه مسك ، [ ماؤه ] أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر " .

فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إنها لناعمة ؟

قال : " أكلها أنعم منها " .

وقال أحمد : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن عبد الوهاب ، عن عبد الله بن مسلم بن شهاب ، عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما الكوثر ؟

قال : " نهر في الجنة أعطانيه ربي ، لهو أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر " .

قال عمر : يا رسول الله ، إنها لناعمة ؟

قال : " أكلها أنعم منها يا عمر " .

رواه ابن جرير ، من حديث الزهري ، عن أخيه عبد الله ، عن أنس : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر ، فذكر مثله سواء .

وقال البخاري : حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة ، عن عائشة قال : سألتها عن قوله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ) قالت : نهر [ عظيم ] أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم ، شاطئاه عليه در مجوف ، آنيته كعدد النجوم .

ثم قال البخاري : رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف ، عن أبي إسحاق .

ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة عن عائشة قالت : الكوثر نهر في الجنة ، شاطئاه در مجوف .

وقال إسرائيل : نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء .

وحدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن شمر بن عطية عن شقيق - أو مسروق - قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين ، حدثيني عن الكوثر .

قالت : نهر في بطنان الجنة .

قلت : وما بطنان الجنة ؟

قالت : وسطها ، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت ، ترابه المسك ، وحصاؤه اللؤلؤ والياقوت .

وحدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن أبي جعفر الرازي ، عن ابن أبي نجيح عن عائشة قالت : من أحب أن يسمع خرير الكوثر ، فليجعل أصبعيه في أذنيه .

وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة وفي بعض الروايات : " عن رجل ، عنها " .

ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك ، لا أنه يسمعه نفسه ، والله أعلم .

قال السهيلي : ورواه الدارقطني مرفوعا ، من طريق مالك بن مغول ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال في الكوثر : هو الخير الذي أعطاه الله إياه .

قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ؟

فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .

ورواه أيضا من حديث هشيم ، عن أبي بشر وعطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : الكوثر : الخير الكثير .

[ وقال الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : الكوثر : الخير الكثير ] .

وهذا التفسير يعم النهر وغيره ; لأن الكوثر من الكثرة ، وهو الخير الكثير ، ومن ذلك النهر ، كما قال ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومحارب بن دثار ، والحسن بن أبي الحسن البصري .

حتى قال مجاهد : هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة .

وقال عكرمة : هو النبوة والقرآن ، وثواب الآخرة .

وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا ، فقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عمر بن عبيد ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : الكوثر : نهر في الجنة ، حافتاه ذهب وفضة ، يجري على الياقوت والدر ، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل .

وروى العوفي ، عن ابن عباس نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا عطاء بن السائب ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر أنه قال : الكوثر نهر في الجنة ، حافتاه ذهب وفضة ، يجري على الدر والياقوت ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل .

وكذا رواه الترمذي ، عن ابن حميد ، عن جرير ، عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا .

وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن حفص ، حدثنا ورقاء قال .

.

.

وقال عطاء [ بن السائب ] ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ، والماء يجري على اللؤلؤ ، وماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل " .

وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير ، من طريق محمد بن فضيل ، عن عطاء بن السائب به مرفوعا ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا عطاء بن السائب قال : قال لي محارب بن دثار : ما قال سعيد بن جبير في الكوثر ؟

قلت : حدثنا عن ابن عباس أنه قال : هو الخير الكثير .

فقال : صدق والله إنه للخير الكثير .

ولكن حدثنا ابن عمر قال : لما نزلت : ( إنا أعطيناك الكوثر ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الكوثر نهر في الجنة ، حافتاه من ذهب ، يجري على الدر والياقوت " .

وقال ابن جرير : حدثني ابن البرقي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ، أخبرني حرام بن عثمان ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أسامة بن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده ، فسأل امرأته عنه - وكانت من بني النجار - فقالت : خرج يا نبي الله آنفا عامدا نحوك ، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار ، أولا تدخل يا رسول الله ؟

فدخل ، فقدمت إليه حيسا ، فأكل منه ، فقالت : يا رسول الله ، هنيئا لك ومريئا ، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك ; أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر .

فقال : " أجل ، وعرضه - يعني أرضه - ياقوت ومرجان ، وزبرجد ولؤلؤ " .

حرام بن عثمان ضعيف .

ولكن هذا سياق حسن ، وقد صح أصل هذا ، بل قد تواتر من طريق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ، وكذلك أحاديث الحوض [ ولنذكرها هاهنا ] .

وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة .

وقال عطاء : هو حوض في الجنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) يقول تعالى ذكره: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ) يا محمد ( الْكَوْثَرَ) واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر, فقال بعضهم: هو نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عطاء بن السائب, عن محارب بن دثار, عن ابن عمر: أنه قال: " الكوثر: نهر في الجنة, حافتاه من ذهب وفضة, يجري على الدرّ والياقوت, ماؤه أشدّ بياضا من اللبن, وأحلى من العسل ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, عن محارب بن دثار الباهلي, عن ابن عمر, في قوله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: " نهر في الجنة حافتاه الذهب, ومجراه على الدرّ والياقوت, وماؤه اشدّ بياضا من الثلج, وأشدّ حلاوة من العسل, وتربته أطيب من ريح المسك ".

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عمر بن عبيد, عن عطاء, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: " الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدرّ, ماؤه أبيض من الثلج, وأحلى من العسل ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القُمِّي, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية, عن شقيق أو مسروق, قال: قلت لعائشة: يا أمّ المؤمنين, وما بُطْنان الجنة؟

قالت: " وسط الجنة: حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت, ترابه المسك, وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت ".

حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازيّ, قال: ثنا أبو النضر وشبابة, قالا ثنا أبو جعفر الرازيّ, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن رجل, عن عائشة قالت: الكوثر: نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن أبي جعفر; وحدثنا ابن أبي سريج, قال: ثنا أبو نعيم, قال: أخبرنا أبو جعفر الرازيّ, عن ابن أبي نجيح, عن أنس, قال: الكوثر: نهر في الجنة.

قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة, درّ مجوّف.

حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عائشة: " الكوثر: نهر في الجنة, عليه من الآنية عدد نجوم السماء ".

قال ثنا وكيع, عن أبي جعفر الرازيّ, عن ابن أبي نجيح, عن عائشة قالت: من أحبّ أن يسمع خرير الكوثر, فليجعل أصبعيه في أُذنيه.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عائشة, قالت: نهر في الجنة, شاطئاه الدرّ المجوّف.

قال: ثنا مهران, عن أبي معاذ عيسى بن يزيد, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عائشة قالت: " الكوثر: نهر في بطنان الجنة وسط الجنة, فيه نهر شاطئاه در مجوف, فيه من الآنية لأهل الجنة, مثل عدد نجوم السماء ".

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: نهر أعطاه الله محمدا صلى الله عليه وسلم في الجنة.

حدثنا أحمد بن أبي سريج, قال: ثنا مسعدة, عن عبد الوهاب, عن مجاهد, قال: " الكَوْثر: نهر في الجنة, ترابه مسك أذفر, وماؤه الخمر ".

حدثنا ابن أبي سريج, قال: ثنا عبيد الله, قال: أخبرنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية, في قوله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: نهر في الجنة.

حدثنا الربيع, قال: أخبرنا ابن وهب, عن سليمان بن بلال, عن شريك بن أبي نمر, قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا, قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم, مضى به جبريل في السماء الدنيا, فإذا هو بنهر, عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد, فذهب يَشَمّ ترابه, فإذا هو مسك, فقال: " يا جبريل ما هذا النهر؟" قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربُّك .

وقال آخرون: عُنِي بالكوثر: الخير الكثير.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب, قال: ثني هشيم, قال: أخبرنا أبو بشر وعطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.

قال أبو بشر: فقلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة, قال: فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم, عن عطاء بن السائب, قال: قال محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جُبير في الكوثر؟

قال: قلت: قال: قال ابن عباس: هو الخير الكثير, فقال: صدق والله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: الكوثر: الخير الكثير.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, قال: سألت سعيد بن جبير, عن الكوثر, فقال: هو الخير الكثير الذي آتاه الله, فقلت لسعيد: إنا كنا نسمع أنه نهر في الجنة, فقال: هو الخير الذي أعطاه الله إياه.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثني عبد الصمد, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: الخير الكثير.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد, قال: ثنا شعبة, عن عمارة بن أبى حفصة, عن عكرمة, قال: هو النبوّة, والخير الذي أعطاه الله إياه.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا حرمي بن عمارة, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني عمارة, عن عكرمة في قول الله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: الخير الكثير, والقرآن والحكمة.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: ثنا عمارة بن أبي حفصة, عن عكرمة أنه قال: الكوثر: الخير الكثير.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: الخير الكثير.

قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن هلال, قال: سألت سعيد بن جُبير ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: أكثر الله له من الخير, قلت: نهر في الجنة؟

قال: نهر وغيره.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: الكوثر: الخير الكثير.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: الكوثر: الخير الكثير.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن مجاهد: الكوثر: قال: الخير كله.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: خير الدنيا والآخرة.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة في الكوثر, قال: هو الخير الكثير.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, قال: الكوثر: الخير الكثير.

قال: ثنا وكيع, عن بدر بن عثمان, سمع عكرمة يقول في الكوثر: قال: ما أُعطي النبّي من الخير والنبوّة والقرآن.

حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازيّ, قال: ثنا أبو داود, عن بدر, عن عكرمة, قوله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: الخير الذي أعطاه الله النبوّة والإسلام.

وقال آخرون: هو حوض أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن مطر, عن عطاء ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: حوض في الجنة أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أحمد بن أبي سريج, قال: ثنا أبو نعيم, قال: ثنا مطر, قال: سألت عطاء ونحن نطوف بالبيت عن قوله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: حوض أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي, قول من قال: هو اسم النهر الذي أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة, وصفه الله بالكثرة, لعِظَم قدره.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك, لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك.

* ذكر الأخبار الواردة بذلك: حدثنا أحمد بن المقدام العجلي, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة, عن أنس قال: لما عُرج بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم في الجنة, أو كما قال, عرض له نهر حافتاه الياقوت المجوف, أو قال: المجوب, فضرب الملك الذي معه بيده فيه, فاستخرج مسكا, فقال محمد للملك الذي معه: " ما هَذَا؟" قال: " هذا الكوثر الذي أعطاك الله; قال: ورفعت له سدرة المنتهى, فأبصر عندها أثرا عظيما " أو كما قال.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: " بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ, إذْ عَرَض ليَ نَهْرٌ, حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ المُجَوَّفِ, فقالَ المَلَكُ الَّذِي مَعَهُ: أتَدْرِي ما هَذَا؟

هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ اللهُ إيَّاهُ, وَضَرَبَ بِيَدِهِ إلى أرْضِه, فأخْرَجَ مِنْ طِينِه المِسْكَ" .

حدثني ابن عوف, قال: ثنا آدم, قال: ثنا شيبان, عن قتادة, عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لمَّا عُرِجَ بِي إلى السَّماء, أَتَيْتُ على نَهْرٍ حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ المُجَوَّف, قُلتُ: ما هَذَا يا جِبْرِيلُ؟

قال: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطَاكَ رَبُّكَ, فأهْوَى المَلكُ بِيَدِهِ, فاسْتَخْرَجَ طِينَه مِسْكًا أذفَرَ" .

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن حميد, عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دَخَلْتُ الجَنَّة, فإذَا أنا بِنَهْرٍ حافَتاهُ خِيامُ اللُّؤْلُؤِ, فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى ما يَجْرِي فِيهِ, فإذَا مِسْكٌ أذْفَرُ; قال: قُلْتُ: ما هَذَا يا جِبْرِيلُ؟

قال: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَهُ اللهُ" .

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الصمد, قال: ثنا همام, قال: ثنا قتادة, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحو حديث يزيد, عن سعيد.

حدثنا بشر, قال: ثنا أحمد بن أبي سريج, قال: ثنا أبو أيوب العباس, قال: ثنا إبراهيم بن مسعدة, قال: ثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب, عن أبيه, عن أنس, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر, فقال: " هُوَ نَهْرٌ أعْطانِيهِ اللهُ في الجَنَّةِ, تُرَابُهُ مِسْكٌ أبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ, وأحْلَى مِنَ العَسَلِ, تَرِدُهُ طَيْرٌ أعنَاقُهَا مِثْلُ أعناقِ الجُزُرِ", قال أبو بكر: يا رسول الله, إنها لناعمة؟

قال: "آكِلُها أنْعَمُ مِنْها " .

حدثنا خلاد بن أسلم, قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي وقاص الليثي, عن كثير, عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دَخَلْتُ الجَنَّةَ حِينَ عُرِجَ بِيَ, فَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ, فإذَا هُوَ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ, عُضَادَتاهُ بُيُوتٌ مُجَوَّفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ" .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث, عن الليث, عن يزيد بن الهاد, عن عبد الله بن مسلم بن شهاب, عن أنس: أن رجلا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ما الكوثر؟

قال: " نَهْرٌ أعْطانِيهِ اللهُ فِي الجَنَّةِ, لَهُوَ أشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ, وأحْلَى مِنَ العَسَلِ, فِيهِ طُيُورٌ أعْناقُهَا كأعْناقِ الجُزُرِ".

قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة, قال: "آكِلُها أنْعَمُ مِنْها " .

حدثنا يونس, قال: ثنا يحيى بن عبد الله, قال: ثني الليث, عن ابن الهاد, عن عبد الوهاب عن عبد الله بن مسلم بن شهاب, عن أنس, أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر مثله.

حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن الزهري، أن أخاه عبد الله, أخبره أن أنس بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: ما الكوثر؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نَهْرٌ أعْطانِيهِ اللهُ فِي الجَنَّةِ, مَاؤهُ أبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ, وأحْلَى مِنَ العَسَلِ, فِيهِ طُيُورٌ أعْناقُهَا كأعْناقِ الجُزُرِ", فقال عمر: إنها لناعمة يا رسول الله, فقال: "آكِلُها أنْعَمُ مِنْهَا " .

فقال: عمر بن عثمان: قال ابن أبي أُوَيس; وحدثني أبي, عن ابن أخي الزهريّ, عن أبيه, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكوثر, مثله.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن فضيل, قال: ثنا عطاء, عن محارب بن دثار, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ, حَافَتاهُ مِنْ ذَهَبٍ, وَمجْرَاهُ عَلى الْياقُوتِ والدُّرِّ, تُرْبَتُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ, ماؤُهُ أحْلَى مِنَ العَسَلِ, وأشَدُّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ" .

حدثنا يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: أخبرنا عطاء بن السائب, قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جُبير في الكوثر؟

قلت: حدثنا عن ابن عباس, أنه قال: هو الخير الكثير, فقال: صدق والله, إنه للخير الكثير, ولكن حدثنا ابن عمر, قال: لما نـزلت: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ, حافَتاهُ مِنْ ذَهَبٍ, يَجْرِي على الدُّرِّ واليَاقُوتِ" .

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن أنس بن مالك, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ", قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " رَأَيْتُ نَهَرًا حَافَتاهُ اللُّؤْلُؤ, فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذَا؟

قالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطَاكَهُ اللهُ" .

حدثنا ابن البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير, قال: أخبرنا حزام بن عثمان, عن عبد الرحمن الأعرج, عن أُسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوما, فلم يجده, فسأل امرأته عنه, وكانت من بني النجار, فقالت: خرج, بأبي أنت آنفا عامدا نحوك, فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار, أو لا تدخل يا رسول الله؟

فدخل, فقدمت إليه حيسا, فأكل منه, فقالت: يا رسول الله, هنيئا لك ومريئا, لقد جئت وإني لأريد أن آتيك فأهنيك وأمريك (6) أخبرني أبو عمارة أنك أُعطيت نهرا في الجنة يُدعى الكوثر, فقال: " أَجَلْ, وَعَرْضُهُ - يعني أرضه - يَاقُوتٌ وَمَرْجَانٌ وزَبَرْجَدٌ ولُؤْلُؤٌ" .

------------------------ الهوامش: (6) تريد : أقول لك : هنأك الله وأمرأك ، بما أعطاك من الكوثر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة الكوثروهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتلوهي ثلاث آياتبسم الله الرحمن الرحيمإنا أعطيناك الكوثرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر قراءة العامة .

إنا أعطيناك بالعين .

وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف : ( أنطيناك ) بالنون ; وروته أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وهي لغة في العطاء ; أنطيته : أعطيته .

والكوثر : فوعل من الكثرة ; مثل النوفل من النفل ، والجوهر من الجهر .

والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا .

قال سفيان : قيل لعجوز رجع ابنها من السفر : بم آب ابنك ؟

قالت بكوثر ; أي بمال كثير .

والكوثر من الرجال : السيد الكثير الخير .

قال الكميت :وأنت كثير يا بن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثراوالكوثر : العدد الكثير من الأصحاب والأشياع .

والكوثر من الغبار : الكثير .

وقد تكوثر إذا كثر ; قال الشاعر :وقد ثار نقع الموت حتى تكوثراالثانية : واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ستة عشر قولا :[ ص: 193 ] الأول : أنه نهر في الجنة ; رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة .

وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الكوثر : نهر في الجنة ، حافتاه من ذهب ، ومجراه على الدر والياقوت ، تربته أطيب من المسك ، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج .

هذا حديث حسن صحيح .الثاني : أنه حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموقف ; قاله عطاء .

وفي صحيح مسلم عن أنس قال : بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أغفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟

قال : نزلت علي آنفا سورة - فقرأ - بسم الله الرحمن الرحيم : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر - ثم قال - أتدرون ما الكوثر ؟

.

قلنا الله ورسوله أعلم .

قال : فإنه نهر وعدنيه ربي - عز وجل - ، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك .والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة ، ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) .

وأن على أركانه الأربعة خلفاءه الأربعة ; - رضوان الله عليهم - .

وأن من أبغض واحدا منهم لم يسقه الآخر ، وذكرنا هناك من يطرد عنه .

فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك .

ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرا ، لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد - عليه السلام - هناك .

ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير .الثالث : أن الكوثر النبوة والكتاب ; قاله عكرمة .الرابع : القرآن ; قاله الحسن .الخامس : الإسلام ; حكاه المغيرة .السادس : تيسير القرآن وتخفيف الشرائع ; قاله الحسين بن الفضل .السابع : هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع ; قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب .الثامن : أنه الإيثار ; قاله ابن كيسان .التاسع : أنه رفعة الذكر .

حكاه الماوردي .العاشر : أنه نور في قلبك دلك علي ، وقطعك عما سواي .وعنه : هو الشفاعة ; وهو الحادي عشر .وقيل : معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك ; حكاه الثعلبي ، وهو الثاني عشر .الثالث عشر : قال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله .وقيل : الفقه في الدين .

وقيل : الصلوات الخمس ; وهما الرابع عشر والخامس عشر .

وقال ابن إسحاق : هو العظيم من الأمر ; وذكر بيت لبيد :وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر[ ص: 194 ] أي عظيم .قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثاني ; لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في الكوثر .

وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال : ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض ، لقد تركت عجائز خلفي ، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفي حوضه يقول الشاعر :يا صاحب الحوض من يدانيكا وأنت حقا حبيب باريكاوجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيادة على حوضه ، - صلى الله عليه وسلم - تسليما كثيرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ممتنا عليه: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من جملته، ما يعطيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، من النهر الذي يقال له { الكوثر } ومن الحوض طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته كنجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( إنا أعطيناك الكوثر ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا علي بن مسهر عن المختار - يعني ابن فلفل - عن أنس قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟

قال : أنزلت علي آنفا سورة ، فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم : " إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر " ، ثم قال : " أتدرون ما الكوثر " ؟

قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : " فإنه نهر وعدنيه ربي - عز وجل - عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول : رب إنه مني ، فيقول : ما تدري ما أحدث بعدك " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عمرو بن محمد ، حدثنا هشيم ، حدثنا أبو بشر وعطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " الكوثر " : الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه .

قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير : إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ؟

فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .

قال الحسن : هو القرآن العظيم .

قال عكرمة : النبوة والكتاب .

وقال أهل اللغة : الكوثر : فوعل [ من الكثرة ، كنوفل : فوعل ] من النفل والعرب تسمي كل شيء [ كثير في العدد أو ] كثير في القدر والخطر : كوثرا .

والمعروف : أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن [ علي ] الكشميهني ، حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، حدثنا حميد عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه [ بياض ] اللبن وأحلى من العسل وحافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أذفر فقلت لجبريل : ما هذا ؟

قال الكوثر الذي أعطاكه الله - عز وجل - : .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الصلت ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الكوثر نهر في الجنة ، حافتاه الذهب مجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وأشد بياضا من الثلج " .

.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا نافع [ بن عمر ، عن ] ابن أبي مليكة قال : قال عبد الله بن عمرو : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء ، من يشرب منها لم يظمأ أبدا " .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " [ أنا عند عقر حوضي ] أذود الناس عنه لأهل اليمن " إني لأضربهم بعصاي حتى يرفضوا عنه " وإنه [ ليغت ] فيه ميزابان من الجنة ، أحدهما من ورق والآخر من ذهب طوله ما بين بصرى وصنعاء ، أو ما بين أيلة ومكة أو من مقامي هذا إلى عمان " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أعطيناك» يا محمد «الكوثر» هو نهر في الجنة هو حوضه ترد عليه أمته، والكوثر: الخير الكثير من النبوَّة والقرآن والشفاعة ونحوها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أعطيناك -أيها النبي- الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك نهر الكوثر في الجنة الذي حافتاه خيام اللؤلؤ المجوَّف، وطينه المسك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الكوثر : فَوْعل من الكثرة ، مثل النَّوْفل من النفل ، ومعناه : الشئ البالغ فى الكثرة حد الإِفراط ، والعرب تسمى كل شئ كثر عدده ، وعظم شأنه : كوثرا ، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر : بم آب ابنك؟

قالت : آب بكوثر .

أى : بشئ كثير .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى الكوثر الذى أعطيه النبى صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولاً : الأول : أنه نهى فى الجنة ، رواه البخارى عن أنس ، ورواه الترمذى - أيضاً - عن ابن عمر .

.

الثانى : أنه حوض للنبى صلى الله عليه وسلم فى الموقف .

.

الثالث : أنه النبوة والكتاب .

.

الرابع : أنه القرآن .

.

الخامس : الإِسلام .ثم قال - رحمه الله - قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثانى ، لأنه ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم نص فى الكوثر .

.

وجميع ما قيل بعد ذلك فى تفسيره قد أعطيه صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه .

.

.وافتتح - سبحانه - الكلام بحرف التأكيد ، للاهتمام بالخبر ، وللإِشعار بأن المعطى شئ عظيم .

.

أى : إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا - أيها الرسول الكريم - الكوثر ، أى : الخير الكثير الذى من جملته هذا النهر العظيم ، والحوض المطهر .

.

فأبشر بذلك أنت وأمتك ، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك فى شأنك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف: إحداها: أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة: أولها: البخل وهو المراد من قوله: ﴿ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ  ﴾ الثاني: ترك الصلاة وهو المراد من قوله: ﴿ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ  ﴾ والثالث: المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله: ﴿ الذين هُمْ يُرَاءونَ  ﴾ والرابع: المنع من الزكاة وهو المراد من قوله: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعون  ﴾ فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة، فذكر في مقابلة البخل قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وذكر في مقابلة: ﴿ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ ﴾ قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ أي دم على الصلاة، وذكر في مقابلة: ﴿ الذين هُمْ يُرَاءونَ ﴾ قوله: ﴿ لِرَبّكِ ﴾ أي ائت بالصلاة لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، وذكر في مقابلة: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعون ﴾ قوله: ﴿ وانحر ﴾ وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة، ثم ختم السورة بقوله: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دناه أثر ولا خبر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.

والوجه الثاني: في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات: أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله.

وثانيها: أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية.

وثالثها: أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة، فقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ إشارة إلى المقام الأول وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف.

أمابالكم فلأنها أكثر مقدمات، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالاً من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح، وأما قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ فهو إشارة إلى المرتبة الثانية، وقوله: ﴿ وانحر ﴾ إشارة إلى المرتبة الثالثة، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح، ثم قال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة، أنها دائرة فانية، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية.

ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ اعلم أن فيه فوائد: الفائدة الأولى: أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور.

أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور، فلأن الله تعالى جعل سورة والضحى في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته أولها: قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى  ﴾ .

وثالثها: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ  وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ  وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ  ﴾ ثم ذكر في سورة: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ أنه شرفه بثلاثة أشياء أولها: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ .

وثانيها: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ .

وثالثها: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .

ثم إنه تعالى شرفه في سورة: التين بثلاثة أنواع من التشريف أولها: أنه أقسم ببلده وهو قوله: ﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ .

وثانيها: أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ .

وثالثها: وصولهم إلى الثواب وهو قوله: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ .

ثم شرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات أولها: ﴿ اقرأ باسم رَبّكَ ﴾ أي اقرأ القرآن على الحق مستعيناً باسم ربك.

وثانيها: أنه قهر خصمه بقوله: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية ﴾ .

وثالثها: أنه خصه بالقربة التامة وهو: ﴿ واسجد واقترب ﴾ .

وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة أولها: كونها: خَيْرًا مّن أَلْفِ شَهْرٍ.

وثانيها: نزول: الملائكة والروح فِيهَا.

وثالثها: كونها: سَلاَماً حتى مَطْلَعِ الفجر.

وشرفه في سورة: لَمْ يَكُنِ بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات أولها: أنهم: خَيْرُ البرية.

وثانيها: أن جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات.

وثالثها: رضا الله عنهم.

وشرفه في سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات: أولها: قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية والثاني: قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أعمالهم ﴾ وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور.

وثالثها: قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلابد وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف تلك الخيل بصفات ثلاث: ﴿ والعاديات ضَبْحاً فالموريات قَدْحاً فالمغيرات صُبْحاً ﴾ .

ثم شرف أمته في سورة القارعة بأمور ثلاثة أولها: فمن ثقلت موازينه.

وثانيها: أنهم في عيشة راضية.

وثالثها: أنهم يرون أعداءهم في نار حامية.

في شرفه ثم سورة الهاكم بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين من ثلاثة أوجه أولها: أنهم يرون الجحيم.

وثانيها: أنهم يرونها عين اليقين.

وثالثها: أنهم يسألون عن النعيم.

ثم شرف أمته في سورة والعصر بأمور ثلاثة أولها: الإيمان: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ .

وثانيها: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ .

وثالثها: إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز، فله ثلاثة أنواع من العذاب أولها: أنه لا ينتفع بدنياه البتة، وهو قوله: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ ﴾ .

وثانيها: أنه ينبذ في الحطمة.

وثالثها: أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج، وهو قوله: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ﴾ .

ثم شرف في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه أولها: جعل كيدهم في تضليل.

وثانيها: أرسل عليهم طير أبابيل.

وثالثها: جعلهم كعصف مأكول.

ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه أولها: جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش.

وثانيها: أطعمهم من جوع.

وثالثها: أنه آمنهم من خوف.

وشرفه في سورة الماعون، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة أولها: الدناءة واللؤم، وهو قوله: ﴿ يَدُعُّ اليتيم وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين ﴾ .

وثانيها: ترك تعظيم الخالق، وهو قوله: ﴿ عَن صلاتهم سَاهُونَ *الذين هُمْ يُرَاءونَ ﴾ .

وثالثها: ترك انتفاع الخلق، وهو قوله: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الماعون ﴾ .

ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة، قال بعدها: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السوره المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم، أما عبادة الرب فإما بالنفس، وهو قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ وإما بالمال، وهو قوله: ﴿ وانحر ﴾ وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم، فهو قوله: ﴿ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وأما أنها كالأصل لما بعدها، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله: ﴿ قُلْ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره.

وأما هاهنا فإن محمداً عليه السلام لما كان مبعوثاً إلى جميع أهل الدنيا، كان كل واحد من الخلق، كفرعون بالنسبة إليه، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيراً لطيفاً، وهو أنه قدم على تلك السورة هذه السورة فإن قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ أي الخير الكثير في الدنيا والدين، فيكون ذلك وعداً من الله إياه بالنصرة والحفظ، وهو كقوله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله  ﴾ وقوله: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ وقوله: ﴿ إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله  ﴾ ومن كان الله تعالى ضامناً لحفظه، فإنه لا يخشى أحداً.

وثانيها: أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة، والخلف في كلام الله تعالى محال، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه، ولا يقهرونه، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة.

وثالثها: أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده، وقالوا: إن كنت تفعل هذا طلباً للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيساً على أنفسنا، فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ أي لما أعطاك خالق السموات والأرض خيرات الدنيا والآخرة، فلا تغتر لما لهم ومراعاتهم.

ورابعها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة، فهذا يقوم مقام قوله: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى، بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس، فقدم هذه السورة على سورة: ﴿ قُلْ يا أيهالكافرون ﴾ حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري، فانظر كيف أنجزت لك الوعد، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجاً، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصوراً على الدنيا، أو يكون طالباً للآخرة، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان، ثم يكون مصيره إلى النار، وهو المراد من سورة تبت، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين: منهم من عرف الصانع، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور.

ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين، فبدأ بذكر صفات الله وشرح جلاله، وهو سورة: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق ﴾ ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية، وعند ذلك ختم الكتاب، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم.

الفائدة الثانية: في قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ هي أن كلمة: ﴿ إِنّا ﴾ تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم.

أما الأول: فقد دل على أن الإله واحد، فلا يمكن حمله على الجمع، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون، حين سأل إبراهيم إرسالك، فقال: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ  ﴾ وقال موسى: رب اجعلني من أمة أحمد.

وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغربى إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر  ﴾ وبشر بك المسيح في قوله: ﴿ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ  ﴾ وأما الثاني: وهو أن يكون ذلك محمولاً على التعظيم، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السموات والأرض والموهوب منه، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك ﴾ والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب، فيالها من نعمة ما أعظمها، وما أجلها، وياله من تشريف ما أعلاه.

الفائدة الثالثة: أن الهدية وإن كانتقليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدي العظيم تصير عظيمة، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكراماً عظيماً، لا لأن لذة الهدية في نفسها، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة، فهاهنا الكوثر وإن كان في نفسه في غاية الكثرة، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة وكمالاً.

الفائدة الرابعة: أنه لما قال: ﴿ أعطيناك ﴾ قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع موهوبه، فإن أخذ عوضاً وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع، لأن من وهب شيئاً يساوي ألف دينار إنساناً، ثم طلب منه مشطاً يساوي فلساً فأعطاه، سقط حق الرجوع فهاهنا لما قال: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ طلب منه الصلاة والنحر وفائدته إسقاط حق الرجوع.

الفائدة الخامسة: أنه بنى الفعل على المبتدأ، وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاقاً إلى معرفة أنه بماذا يخبر عنه، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشبهة ومن هاهنا تعرف الفخامة في قوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تعمى الابصار  ﴾ فإنه أكثر فخامة مما لو قال: فإن الأبصار لا تعمى، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له: أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بأمرك.

وذلك إذا كان الموعود به أمراً عظيماً.

فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم، فحينئذ يزول ذلك الشك، وهذه الآية من هذا الباب لأن الكوثر شيء عظيم، قلما تقع المسامحة به.

فلما قدم المبتدأ، وهو قوله: ﴿ إنا ﴾ صار ذلك الإسناد مزيلاً لذلك الشك ودافعاً لتلك الشبهة.

الفائدة السادسة: أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري محرى القسم، وكلام الصادق مصون عن الخلف، فكيف إذا بالغ في التأكيد.

الفائدة السابعة: قال: ﴿ أعطيناك ﴾ ولم يقل: سنعطيك لأن قوله: ﴿ أعطيناك ﴾ يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلاً في الماضي، وهذا فيه أنواع من الفوائد إحداها: أن من كان في الزمان الماضي أبداً عزيزاً مرعي الجانب مقضي الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك، ولهذا قال عليه السلام: «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين».

وثانيها: أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشقاء والإغناء والإفقار، ليس أمراً يحدث الآن، بل كان حاصلاً في الأزل.

وثالثها: كأنه يقول: إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية!.

ورابعها: كأنه تعالى يقول: نحن ما اخترناك وما فضلناك، لأجل طاعتك، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير موجب، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «قبل من قبل لا لعلة، ورد من رد لا لعلة».

الفائدة الثامنة: قال: ﴿ أعطيناك ﴾ ولم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف، فلما قال: ﴿ أعطيناك ﴾ علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلاً بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا  ﴾ ﴿ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس  ﴾ الفائدة التاسعة: قال أولاً: ﴿ إِنَّا أعطيناك ﴾ ثم قال ثانياً: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ وهذا يدل على أن إعطاؤه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق، ولهذا نقل عن الواسطي أنه قال: لا أعبد رباً يرضيه طاعتي ويسخطه معصيتي.

ومعناه أن رضاه وسخطه قديمان وطاعتي ومعصيتي محدثتان والمحدث لا أثر له في قديم، بل رضاه عن العبد هو الذي حمله على طاعته فيما لا يزال، وكذا القول في السخط والمعصية.

الفائدة العاشرة: قال: ﴿ أعطيناك الكوثر ﴾ ولم يقل: آتيناك الكوثر، والسبب فيه أمران الأول: أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجباً وأن يكون تفضلاً، وأما الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه فقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ يعني هذه الخيرات الكثيرة وهي الإسلام والقرآن والنبوة والذكر الجميل في الدنيا والآخرة، محض التفضل منا إليك وليس منه شيء على سبيل الاستحقاق والوجوب، وفيه بشارة من وجهين: أحدهما: أن الكريم إذا شرع في التربية على سبيل التفضل، فالظاهر أنه لا يبطلها، بل كان كل يوم يزيد فيها الثاني: أن ما يكون سبب الاستحقاق، فإنه يتقدر بقدر الاستحقاق، وفعل العبد متناه، فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهياً، أما التفضل فإنه نتيجة كرم الله غير متناه، فيكون تفضله أيضاً غير متناه، فلما دل قوله: ﴿ أعطيناك ﴾ على أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبداً.

فإن قيل: أليس قال: ﴿ آتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني ﴾ ؟

قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: ﴿ هَبْ لِى مَلَكًا ﴾ فقال [ص: 35]: ﴿ هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ  ﴾ ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال: الأمة تكون أضيافاً له، أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: ﴿ ءاتيناك ﴾ فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئاً منه الثاني: أن الشركة في القرآن شركة في العلوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر، فهي شركة في الأعيان وهي عيب الوجه الثاني: في بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء، هو أن الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: ﴿ وأعطى قَلِيلاً وأكدى  ﴾ أما الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى: ﴿ وآتاه الله الملك  ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً  ﴾ والأتي السيل المنصب، إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ يفيد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه: أحدها: يعني هذا الحوض كالشيء القليل الحقير بالنسبة إلى ما هو مدخر لك من الدرجات العالية والمراتب الشريفة، فهو يتضمن البشارة بأشياء هي أعظم من هذا المذكور.

وثانيها: أن الكوثر إشارة إلى الماء، كأنه تعالى يقول: الماء في الدنيا دون الطعام، فإذا كان نعيم الماء كوثراً، فكيف سائر النعيم.

وثالثها: أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء.

ورابعها: كأنه تعالى يقول: هذا الذي أعطيتك، وإن كان كوثراً لكنه في حقك إعطاء لا إيتاء لأنه دون حقك، وفي العادة أن المهدي إذا كان عظيماً فالهدية وإن كانت عظيمة، إلا أنه يقال: إنها حقيرة أي هي حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدي له فكذا هاهنا.

وخامسها: أن نقول: إنما قال فيما أعطاه من الكوثر أعطيناك لأنه دنيا، والقرآن إيتاء لأنه دين.

وسادسها: كأنه يقول: جميع ما نلت مني عطية وإن كانت كوثراً إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفراً وخصمك أبتر، فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ أي فاعبد لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة، كذا روى في الحديث المسند، فحينئذ أستجيب فيصير خصمك أبتر وهو الإيتاء، فهذا ما يخطر بالبال في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك ﴾ أما الكوثر فهو في اللغة فوعل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة، قيل: لأعرابية رجع ابنها من السفر، بم آب ابنك؟

قالت: آب بكوثر، أي بالعدد الكثير، ويقال للرجل الكثير العطاء: كوثر، قال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب *** وكان أبوك ابن الفضائل كوثراً ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى الكوثر في اللغة، واختلف المفسرون فيه على وجوه: الأول: وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة، روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت: ما هذا؟

قيل: الكوثر الذي أعطاك الله».

وفي رواية أنس: «أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان».

ولعله إنما سمي ذلك النهر كوثراً إما لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة، كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار، أو لكثر الذين يشربون منها، أو لكثرة ما فيها من المنافع على ما قال عليه السلام: «إنه نهر وعدنيه ربي فيه خير كثير».

القول الثاني: أنه حوض والأخبار فيه مشهورة ووجه التوفيق بين هذا القول، والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع.

والقول الثالث: الكوثر أولاده قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت رداً على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم.

القول الرابع: الكوثر علماء أمته وهو لعمري الخير الكثير لأنهم كأنبياء بني إسرائيل، وهم يحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرون آثار دينه وأعلام شرعه، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفة الله مختلفين في الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه، كذا علماء أمته متفقون بأسرهم على أصول شرعه، لكنهم مختلفون في فروع الشريعة رحمة على الخلق، ثم الفضيلة من وجهين: أحدهما: أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل نبي ويتبعه أمته فربما يجيء الرسول ومعه الرجل والرجلان، ويجاء بكل عالم من علماء أمته ومعه الألوف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول فربما يزيد عدد متبعي بعض العلماء على عدد متبعي ألف من الأنبياء.

الوجه الثاني: أنهم كانوا مصيبين لأتباعهم النصوص المأخوذة من الوحي، وعلماء هذه الأمة يكونون مصيبين مع كد الاستنباط والاجتهاد، أو على قول البعض: إن كان بعضهم مخطئاً لكن المخطئ يكون أيضاً مأجوراً.

القول الخامس: الكوثر هو النبوة، ولا شك أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التي هي ثانية الربوبية ولهذا قال: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله  ﴾ وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة الله تعالى، لأن معرفة النبوة لابد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته وحكمته، ثم إذا حصلت معرفة النبوة فحينئذ يستفاد منها معرفة بقية الصفات كالسمع والبصر والصفات الخيرية والوجدانية على قول بعضهم، ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه المنقبة، لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين، وهو الذي يحشر قبل كل الأنبياء، ولا يجوز ورود الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى.

ولنذكر هاهنا قليلاً منها، فنقول: إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ وكتاب إبراهيم أيضاً كان كلمات على ما قال: ﴿ وَإِذَ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات  ﴾ وكتاب موسى كان صحفاً، كما قال: ﴿ صُحُفِ إبراهيم وموسى  ﴾ أما كتاب محمد عليه السلام، فإنه هو الكتاب المهيمن على الكل، قال: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ وأيضاً فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة ﴿ فقال أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء  ﴾ ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى بالمنظوم: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن  ﴾ وأما نوح عليه السلام، فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفعل في محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه.

روي أن النبي عليه الصلاة والسلام: كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل، فقال: لئن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول إليه، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه، وسبح حتى صار بين يدي الرسول عليه السلام وسلم عليه، وشهد له بالرسالة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك هذا؟

قال: حتى يرجع إلى مكانه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى مكانه، وأكرم إبراهيم فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وفعل في حق محمد أعظم من ذلك.

عن محمد بن حاطب قال: كنت طفلاً فانصب القدر علي من النار، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: هذا ابن حاطب احترق كما ترى فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه، وقال: أذهب البأس رب الناس، فصرت صحيحاً لا بأس بي وأكرم موسى ففلق له البحر في الأرض، وكرم محمداً ففلق له القمر في السماء، ثم أنظر إلى فرق ما بين السماء والأرض، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام، وكذا أكرم محمداً بذلك فكان الغمام يظلله، وأكرم موسى باليد البيضاء، وأكرم محمداً بأعظم من ذلك وهو القرآن العظيم، الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب، وقلب الله عصا موسى ثعباناً، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين، فانصرف مرعوباً، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه، وكان داود إذا مسك الحديد لان، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت، وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً بالبراق، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء الموتى، وأكرمه بجنس ذلك حين أضافه اليهود بالشاة المسمومة، فلما وضع اللقمة في فمه أخبرته، وأبرأ الأكمه والأبرص، روي أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء، وشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح عليها رسول الله بغصن فأذهب الله البرص، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردها إلى مكانها، وكان عيسى يعرف ما يخفيه الناس في بيوتهم، والرسول عرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل، فأخبره فأسلم العباس لذلك، وأما سليمان فإن الله تعالى رد له الشمس مرة، وفعل ذلك أيضاً للرسول حين نام ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس، فردها حتى صلى، وردها مرة أخرى لعلي فصلى العصر في وقته، وعلم سليمان منطق الطير، وفعل ذلك في حق محمد، روي أن طيراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟

فقال رجل: أنا، فقال: أردد إليها ولدها وكلام الذئب معه مشهور، وأكرم سليمان بمسيرة غدوة شهراً وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان حماره يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به، وقد شكوا إليه من ناقة أنها أغيلت، وأنهم لا يقدرون عليها فذهب إليها، فلما رأته خضعت له، وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي، فلما وصل إلى المفازة، فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجر (ئ) أن يرجع، فتقدم وقال: إني رسول رسول الله فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وحين جاء الأعرابي بالضب، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فتكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة وحنت الحنانة لفراقه، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار، قالت: كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه!

وأطعم الخلق الكثير، من الطعام القليل ومعجزاته أكثر من أن تحصى وتعد، فلهذا قدمه الله على الذين اصطفاهم، فقال: ﴿ وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ فلما كانت رسالته كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثراً، فقال: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ .

القول السادس: الكوثر هو القرآن، وفضائله لا تحصى، ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقلام  ﴾ ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى  ﴾ .

القول السابع: الكوثر الإسلام، وهو لعمري الخير الكثير، فإن به يحصل خير الدنيا والآخرة.

وبفواته يفوت خير الدنيا وخير الآخرة، وكيف لا والإسلام عبارة عن المعرفة، أو مالا بد فيه من المعرفة، قال: ﴿ وَمِنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وإذا كان الإسلام خيراً كثيراً فهو الكوثر، فإن قيل: لم خصه بالإسلام، مع أن نعمه عمت الكل؟

قلنا: لأن الإسلام وصل منه إلى غيره، فكان عليه السلام كالأصل فيه.

القول الثامن: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع، ولا شك أن له من الأتباع مالا يحصيهم إلا الله، وروي أنه عليه الصلاة والسلام، قال: أنا دعوة خليل الله إبراهيم، وأنا بشرى عيسى، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة، فبيناً أكون مع الأنبياء، إذ تظهر لنا أمة من الناس فنبتدرهم بأبصارنا ما منا من نبي إلا وهو يرجو أن تكون أمته، فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء، فأقول: أمتي ورب الكعبة فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثلاً ما ظهر أولاً فنبتدرهم بأبصارنا ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول: أمتي ورب الكعبة، فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع فنبتدرهم، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية، ثم قال: ﴿ ليدخلن ﴾ ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس ولقد قال عليه الصلاة والسلام: «تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط» فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف، فكيف بمثل هذا الجم الغفير، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ .

القول التاسع: الكوثر الفضائل الكثيرة التي فيه، فإنه باتفاق الأمة أفضل من جميع الأنبياء، قال المفضل بن سلمة: يقال رجل كوثر إذا كان سخياً كثير الخير، وفي صحاح اللغة: الكوثر السيد الكثير الخير، فلما رزق الله تعالى محمداً هذه الفضائل العظيمه حسن منه تعالى أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيقول: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ .

القول العاشر: الكوثر رفعة الذكر، وقد مر تفسيره في قوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  ﴾ .

القول الحادي عشر: أنه العلم قالوا: وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه: أحدها: أن العلم هو الخير الكثير قال: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ وأمره بطلب العلم، فقال: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً  ﴾ وسمى الحكمة خيراً كثيراً، فقال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ .

وثانيها: أنا إما أن نحمل الكوثر على نعم الآخرة، أو على نعم الدنيا، والأول غير جائز لأنه قال: أعطينا، ونعم الجنة سيعطيها لا أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة داخلة في العلم، فوجب حمل اللفظ على العلم.

وثالثها: أنه لما قال: ﴿ أعطيناك الكوثر ﴾ قال عقيبه: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ والشيء الذي يكون متقدماً على العبادة هو المعرفة، ولذلك قال في سورة النحل (2): ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون ﴾ وقال في طه (14): ﴿ إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى ﴾ فقدم في السورتين المعرفة على العبادة، ولأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فصل ﴾ تدل على أن إعطاء الكوثر كالموجب لهذه العبادة، ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم.

القول الثاني عشر: أن الكوثر هو الخلق الحسن، قالوا: الانتفاع بالخلق الحسن عام ينتفع به العالم والجاهل والبهيمة والعاقل، فأما الانتفاع بالعلم، فهو مختص بالعقلاء، فكان نفع الخلق الحسن أعم، فوجب حمل الكوثر عليه، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل عقدهم ويكفي مهمهم، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه، قال: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

القول الثالث عشر: الكوثر هو المقام المحمود الذي هو الشفاعة، فقال في الدنيا: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ وقال في الآخرة: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وعن أبي هريرة قال عليه السلام: «إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».

القول الرابع عشر: أن المراد من الكوثر هو هذه السورة، قال: وذلك لأنها مع قصرها وافية بجميع منافع الدنيا والآخرة، وذلك لأنها مشتملة على المعجز من وجوه أولها: أنا إذا حملنا الكوثر على كثرة الأتباع، أو على كثرة الأولاد، وعدم انقطاع النسل كان هذا إخباراً عن الغيب، وقد وقع مطابقاً له، فكان معجزاً.

وثانيها: أنه قال: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ وهو إشارة إلى زوال الفقر حتى يقدر على النحر، وقد وقع فيكون هذا أيضاً إخباراً عن الغيب.

وثالثها: قوله: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ وكان الأمر على ما أخبر فكان معجزاً.

ورابعها: أنهم عجزوا عن معارضتها مع صغرها، فثبت أن وجه الإعجاز في كمال القرآن، إنما تقرر بها لأنهم لما عجزوا عن معارضتها مع صغرها فبأن يعجزوا عن معارضة كل القرآن أولى، ولما ظهر وجه الإعجاز فيها من هذه الوجوه فقد تقررت النبوة وإذا تقررت النبوة فقد تقرر التوحيد ومعرفة الصانع، وتقرر الدين والإسلام، وتقرر أن القرآن كلام الله وإذا تقررت هذه الأشياء تقرر جميع خيرات الدنيا والآخرة فهذه السورة جارية مجرى النكتة المختصرة القوية الوافية بإثبات جميع المقاصد فكانت صغيرة في الصورة كبيرة في المعنى، ثم لها خاصية ليست لغيرها وهي أنها ثلاث آيات، وقد بينا أن كل واحدة منها معجز فهي بكل واحدة من آياتها معجز وبمجموعها معجز وهذه الخاصية لا توجد في سائر السور فيحتمل أن يكون المراد من الكوثر هو هذه السورة.

القول الخامس عشر: أن المراد من الكوثر جميع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول عن ابن عباس لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي فوجب حملها على الكل، وروي أن سعيد بن جبير، لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إنا ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، وقال بعض العلماء ظاهر قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى من النبوة والقرآن والذكر الحكيم والنصرة على الأعداء، وأما الحوض وسائر ما أعد له من الثواب فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد الله فهو كالواقع إلا أن الحقيقة ما قدمناه لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال: على الحقيقة إنه أعطاه في حال نزول هذه السورة بمكة، ويمكن أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بضيعة له يصح أن يقال: إنه أعطاه تلك الضيعة مع أن الصبي في تلك الحال لا يكون أهلاً للتصرف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنا أنطيناك ﴾ بالنون.

وفي حديثه صلى الله عليه وسلم: «وانطوا الثبجة» والكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة.

وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟

قالت: آب بكوثر.

وقال: وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ** وَكَانَ أَبُوكَ ابْنَ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟

إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير» وروي في صفته: «أحلى من العسل، وأشدّ بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء» وروي: «لا يظمأ من شرب منه أبداً: أول وارديه: فقراء المهاجرين: الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه» وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناساً يقولون: هو نهر في الجنة!

فقال: هو من الخير الكثير.

والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى.

وقيل: صلاة العيد والتضحية.

وقيل: هي جنس الصلاة.

والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم؛ فاعبد ربك الذي أعزّك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفاً لهم في النحر للأوثان (إن) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم ﴿ هُوَ الأبتر ﴾ لا أنت؛ لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك موفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر: وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن.

وكانوا يقولون: إنّ محمداً صنبور: إذا مات مات ذكره.

وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له.

ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الكَوْثَرِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنّا ﴿ أعْطَيْناكَ ﴾ وقُرِئَ «أنْطَيْناكَ» .

﴿ الكَوْثَرَ ﴾ الخَيْرَ المُفْرِطَ الكَثْرَةِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ وشَرَفِ الدّارَيْنِ.

وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ وعَدَنِيهِ رَبِّي فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وأبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، حافَّتاهُ الزَّبَرْجَدُ وأوانِيهِ مِن فِضَّةٍ لا يَظْمَأُ مَن شَرِبَ مِنهُ» ، وقِيلَ: حَوْضٌ فِيها، وقِيلَ: أوْلادُهُ وأتْباعُهُ، أوْ عُلَماءُ أُمَّتِهِ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خِلافَ السّاهِي عَنْها المُرائِي فِيها شُكْرًا لِإنْعامِهِ، فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِأقْسامِ الشُّكْرِ.

﴿ وانْحَرْ ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُهم ويَمْنَعُ عَنْهُمُ الماعُونَ، فالسُّورَةُ كالمُقابِلَةِ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَدْ فُسِّرَتِ الصَّلاةُ بِصَلاةِ العِيدِ والنَّحْرُ بِالتَّضْحِيَةِ.

﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ إنَّ مَن أبْغَضَكَ لِبُغْضِهِ اللَّهَ.

﴿ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ إذْ لا يَبْقى لَهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَوْثَرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن كُلِّ نَهْرٍ لَهُ في الجَنَّةِ، ويَكْتُبُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ قُرْبانٍ قَرَّبَهُ العِبادُ في يَوْمِ النَّحْرِ العَظِيمِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا أعطيناك الكوثر} هو فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة وقيل هو نهر في الجنة أحلى من العسل وأشد بياضاً من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الخير الكثير فقيل له إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة فقال هو من الخير الكثير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الكَوْثَرِ وتُسَمّى كَما قالَ البِقاعِيُّ سُورَةَ النَّحْرِ.

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونُسِبَ في البَحْرِ إلى الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وفي الإتْقانِ أنَّهُ الصَّوابُ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وغَيْرُهم عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إغْفاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقالَ: «إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ حَتّى خَتَمَها...» الحَدِيثَ.

وفِي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يَقْتَضِي كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ وسَتَسْمَعُ بَعْضًا مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِن هُنا اسْتُشْكِلَ أمْرُها، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ لِبَعْضِهِمْ تَأْلِيفًا صَحَّحَ فِيهِ أنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ.

وآيُها ثَلاثٌ بِلا خِلافٍ ولَيْسَ في القُرْآنِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ سُورَةٌ آيُها أقَلُّ مِن ذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها أقْصَرُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، وقالَ الإمامُ: هي كالمُقابِلَةِ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ السّابِقَةَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى فِيها المُنافِقَ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: البُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ.

فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ في مُقابَلَةِ البُخْلِ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ أيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ، وفي مُقابَلَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ: ﴿ فَصَلِّ ﴾ أيْ: دُمْ عَلى الصَّلاةِ، وفي مُقابَلَةِ الرِّياءِ: ﴿ لِرَبِّكَ ﴾ أيْ: لِرِضاهُ لا لِلنّاسِ، وفي مُقابَلَةِ مَنعِ الماعُونِ: ﴿ وانْحَرْ ﴾ .

وأرادَ بِهِ سُبْحانَهُ التَّصَدُّقَ بِلُحُومِ الأضاحِيِّ.

ثُمَّ قالَ: فاعْتُبِرَ هَذِهِ المُناسَبَةُ العَجِيبَةُ.

انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: «أنْطَيْناكَ» بِالنُّونِ وهي عَلى ما قالَ التَّبْرِيزِيُّ لُغَةُ العَرَبِ العَرْباءِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وأهْلِ اليَمَنِ ولَيْسَتْ مِنَ الإبْدالِ الصِّناعِيِّ في شَيْءٍ.

ومِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اليَدُ العُلْيا المُنْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ»».

«وكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوائِلٍ: «أنْطُوا الثَّبْجَةَ - أيِ الوَسَطَ - في الصَّدَقَةِ»».

﴿ الكَوْثَرَ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ.

فَذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا المَرْوِيِّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ ومَن مَعَهُما: ««هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟» قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: «هُوَ نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الكَواكِبِ، يَخْتَلِجُ العَبْدُ مِنهم فَأقُولُ: يا رَبِّ، إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثَ بَعْدَكَ»».

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَإذا أنا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ خِيامُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى ما يَجْرِي فِيهِ الماءُ فَإذا مِسْكٌ أذْفَرُ، قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟

قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَهُ اللَّهُ تَعالى»».

وجاءَ في حَدِيثٍ عَنْ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: «قَدْ أُعْطِيتُ الكَوْثَرَ».

قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الكَوْثَرُ؟» قالَ: «نَهْرٌ في الجَنَّةِ عَرْضُهُ وطُولُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ فَيَظْمَأُ ولا يَتَوَضَّأُ مِنهُ أحَدٌ فَيَشْعَثُ أبَدًا، لا يَشْرَبُ مِنهُ مَن أخَفَرَ ذِمَّتِي ولا مَن قَتَلَ أهْلَ بَيْتِي»».

ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ عُمْقُهُ سَبْعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ ماؤُهُ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، شاطِئاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ والزَّبَرْجَدُ، خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقالَتْ: لَيْسَ أحَدٌ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ إلّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ.

وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

وقِيلَ: هو حَوْضٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَحْشَرِ.

وقَوْلُ بَعْضِهِمُ الِاخْتِلافُ في الرِّواياتِ سَبَبُهُ مُلاحَظَةُ اخْتِلافِ سُرْعَةِ السَّيْرِ وعَدِمِها وهو قَبْلَ المِيزانِ والصِّراطِ عِنْدَ بَعْضٍ، وبَعْدَهُما قَرِيبًا مِن بابِ الجَنَّةِ حَيْثُ يُحْبَسُ أهْلُها مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَتَحالَلُوا مِنَ المَظالِمِ الَّتِي بَيْنَهم عِنْدَ آخَرِينَ، ويَكُونُ عَلى هَذا في الأرْضِ المُبْدَلَةِ.

وقِيلَ: لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَوْضانِ: حَوْضٌ قَبْلَ الصِّراطِ وحَوْضٌ بَعْدَهُ، ويُسَمّى كُلٌّ مِنهُما عَلى ما حَكاهُ القاضِي زَكَرِيّا كَوْثَرًا، وصَحَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ الصِّراطِ، وأنَّ الكَوْثَرَ في الجَنَّةِ، وأنَّ ماءَهُ يَنْصَبُّ فِيهِ؛ ولِذا يُسَمّى كَوْثَرًا ولَيْسَ هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالنَّهْرِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَرِدُهُ مُؤْمِنُو أُمَمِهِمْ.

فَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: ««إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وإنَّهم يَتَباهَوْنَ أيُّهم أكْثَرُ وارِدَةً، وإنِّي أرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم وارِدَةً»».

وهُوَ كَما قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وهَذِهِ الحِياضُ لا يَجِبُ الإيمانُ بِها كَما يَجِبُ الإيمانُ بِحَوْضِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَنا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ النّافِينَ لَهُ لِكَوْنِ أحادِيثِهِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ بِخِلافِ أحادِيثِها فَإنَّها آحادٌ.

بَلْ قِيلَ: لا تَكادُ تَبْلُغُ الصِّحَّةَ.

ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الكَوْثَرَ هو النَّهْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا وهو الحَوْضُ وهو عَلى ظَهْرِ مَلَكٍ عَظِيمٍ يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ يَكُونُ فَيَكُونُ في المَحْشَرِ؛ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ، وفي الجَنَّةِ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ.

وقِيلَ: هو أوْلادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن عابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم -والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى- كَثِيرُونَ قَدْ مَلَئُوا البَسِيطَةَ.

وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: أصْحابُهُ وأشْياعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: عُلَماءُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم أيْضًا كَثِيرُونَ في كُلِّ قُطْرٍ وإنْ كانُوا اليَوْمَ في بَعْضِ الأقْطارِ، والأمْرُ لِلَّهِ تَعالى أقَلُّ قَلِيلٍ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ.

وقِيلَ: هو الإسْلامُ.

وقالَ هِلالٌ: هو التَّوْحِيدُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هو النُّبُوَّةُ.

وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو نُورُ قَلْبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقِيلَ: هو العِلْمُ والحِكْمَةُ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو الإيثارُ.

وقِيلَ: هو الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ المُتَّصِفُ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ: المَقامُ المَحْمُودُ.

وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ في التَّحْرِيرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا فِيهِ وصَحَّحَ في البَحْرِ قَوْلَ النَّهْرِ، وجَماعَةٌ أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ والنِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو المَشْهُورُ عَنِ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكَوْثَرُ الخَيْرُ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قالَ أبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ.

قالَ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وحُكِيَ هَذا الجَوابُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَفْسِهِ أيْضًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما صَحَّ في الأحادِيثِ مِن تَفْسِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ بِالنَّهْرِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْصِيصِ لِنُكْتَةٍ؛ وإلّا فَبَعْدَ أنْ صَحَّ الحَدِيثُ في ذَلِكَ بَلْ كادَ يَكُونُ مُتَواتِرًا كَيْفَ يُعْدَلُ عَنْهُ إلى تَفْسِيرٍ آخَرَ؟

وكَذا يُقالُ في سائِرِ ما في الأقْوالِ السّابِقَةِ وغَيْرِها.

وهو فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: الشَّيْءُ الكَثِيرُ كَثْرَةً مُفْرِطَةً.

قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكِ؟

قالَتْ: بِكَوْثَرٍ.

وقالَ الكُمَيْتُ: وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا وفِي حَذْفِ مَوْصُوفِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وفي إسْنادِ الإعْطاءِ إلَيْهِ دُونَ الإيتاءِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إيتاءٌ عَلى جِهَةِ التَّمْلِيكِ؛ فَإنَّ الإعْطاءَ دُونَهُ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وهَبْ لِي مُلْكًا ﴾ .

وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْطى وإنْ كانَ كَثِيرًا في نَفْسِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ الإيتاءَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ العَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ والإعْطاءُ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ فَفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِالتَّفَضُّلِ أشْبَهُ بِخِلافِ الإيتاءِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ واجِبًا فَفِيهِ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ والتَّزايُدِ أبَدًا؛ لِأنَّ التَّفَضُّلَ نَتِيجَةُ كَرَمِ اللَّهِ تَعالى الغَيْرِ المُتَناهِي.

وفي جَعْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ ضَمِيرَ المُخاطَبِ دُونَ الرَّسُولِ أوْ نَحْوِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإعْطاءَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بَلْ هو مِن مَحْضِ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ.

وفِيهِ أيْضًا مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخِطابِ ما لا يَخْفى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ الإعْطاءِ إلى «نا» إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا سَعى فِيهِ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالماضِي قِيلَ: إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ الإعْطاءِ، وأنَّهُ أمْرٌ مَرْعِيٌّ لَمْ يُتْرَكْ إلى أنْ يُفْعَلَ بَعْدُ.

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى بِشارَةٍ أُخْرى كَأنْ قِيلَ: إنّا هَيَّأْنا أسْبابَ سَعادَتِكَ قَبْلَ دُخُولِكَ في الوُجُودِ فَكَيْفَ نُهْمِلُ أمْرَكَ بَعْدَ وُجُودِكَ واشْتِغالِكَ بِالعُبُودِيَّةِ؟

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِالإغْناءِ والإفْقارِ والإسْعادِ والإشْقاءِ لَيْسَ أمْرًا مُحْدَثًا بَلْ هو حاصِلٌ في الأزَلِ.

وبُنِيَ الفِعْلُ عَلى المُبْتَدَأِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقَوِّي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الكَوْثَرِ وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِأنَّ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ وقِيلَ لِرَدِّ اسْتِبْعادِ السّامِعِ الإعْطاءَ لِما أنَّهُ لَمْ يُعَلَّلْ والمُعْطى في غايَةِ الكَثْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في الكَوْثَرِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث آيات مكيّة قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ يعني: الخير الكثير لفضيلة القرآن، ويقال العلم، وقال القتبي أحسبه «فَوْعَلَ» من الكثرة والخير الكثير، وقال مقاتل: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أراد به نهراً في الجنة طينه مسك أذفر ورضراضه اللؤلؤ أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وروى عطاء بن السائب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن عمر  م قال: قال رسول الله  : الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب ومجراه على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، تربته أطيب من المسك وروي عن أنس عن النبيّ  أنه قال: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ فَإِذَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ مِنَ اللُؤْلُؤْ المُجَوَّفِ يَعْنِي الخِيَامَ قُلْتُ مَا هذا يَا جِبْرِيل؟

قَالَ: هذا الكَوثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ» .

ثُمَّ قال عز وجل فَصَلِّ لِرَبِّكَ يعني صلّ لله الصلوات الخمس وَانْحَرْ قال بعضهم: انحر نفسك يعني اجتهد في الطاعة، وقال بعضهم: انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، وقال بعضهم: صل صلاة العيد يوم العيد وانحر البدنة ثم قال عز وجل: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني: مبغضك وهو «العاص بن وائل السهمي» هو الأبتر يعني: الأبتر من الخير وذلك أن العاص بن وائل السهمي كان يقول لأصحابه: هذا الأبتر الذي لا عقب له.

وبلغ ذلك رسول الله  فاغتم لذلك فنزل إن شانئك هو الأبتر وأنت يا محمد  ستذكر معي إذا ذكرت فرفع الله ذكره في كل مواطن ويقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بأن يستوي بين السجدتين حتى يبدي نحره فخاطب بذلك النبيّ  والمراد به جميع الأمة كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وأراد به هو وأصحابه، وروي عن علي بن أبي طالب،  في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال يعني: ضع اليمين على الشمال في الصلاة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ في ماله وولده وأهله والبتر: في اللغة الاستئصال والقطع وقال قتادة الأبتر الحقير الرقيق الذليل.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الكوثر»

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال جماعة من الصحابة والتابعين: الْكَوْثَرَ نَهْرٌ في الجنةِ حافَّتَاه قِبَابٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مجوَّفٍ، وطينُه مِسْكٌ وحَصْبَاؤه يَاقُوتٌ، ونحوُ هذا مِنْ صفاتِه، وإنِ اختلفتْ ألْفَاظُ رُوَاتِه، وقال ابن عباس: الكَوثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ/ قال ابن جُبَيْرٍ: النَّهْرُ الذي في الجنةِ هُو من الخيرِ الذي أعْطَاه اللَّهُ إياه «١» ت: وخَرَّجَ مسلمٌ عن أنس قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يومٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أغفى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ، فَقَرَأَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إلى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟

قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» الحديثُ، انتهى، وخَرَّج ابنُ ماجه من حديثِ ثَوْبَانَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أوَّلَ مَنْ يَرِدُ عَلى الحَوْضِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الدُّنْسُ ثِياباً الشُّعْثُ رُؤوساً، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ، وَلاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ» «٢» ، قال الراوي: فبكى عمرُ بن عبدِ العزيزِ حتى اخضل لِحْيَتُهُ، حِينَ بلغهُ الحديثُ، وقال: لاَ جَرَمَ، إنِّي لاَ أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حتى يَتَّسِخَ، وَلاَ أَدْهِنُ رَأْسِي حتى يَشْعَثَ، وخَرَّجَه أبو عيسى الترمذيُّ عن ثوبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمعناه «٣» ، ونَقَلَ صاحبُ «التذكرة» «٤» عن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ الحَوْضَ عَلَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ السَّائِحُونَ الَّذِينَ إذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ استقبلوه بِالحُزْنِ، انتهى من «التذكرة» ، ورَوَى أبو داودَ في «سننِه» عن أبي حمزةَ عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يُرِدُ عَلَي الحَوْضِ، قَال: قُلْتُ:

كَمْ كُنْتُمْ يَومَئِذٍ؟

قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ، انتهى «١» .

وقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أمْرٌ بالصلاةِ على العمومِ، والنَّحْرُ/ نَحْرُ الهَدْيِ، والنُّسُكِ، والضَّحَايَا عَلى قول الجمهور.

وقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ردٌّ على مقالةِ بَعْضِ سفهاءِ قريشٍ كأبي جهل وغيرِه، قال عكرمة وغيره: مات ولد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال أَبُو جَهْلٍ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، فنزلت السُّورةُ، وقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي: المقطوع المبتور من رحمة «٢» الله، والشانئ المبغض، قال الداوديّ: كل شانىء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو أبْتَرُ، لَيْسَ له يَوْمَ القيامة شَفِيعٌ ولا حميم يطاع، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الكَوْثَرِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وَفِي ﴿ الكَوْثَرَ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ.

رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ إذا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ.

قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟

قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا طِينُهُ، أوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أذْفَرُ.» وَرَوى مُسْلِمٌ أيْضًا في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ  إغْفاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إمّا قالَ لَهُمْ، وإمّا قالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟

فَقالَ: " إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ الآنَ آنِفًا سُورَةٌ " فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ حَتّى خَتَمَها.

وقالَ: " هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟

" فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: " هو نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ كَواكِبِ السَّماءِ، يُخْتَلَجُ العَبْدُ مِنهُمْ، فَأقُولُ: يا رَبِّ إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.» والثّانِي: أنَّ الكَوْثَرَ: الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي أُعْطِيَ نَبِيُّنا  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العِلْمُ والقُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ رَسُولِ اللَّهِ  الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أتْباعِهِ، وأُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ في هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَلاةُ العِيدِ.

وقالَ قَتادَةُ: صَلاةُ الأضْحى.

والثّانِي: صَلاةُ الصُّبْحِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْحَرْ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اذْبَحْ يَوْمَ النَّحْرِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: وضْعُ اليَمِينِ عَلى اليُسْرى عِنْدَ النَّحْرِ في الصَّلاةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَفْعُ اليَدَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ إلى النَّحْرِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ، وانْحَرْ لِلَّهِ، فَإنَّ ناسًا يُصَلُّونَ لِغَيْرِهِ، ويَنْحَرُونَ لِغَيْرِهِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ بِالنَّحْرِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن عَنى بِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «العاصِ بْنِ وائِلٍ، لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ  عَلى بابِ المَسْجِدِ فَوَقَفَ يُحَدِّثُهُ حَتّى دَخَلَ العاصِ المَسْجِدَ، وفِيهِ أُناسٌ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تُحَدِّثُ؟

قالَ: ذاكَ الأبْتَرُ، يَعْنِي النَّبِيَّ  ، وكانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانُوا يُسَمُّونَ مَن لَيْسَ لَهُ ابْنٌ: أبْتُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ.» وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَنى بِهِ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والشّانِئُ: المُبْغِضُ، والأبْتَرُ: المُنْقَطِعُ عَنِ الخَيْرِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَوْثَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "إنّا أنْطَيْناكَ"، وهي لُغَةٌ في "أعْطى"، قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "واليَدُ المُنْطِيَةُ خَيْرٌ مِنَ السُفْلى"»، وقالَ الأعْشى: جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ تُصانُ الجِلالَ وتُنْطى الشَعِيرا قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ قِبابٌ مِن دُرٍّ مُجَوَّفٍ، وطِينُهُ مِسْكٌ، وحَصْباؤُهُ ياقُوتٌ، ونَحْوُ هَذا مِن صِفاتِهِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الرُواةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "كَوْثَرُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الكَثْرَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الَّذِي أعْطى اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا  مِنَ النُبُوَّةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ بِرَبِّهِ تَعالى والفَوْزِ بِرِضْوانِهِ والشَرَفِ عَلى عِبادِهِ هو أكْثَرُ الأشْياءِ وأعْظَمُها، فَكَأنَّهُ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنّا أعْطَيْناكَ الحَظَّ الأعْظَمَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: النَهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللهُ تَعالى إيّاهُ، فَنِعْمَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، ونِعْمَ ما تَمَّمَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأمْرُ النَهْرِ ثابِتٌ في الآثارِ في حَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ، صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ ونَفَعَنا بِما مَنَحَنا مِنَ الهِدايَةِ بِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأصْحابِ والأشْياعِ، وقالَ جَعْفَرُ الصادِقُ: نُورٌ في قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ أيْضًا: هو الشَفاعَةُ، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ: هو التَوْحِيدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ" أمْرٌ بِالصَلاةِ عَلى العُمُومِ، فَفِيهِ المَكْتُوباتُ بِشُرُوطِها، والنَوافِلُ عَلى أثَرِها، والنَحْرُ نَحْرُ الهَدْيِ والنُسُكِ في الضَحايا في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَكُنْ شُغْلُكَ هَذَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  : يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ فَأمَرَ أنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَنْحَرُ،» وقالَهُ قَتادَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ: في الآيَةِ طَعْنٌ عَلى كَفّارِ مَكَّةَ، أيْ إنَّهم يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى مُكاءً وتَصْدِيَةً، ويَنْحَرُونَ لِلْأصْنامِ، ونَحْوِهُ، فافْعَلْ هَذا أنْتَ لِرَبِّكَ تَكُنْ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقْتَ صُلْحِ قُرَيْشٍ، قِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : صِلْ وانْحَرْ الهَدْيَ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: صَلِّ لِرَبِّكَ، وضَعْ يَمِينِكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَلاةِ، فالنَحْرُ -عَلى هَذا- لَيْسَ بِمَصْدَرِ نَحَرَ، بَلْ هو الصَدْرُ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: ارْفَعْ يَدَكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ رَدٌّ عَلى مَقالَةٍ كانَ كَثِيرٌ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ يَقُولُها لِما لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ  ولَدٌ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هو أبْتَرُ، يَمُوتُ فَنَسْتَرِيحُ مِنهُ، ويَمُوتُ أمْرُهُ بِمَوْتِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى -وَقَوْلُهُ الحَقُّ-: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ ، أيِ المَقْطُوعُ المَبْتُورُ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَ لَهُ بَنُونَ فَهم غَيْرُ نافِعِيهِ.

"والشانِئُ": المُبْغِضُ، وقالَ قَتادَةُ الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَلِيلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ماتَ ابْنُ النَبِيِّ  فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ "بُتِرَ مُحَمَّدٌ"، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، سَمّى النَبِيَّ  حِينَ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ: أبْتُرُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكَوْثَرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر.

والإِشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإِشعار بتنويه شأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ [القدر: 1].

والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق.

وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم.

و ﴿ الكوثر ﴾ : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زِنة فوْعل، وهي من صيغ الأسماء الجامدة غالباً نحو الكوكب، والجورب، والحوشب والدوسر، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها، ولما وقع هنا فيها مادة الكَثْر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة، وهو أحسن ما فُسر به وأضبطُه، ونظيره: جَوْهر، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوّه، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها.

ويوصفُ الرجل صاحب الخير الكثير بكَوثر من باب الوصف بالمصدر كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي: وصاحب ملحوب فُجعنا بفقده *** وعند الرّداع بيتُ آخر كوثر (ملحوب والرداع) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة، فوصف البيت بكوثر ولاحظ الكميت هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان: وأنتَ كثيرٌ يا ابنَ مروان طيبٌ *** وكان أبوك ابنُ العقايل كَوْثرا وسمي نهر الجنة كوثراً كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفاً.

وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير، وروي عن ابن عباس، قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس: إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير.

وعن عكرمة: الكوثر هنا: النبوءة والكتاب، وعن الحسن: هو القرآن، وعن المغيرة: أنه الإِسلام، وعن أبي بكر بن عَيَّاش: هو كثرة الأمة، وحكى الماوردي: أنه رفعة الذكر، وأنه نور القلب، وأنه الشفاعة، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره.

وأريد من هذا الخبر بشارة النبي صلى الله عليه وسلم وإزالةُ ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه: هو أبتر، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر، إبطالاً لقولهم.

وقوله: ﴿ فصل لربك ﴾ اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه عليها، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته.

وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء: إنه أبتر، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ [العلق: 9، 10] لأنهم إنما نهَوْه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم، وكذلك النحر لله.

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ دون: فصلِّ لنا، لما في لفظ الرب من الإِيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلاً عن فرط إنعامه.

وإضافة (رب) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتقريبه، وفيه تعريض بأنه يربُّه ويرأف به.

ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى: ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ﴾ في سورة الحجر (97، 98).

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صدّ المشركين إيّاه عن البيت في الحديبية، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيراً كثيراً، أي قدره له في المستقبل وعُبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [الفتح: 1] فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب: أفتح هذا؟

قال: نعم.

وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير: أن قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرفَ من الحديبية.

وأفادت اللام من قوله: ﴿ لربك ﴾ أنه يخُص الله بصلاته فلا يصلي لغيره.

ففيه تعريض بالمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها.

وعطف ﴿ وانحر ﴾ على ﴿ فصل لربك ﴾ يقتضي تقدير متعلِّقه مماثلاً لمتعلِّق ﴿ فصل لربك ﴾ لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى: ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ [مريم: 38] أي وأبصر بهم، فالتقدير: وانحر له.

وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قرباناً للأصنام فإن كانت السورة مكية فلعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبلَ البعثة وبعدها قد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته، وهو يود أن يُطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرجُ من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين، أي لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناوياً بما تنحره أنه لله.

وإن كانت السورة مدنية، وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مراداً به الضحايا يومَ عيد النحر ولذلك قال كثير من الفقهاء إن قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ مراد به صلاة العيد، ورُوي ذلك عن مالككٍ في تفسير الآية وقال: لم يبلغني فيه شيء.

وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالةً على أن الضحية تكون بعد الصلاة، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضّأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضحّ إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يومَ النحر وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عُطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفاً.

ويرشح إيثارَ النحر رَعْيُ فاصلة الراء في السورة.

وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير «انحر» تجعله لفظاً غريباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا.

الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ  الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ.

الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ.

﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي ﴿ الأبْتَرُ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ  ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون قال: لما طعن عمر وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] .

وأخرج البيهقي عن ابن شبرمة قال: ليس في القرآن سورة أقل من ثلاث آيات.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في بطنان الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت فيه أزواجه وخدمه.

قال: وبأي شيء ذكر ذلك؟

قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من باب الصفا وخرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن واثل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟

قال: ذلك الأبتر، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله هذه السورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ يعني عدوّك العاص بن وائل هو الأبتر من الخير لا أذكر في مكان إلا ذكرت معي يا محمد، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول: وحباه الإِله بالكوثر ** الأكبر فيه النعيم والخيرات وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: أغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً فقال: «إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ﴾ حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترده أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» .

وأخرج مسلم والبيهقي من وجه آخر بلفظ ثم رفع رأسه فقرأ إلى آخر السورة، قال البيهقي والمشهور فيما بين أهل التفاسير والمغازي أن هذه السورة مكية وهذا اللفظ لا يخالفه فيشبه أن يكون أولى.

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر في الجنة يجري ولم يشق شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ» .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك اذفر.

قلت: ما هذا يا جبريل؟

قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر.

قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة.

قال: آكلها أنعم منها يا عمر» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أعطيت الكوثر، قلت يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيتشعث أبداً، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟

قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه الخير الكثير.

فقال: صدقت والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: نزلت ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة شاطئاه عليه در مجوّف فيه من الآنية والأباريق عدد النجوم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: الخير الكثير.

وقال أنس بن مالك: نهر في الجنة، وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت الكوثر آنيته عدد النجوم» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر أعطاه الله محمداً في الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، وماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء.

وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه.

قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة أجوف فيه آنية من الذهب والفضة لا يعلمها ألا الله.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده فسأل امرأته عنه؟

فقالت: خرج آنفاً أو لا تدخل يا رسول الله؟

فدخل فقدمت له حيساً فأكل فقالت: هنيئاً لك يا رسول الله ومريئاً لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال: أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ» .

وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله عرضه ما بين إيلة وعدن.

قال: يا رسول الله أله طين أو حال.

قال: نعم المسك الأبيض.

قال: له رضراض حصى؟

قال: نعم رضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ.

قال: أله شجر؟

قال: نعم، حافتاه قضبان ذهب رطبة شارعة عليه.

قال: ألتلك القضبان ثمار؟

قال: نعم تنبت أصناف الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، فيه أكواب وآنية وأقداح تسعى إلى من أراد أن يشرب منها منتشرة في وسطه كأنها الكوكب الدري» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة حافتاه قباب الدر فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج هناد وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه.

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة.

وأخرج هناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الكوثر ما أعطاه الله من النبوّة والخير والقرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الكوثر القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟

قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: ﴿ فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ [ المؤمنون: 76] » .

وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ قال: الصلاة ﴿ وانحر ﴾ قال: يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع اليمنى على الشمال عند التحرم في الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: استقبل القبلة بنحرك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: صلي لربك الصلاة المكتوبة واسأل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فصل لربك ﴾ قال: اشكر لربك.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل فقال انحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك حين يقول: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعكرمة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قالوا: صلاة الصبح بجمع ونحر البدن بمنى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وانحر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة والذبح يوم الأضحى.

وأخرج ابن جريرعن قتادة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: الأضحى والنحر نحر البدن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك ﴾ قال: صلاة العيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وانحر ﴾ قال: البدن.

وأخرج ابن جرير عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر.

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانحر ﴾ قال: يقول فادع يوم النحر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: بتر محمد منا فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم ألا ترى إلى هذا الصابئ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة؟

قال: أنتم خير منه.

فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ ونزلت ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ [ النساء: 51] إلى قوله: ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ النساء: 52] .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إن هذا الصابئ قد بتر الليلة، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية، فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة، ثما مات عبد الله، فقال العاصي بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم رجلاً والعاصي بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل: من هذا؟

قال: هذا الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن محمد بن علي قال: كان القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب على الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاصي: لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ﴿ فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال البيهقي: هكذا روي بهذا الإِسناد وهو ضعيف والمشهور أنها نزلت في العاصي بن وائل.

وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آت من جنازته، على العاصي بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأشنئوه فقال العاصي بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال: هو العاصي بن وائل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل: بتر فلان، فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل: بتر، والأبتر الفرد.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك ﴾ يقول: عدوّك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ إن شانئك ﴾ قال: أبو جهل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن عطية عن إبراهيم قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول: إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر، فأنزل الله فيه ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)﴾ (الكوثر عند أهل اللغة: فوعل من الكثرة، ومعناه: العدد الكثير، والخير الكثير ويقال للرجل الكثير العطاء: كوثر.

قال الكميت: وأنت كثيرٌ يا بن (١) (٢) (٣) وقالت عجوز من العرب: قدم فلان بكوثر كثير.

ويقال للغبار إذا سطع وكثر: كوثرٌ، ومثله يقال: للكثير النوافل: نوفل (٤) (٥) واختلف (المفسرون) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣)  - أنه قال: "هو نهر في الجنة وعدنيه ربي، عليه خير كثير، لذلك النهر حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم" (١٤) قالت عائشة  ا: (من أحب أن يسمع خريره (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (وقال فطر بن خليفة (٢٠)  - يكثر الناس عليه يوم القيامة) (٢١) قال أهل المعاني: يجوز أن يكون سمي ذلك النهر أو ذلك الحوض لكثرة الواردة، والشاربة من أمته هناك.

ويجوز أن يكون سمي (٢٢) (٢٣)  - خير كثير) (٢٤) (٢٥)  - (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) ونحو هذا قال الكلبي: إنا أعطيناك الخير الكثير، منه القرآن، وهو أفضله (٣١) (وهذا قول الحسن في تفسير الكوثر أنه القرآن العظيم (٣٢) (٣٣) وقال عكرمة: هو النبوة والكتاب (٣٤) وقال أبو بكر بن عياش (٣٥) (٣٦) وقول ابن عباس: شامل لهذا كله، لأنه جميع هذا من الخير الكثير.

قال أبو إسحاق: وجميع ما جاء في تفسير الكوثر قد أعطيه النبي -  -، أعطي النبوة، والإسلام، وإظهار الدين على كل الأديان، والنصر علي عدوه، والشفاعة، وما لا يحصى، وقد أعطى من الجنة على قدر فضله على أهل الجنة (٣٧) (١) في (أ): (يا ابن).

(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣) ورد البيت في: "ديوانه" 1/ 209: رقم 281، تح: د.

داوود سلوم برواية: (بابن) بدلاً من (يا ابن).

"تهذيب اللغة" 10/ 178 (كثر)، و"لسان العرب" 5/ 133، و"تاج العروس" 3/ 517، و"التفسير الكبير" 32/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 216، و"البحر المحيط" 8/ 520، و"روح المعاني" 30/ 245، و"سيرة ابن هشام" 1/ 422، و"المنصف" لابن جني 3/ 6.

(٤) غير واضحة في (ع).

(٥) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 10/ 176 - 178 (كثر) بتصرف.

(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٧) الدُّرّ: مفرده الدرة، وهي اللؤلؤة "مختار الصحاح" ص 202.

(٨) أذفر: الذفر -بالتحريك- والذَّفَرَة جميعًا: شدة ذكاء الريح من طيب أو نتن، ويفرق بينهما ما يضاف إليه ويوصف به، ومنه صفة الجنة وترابها مسك أذفر.

انظر: "لسان العرب" 4/ 306 (ذفر).

(٩) في (أ)، (ع): (حافاته)، والصواب ما أثبته.

(١٠) قباب: جمع ومفرده القُبَّة، قال ابن فارس: القاف والباء أصل صحيح يدل على جمع وتجمع من ذلك القبة، وهي معروفة، وسميت لتجمُّعِها.

"مقاييس اللغة" 5/ 5 (قب).

(١١) "جامع البيان" 30/ 320، و"الكشف والبيان" 13/ 164 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 529، و"التفسير الكبير" 32/ 124، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597.

(١٢) "جامع البيان" 30/ 321.

(١٣) ورد موقوفًا في "الزهد والرقائق" لابن المبارك ص 562 ح 1613، و"المحرر الوجيز" 5/ 295، و"التفسير الكبير" 32/ 124، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597، كما ورد عنه مرفوعًا في "جامع البيان" 30/ 324، و"بحر العلوم" 3/ 519، و"معالم التنزيل" 4/ 533، كما ورد عن حذيفة بمعناه.

قال الألباني عنه: إسناده حسن، انظر: "ظلال الجنة في تخريج السنة" 2/ 336 ح 724، 725.

(١٤) الحديث أخرجه مسلم من طريق "أنس في صحيحه" 1/ 300: ح: 53 - 54: كتاب الصلاة، باب: 14: ونص الحديث كما عنده عن أنس قال بينا رسول الله -  - ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله!

قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة "فقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر"، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟

" فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي عَزَّ وَجَلَّ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".

وحديث ورد عن أنس بن مالك يقول: أغفى رسول الله -  -إغفاءة بنحو حديث ابن مُسْهِر غير أنه قال: "نهر وعدنيه ربي عَزَّ وَجَلَّ في الجنة عليه حوض"، ولم يذكر آنيته عدد النجوم.

كما أخرجه الإمام أحمد في المسند" 3/ 102: من طريق أنس.

وأبو داوود في "السنن" 1/ 201: كتاب الصلاة: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من طريق أنس بنحو الرواية الثانية، ج 2/ 588: كتاب السنة: بنحو من الرواية الأولى لأنس.

والنسائي في: "السنن" 2/ 471: ح: 903: كتاب الإنتاج باب 21 بنحوه من طريق أنس بن مالك.

وأما الحديث الذي رواه ابن عمر قال: قال رسول الله -  -: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدُّرِّ والياقوت؛ تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، أبيض من الثلج".

أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 112، والترمذي في "سننه" 5/ 450: ح: 3361، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وقال الأرناؤوط في تخريج "جامع الأصول" 2/ 439: ح: 889: وإسناده صحيح.

(١٥) خرير: خرير الماء أي صوته، أراد مثل صوت خرير الكوثر.

"النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 21 (خرر).

(١٦) ورد الأثر في "جامع البيان" 30/ 20 من طريق أبي نجيح عن مجاهد، عن رجل، عن عائشة، وبإسناد آخر عن ابن أبي نجيح عن عائشة، و"الكشف والبيان" 13/ 164 ب، قال ابن كثير: وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك؛ لا أنه يسمعه بنفسه.

والله أعلم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 596.

كما ورد عن السيوطي في: "الدر المنثور" 8/ 648 - 650 وعزاه إلى ابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه إلى هناد، كما ورد في "النهاية"، ولكن عن ابن عباس: 2/ 21.

(١٧) "بحر العلوم" 3/ 519.

(١٨) "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 21 (خرر).

(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٠) فِطْر بن خليفة القرشي المخزومي أبو بكر الكوفي الحناط؛ مولى عمرو بن حريث، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، صدوق، رمي بالتشيع، مات سنة 156 هـ روى له الجماعة سوى مسلم.

انظر: "الكاشف" 20/ 332: ت: 4564، و"تهذيب الكمال" 23/ 312: ت: 4773، و"تقريب التهذيب" 2/ 114: ت: 77.

(٢١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٢) ورد في (أ): "ذلك النهر أو ذلك الحوض" وهو كلام مكرر سبق ذكره في موضعه الصحيح.

(٢٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير عزو في "الجامع لحكام القرآن" 20/ 217.

(٢٤) سبق تخريجه.

(٢٥) ساقط من (أ).

(٢٦) "جامع البيان" 30/ 321 - 322، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"معالم التنزيل" 4/ 533، و"زاد المسير" 8/ 320، و"البحر المحيط" 8/ 519، و"الدر المنثور" 8/ 648 وعزاه إلى ابن مردويه، و"المستدرك" 2/ 537: كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر، وانظر "صحيح البخاري" 3/ 331: ح 4966، و"فتح القدير" 5/ 504، و"مجموع الفتاوى" 16/ 529، وقد عقب الشوكاني على ما ذكره ابن عباس، قال: وهذا التفسير من حبر الأمة عن ابن عباس -  - ناظر إلى المعنى اللغوي، ولكن رسول الله -  - قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة.

"فتح القدير" 5/ 504.

(٢٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٠) "جامع البيان" 30/ 321 - 322، و"معالم التنزيل" 4/ 533، و"المحرر الوجيز" 5/ 529، و"البحر المحيط" 8/ 519، و"الدر المنثور" 8/ 649، و"المستدرك" == 2/ 537، كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر، و"صحيح البخاري" 3/ 331 ح 4966: كتاب التفسير: باب 108، و"فتح القدير" 5/ 504، و"تفسير سعيد بن جبير" ص 382، كتاب "الزهد والرقائق" لابن المبارك: 562 ح 1614.

(٣١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٢) "النكت والعيون" 6/ 354، و"المحرر الوجيز" 5/ 529، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 217، و"البحر المحيط" 8/ 519، و"الدر المنثور" 8/ 650 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و "تفسير الحسن البصري" 2/ 441.

(٣٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٤) "جامع البيان" 30/ 322 - 323، و"النكت والعيون" 6/ 354، و"الكشف والبيان" 13/ 165 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 533، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 217، و"البحر المحيط" 8/ 519، و"الدر المنثور" 8/ 650 وعزاه إلى هناد وابن أبي حاتم وابن عساكر.

(٣٥) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحفاظ المقرئ، روى عن الأجلح الكندي، وعن ابنه إبراهيم، ولد سنة 95، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر سنه ساء حفظه وكتابه صحيح -قاله ابن حجر- مات سنة 193 هـ.

انظر: "كتاب الثقات" 7/ 688، و"تهذيب الكمال" 33/ 129 ت 7252، و"تهذيب التهذيب" 2/ 399 ت 65.

(٣٦) "الكشف والبيان" ج 13/ 165 ب، 166 أ، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"زاد المسير" 8/ 32 "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 217، و"البحر المحيط" 8/ 519.

(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 369 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والكوثر بثاء مبالغة من الكثرة وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول حوض النبي صلى الله عليه وسلم: الثاني أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله له في الدنيا والآخرة.

قاله ابن عباس وتبعه سعيد بن جبير، فإن قيل: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم.

الثالث أن الكوثر القرآن.

الرابع أنه كثرة الأصحاب والأتباع.

الخامس أنه التوحيد.

السادس أنه الشفاعة، السابع أنه نور وضعه الله في قلبه، ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض لما ورد في الحديث الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الكوثر هو نهر أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء» .

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ﴾ فيه خمسة أقوال: الأول أنه أمره بالصلاة على الاطلاق وينحر الهدي والضحايا، الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي قبل صلاة العيد فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة الثالث أن الكفار يصلون مكاء وتصدية وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده وانحر له، أي ولجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص.

الرابع أن معنى انحر ضع يدك اليمنى على اليسى عند صدرك في الصلاة فهو على هذا من النحر وهو الصدر.

الخامس أن معاه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ الشانئ هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى العداوة، نزلت هذه الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبو جهل على وجه الرد عليه إذ قال: إن محمداً أبتر أي لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كوالدهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ شانيك ﴾ بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.

الوقوف ﴿ الكوثر ﴾ ه ط ﴿ وانحر ﴾ ه ط ﴿ الأبتر ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي  بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً.

هذا وجه إجمالي وأما الوجه التفصيلي فقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ أي الخير الكثير وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام وقوله ﴿ فصل ﴾ أي دم على الصلاة وقع بإزاء قوله ﴿ عن صلاتهم ساهون  ﴾ وقوله ﴿ لربك ﴾ مكان قوله ﴿ يراءون  ﴾ وقوله ﴿ وانحر ﴾ والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ﴿ ويمنعون الماعون  ﴾ ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء، ثم في الآية أصناف من المبالغة منها: التصدير بـ " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء ولهذا حين قال ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها.

ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله  كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثرالمفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة.

عن أنس عن النبي  " "رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: ما هذا؟

فقيل: هو الكوثر الذي أعطاك الله" وفي رواية " ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان " قال أهل المعنى: ولعله إنما سمى كوثراً لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لان أنهار الجنة تتفجر منه كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار أو لكثرة شاربيه.

وقد يقال: إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار، والقول الثالث أن الكوثر أولاده لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان.

فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم.

منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم.

القول الرابع: الكوثر علماء أمته لأنهم كأنبياء بني إسرائيل واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب.

الخامس: الكوثر النبوة ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير لأنها ثانية رتبة الربوبية ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ولن يصير شرعه منسوخاً وله كل معجزة كانت لغيره من الأنيباء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات  ﴾ وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات  ﴾ و ﴿ صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وكتاب محمد  مهيمن على الكل كما قال ﴿ ومهيمنا عليه  ﴾ وإن آدم  تحدى بالكلمات والأسماء ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء  ﴾ ومحمد  إنما تحدى بالمنظوم ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن  ﴾ الآية.

وأما نوح  فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد  وقف الحجر على الماء.

وروي أنه  كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول  إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول  وشهد له بالرسالة.

فقال له النبي  : يكفيك هذا؟

قال: حتى يرجع إلى مكانه.

فأمره النبي  فرجع إلى مكانه.

وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه.

وروى محمد بن حاطب قال: كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى النبي  وقالت: هذا ابن حاطب احترق كام ترى، فتفل رسول الله  على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال  : أذهب البأس رب الناس.

فصرت صحيحاً لا بأس بي.

وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض وأكرم محمداًً  ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد  أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً  بذلك قبل ظهور نبوته، وأكرم موسى  باليد البيضاء وأكرم محمداً  بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان.

وقلب الله عصى موسى ثعباناً.

ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً.

وسبحت الجبال مع داود  وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه.

وكان داود  إذا مسح الحديد لان، وكان النبي  حين مسح الشاة الجدباء درت.

وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً  بالبراق، وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

وأكرمه  بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة.

وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول  فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله صلى الله عيله وسلم فردها إلى مكانها.

وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس والرسول  عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك، ورد الشمس لسليمان مرة والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي  فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله  ، وردها مرة أخرى لعلي  فصلى العصر لوقته.

وعلمسليمان منطق الطير وفعل ذلك في حق محمد  ، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟

فقال رجل: أنا فقال: أردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور.

وأكرم سليمان بمسير غدو شهر وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له  يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به.

وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال: إني رسول رسول الله  فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد  .

وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت: كنت مشتاقة إليه.

منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه.

وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل.

ومعجزاته  أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام فثبت صحة قوله ﴿ إنّا أعطيناك الكوثر ﴾ قيل: هو القرآن لأن فوائده عديد الحصى.

وقيل: الإسلام أو الشفاعة أو رفع الذكر أو العلم ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ أو الخلق الحسن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم  ﴾ وقد يقال: إن هذه السورة مع قصرها معجرة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من القرآن.

قوله ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ في الصلاة أقوال: فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك، وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي، وقيل: هي الدعاء كأنه قال: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط واشفع تشفع وذلك أنه أبداً كان في هم أمته.

والأقرب وعليه الأكثرون أنها الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان شاكراً قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعاً لربه شاكراً لنعمه.

أما الصلاة فإنه إنما عرفاه بالوحي، يروى أنه حين أمر بالصلاة قال: كيف أصلي ولست على وضوء؟

فقال الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك ﴿ فصل ﴾ وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات ﴿ فصل ﴾ وفي قوله ﴿ لربك ﴾ إشارة إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان.

وإنما لم يقل لنا سلوكاً لطريقة الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء " يرسم أمير المؤمنين كذا " ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لو قال " لي " انقطع النظم، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية، ثم الذين فسروا الصلاة بما عرف في الشرع اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ، وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك.

وقال الآخرون: إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله ﴿ وانحر ﴾ وكانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها.

والواو تفيد الترتيب استحساناً وأدباً وإن لم تفده قطعاً.

وقال سعيد بن جيبر: صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقراً بينهم للأصنام فأمر  بأن تكون صلاته وقربانه لله تعالى، وكان النحر واجباً على النبي  قال  " ثلاث كتبن عليّ ولم تكتب على أمتي.

الضحى والأضحى والوتر" وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق النفسانية.

يروى أن رسول الله  أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، فنحرها رسول الله  حتى أعيا  ، ثم أمر علياً بذلك وكانت النوق يزدحمن على رسول الله  فلما أخذ علي  السكين تباعدت منه  ، قال عامة أهل التفسير كابن عباس ومقاتل والكلبي: إن العاص بن وائل وجمعاً من صناديد قريش يقولون: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه، وكان قد مات ابنه عبد الله ابن خديجة فأنزل الله  هذه السورة كما مر في أول " المائدة " والشنء البغض والشانىء المبغض والبتر في اللغة استئصال القطع ومنه الأبتر المقطوع الذنب، فاستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره، فبين الله  بهذه الصيغة المفيدة للحصر أن أولئك الكفرة هم الذين ينقطع نسلهم وذكرهم، وأن نسل محمد  ثابت باق إلى يوم القيامة كما أخبر بقوله " "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" وإن دين الإسلام لا يزال يعلو ويزيد والكفر يعلى ويقهر إلى أن يبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربهما كما قال ﴿ أو لم يروا إنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  ﴾ قال بعض أهل العلم: إن الكفار لما شتموه بأنه أبتر أجاب الله عنه من غير واسطة فقال ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ وهكذا سنة الأحباب إذا سمعوا من يشتم حبيبهم تولوا بأنفسهم جوابه، ونظيره في القرآن كثير ﴿ قالوا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم  ﴾ إلى قوله ﴿ أم به جنة  ﴾ فقال  { ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد  ﴾ وقالوا هو مجنون فأقسم الله ﴿ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون  ﴾ وقالوا لست مرسلاً فقال ﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ \[يس: ا - 3\] ﴿ وقالوا أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون  ﴾ فرد عليهم بقوله ﴿ بل جاء بالحق وصدق المرسلين  ﴾ ثم ذكر وعيد خصمائه بقوله ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم  ﴾ وحين قال حاكياً ﴿ أم يقولون شاعر  ﴾ قال ﴿ وما علمناه الشعر  ﴾ وقالوا ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون  ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراًً  ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين  ﴾ فقال ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر  ﴾ ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق  ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ فما أجل هذه الكرامة!

وقال أهل التحقيق السالكون: بل الواصلون لهم ثلاث درجات أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وأشار إليهما بقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فإن روحه القدسية متميزة في الكثرة عن سائر الأرواح البشرية بالكم لأنها أكثر مقدمات، وبالكيف لأنها أسرع انتقالاً من المقدمات إلى النتائج.

وأوسطها أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وأشار إليها بقوله ﴿ فصل لربك ﴾ وأدناها أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانتصاب إلى اللذات العاجلة وهي قوله ﴿ وانحر ﴾ فإن منع النفس الشهوية جارية مجرى الذبح والنحر.

ومن البيان أن ترتيب السالك هو الأخذ من الأدون إلى الأعلى، وإنما ورد القرآن بما ورد تنبيهاً على أنه  كان في نهاية الوصول.

وأن هذا الترتيب بالنسبة إليه ينعكس وذلك أنه جاء من الحق إلى الخلق.

ثم أشار بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ إلى أن دواعي النفس التي هي أعدى الأعداء لا بقاء لها، وإنما هي لذات زائلة وتخيلات فانية ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ هذا خرج مخرج الامتنان على رسول الله  والإنعام عليه والإفضال؛ ليستأدي بذلك شكره والخضوع له.

ثم اختلفوا في ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : [فقيل]: هو الخير الكثير، والخير الكثير: ما أعطي من النبوة والرسالة وما لا ينجو أحد من سخط الله -  - إلا به، وهو الإيمان به والتصديق له، وما صيره معروفا مذكورا في الملائكة، وما قرن ذكره بذكره، ورفع قدره ومنزلته في جميع الخلائق، وغير ذلك مما لا يحصى، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : نهر في الجنة، وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله  "أنه سئل عن ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ فقال: نهر في الجنة" ، أو قال ذلك من غير سؤال.

فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه الأول أقرب عندنا؛ لأنه ليس في إعطائه النهر تخصيص في التشريف والعيطة؛ لأن الله -  - وعد لأمته ما هو أكثر من هذا؛ لما روي في الأخبار عن النبي  أنه قال: "إن لأهل الجنة في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ، ونحن نعلم أن هذا في الإنعام أكثر من النهر الذي وصف.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : شيء أعطاه الله -  - رسوله لا يعرف.

وأصله: أنه شيء خاطب به رسوله، وهو قد عرفه؛ فلا يجب أن يتكلف معرفته وتفسيره؛ لأنه إن أخطأ لحقه الضرر، وإن أصابه لم ينفع كثير نفع.

وقيل: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : هو حرف أخذ من الكتب المتقدمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: حقيقة الصلاة هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما يعبده في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرانين، والذبائح، والضحايا التي فيها نفار الطباع؛ حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر؛ للآلام التي فيها، والطباع تنفر عن ذلك؛ فتعبده بالذي فييه مناقضة طبعه ونفاره عنه.

وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر، ولكن معناه: إذا فعلت ذلك فافعل لله؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها؛ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله  .

وقال الحسن: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ صلاة العيد، وانحر البدن بعدها.

وقال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر بمنى.

وقال بعضهم: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة، وهي مخ العبادة؛ على ما ذكر في الخبر.

وكذلك ما ذكر أن المصلي مناجٍ الرب  ؛ وهو - والله أعلم - لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير، والركوب، والأكل، والشرب، والكلام، والانتقال من موضع إلى موضع، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها - وإن قل - من الحج والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات، وعلى ذلك ما سمي موسى -  -: كليم الله، ونجيه؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة، وأتى جبلا ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك؛ فسمي: نجي الله، وعلى ذلك سمي المصلي: مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم؛ لما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْحَرْ ﴾ : هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل؛ لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره؛ فالتألم به بفعل نفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه -  - يتحمل المشقة لوجهه  مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح البدن؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق الناس وأرحمهم على خلقه، فبلغ من حسن إجابته له، وطاعته له أن ساق مائة بدنة، فنحر ستين منها بيده، وول عليا -  - نحر أربعين؛ على ما ذكر في الخبر.

وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس -  - قال: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ : وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن على،  .

وعن عاصم الجحدري، قال: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

ومن قول الثنوية: أنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء؛ لما فيه من الألم والأذى.

وقولهم هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعلم أن إفاتة الروح بالذبح أهون على المذبوح من موته حتف أنفه؛ فإذا جاز في الحكمة أن تزهق روحه بغير الذبح فلأن يجوز في الذبح أحق.

وأصله: ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول الله  ، وهو المقصود به من بين الناس، وهو يعلم بالذي خاطبه به من الصلاة؛ والنحر، والكوثر، وغير ذلك؛ فلا نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على الله -  - سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل.

وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ يذكر أهل التأويل: أن فلانا سمى رسول الله  : أبتر؛ فنزل: إن الذي سماك أبتر هو الأبتر - لا نعرفه حقيقة؛ لأنه لم يذكر أحدا من أولاد الفراعنة وأعداء الرسل - عليهم السلام - اتفخر بأبيه أو بأحد من أوليائه والمنتمين بهم افتخروا بهم، وافتخر أولاد أولياء رسول الله  على الناس حتى يتعينوا بذلك فيما بينهم؛ يقول: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ أي: معاديك ومبغضك هو الأبتر دونك.

أو يقول: أعداؤك هم الذي يبتر ذكرهم، وأوليائك مذكورون أبدا على ما قلنا.

وأصله ما ذكرنا أنه خاطب به رسول الله  ، وقد عرف ذلك، ونحن لا نعلم في أي شيء كانت القصة؟

وفيم نزلت الآية؟

والله ورسوله أعلم.

قال أبو عوسجة: الشانئ: المبغض، يقال: شنئته: أبغضته، والأبتر: هو الذي لا ولد له ذكر، ولا عقب [له].

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ بشارة لرسول الله  بالغلبة عليهم، والقهر لهم، والنصرة عليهم، وإظهار دين الله -  - في البلاد والآفاق؛ إذ أخبر أن الذي عاداه وباغضه هو المنقطع والأبتر لا هو، والله المستعان.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا آتيناك -أيها الرسول- الخير الكثير، ومنه نهر الكوثر في الجنّة.

<div class="verse-tafsir" id="91.pBb2v"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان المستهزئون من قريش -كالعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب وأمثالهم- إذا رأوا أبناء النبي  يموتون يقولون: بتر محمد.

أي لم يبق له ذكر في أولاده من بعده، ويعدون ذلك عيبًا يلمزون به، وينفرون به الناس من أتباعه وكانوا إذا رأوا ضعف المسلمين وفقرهم وقلتهم يستخفون بهم، ويهونون أمرهم، ويعدون ذلك مغمزًا في الدين، ويأخذون القلة والضعف دليلًا على أن الدين ليس بحق، ولو كان حقًا لنشأ مع الغنى والقوة...

شأن السفهاء مع الحق في كل زمان أو مكان غلب فيه الجهل.

وكان المنافقون إذا رأوا ما فيه المؤمنون من الشدة والبأساء يمنون أنفسهم بغلبة إخوانهم القدماء من الجاحدين، وينتظرون السوء بالمسلمين لقلة عددهم وخلو أيديهم من المال.

وكان الضعفاء -من حديثي العهد بالإسلام من المؤمنين- تمر بنفوسهم خواطر السوء عندما تشيد عليهم حلقات الضيق...

فأراد الله سبحانه أن يمحص من نفوس هؤلاء ويكبت الآخرين، فأكد الخبر لنبيه أن ما يخيله النظر القصير قليلًا هو الكثير البالغ الغاية في الكثرة، ليؤكد له الوعد بأنه هو الفائز، وأن متبعه هو الظافر، وأن عدوه هو الخائب الأبتر الذي يمحى ذكره، ويعفى أثره -.

فقال: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  ﴾ .

الكوثر: صيغة مبالغة من الكثرة.

ومعناه الشيء البالغ من الكثرة حد الإفراط.

قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم رجع ابنك؟

قالت: بكوثر.

وقال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرًا وقد اختلف في معنى الكوثر اختلافًا كثيرًا.

ولكن تعريف اللفظ يدل على أن المقصود به كان أمرًا معهودًا للسامعين تذهب أذهانهم إليه عند سماعه -وإن كانوا لم يعهدوا وصفه بأنه أكثر الكثير- وهو الذي كان يستقله أعداؤه.

والذي أعطيه النبي  -وكان معروفًا لسامعي الكتاب- هو النبوة، والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدارين الدنيا والآخرة.

ولهذا فإني أذكر لك ما قاله جمع من الأئمة.

فقال أبو بكر بن عياش ويمان بن وثاب: الكوثر هم أصحابه وأشياعه  إلى يوم القيامة.

وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع.

وقيل: هو الإسلام.

وقال هلال: هو التوحيد.

وقال عكرمة: هو النبوة.

وقال جعفر الصادق: هو نور قلبه  .

وقيل: هو العلم والحكمة.

وقال ابن كيسان: هو الإيثار "أي إيثاره  غيره بالمنفعة على نفسه".

وقيل: هو الفضائل التي وهبه الله إياها.

وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه الخير الكثير، والنعم الدنيوية والأخروية من فضائل وفواضل.

وهو ما رواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد، وهو المشهور عن ابن عباس.

وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس  أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه.

قال أبو بشر: قلت لسعيد فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله  إياه  .

ويروى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضًا.

فإذا جرينا على أن الكوثر هو النبوة أو العلم والحكمة، أو نور القلب -وهو الهدى والرشاد- كان المعنى إن الذي أعطيناك من هذه المواهب هو الكثير الذي لا يكثره شيء، وإن استقله الضعفاء، أو استخف به الأعداء.

وأي كثير يعد كثيرًا بالنسبة إلى الهدى والرشاد ومعرفة طريق السعادة؟

أليس الهدى منبع القوة والعزة، وهو الذي يحفظهما بعد حصولهما؟

إذ القوة والمال -إذا لم تكن معهما الهداية التي تقيم صاحبها على الطريق المستقيم- لا بقاء لهما، ومصيرهما إلى الزوال، ومصير كثرتهما إلى قلة.

وكما قال سيدنا علي  : "العلم يحفظك وأنت تحفظ المال".

ولا سبيل إلى حفظ المال إلا بالعلم.

والجهل والضلال مضيعة كل شيء من جاه أو مال.

وعلى أن الكوثر هو الخير الدنيوي والأخروي يكون المراد: إن هؤلاء المستعجلين بالسيئة يظنون أنك في قل وضعف، وأن أغنياءهم وأقوياءهم في عز ونعمة، ولا يعلمون أننا قد أعطيناك من الخير الذي يعظم في نفوسهم مما لا يعرفون، ومن الخير المدخر لك في الغيب مما لا يدركون شيئًا كثيرًا لا تحد كثرته.

وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه..

فلا يفهم من معنى الآية، بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها، هو الذي بيناه من أحد القولين.

والأول -وهو النبوة وما في معناه- أرجح.

أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة، فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به.

وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى، فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه لكثرة الخلاف فيها.

ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين.

فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة يُؤمَن تواطؤ كل منها على الكذب إلى أن وصل إليك لا تنكره فرقة المسلمين قاطبة - فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين.

وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر، فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ، فلا يصدق عليها اسم المتواتر..

خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف، فيسهل على كل راو الميل إلى تصديق ما يقال له.

وهذا يخل بشرط التواتر، لأن أول شرط فيه أن لا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي.

وبالجملة فخبر وجود النهر من الأخبار الغيبية لا يجوز الاعتقاد به إلا بعد التيقن أنه ورد عن المعصوم  .

فإذا وصلت فيه إلى اليقين الذي لا يجوز عندك تبدله وكان علمك بصدوره عنه -  - كعلمك بوجود مكة أو المدينة قبل أن تراهما، فاعتقد به، وإلا ففوض الأمر إلى الله، وقل لا أعلم.

والله أعلم.

بعد أن أكد لنبيه الخبر بأن الذي أعطاه هو الكوثر الذي لا يستقل عدده ولا ينتقص قدره، وأن ما يعدونه كثيرًا وعظيمًا فهو بالنسبة إليه قليل وحقير، طالبه بالشكر على ذلك.

وأفضل الشكر الإخلاص لله في العبادة لا يشرك في التوسل إليه ولا في الخشوع القلبي له أحدًا سواه، ثم بذل المال للفقراء والمساكين.

ولهذا فرع على الخبر قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ  ﴾ .

أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك مما هو نسك لك لله وحده، فإنه هو مربيك ومسبغ النعم عليك دون سواه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  ﴾ .

نوه الله بقدر ما أعطاه ثم أمره بالشكر عليه.

وبعد ذلك استأنف الكلمة لذكر حال أعدائه ومبغضيه ووعيدهم بما سيصيبهم في أنفسهم وأموالهم فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ  ﴾ : الشانئ معناه المبغض.

الأبتر: هو المقطوع الذي لا يبقى أثره، ولا يحسن من بعده ذكره.

شبه بقاء الذكر الحسن، واستمرار الأثر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه، وهو زينة له.

وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذنب وقطعه، لأن البتر شاع في هذا المعنى وإن كان أصله القطع مطلقًا.

وشانئه  لم يكن يشنئوه لشخصه، لأن شخصه كان محببًا إلى النفوس -كما يدل عليه تاريخه قبل الرسالة- وإنما كان الشانئون يشنئون ويمقتون ما جاء به من الهدى.

فهؤلاء هم الغارقون في الضلال، الخابطون في ظلام الجهل، فلا ريب في فساد أمرهم، وانقطاع أثرهم.

وقد حقق الله هذا الوعيد في شانئيه في زمنه -  - من العرب وغيرهم.

فقد جرهم الخذلان إلى غاية الخسران، ولم يبق لهم إلا سوء الذكر لبعضهم والنسيان التام لبقيتهم..

بخلاف النبي  ، ومن اهتدى بهديه، فإن ذكرهم لا يزال رفيعًا، وأثرهم لا يزال باقيًا في نفوس الصالحين.

وممن يشنأ ما جاء به  ، ويدخل فيما يضمه معنى الأبتر، أولئك الذين يتركون كتاب الله الذي جاء به، ويتمسكون بالظنون وأقوال غير المعصومين دون نظر إلى ما تجر إليه من الانحراف عن سبيل جملة الدين القويم، ويجعلون الدين شيعًا وفوقًا بعد أن صرح الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ .

ثم يعملون على ترويج ما ألصقوه أو ألصق أسلافهم بالدين من البدع وبيع العبادات، واتخاذ الوسائط والشفعاء، مما رمي بهم إلى ما وراء الصراط المستقيم.

فإذا ذكروا بالقرآن أو دعوا إليه، لووا رؤوسهم، وذكروا لك من قول القائلين ما يصادمون به كتاب الله، ويظنون أنهم به يؤمنون، فلا عجب أن ترى الغضب الإلهي يتبعهم في كل مكان، ويقذفهم من ذلة إلى مسكنة، ومن متلفة إلى مهلكة، وهم لا يشعرون، بل ينظرون إلى ما يحل بهم وهم ضاحكون لاهون ساخرون.

نعوذ بالله من الخذلان، ونستعين به على تقرير الإيمان.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله