الآية ٢ من سورة الكوثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 108 الكوثر > الآية ٢ من سورة الكوثر

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الكوثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الكوثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فصل لربك وانحر ) أي : كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته - فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك ، فاعبده وحده لا شريك له ، وانحر على اسمه وحده لا شريك له .

كما قال تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) [ الأنعام : 162 ، 163 ] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن : يعني بذلك نحر البدن ونحوها .

وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني و الحكم وإسماعيل بن أبي خالد ، وغير واحد من السلف .

وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله ، والذبح على غير اسمه ، كما قال تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) الآية [ الأنعام : 121 ] .

وقيل : المراد بقوله : ( وانحر ) وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر .

يروى هذا عن علي ، ولا يصح .

وعن الشعبي مثله .

وعن أبي جعفر الباقر : ( وانحر ) يعني : ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة .

وقيل : ( وانحر ) أي : استقبل بنحرك القبلة .

ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير .

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا ، فقال : حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي - سنة خمس وخمسين ومائتين - حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي ، حدثنا مقاتل بن حيان ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ) قال رسول الله : " يا جبريل ، ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟

" فقال : ليست بنحيرة ، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع ، وإذا سجدت ، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع ، وإن لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة .

وهكذا رواه الحاكم في المستدرك ، من حديث إسرائيل بن حاتم به .

وعن عطاء الخراساني : ( وانحر ) أي : ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل ، وأبرز نحرك ، يعني به الاعتدال .

رواه ابن أبي حاتم .

[ كل هذه الأقوال غريبة جدا ] والصحيح القول الأول ، أن المراد بالنحر ذبح المناسك ; ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول : " من صلى صلاتنا ، ونسك نسكنا ، فقد أصاب النسك .

ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له " .

فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول الله ، إني نسكت شاتي قبل الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم .

قال : " شاتك شاة لحم " .

قال : فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين ، أفتجزئ عني ؟

قال : " تجزئك ، ولا تجزئ أحدا بعدك " .

قال أبو جعفر بن جرير : والصواب قول من قال : معنى ذلك : فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان ; شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير ، الذي لا كفاء له ، وخصك به .

وهذا الذي قاله في غاية الحسن ، وقد سبقه إلى هذا المعنى : محمدبن كعب القرظي وعطاء.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) اختلف أهل التأويل في الصلاة التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصليها بهذا الخطاب, ومعنى قوله: ( وَانْحَرْ) فقال بعضهم: حضه على المواظبة على الصلاة المكتوبة, وعلى الحفظ عليها في أوقاتها بقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) .

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي, قال: ثنا محمد بن ربيعة, قال: ثني يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد, عن عاصم الجحدري, عن عقبة بن ظهير, عن علي رضى الله عنه في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا حماد بن سلمة, عن عاصم الجحدري, عن عقبة بن ظبيان عن أبيه, عن علي رضى الله عنه ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع اليد على اليد في الصلاة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن حماد بن سلمة, عن عاصم الجحدري, عن عقبة بن ظهير, عن أبيه, عن علي رضى الله عنه ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى, ثم وضعهما على صدره.

قال: ثنا مهران, عن حماد بن سلمة, عن عاصم الأحول, عن الشعبي مثله.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن يزيد بن أبي زياد, عن عاصم الجحدري, عن عقبة بن ظهير, عن علي رضى الله عنه: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, يقال: ثنا عوف, عن أبي القُموص, في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع اليد على اليد في الصلاة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا أبو صالح الخراساني, قال: ثنا حماد, عن عاصم الجحدري, عن أبيه, عن عقبة بن ظبيان, أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال في قول الله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده الأيسر, ثم وضعهما على صدره.

وقال آخرون: بل عُنِيَ بقوله ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) : الصلاة المكتوبة, وبقوله ( وَانْحَرْ) أن يرفع يديه إلى النحر عند افتتاح الصلاة والدخول فيها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) الصلاة, وانحر: برفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.

وقال آخرون: عني بقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) المكتوبة, وبقوله ( وَانْحَرْ) : نحر البُدن.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام بن سلم وهارون بن المغيرة, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: الصلاة المكتوبة, ونحر البُدن.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير وحجاج أنهما قالا في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: صلاة الغداة بجمع, ونحر البُدن بمنًى.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن قطر, عن عطاء: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: صلاة الفجر, وانحر البدن.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: الصلاة المكتوبة, والنحر: النسك والذبح يوم الأضحى.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن الحكم, في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: صلاة الفجر.

وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك: صل يوم النحر صلاة العيد, وانحر نسكك.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا هارون بن المغيرة, عن عنبسة, عن جابر, عن أنس بن مالك, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي, فأمر أن يصلي ثم ينحر .

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن جابر, عن عكرِمة: فصلّ الصلاة, وانحر النُّسُك.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن ثابت بن أبي صفية, عن أبي جعفر ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) قال: الصلاة; وقال عكرِمة: الصلاة ونحر النُّسُك.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: إذا صليت يوم الأضحى فانحر.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا قطر, قال: سألت عطاء, عن قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: تصلي وتنحر.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عوف, عن الحسن ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: اذبح قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أبان بن خالد, قال: سمعت الحسن يقول ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: الذبح.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: نحر البُدن, والصلاة يوم النحر.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: صلاة الأضحى, والنحر: نحر البُدن.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: مناحر البُدن بِمِنًى.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن رجل, عن عكرمة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: نحر النسك.

حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) يقول: اذبح يوم النحر.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: نحر البُدن.

وقال آخرون: قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, لأن قوما كانوا يصلون لغير الله, وينحرون لغيره فقيل له.

اجعل صلاتك ونحرك لله, إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني أبو صخر, عن محمد بن كعب القرظي, أنه كان يقول في هذه الآية: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) يقول: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله, وينحرون لغير الله, فإذا أعطيناك الكوثر يا محمد, فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لي.

وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية يوم الحديبية, حين حصر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وصُدّوا عن البيت, فأمره الله أن يصلي, وينحر البُدن, وينصرف, ففعل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, قال: ثني أبو معاوية البجلي, عن سعيد بن جُبير أنه قال: كانت هذه الآية, يعني قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) يوم الحديبية, أتاه جبريل عليه السلام فقال: انحر وارجع, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخطب خطبة الفطر والنحر (7) ثم ركع ركعتين, ثم انصرف إلى البُدن فنحرها, فذلك حين يقول: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فصل وادع ربك وسله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي سنان, عن ثابت, عن الضحاك ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال: صلّ لربك وسل.

وكان بعض أهل العربية يتأوّل قوله: ( وَانْحَرْ) واستقبل القبلة بنحرك.

وذُكر أنه سمع بعض العرب يقول: منازلهم تتناحر: أي هذا بنحر هذا: أي قبالته.

وذكر أن بعض بني أسد أنشده: أبــا حَـكَمٍ هَـلْ أنْـتَ عَـمُّ مُجَـالِدٍ وَسَــيِّدُ أهْــلِ الأبْطَــحِ المُتَنَـاحِرِ (8) أي ينحر بعضه بعضا.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة, وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان, شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له, وخصك به, من إعطائه إياك الكوثر.

وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك, لأن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما أكرمه به من عطيته وكرامته, وإنعامه عليه بالكوثر, ثم أتبع ذلك قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) , فكان معلوما بذلك أنه خصه بالصلاة له, والنحر على الشكر له, على ما أعلمه من النعمة التي أنعمها عليه, بإعطائه إياه الكوثر, فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض, وبعض النحر دون بعض وجه, إذ كان حثا على الشكر على النِّعَم.

فتأويل الكلام إذن: إنا أعطيناك يا محمد الكوثر, إنعاما منا عليك به, وتكرمة منا لك, فأخلص لربك العبادة, وأفرد له صلاتك ونسكك, خلافا لما يفعله من كفر به, وعبد غيره, ونحر للأوثان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فصل لربك وانحرفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : فصل أي أقم الصلاة المفروضة عليك ; كذا رواه الضحاك عن ابن عباس .

وقال قتادة وعطاء وعكرمة : فصل لربك صلاة العيد ويوم النحر .

وانحر نسكك .

وقال أنس : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينحر ثم يصلي ، فأمر أن يصلي ثم ينحر .

وقال سعيد بن جبير أيضا : صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع ، وانحر البدن بمنى ، وقال سعيد بن جبير أيضا : نزلت في الحديبية حين حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيت ، فأمره الله تعالى أن يصلي وينحر البدن وينصرف ; ففعل ذلك .

قال ابن العربي : أما من قال : إن المراد بقوله تعالى : فصل : الصلوات الخمس ; فلإنها ركن العبادات ، وقاعدة الإسلام ، وأعظم دعائم الدين .

وأما من قال : إنها صلاة الصبح بالمزدلفة ; فلأنها مقرونة بالنحر ، وهو في ذلك اليوم ، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها ; فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر " .قلت : وأما من قال إنها صلاة العيد ; فذلك بغير مكة ; إذ ليس بمكة صلاة عيد بإجماع ، فيما حكاه ابن عمر .

قال ابن العربي : ( فأما مالك فقال : ما سمعت فيه شيئا ، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر ، والنحر بعدها ) .

وقال علي - رضي الله عنه - ومحمد بن كعب : المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة .

وروي عن ابن عباس أيضا .

وروي عن علي أيضا : أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره .

وكذا قال جعفر بن علي : [ ص: 195 ] فصل لربك وانحر قال : يرفع يديه أول ما يكبر للإحرام إلى النحر .

وعن علي - رضي الله عنه - قال : لما نزلت فصل لربك وانحر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : " ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها " ؟

قال : " ليست بنحيرة ، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ، أن ترفع يديك إذا كبرت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع ، وإذا سجدت ، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع ، وإن لكل شيء زينة ، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة " .

وعن أبي صالح عن ابن عباس قال : استقبل القبلة بنحرك ; وقاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص .

ومنه قول الشاعر :أبا حكم ما أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحرأي المتقابل .

قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : منازلنا تتناحر ; أي تتقابل ، نحر هذا بنحر هذا ; أي قبالته .

وقال ابن الأعرابي : هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب ; من قولهم : منازلهم تتناحر ; أي تتقابل .

وروي عن عطاء قال : أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره .

وقال سليمان التيمي : يعني وارفع يدك بالدعاء إلى نحرك .

وقيل : فصل معناه : واعبد .

وقال محمد بن كعب القرظي : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر يقول : إن ناسا يصلون لغير الله ، وينحرون لغير الله ; وقد أعطيناك الكوثر ، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله .

قاله ابن العربي : والذي عندي أنه أراد : اعبد ربك ، وانحر له ، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر ، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر ، وهو الخير الكثير ، الذي أعطاكه الله ، أو النهر الذي طينه مسك ، وعدد آنيته نجوم السماء ; أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر ، وذبح كبش أو بقرة أو بدنة ، فذلك يبعد في التقدير والتدبير ، وموازنة الثواب للعبادة .

والله أعلم .الثانية : قد مضى القول في سورة ( الصافات ) في الأضحية وفضلها ، ووقت ذبحها ; فلا معنى لإعادة ذلك .

وذكرنا أيضا في سورة ( الحج ) جملة من أحكامها .

قال ابن العربي : ومن عجيب الأمر : أن الشافعي قال : إن من ضحى قبل الصلاة أجزأه ، والله تعالى يقول في كتابه : فصل لربك وانحر ، فبدأ بالصلاة قبل النحر ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( في البخاري وغيره ، عن البراء بن عازب ، قال ) : أول ما نبدأ به في يومنا هذا : نصلي ، ثم نرجع فننحر ، من فعل فقد أصاب نسكنا ، ومن ذبح قبل ، فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من النسك في شيء " .

وأصحابه ينكرونه ، وحبذا الموافقة .[ ص: 196 ] الثالثة : وأما ما روي عن علي - عليه السلام - فصل لربك وانحر قال : وضع اليمين على الشمال في الصلاة ( خرجه الدارقطني ) ، فقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال :الأول : لا توضع فريضة ولا نافلة ; لأن ذلك من باب الاعتماد .

ولا يجوز في الفرض ، ولا يستحب في النفل .الثاني : لا يفعلها في الفريضة ، ويفعلها في النافلة استعانة ; لأنه موضع ترخص .الثالث : يفعلها في الفريضة والنافلة .

وهو الصحيح ; لأنه ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل بن حجر وغيره .

قال ابن المنذر : وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ، وحكي ذلك عن الشافعي .

واستحب ذلك أصحاب الرأي .

ورأت جماعة إرسال اليد .

وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي .قلت : وهو مروي أيضا عن مالك .

قال ابن عبد البر : إرسال اليدين ، ووضع اليمنى على الشمال ، كل ذلك من سنة الصلاة .الرابعة : واختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد ; فروي عن علي بن أبي طالب : أنه وضعهما على صدره .

وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل : فوق السرة .

وقال : لا بأس إن كانت تحت السرة .

وقالت طائفة : توضع تحت السرة .

وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز .

وبه قال سفيان الثوري وإسحاق .الخامسة : وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والرفع من الركوع والسجود ، فاختلف في ذلك ; فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا سجد .

لم يروه عن حميد مرفوعا إلا عبد الوهاب الثقفي .

والصواب : من فعل أنس .

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ، حتى تكونا حذو منكبيه ، ثم يكبر ، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع ، ويقول سمع الله لمن حمده .

ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود .قال ابن المنذر : وهذا قول الليث بن سعد ، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .

وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول .

وبه أقول ; لأنه الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقالت طائفة : يرفع [ ص: 197 ] المصلي يديه حين يفتتح الصلاة ، ولا يرفع فيما سوى ذلك .

هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .قلت : وهو المشهور من مذهب مالك ; لحديث ابن مسعود ; ( خرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل ) ، قال : حدثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ; فلم يرفعوا أيديهم إلا أولا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة .

قال إسحاق : به نأخذ في الصلاة كلها .

قال الدارقطني : تفرد به محمد بن جابر ( وكان ضعيفا ) عن حماد عن إبراهيم .

وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله ، من فعله ، غير مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وهو الصواب .

وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه ، ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة .

قال الدارقطني : وإنما لقن يزيد في آخر عمره : ( ثم لم يعد ) فتلقنه وكان قد اختلط .

وفي ( مختصر ما ليس في المختصر ) عن مالك : لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة .

قال ابن القاسم : ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام ، قال : وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر منته عليه، أمره بشكرها فقال: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } خص هاتين العبادتين بالذكر، لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات.ولأن الصلاة تتضمن الخضوع [في] القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( فصل لربك وانحر ) قال محمد بن كعب : إن أناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي وينحر لله - عز وجل - .

وقال عكرمة وعطاء وقتادة : فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك .

وقال سعيد بن جبير ومجاهد : فصل الصلوات المفروضة بجمع وانحر البدن بمنى .

وروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : " فصل لربك وانحر " قال : وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فصلِّ لربك» صلاة عيد النحر «وانحر» نسكك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأخلص لربك صلاتك كلها، واذبح ذبيحتك له وعلى اسمه وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد بالصلاة : المداومة عليها .أى : ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة ، فداوم على شكرك لنا ، بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تاما ، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك ، وبأن تواظب - أيضاً - على نحرك الإِبل تقرباً إلى ربك .

كما قال - سبحانه - ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين .

لاَ شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ فَصْلٌ ﴾ وجوه: الأول: أن المراد هو الأمر بالصلاة، فإن قيل: اللائق عند النعمة الشكر، فلم قال: فصل ولم يقل: فاشكر؟

الجواب: من وجوه: الأول: أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة أركان: أحدها: يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة منه لا من غيره.

والثاني: باللسان وهو أن يمدحه.

والثالث: بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع له، والصلاة مشتملة على هذه المعاني، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة أمر بالشكر وزيادة فكان الأمر بالصلاة أحسن.

وثانيها أنه لو قال فاشكر لكان ذلك يوهم أنه ما كان شاكراً لكنه كان من أول أمره عارفاً بربه مطيعاً له شاكراً لنعمه، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي، قال: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان  ﴾ .

الثالث: أنه في أول ما أمره بالصلاة.

قال محمد عليه الصلاة والسلام: «كيف أصلي ولست على الوضوء»، فقال الله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ ثم ضرب جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك: ﴿ فصل ﴾ ، فأما إذا حملنا الكوثر على الرسالة، فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة فصل لربك.

القول الثاني: ﴿ فصل لربك ﴾ أي فاشكر لربك، وهو قول مجاهد وعكرمة، وعلى هذا القول ذكروا في فائدة الفاء في قوله: ﴿ فصل ﴾ وجوهاً أحدها: التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي.

وثانيها: أن المراد من فاء التعقيب هاهنا الإشارة، إلى ما قرره بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ثم إنه خص محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمزيد مبالغة، وهو قوله: ﴿ واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين  ﴾ ولأنه قال له: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب ﴾ أي فعليك بأخرى عقيب الأولى فكيف بعد وصول نعمتي إليك، ألا يجب عليك أن تشرع في الشكر عقيب ذلك القول الثالث: ﴿ فصل ﴾ أي فادع الله لأن الصلاة هي الدعاء، وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك: ﴿ بالكوثر ﴾ فكيف بعد سؤالك لكن: سل تعطه واشفع تشفع وذلك لأنه كان أبداً في هم أمته، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف الشرع.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ وانحر ﴾ قولان: الأول: وهو قول عامة المفسرين: أن المراد هو نحر البدن والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ وانحر ﴾ فعل يتعلق بالصلاة، إما قبلها أو فيها أو بعدها، ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال الفراء: معناها استقبل القبلة.

وثانيها: روى الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال: لما نزلت هذه السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟

قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنه صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.

وثالثها: روي عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة، وقال: رفع اليدين قبل الصلاة عادة المستجير العائذ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع.

ورابعها: قال عطاء: معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك.

وخامسها: روي عن الضحاك، وسليمان التيمي أنهما قالا: ﴿ وانحر ﴾ معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى نحرك، قال الواحدي: وأصل هذه الأقوال كلها من النحر الذي هو الصدر يقال لمذبح البعير النحر لأن منحره في صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر فمعنى النحر في هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال: رأسه وبطنه إذا أصاب ذلك منه.

وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابي: النحر انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بإزاء القبلة، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وقال الفراء: منازلهم تتناحر أي تتقابل وأنشد: أبا حكم هل أنت عم مجالد *** وسيد أهل الأبطح المتناحر والنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة بيتي وهي قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتي ونظر عنايتي فلتكن القبلتان متناحرتين قال: الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه: أحدها: هو أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة في كتابه ذكر الزكاة بعدها.

وثانيها: أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فقيل له: فصل وانحر لربك.

وثالثها: أن هذه الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها فكانت داخلة تحت قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ فوجب أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن يعطف بعض الشيء على جميعه.

ورابعها: أن قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: ﴿ وانحر ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين.

وخامسها: أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من استعماله في سائر الوجوه المذكورة، فيجب حمل كلام الله عليه، وإذا ثبت هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره بالنحر، ولا بد وأن يكون قد فعله، لأن ترك الواجب عليه غير جائر، وإذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وجب علينا مثله لقوله: ﴿ واتبعوه  ﴾ ولقوله: ﴿ فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله  ﴾ وأصحابنا قالوا: الأمر بالمتابعة مخصوص بقوله: ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر.

المسألة الثالثة: اختلف من فسر قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ بالصلاة على وجوه: الأول: أنه أراد بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى، واحتج من جوز تأخير بيان المجمل بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة مع أنه ما بين كيفية هذه الصلاة أجاب أبو مسلم، وقال: أراد به الصلاة المفروضة أعني الخمس وإنما لم يذكر الكيفية، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل القول الثاني: أراد صلاة العيد والأضحية لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه الآية، قال المحققون: هذا قول ضعيف لأن عطف الشيء على غيره بالواو لا يوجب الترتيب القول الثالث: عن سعيد بن جبير صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى، والأقرب القول الأول لأنه لا يجب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل الصلاة على ما يقع يوم النحر.

المسألة الرابعة: اللام في قوله: ﴿ لِرَبّكِ ﴾ فيها فوائد الفائدة الأولى: هذه اللام للصلاة كالروح للبدن، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم، إنما يكون حسناً ممدوحاً إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتاً فيكون مرمياً، كذا الصلاة والركوع والسجود، وإن حسنت في الصورة وطالت، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية، والمراد من قوله تعالى لموسى: ﴿ وأقم الصلاة لذكرى  ﴾ وقيل: إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له: لتكن صلاتك ونحرك لله.

الفائدة الثانية: كأنه تعالى يقول: ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءآة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص.

المسألة الخامسة: الفاء في قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ تفيد سببية أمرين أحدهما: سببية العبادة كأنه قيل: تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية والثاني: سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له: إنك أبتر فقيل له: كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم.

واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب، والفاء في قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: وجعلت قرة عيني في الصلاة ولقد صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له: أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً فقوله: أفلا أكون عبداً شكوراً إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ .

المسألة السادسة: كان الأليق في الظاهر أن يقول: إن أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر.

لكنه ترك ذلك إلى قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ لفوائد إحداها: أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة.

وثانيها: أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين.

وثالثها: أن قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك ﴾ ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره، وأيضاً كلمة ﴿ إنا ﴾ تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه، فلو قال: صل لنا، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك، فلهذا ترك اللفظ، وقال: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحاً بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ ﴾ أبلغ من قوله: فصل لله لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه.

المسألة الثامنة: في الآية سؤالان: أحدهما: أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور هاهنا هو النحر؟

والثاني: لما لم يقل: ضحي حتى يشمل جميع أنواع الضحايا؟

والجواب: عن الأول، أما على قول من قال: المراد من الصلاة صلاة العيد، فالأمر ظاهر فيه، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة، فلوجوه: أحدها: أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له: اجعلهما لله.

وثانيها: أن من الناس من قال: إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا، بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجباً عليه لقوله: ثلاث كتبت علي ولم تكتب على أمتي؛ الضحى والأضحى والوتر.

وثالثها: أن أعز الأموال عند العرب، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى تنبيهاً على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها، روي أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا، ثم أمر علياً عليه السلام بذلك، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله، فلما أخذ على السكين تباعدت منه والجواب عن الثاني: أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا، وأيضاً فيه إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل.

المسألة التاسعة: دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر، لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام: «ابدؤا بمابدأ الله به».

المسألة العاشرة: السورة مكية في أصح الأقوال، وكان الأمر بالنحر جارياً مجرى البشارة بحصول الدولة، وزوال الفقر والخوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنا أنطيناك ﴾ بالنون.

وفي حديثه صلى الله عليه وسلم: «وانطوا الثبجة» والكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة.

وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟

قالت: آب بكوثر.

وقال: وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ** وَكَانَ أَبُوكَ ابْنَ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟

إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير» وروي في صفته: «أحلى من العسل، وأشدّ بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء» وروي: «لا يظمأ من شرب منه أبداً: أول وارديه: فقراء المهاجرين: الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه» وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناساً يقولون: هو نهر في الجنة!

فقال: هو من الخير الكثير.

والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى.

وقيل: صلاة العيد والتضحية.

وقيل: هي جنس الصلاة.

والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم؛ فاعبد ربك الذي أعزّك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفاً لهم في النحر للأوثان (إن) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم ﴿ هُوَ الأبتر ﴾ لا أنت؛ لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك موفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر: وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن.

وكانوا يقولون: إنّ محمداً صنبور: إذا مات مات ذكره.

وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له.

ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الكَوْثَرِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنّا ﴿ أعْطَيْناكَ ﴾ وقُرِئَ «أنْطَيْناكَ» .

﴿ الكَوْثَرَ ﴾ الخَيْرَ المُفْرِطَ الكَثْرَةِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ وشَرَفِ الدّارَيْنِ.

وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ وعَدَنِيهِ رَبِّي فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وأبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، حافَّتاهُ الزَّبَرْجَدُ وأوانِيهِ مِن فِضَّةٍ لا يَظْمَأُ مَن شَرِبَ مِنهُ» ، وقِيلَ: حَوْضٌ فِيها، وقِيلَ: أوْلادُهُ وأتْباعُهُ، أوْ عُلَماءُ أُمَّتِهِ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خِلافَ السّاهِي عَنْها المُرائِي فِيها شُكْرًا لِإنْعامِهِ، فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِأقْسامِ الشُّكْرِ.

﴿ وانْحَرْ ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُهم ويَمْنَعُ عَنْهُمُ الماعُونَ، فالسُّورَةُ كالمُقابِلَةِ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَدْ فُسِّرَتِ الصَّلاةُ بِصَلاةِ العِيدِ والنَّحْرُ بِالتَّضْحِيَةِ.

﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ إنَّ مَن أبْغَضَكَ لِبُغْضِهِ اللَّهَ.

﴿ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ إذْ لا يَبْقى لَهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَوْثَرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن كُلِّ نَهْرٍ لَهُ في الجَنَّةِ، ويَكْتُبُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ قُرْبانٍ قَرَّبَهُ العِبادُ في يَوْمِ النَّحْرِ العَظِيمِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَصَلّ لِرَبّكَ} فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله {وانحر} لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفاً لعبدة الأوثان في النحر لها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ مِنَ العَطِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ العالَمِينَ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ أيِ اسْتَجابَ.

أيْ: فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ لِرَبِّكَ الَّذِي أفاضَ عَلَيْكَ ما أفاضَ مِنَ الخَيْرِ خالِصًا لِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ خِلافَ السّاهِينَ عَنْها المُرائِينَ فِيها أداءً لِحَقِّ شُكْرِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ أقْسامِ الشُّكْرِ، ولِذا قِيلَ: ﴿ فَصَلِّ ﴾ دُونَ «فاشْكُرْ».

﴿ وانْحَرْ ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ بِاسْمِهِ تَعالى وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُّهم ويَمْنَعُ مِنهُمُ الماعُونَ كَذا قِيلَ.

وجَعْلُ السُّورَةِ عَلَيْهِ كالمُقابِلَةِ لِما قَبْلَها كَما فَعَلَ الإمامُ، ولَمْ يَذْكُرُوا مُقابِلَ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ.

وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: إنَّ الكَوْثَرَ بِمَعْنى الخَيْرِ الكَثِيرِ الشّامِلِ لِلْأُخْرَوِيِّ يُقابِلُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إثْباتِهِ ضِمْنًا، وكَذا إذا كانَ بِمَعْنى النَّهْرِ والحَوْضِ والأمْرُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالإسْلامِ وتَفْسِيرِ الدِّينِ بِهِ أيْضًا في غايَةِ الظُّهُورِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ أبِي مُسْلِمٍ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وأخْرَجَهُ الأوَّلُ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّها جِنْسُ الصَّلاةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِها صَلاةُ العِيدِ وبِالنَّحْرِ التَّضْحِيَةُ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: انْحَرْ وارْجِعْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَطَبَ خُطْبَةَ الأضْحى ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى البُدْنِ فَنَحَرَها؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ » .

واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّلاةِ عَلى التَّضْحِيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قالُوا: المُرادُ صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ والنَّحْرُ بِمِنًى، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّحْرِ نَحْرُ الأضاحِيِّ واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ لِمَكانِ الأمْرِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( فاتَّبِعُوهُ ) وأُجِيبَ بِالتَّخَصُّصِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ: الضُّحى والأُضْحِيَّةُ والوَتْرُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ: ﴿ وانْحَرْ ﴾ أيِ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ (الفَرّاءُ) وقالَ: يُقالُ: مَنازِلُهم تَتَناحَرُ؛ أيْ تَتَقابَلُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطَحِ المُتَناحِرِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ إلَخْ.

قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أمَرَنِي بِها رَبِّي؟».

فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ، ولَكِنْ يَأْمُرُكَ إذا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلاةِ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إذا كَبَّرْتَ وإذا رَكَعْتَ، وإذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَإنَّها صَلاتُنا وصَلاةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم في السَّماواتِ السَّبْعِ، وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً، وزِينَةُ الصَّلاةَ رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: تَرْفَعُ يَدَيْكَ أوَّلَ ما تُكَبِّرُ في الِافْتِتاحِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وآخَرُونَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ضَعْ يَدَكَ اليُمْنى عَلى ساعِدِ اليُسْرى ثُمَّ ضَعْهُما عَلى صَدْرِكَ في الصَّلاةِ.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَبّاسٌ - ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ مَعْناهُ: اقْعُدْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ أنَّهُما قالا: مَعْناهُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ عَقِيبَ الصَّلاةِ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى نَحْرِكَ ولَعَلَّ في صِحَّةِ الأحادِيثِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَقالًا، وإلّا فَمًا قالُوا الَّذِي قالُوا وقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الأوَّلِ: أنَّهُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وقالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، بَلْ أخْرَجَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ.

وقالَ الجَلالُ في الحَدِيثِ الآخَرِ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ، ويَرْجِعُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنْ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُخالِفُهُ أنَّ الأشْهَرَ اسْتِعْمالُ النَّحْرِ في نَحْرِ الإبِلِ دُونَ تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ سُنَّةَ القُرْآنِ ذِكْرُ الزَّكاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وما ذُكِرَ بِذَلِكَ المَعْنى قَرِيبٌ مِنها بِخِلافِهِ عَلى تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ المَعانِي يَرْجِعُ إلى آدابِ الصَّلاةِ أوْ أبْعاضِها فَيَدْخُلُ تَحْتَ: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ ويَبْعُدُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ دُونَ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مَعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُصَلُّونَ ويَنْحَرُونَ لِلْأوْثانِ فالأنْسَبُ أنْ يُؤْمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالصَّلاةِ والنَّحْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا واعْتِبارُ الخُلُوصِ في «فَصَلِّ» إلَخْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِدَلالَةِ لامِ الِاخْتِصاصِ.

وفي الِالتِفاتِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ إلى خُصُوصِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدٌ لِتَرْغِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أداءِ ما أُمِرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث آيات مكيّة قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ يعني: الخير الكثير لفضيلة القرآن، ويقال العلم، وقال القتبي أحسبه «فَوْعَلَ» من الكثرة والخير الكثير، وقال مقاتل: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أراد به نهراً في الجنة طينه مسك أذفر ورضراضه اللؤلؤ أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وروى عطاء بن السائب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن عمر  م قال: قال رسول الله  : الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب ومجراه على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، تربته أطيب من المسك وروي عن أنس عن النبيّ  أنه قال: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ فَإِذَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ مِنَ اللُؤْلُؤْ المُجَوَّفِ يَعْنِي الخِيَامَ قُلْتُ مَا هذا يَا جِبْرِيل؟

قَالَ: هذا الكَوثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ» .

ثُمَّ قال عز وجل فَصَلِّ لِرَبِّكَ يعني صلّ لله الصلوات الخمس وَانْحَرْ قال بعضهم: انحر نفسك يعني اجتهد في الطاعة، وقال بعضهم: انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، وقال بعضهم: صل صلاة العيد يوم العيد وانحر البدنة ثم قال عز وجل: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني: مبغضك وهو «العاص بن وائل السهمي» هو الأبتر يعني: الأبتر من الخير وذلك أن العاص بن وائل السهمي كان يقول لأصحابه: هذا الأبتر الذي لا عقب له.

وبلغ ذلك رسول الله  فاغتم لذلك فنزل إن شانئك هو الأبتر وأنت يا محمد  ستذكر معي إذا ذكرت فرفع الله ذكره في كل مواطن ويقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بأن يستوي بين السجدتين حتى يبدي نحره فخاطب بذلك النبيّ  والمراد به جميع الأمة كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وأراد به هو وأصحابه، وروي عن علي بن أبي طالب،  في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال يعني: ضع اليمين على الشمال في الصلاة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ في ماله وولده وأهله والبتر: في اللغة الاستئصال والقطع وقال قتادة الأبتر الحقير الرقيق الذليل.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الكوثر»

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال جماعة من الصحابة والتابعين: الْكَوْثَرَ نَهْرٌ في الجنةِ حافَّتَاه قِبَابٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مجوَّفٍ، وطينُه مِسْكٌ وحَصْبَاؤه يَاقُوتٌ، ونحوُ هذا مِنْ صفاتِه، وإنِ اختلفتْ ألْفَاظُ رُوَاتِه، وقال ابن عباس: الكَوثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ/ قال ابن جُبَيْرٍ: النَّهْرُ الذي في الجنةِ هُو من الخيرِ الذي أعْطَاه اللَّهُ إياه «١» ت: وخَرَّجَ مسلمٌ عن أنس قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يومٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أغفى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ، فَقَرَأَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إلى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟

قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» الحديثُ، انتهى، وخَرَّج ابنُ ماجه من حديثِ ثَوْبَانَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أوَّلَ مَنْ يَرِدُ عَلى الحَوْضِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الدُّنْسُ ثِياباً الشُّعْثُ رُؤوساً، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ، وَلاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ» «٢» ، قال الراوي: فبكى عمرُ بن عبدِ العزيزِ حتى اخضل لِحْيَتُهُ، حِينَ بلغهُ الحديثُ، وقال: لاَ جَرَمَ، إنِّي لاَ أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حتى يَتَّسِخَ، وَلاَ أَدْهِنُ رَأْسِي حتى يَشْعَثَ، وخَرَّجَه أبو عيسى الترمذيُّ عن ثوبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمعناه «٣» ، ونَقَلَ صاحبُ «التذكرة» «٤» عن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ الحَوْضَ عَلَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ السَّائِحُونَ الَّذِينَ إذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ استقبلوه بِالحُزْنِ، انتهى من «التذكرة» ، ورَوَى أبو داودَ في «سننِه» عن أبي حمزةَ عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يُرِدُ عَلَي الحَوْضِ، قَال: قُلْتُ:

كَمْ كُنْتُمْ يَومَئِذٍ؟

قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ، انتهى «١» .

وقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أمْرٌ بالصلاةِ على العمومِ، والنَّحْرُ/ نَحْرُ الهَدْيِ، والنُّسُكِ، والضَّحَايَا عَلى قول الجمهور.

وقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ردٌّ على مقالةِ بَعْضِ سفهاءِ قريشٍ كأبي جهل وغيرِه، قال عكرمة وغيره: مات ولد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال أَبُو جَهْلٍ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، فنزلت السُّورةُ، وقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي: المقطوع المبتور من رحمة «٢» الله، والشانئ المبغض، قال الداوديّ: كل شانىء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو أبْتَرُ، لَيْسَ له يَوْمَ القيامة شَفِيعٌ ولا حميم يطاع، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الكَوْثَرِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وَفِي ﴿ الكَوْثَرَ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ.

رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ إذا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ.

قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟

قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا طِينُهُ، أوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أذْفَرُ.» وَرَوى مُسْلِمٌ أيْضًا في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ  إغْفاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إمّا قالَ لَهُمْ، وإمّا قالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟

فَقالَ: " إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ الآنَ آنِفًا سُورَةٌ " فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ حَتّى خَتَمَها.

وقالَ: " هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟

" فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: " هو نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ كَواكِبِ السَّماءِ، يُخْتَلَجُ العَبْدُ مِنهُمْ، فَأقُولُ: يا رَبِّ إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.» والثّانِي: أنَّ الكَوْثَرَ: الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي أُعْطِيَ نَبِيُّنا  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العِلْمُ والقُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ رَسُولِ اللَّهِ  الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أتْباعِهِ، وأُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ في هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَلاةُ العِيدِ.

وقالَ قَتادَةُ: صَلاةُ الأضْحى.

والثّانِي: صَلاةُ الصُّبْحِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْحَرْ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اذْبَحْ يَوْمَ النَّحْرِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: وضْعُ اليَمِينِ عَلى اليُسْرى عِنْدَ النَّحْرِ في الصَّلاةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَفْعُ اليَدَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ إلى النَّحْرِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ، وانْحَرْ لِلَّهِ، فَإنَّ ناسًا يُصَلُّونَ لِغَيْرِهِ، ويَنْحَرُونَ لِغَيْرِهِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ بِالنَّحْرِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن عَنى بِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «العاصِ بْنِ وائِلٍ، لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ  عَلى بابِ المَسْجِدِ فَوَقَفَ يُحَدِّثُهُ حَتّى دَخَلَ العاصِ المَسْجِدَ، وفِيهِ أُناسٌ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تُحَدِّثُ؟

قالَ: ذاكَ الأبْتَرُ، يَعْنِي النَّبِيَّ  ، وكانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانُوا يُسَمُّونَ مَن لَيْسَ لَهُ ابْنٌ: أبْتُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ.» وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَنى بِهِ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والشّانِئُ: المُبْغِضُ، والأبْتَرُ: المُنْقَطِعُ عَنِ الخَيْرِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَوْثَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "إنّا أنْطَيْناكَ"، وهي لُغَةٌ في "أعْطى"، قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "واليَدُ المُنْطِيَةُ خَيْرٌ مِنَ السُفْلى"»، وقالَ الأعْشى: جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ تُصانُ الجِلالَ وتُنْطى الشَعِيرا قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ قِبابٌ مِن دُرٍّ مُجَوَّفٍ، وطِينُهُ مِسْكٌ، وحَصْباؤُهُ ياقُوتٌ، ونَحْوُ هَذا مِن صِفاتِهِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الرُواةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "كَوْثَرُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الكَثْرَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الَّذِي أعْطى اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا  مِنَ النُبُوَّةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ بِرَبِّهِ تَعالى والفَوْزِ بِرِضْوانِهِ والشَرَفِ عَلى عِبادِهِ هو أكْثَرُ الأشْياءِ وأعْظَمُها، فَكَأنَّهُ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنّا أعْطَيْناكَ الحَظَّ الأعْظَمَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: النَهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللهُ تَعالى إيّاهُ، فَنِعْمَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، ونِعْمَ ما تَمَّمَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأمْرُ النَهْرِ ثابِتٌ في الآثارِ في حَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ، صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ ونَفَعَنا بِما مَنَحَنا مِنَ الهِدايَةِ بِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأصْحابِ والأشْياعِ، وقالَ جَعْفَرُ الصادِقُ: نُورٌ في قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ أيْضًا: هو الشَفاعَةُ، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ: هو التَوْحِيدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ" أمْرٌ بِالصَلاةِ عَلى العُمُومِ، فَفِيهِ المَكْتُوباتُ بِشُرُوطِها، والنَوافِلُ عَلى أثَرِها، والنَحْرُ نَحْرُ الهَدْيِ والنُسُكِ في الضَحايا في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَكُنْ شُغْلُكَ هَذَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  : يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ فَأمَرَ أنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَنْحَرُ،» وقالَهُ قَتادَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ: في الآيَةِ طَعْنٌ عَلى كَفّارِ مَكَّةَ، أيْ إنَّهم يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى مُكاءً وتَصْدِيَةً، ويَنْحَرُونَ لِلْأصْنامِ، ونَحْوِهُ، فافْعَلْ هَذا أنْتَ لِرَبِّكَ تَكُنْ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقْتَ صُلْحِ قُرَيْشٍ، قِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : صِلْ وانْحَرْ الهَدْيَ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: صَلِّ لِرَبِّكَ، وضَعْ يَمِينِكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَلاةِ، فالنَحْرُ -عَلى هَذا- لَيْسَ بِمَصْدَرِ نَحَرَ، بَلْ هو الصَدْرُ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: ارْفَعْ يَدَكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ رَدٌّ عَلى مَقالَةٍ كانَ كَثِيرٌ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ يَقُولُها لِما لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ  ولَدٌ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هو أبْتَرُ، يَمُوتُ فَنَسْتَرِيحُ مِنهُ، ويَمُوتُ أمْرُهُ بِمَوْتِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى -وَقَوْلُهُ الحَقُّ-: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ ، أيِ المَقْطُوعُ المَبْتُورُ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَ لَهُ بَنُونَ فَهم غَيْرُ نافِعِيهِ.

"والشانِئُ": المُبْغِضُ، وقالَ قَتادَةُ الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَلِيلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ماتَ ابْنُ النَبِيِّ  فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ "بُتِرَ مُحَمَّدٌ"، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، سَمّى النَبِيَّ  حِينَ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ: أبْتُرُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكَوْثَرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر.

والإِشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإِشعار بتنويه شأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ [القدر: 1].

والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق.

وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم.

و ﴿ الكوثر ﴾ : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زِنة فوْعل، وهي من صيغ الأسماء الجامدة غالباً نحو الكوكب، والجورب، والحوشب والدوسر، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها، ولما وقع هنا فيها مادة الكَثْر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة، وهو أحسن ما فُسر به وأضبطُه، ونظيره: جَوْهر، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوّه، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها.

ويوصفُ الرجل صاحب الخير الكثير بكَوثر من باب الوصف بالمصدر كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي: وصاحب ملحوب فُجعنا بفقده *** وعند الرّداع بيتُ آخر كوثر (ملحوب والرداع) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة، فوصف البيت بكوثر ولاحظ الكميت هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان: وأنتَ كثيرٌ يا ابنَ مروان طيبٌ *** وكان أبوك ابنُ العقايل كَوْثرا وسمي نهر الجنة كوثراً كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفاً.

وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير، وروي عن ابن عباس، قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس: إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير.

وعن عكرمة: الكوثر هنا: النبوءة والكتاب، وعن الحسن: هو القرآن، وعن المغيرة: أنه الإِسلام، وعن أبي بكر بن عَيَّاش: هو كثرة الأمة، وحكى الماوردي: أنه رفعة الذكر، وأنه نور القلب، وأنه الشفاعة، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره.

وأريد من هذا الخبر بشارة النبي صلى الله عليه وسلم وإزالةُ ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه: هو أبتر، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر، إبطالاً لقولهم.

وقوله: ﴿ فصل لربك ﴾ اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه عليها، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته.

وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء: إنه أبتر، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ [العلق: 9، 10] لأنهم إنما نهَوْه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم، وكذلك النحر لله.

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ دون: فصلِّ لنا، لما في لفظ الرب من الإِيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلاً عن فرط إنعامه.

وإضافة (رب) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتقريبه، وفيه تعريض بأنه يربُّه ويرأف به.

ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى: ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ﴾ في سورة الحجر (97، 98).

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صدّ المشركين إيّاه عن البيت في الحديبية، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيراً كثيراً، أي قدره له في المستقبل وعُبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [الفتح: 1] فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب: أفتح هذا؟

قال: نعم.

وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير: أن قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرفَ من الحديبية.

وأفادت اللام من قوله: ﴿ لربك ﴾ أنه يخُص الله بصلاته فلا يصلي لغيره.

ففيه تعريض بالمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها.

وعطف ﴿ وانحر ﴾ على ﴿ فصل لربك ﴾ يقتضي تقدير متعلِّقه مماثلاً لمتعلِّق ﴿ فصل لربك ﴾ لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى: ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ [مريم: 38] أي وأبصر بهم، فالتقدير: وانحر له.

وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قرباناً للأصنام فإن كانت السورة مكية فلعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبلَ البعثة وبعدها قد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته، وهو يود أن يُطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرجُ من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين، أي لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناوياً بما تنحره أنه لله.

وإن كانت السورة مدنية، وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مراداً به الضحايا يومَ عيد النحر ولذلك قال كثير من الفقهاء إن قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ مراد به صلاة العيد، ورُوي ذلك عن مالككٍ في تفسير الآية وقال: لم يبلغني فيه شيء.

وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالةً على أن الضحية تكون بعد الصلاة، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضّأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضحّ إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يومَ النحر وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عُطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفاً.

ويرشح إيثارَ النحر رَعْيُ فاصلة الراء في السورة.

وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير «انحر» تجعله لفظاً غريباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا.

الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ  الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ.

الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ.

﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي ﴿ الأبْتَرُ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ  ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون قال: لما طعن عمر وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] .

وأخرج البيهقي عن ابن شبرمة قال: ليس في القرآن سورة أقل من ثلاث آيات.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في بطنان الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت فيه أزواجه وخدمه.

قال: وبأي شيء ذكر ذلك؟

قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من باب الصفا وخرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن واثل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟

قال: ذلك الأبتر، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله هذه السورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ يعني عدوّك العاص بن وائل هو الأبتر من الخير لا أذكر في مكان إلا ذكرت معي يا محمد، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول: وحباه الإِله بالكوثر ** الأكبر فيه النعيم والخيرات وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: أغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً فقال: «إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ﴾ حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترده أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» .

وأخرج مسلم والبيهقي من وجه آخر بلفظ ثم رفع رأسه فقرأ إلى آخر السورة، قال البيهقي والمشهور فيما بين أهل التفاسير والمغازي أن هذه السورة مكية وهذا اللفظ لا يخالفه فيشبه أن يكون أولى.

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر في الجنة يجري ولم يشق شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ» .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك اذفر.

قلت: ما هذا يا جبريل؟

قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر.

قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة.

قال: آكلها أنعم منها يا عمر» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أعطيت الكوثر، قلت يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيتشعث أبداً، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟

قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه الخير الكثير.

فقال: صدقت والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: نزلت ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة شاطئاه عليه در مجوّف فيه من الآنية والأباريق عدد النجوم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: الخير الكثير.

وقال أنس بن مالك: نهر في الجنة، وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت الكوثر آنيته عدد النجوم» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر أعطاه الله محمداً في الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، وماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء.

وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه.

قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة أجوف فيه آنية من الذهب والفضة لا يعلمها ألا الله.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده فسأل امرأته عنه؟

فقالت: خرج آنفاً أو لا تدخل يا رسول الله؟

فدخل فقدمت له حيساً فأكل فقالت: هنيئاً لك يا رسول الله ومريئاً لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال: أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ» .

وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟

قال: نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله عرضه ما بين إيلة وعدن.

قال: يا رسول الله أله طين أو حال.

قال: نعم المسك الأبيض.

قال: له رضراض حصى؟

قال: نعم رضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ.

قال: أله شجر؟

قال: نعم، حافتاه قضبان ذهب رطبة شارعة عليه.

قال: ألتلك القضبان ثمار؟

قال: نعم تنبت أصناف الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، فيه أكواب وآنية وأقداح تسعى إلى من أراد أن يشرب منها منتشرة في وسطه كأنها الكوكب الدري» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة حافتاه قباب الدر فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج هناد وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه.

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة.

وأخرج هناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الكوثر ما أعطاه الله من النبوّة والخير والقرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الكوثر القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟

قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: ﴿ فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ [ المؤمنون: 76] » .

وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ قال: الصلاة ﴿ وانحر ﴾ قال: يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع اليمنى على الشمال عند التحرم في الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: استقبل القبلة بنحرك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: صلي لربك الصلاة المكتوبة واسأل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فصل لربك ﴾ قال: اشكر لربك.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل فقال انحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك حين يقول: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعكرمة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قالوا: صلاة الصبح بجمع ونحر البدن بمنى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وانحر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة والذبح يوم الأضحى.

وأخرج ابن جريرعن قتادة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: الأضحى والنحر نحر البدن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك ﴾ قال: صلاة العيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وانحر ﴾ قال: البدن.

وأخرج ابن جرير عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر.

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانحر ﴾ قال: يقول فادع يوم النحر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: بتر محمد منا فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم ألا ترى إلى هذا الصابئ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة؟

قال: أنتم خير منه.

فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ ونزلت ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ [ النساء: 51] إلى قوله: ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ النساء: 52] .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إن هذا الصابئ قد بتر الليلة، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية، فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة، ثما مات عبد الله، فقال العاصي بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم رجلاً والعاصي بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل: من هذا؟

قال: هذا الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن محمد بن علي قال: كان القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب على الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاصي: لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ﴿ فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال البيهقي: هكذا روي بهذا الإِسناد وهو ضعيف والمشهور أنها نزلت في العاصي بن وائل.

وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آت من جنازته، على العاصي بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأشنئوه فقال العاصي بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال: هو العاصي بن وائل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل: بتر فلان، فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل: بتر، والأبتر الفرد.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك ﴾ يقول: عدوّك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ إن شانئك ﴾ قال: أبو جهل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن عطية عن إبراهيم قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول: إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر، فأنزل الله فيه ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ يعني الصلوات الخمس في قول مقاتل (١) (٢) (٣) وقال مجاهد (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) قال (عكرمة (٩) (١٠) (١١)  - (١٢) (١٣) وروى عن علي  أنه فسر هذا النحر بوضع (١٤) (١٥) (وهو) (١٦) (١٧) (١٨) وروى (الأصْبَغُ بنُ نُبَاتة (١٩) (٢٠)  - لجبريل (٢١) (٢٢) وذكر الكلبي (٢٣) (٢٤) (٢٥) وذكر عن عطاء أن هذا أمر بالاستواء بين السجدتين حتى يستقل بنحوه القبلة (٢٦) وقال سليمان التيمي معناه: ارفع يديك بالدعاء إلى نحرك (٢٧) (هذا قول المفسرين، وما ذكروه في هذه الآية) (٢٨) (٢٩) فمعنى النحر في هذا هو إصابة النحر، كما يقال رأسه وبطنه، إذا أصابه ذلك منه، ووضع اليد على الصدر نحر أيضًا، كما ذكره علي رحمه الله-، لأنه إصابة النحر باليد، ورفع الأيدي في الصلاة أيضًا عند التكبير نحر، كما فسره جبريل (  ) (٣٠)  -، وهو أن يرفع يديه إلى نحره، فتصيب (٣١) (٣٢) (قال) (٣٣) (٣٤) (قال ثعلب: وهو أن ينتصب بنحره بازاء القبلة ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا (٣٥) (٣٦) قال الفراء: ويقال منازلهم تتناحر، أي تتقابل، وأنشد: أبا حَكَمٍ هل أنتَ عمُّ مُجالدٍ ...

وسيدُ أهْلِ الأبْطَحِ المتناحرِ (٣٧) قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ (هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣٨) (٣٩) (٤٠) معنى البتر في اللغة: (أستئصال القطع، يقال بترته أبتره بترًا، أي صار أبتر، وهو المقطوع الذنب.

ويقال للذي لا عقب له أبتر، وكذلك للمنقطع (٤١) (٤٢) قال المفسرون: يعني العاص بن وائل، قال للنبي -  -: إنه أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله بن خديجة.

وهو قول (الكلبي (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال محمد بن إسحاق (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال مقاتل: فرفع (٥١)  - في الناس عامة حتى ذكر في الصلاة، والأذان، وأتاه مكان ابنه الكوثر (٥٢) وقال (عطاء عن) (٥٣)  - فيقول له: إني لأشنؤك، وإنك لأبتر من الرجال، فأنزل الله تعالى (إن شانئك) يعني العاص هو (الأبتر) من خير الدنيا والآخرة (٥٤) وقال قتادة: الأبتر الحقير الذليل (٥٥) وقال الفراء: يقول الله -تعالى-: إن مبغضك وعدوك الذي لا ذكر الله بعمل خير (له) (٥٦) (٥٧) وهو من القول المفهوم، وذلك أنه لما وصف عدوه بأنه أبتر، تضمن ذلك أنه ليس بأبتر، وإلا فليس في المنطق به ذكر رفع ذكر النبي  ، وقال أبو إسحاق: جائز أن يكون الأبتر هو المنقطع العقب (٥٨) وقال أهل المعاني: معنى قوله: (هو الأبتر) أي هو الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته فكان الأمر كذلك، وأما أمر النبي -  - فإنه ظهر واستفاض حتى ظهر على الدين كله (٥٩) (١) "زاد المسير" 8/ 320.

(٢) "جامع البيان" 30/ 26 من طريق العوفي عن ابن عباس، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 218 من طريق الضحاك عنه ابن عباس، و"الدر المنثور" 8/ 615 وعزاه إلى ابن المنذر.

(٣) ساقط من (أ).

(٤) "الكشف والبيان" 13/ 166 أ، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وورد عنه فقط تفسير "النحر" في "جامع البيان" 30/ 327، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597.

(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٦) ساقط من (أ).

(٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 401 - 402، و"جامع البيان" 30/ 326 - 327، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"معالم التنزيل" 4/ 535، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وورد عنه تفسير معنى النحر فقط في: "زاد المسير" 8/ 320، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597.

(٨) "جامع البيان" 30/ 326، و"الكشف والبيان" ج 13/ 166 أ، و"الجامع لأحكام == القرآن" 20/ 218، و"التفسير الكبير" 32/ 130، و"فتح القدير" 5/ 504، وورد عنه فقد تفسير النحر في "النكت والعيون" 6/ 355.

(٩) "جامع البيان" 30/ 326، و"الكشف والبيان" ج 13/ 166 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 534، و"الجامع حكام القرآن" 20/ 218.

(١٠) ساقط من (أ).

(١١) المراجع السابقة بالإضافة إلى "المحرر الوجيز" 5/ 529 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 320، و"البحر المحيط" 8/ 520، و"الدر المنثور" 8/ 651.

(١٢) ساقط من (أ).

(١٣) وممن قال بمعنى ذلك: محمد بن كعب، وابن عباس، وعطاء الخراساني، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، انظر: "جامع البيان" 30/ 327، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 وهذا القول رجحه الطبري في تفسيره.

(١٤) في (أ): (موضع).

(١٥) "جامع البيان" 30/ 352 - 326، و"الكشف والبيان" 13/ 166 أ - ب، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"المحرر الوجيز" 5/ 530، و"زاد المسير" 8/ 320، و"التفسير الكبير" 32/ 129، و"القرطبى" 20/ 219، و"البحر المحيط" 8/ 520 و"ابن كثير" 4/ 597 وقال وهذا لا يصح، و"فتح القدير" 5/ 504، و"الدر المنثور" 8/ 560 وعزاه إلى ابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، وانظر: "المستدرك" 2/ 537 كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر.

(١٦) غير مقروء في (ع)، وساقط في (أ).

وأثبت ما رأيت فيه انتظام الكلام.

(١٧) "الكشف والبيان" 13/ 166 ب، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"معالم التنزيل" 4/ 534، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219، و"لباب التأويل" 4/ 416، و"الدر المنثور" 8/ 650 - 651 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن شاهين في السنة، وابن مردويه، والبيهقي.

(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٩) أصبغ بن نُباتة التميمي، ثم الحنظلي، ثم الدارمي، ثم المجاشعي؛ أبو القاسم الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، متروك، رمي بالرفض.

انظر: "المجروحين" لابن حبان 1/ 173، و"تهذيب الكمال" 3/ 308 ت 537، و"تقريب التهذيب" 1/ 81 ت: 613.

(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢١) في (أ): (بحريه).

(٢٢) "الكشف والبيان" 13/ 167 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 وقد قال ابن كثير عنه: إنه حديث منكر جدًّا.

كما ورد في "المستدرك" 2/ 538: كتاب التفسير: سورة الكوثر: قال الذهبي: قلت: إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي (كتب الضعفاء والمتروكين: النسائي: 58: رقم 66)، و"الدر المنثور" 8/ 650 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، و"فتح القدير" 5/ 504.

(٢٣) "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219.

(٢٤) "معاني القرآن" 3/ 296 بنحوه.

(٢٥) ساقط من (أ).

(٢٦) "الكشف والبيان" 13/ 168 أ، و"التفسير الكبير" 32/ 129 بمعناه، و"الجامع لأحكام القرآن" 2/ 219 - 220، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

(٢٧) المراجع السابقة عدا "التفسير الكبير"، و"الدر".

(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد عقب ابن كثير على ما مضى من الأقوال قال: وكل هذه الأقوال غريبة جدًا، والصحيح القول الأول، وأن المراد بالنحر ذبح المناسك، ثم حسن ما رجحه الطبري من القول بالعموم.

وإن معنى الآية: فاجعل صلاتك كلها لله دون ما سواه من الأنداد، وكذلك النحر اجعله له دون الأوثان شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة؛ قال: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد ابن كعب القرظي وعطاء.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 - 598.

(٢٩) ما بين القوسين انظر فيه: "تهذيب اللغة" 5/ 10 (نحو)، و"لسان العرب" 5/ 195 (نحر)، وأيضًا: "مقاييس اللغة" 5/ 400 (نحر).

(٣٠) ساقط من (أ).

(٣١) في) أ): (لتصيب).

(٣٢) في (أ): (لنحره).

(٣٣) ساقط من (أ).

(٣٤) نقلاً عن "تهذيب اللغة" 5/ 11 (نحر).

(٣٥) نقلًا عن "تهذيب اللغة" المرجع السابق، وكلامه في: "مجالس ثعلب" 1/ 11 قال: معنى قوله تعالى: فصل لربك وانحر، يقال: استقبل القبلة بنحرك، ويقال: اذبح.

(٣٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٧) "معاني القرآن" 3/ 296.

بيت القصيد لبعض بني أسد؛ ذكر ذلك الفراء.

وقد ورد البيت في: برواية (ها أنت) بدلًا من (هل أنت)، و"تهذيب اللغة" 5/ 10 (نحر)، و"لسان العرب" 5/ 197، و"تاج العروس" 3/ 558، و"جامع البيان" 30/ 328، و"النكت والعيون" 6/ 356، و"الكشف والبيان" ج 13/ 168 أ، و"روح المعاني" 30/ 247، و"التفسير الكبير" 32/ 130، و"شرح أبيات معاني القرآن" ص 174 س 387.

موضع الشاهد: يقال منازلهم تتناحر أي هذا ينحر هذا أي قُبالته.

والمعنى: الأبطح: المتسع العريض، وأبطح الوادي: حصاه اللين في بطن المسيل.

والجلد: القوة والشدة.

"شرح أبيات معاني القرآن".

المرجع السابق (٣٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٩) انظر "تهذيب اللغة" 11/ 42 (شنأ)، و"إصلاح المنطق" ص 284.

(٤٠) سورة المائدة: 2، 8 قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ .وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ومما جاء في معنى: "شنآن" قال: أبو زيد: شنئت الرجل أشنؤه شنئًا وشنآنًا ومنشاءة إذا ابغضته.

واختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرؤوا على فَعْلا، وحجتهم أنه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، ومن أسكن النون، فلأن المصدر قد جاء أيضًا على فعلان، وإذا كان كذلك، فالمعنى في القراءتين واحد، ومعناه: لا يحرمنكم بغض قوم أي بغضكم قوم بصدهم إياكم ..

"البسيط" مختصرًا جدًا.

(٤١) في (أ): (المنقطع).

(٤٢) ما بين القوسين انظر "تهذيب اللغة" 14/ 277 (بتر).

(٤٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 402، و"التفسير الكبير" 32/ 132 - 133.

(٤٤) "تفسير مقاتل" 254 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 132.

(٤٥) "أسباب النزول" ص 404: قال: محققة إن رواية ابن عباس ضعيفة بسبب العوفي كما هو وارد عند ابن جرير، و"جامع البيان" 30/ 329 من طريق العوفي، و"المحرر الوجيز" 5/ 530 من غير ذكر طريق عطاء، و"زاد المسير" 8/ 321، و"التفسير الكبير" 32/ 132، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 598 من غير ذكر طريق عطاء، و"الدر المنثور" 8/ 652 وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران، وابن مردويه.

(٤٦) منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.

انظر "جامع البيان" 30/ 329، "تفسير القرآن" 30/ 329.

وإلى القول أنه العاص ذهب السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 519، وقال البيهقي: والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل: "الدر المنثور" 8/ 652، وقاله به الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 370.

والرواية التي ذكرها الواحدي وعزاها إلى المفسرين هي رواية محمد ابن إسحاق من طريق يزيد بن رومان ونصها عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل السهمي إذا ذكر رسول الله -  - قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، ولو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى في ذلك "إنا أعطيناك الكوثر" إلى آخر السورة راجع ذلك: "أسباب النزول" ص 404، تح: أيمن، و"تفسيرالقرآن العظيم" 4/ 598.

قال د.

عصام الحميدان: عن إسناد محمد ابن إسحاق عن يزيد بأنه مرسل يشهد له ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير وقتادة مرسلًا مثله.

وإسناده صحيح.

"أسباب النزول" ص: 466 حاشية: 1، تح: عصام.

وقال آخرون: بل عني بذلك عقبة بن أبي معيط، وهو قول شمر بن عطية، وعكرمة وآخرون قالوا: كعب الأشرف وجماعة من قريش، وهو قول عكرمة، وإحدى روارات ابن عباس.

"جامع البيان" 30/ 303.

وقيل غير ذلك.

يراجع "النكت والعيون" 6/ 356، و"زاد المسير" 8/ 321.

(٤٧) سيرة النبي -  - لابن هشام 1/ 421.

(٤٨) "تفسير مقاتل" 254 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 132.

(٤٩) ساقط من (أ).

(٥٠) "سيرة النبي -  -" لابن هشام 1/ 421.

(٥١) في (أ): (فدفع).

(٥٢) "تفسير مقاتل" 254 ب.

(٥٣) ساقط من (أ).

(٥٤) "الدر المنثور" 8/ 652 وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران بمعناه، وبمعناه أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه: 8/ 653 وعزاه إلى الزبير بن بكار، وابن عساكر.

الحديث أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" 2/ 70.

(٥٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 402، و"جامع البيان" 30/ 329، و"بحر العلوم" 3/ 519، و"النكت والعيون" 6/ 356، و"البحر المحيط" 8/ 520 (٥٦) ساقط من (أ).

(٥٧) "معاني القرآن" 3/ 296.

(٥٨) العقب: هو ولد الرجل، وولد ولده، وليس له عاقبة أي ليس له نسل.

"مختار الصحاح" ص 443 (عقب)، و"المصباح المنير" 2/ 500 (عقب).

(٥٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والكوثر بثاء مبالغة من الكثرة وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول حوض النبي صلى الله عليه وسلم: الثاني أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله له في الدنيا والآخرة.

قاله ابن عباس وتبعه سعيد بن جبير، فإن قيل: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم.

الثالث أن الكوثر القرآن.

الرابع أنه كثرة الأصحاب والأتباع.

الخامس أنه التوحيد.

السادس أنه الشفاعة، السابع أنه نور وضعه الله في قلبه، ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض لما ورد في الحديث الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الكوثر هو نهر أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء» .

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ﴾ فيه خمسة أقوال: الأول أنه أمره بالصلاة على الاطلاق وينحر الهدي والضحايا، الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي قبل صلاة العيد فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة الثالث أن الكفار يصلون مكاء وتصدية وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده وانحر له، أي ولجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص.

الرابع أن معنى انحر ضع يدك اليمنى على اليسى عند صدرك في الصلاة فهو على هذا من النحر وهو الصدر.

الخامس أن معاه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ الشانئ هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى العداوة، نزلت هذه الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبو جهل على وجه الرد عليه إذ قال: إن محمداً أبتر أي لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كوالدهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ شانيك ﴾ بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.

الوقوف ﴿ الكوثر ﴾ ه ط ﴿ وانحر ﴾ ه ط ﴿ الأبتر ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي  بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً.

هذا وجه إجمالي وأما الوجه التفصيلي فقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ أي الخير الكثير وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام وقوله ﴿ فصل ﴾ أي دم على الصلاة وقع بإزاء قوله ﴿ عن صلاتهم ساهون  ﴾ وقوله ﴿ لربك ﴾ مكان قوله ﴿ يراءون  ﴾ وقوله ﴿ وانحر ﴾ والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ﴿ ويمنعون الماعون  ﴾ ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء، ثم في الآية أصناف من المبالغة منها: التصدير بـ " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء ولهذا حين قال ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها.

ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله  كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثرالمفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة.

عن أنس عن النبي  " "رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: ما هذا؟

فقيل: هو الكوثر الذي أعطاك الله" وفي رواية " ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان " قال أهل المعنى: ولعله إنما سمى كوثراً لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لان أنهار الجنة تتفجر منه كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار أو لكثرة شاربيه.

وقد يقال: إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار، والقول الثالث أن الكوثر أولاده لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان.

فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم.

منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم.

القول الرابع: الكوثر علماء أمته لأنهم كأنبياء بني إسرائيل واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب.

الخامس: الكوثر النبوة ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير لأنها ثانية رتبة الربوبية ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ولن يصير شرعه منسوخاً وله كل معجزة كانت لغيره من الأنيباء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات  ﴾ وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات  ﴾ و ﴿ صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وكتاب محمد  مهيمن على الكل كما قال ﴿ ومهيمنا عليه  ﴾ وإن آدم  تحدى بالكلمات والأسماء ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء  ﴾ ومحمد  إنما تحدى بالمنظوم ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن  ﴾ الآية.

وأما نوح  فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد  وقف الحجر على الماء.

وروي أنه  كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول  إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول  وشهد له بالرسالة.

فقال له النبي  : يكفيك هذا؟

قال: حتى يرجع إلى مكانه.

فأمره النبي  فرجع إلى مكانه.

وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه.

وروى محمد بن حاطب قال: كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى النبي  وقالت: هذا ابن حاطب احترق كام ترى، فتفل رسول الله  على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال  : أذهب البأس رب الناس.

فصرت صحيحاً لا بأس بي.

وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض وأكرم محمداًً  ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد  أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً  بذلك قبل ظهور نبوته، وأكرم موسى  باليد البيضاء وأكرم محمداً  بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان.

وقلب الله عصى موسى ثعباناً.

ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً.

وسبحت الجبال مع داود  وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه.

وكان داود  إذا مسح الحديد لان، وكان النبي  حين مسح الشاة الجدباء درت.

وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً  بالبراق، وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

وأكرمه  بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة.

وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول  فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله صلى الله عيله وسلم فردها إلى مكانها.

وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس والرسول  عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك، ورد الشمس لسليمان مرة والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي  فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله  ، وردها مرة أخرى لعلي  فصلى العصر لوقته.

وعلمسليمان منطق الطير وفعل ذلك في حق محمد  ، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟

فقال رجل: أنا فقال: أردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور.

وأكرم سليمان بمسير غدو شهر وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له  يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به.

وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال: إني رسول رسول الله  فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد  .

وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت: كنت مشتاقة إليه.

منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه.

وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل.

ومعجزاته  أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام فثبت صحة قوله ﴿ إنّا أعطيناك الكوثر ﴾ قيل: هو القرآن لأن فوائده عديد الحصى.

وقيل: الإسلام أو الشفاعة أو رفع الذكر أو العلم ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ أو الخلق الحسن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم  ﴾ وقد يقال: إن هذه السورة مع قصرها معجرة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من القرآن.

قوله ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ في الصلاة أقوال: فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك، وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي، وقيل: هي الدعاء كأنه قال: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط واشفع تشفع وذلك أنه أبداً كان في هم أمته.

والأقرب وعليه الأكثرون أنها الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان شاكراً قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعاً لربه شاكراً لنعمه.

أما الصلاة فإنه إنما عرفاه بالوحي، يروى أنه حين أمر بالصلاة قال: كيف أصلي ولست على وضوء؟

فقال الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك ﴿ فصل ﴾ وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات ﴿ فصل ﴾ وفي قوله ﴿ لربك ﴾ إشارة إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان.

وإنما لم يقل لنا سلوكاً لطريقة الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء " يرسم أمير المؤمنين كذا " ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لو قال " لي " انقطع النظم، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية، ثم الذين فسروا الصلاة بما عرف في الشرع اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ، وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك.

وقال الآخرون: إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله ﴿ وانحر ﴾ وكانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها.

والواو تفيد الترتيب استحساناً وأدباً وإن لم تفده قطعاً.

وقال سعيد بن جيبر: صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقراً بينهم للأصنام فأمر  بأن تكون صلاته وقربانه لله تعالى، وكان النحر واجباً على النبي  قال  " ثلاث كتبن عليّ ولم تكتب على أمتي.

الضحى والأضحى والوتر" وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق النفسانية.

يروى أن رسول الله  أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، فنحرها رسول الله  حتى أعيا  ، ثم أمر علياً بذلك وكانت النوق يزدحمن على رسول الله  فلما أخذ علي  السكين تباعدت منه  ، قال عامة أهل التفسير كابن عباس ومقاتل والكلبي: إن العاص بن وائل وجمعاً من صناديد قريش يقولون: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه، وكان قد مات ابنه عبد الله ابن خديجة فأنزل الله  هذه السورة كما مر في أول " المائدة " والشنء البغض والشانىء المبغض والبتر في اللغة استئصال القطع ومنه الأبتر المقطوع الذنب، فاستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره، فبين الله  بهذه الصيغة المفيدة للحصر أن أولئك الكفرة هم الذين ينقطع نسلهم وذكرهم، وأن نسل محمد  ثابت باق إلى يوم القيامة كما أخبر بقوله " "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" وإن دين الإسلام لا يزال يعلو ويزيد والكفر يعلى ويقهر إلى أن يبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربهما كما قال ﴿ أو لم يروا إنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  ﴾ قال بعض أهل العلم: إن الكفار لما شتموه بأنه أبتر أجاب الله عنه من غير واسطة فقال ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ وهكذا سنة الأحباب إذا سمعوا من يشتم حبيبهم تولوا بأنفسهم جوابه، ونظيره في القرآن كثير ﴿ قالوا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم  ﴾ إلى قوله ﴿ أم به جنة  ﴾ فقال  { ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد  ﴾ وقالوا هو مجنون فأقسم الله ﴿ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون  ﴾ وقالوا لست مرسلاً فقال ﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ \[يس: ا - 3\] ﴿ وقالوا أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون  ﴾ فرد عليهم بقوله ﴿ بل جاء بالحق وصدق المرسلين  ﴾ ثم ذكر وعيد خصمائه بقوله ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم  ﴾ وحين قال حاكياً ﴿ أم يقولون شاعر  ﴾ قال ﴿ وما علمناه الشعر  ﴾ وقالوا ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون  ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراًً  ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين  ﴾ فقال ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر  ﴾ ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق  ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ فما أجل هذه الكرامة!

وقال أهل التحقيق السالكون: بل الواصلون لهم ثلاث درجات أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وأشار إليهما بقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فإن روحه القدسية متميزة في الكثرة عن سائر الأرواح البشرية بالكم لأنها أكثر مقدمات، وبالكيف لأنها أسرع انتقالاً من المقدمات إلى النتائج.

وأوسطها أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وأشار إليها بقوله ﴿ فصل لربك ﴾ وأدناها أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانتصاب إلى اللذات العاجلة وهي قوله ﴿ وانحر ﴾ فإن منع النفس الشهوية جارية مجرى الذبح والنحر.

ومن البيان أن ترتيب السالك هو الأخذ من الأدون إلى الأعلى، وإنما ورد القرآن بما ورد تنبيهاً على أنه  كان في نهاية الوصول.

وأن هذا الترتيب بالنسبة إليه ينعكس وذلك أنه جاء من الحق إلى الخلق.

ثم أشار بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ إلى أن دواعي النفس التي هي أعدى الأعداء لا بقاء لها، وإنما هي لذات زائلة وتخيلات فانية ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ هذا خرج مخرج الامتنان على رسول الله  والإنعام عليه والإفضال؛ ليستأدي بذلك شكره والخضوع له.

ثم اختلفوا في ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : [فقيل]: هو الخير الكثير، والخير الكثير: ما أعطي من النبوة والرسالة وما لا ينجو أحد من سخط الله -  - إلا به، وهو الإيمان به والتصديق له، وما صيره معروفا مذكورا في الملائكة، وما قرن ذكره بذكره، ورفع قدره ومنزلته في جميع الخلائق، وغير ذلك مما لا يحصى، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : نهر في الجنة، وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله  "أنه سئل عن ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ فقال: نهر في الجنة" ، أو قال ذلك من غير سؤال.

فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه الأول أقرب عندنا؛ لأنه ليس في إعطائه النهر تخصيص في التشريف والعيطة؛ لأن الله -  - وعد لأمته ما هو أكثر من هذا؛ لما روي في الأخبار عن النبي  أنه قال: "إن لأهل الجنة في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ، ونحن نعلم أن هذا في الإنعام أكثر من النهر الذي وصف.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : شيء أعطاه الله -  - رسوله لا يعرف.

وأصله: أنه شيء خاطب به رسوله، وهو قد عرفه؛ فلا يجب أن يتكلف معرفته وتفسيره؛ لأنه إن أخطأ لحقه الضرر، وإن أصابه لم ينفع كثير نفع.

وقيل: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : هو حرف أخذ من الكتب المتقدمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: حقيقة الصلاة هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما يعبده في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرانين، والذبائح، والضحايا التي فيها نفار الطباع؛ حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر؛ للآلام التي فيها، والطباع تنفر عن ذلك؛ فتعبده بالذي فييه مناقضة طبعه ونفاره عنه.

وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر، ولكن معناه: إذا فعلت ذلك فافعل لله؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها؛ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله  .

وقال الحسن: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ صلاة العيد، وانحر البدن بعدها.

وقال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر بمنى.

وقال بعضهم: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة، وهي مخ العبادة؛ على ما ذكر في الخبر.

وكذلك ما ذكر أن المصلي مناجٍ الرب  ؛ وهو - والله أعلم - لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير، والركوب، والأكل، والشرب، والكلام، والانتقال من موضع إلى موضع، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها - وإن قل - من الحج والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات، وعلى ذلك ما سمي موسى -  -: كليم الله، ونجيه؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة، وأتى جبلا ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك؛ فسمي: نجي الله، وعلى ذلك سمي المصلي: مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم؛ لما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْحَرْ ﴾ : هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل؛ لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره؛ فالتألم به بفعل نفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه -  - يتحمل المشقة لوجهه  مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح البدن؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق الناس وأرحمهم على خلقه، فبلغ من حسن إجابته له، وطاعته له أن ساق مائة بدنة، فنحر ستين منها بيده، وول عليا -  - نحر أربعين؛ على ما ذكر في الخبر.

وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس -  - قال: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ : وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن على،  .

وعن عاصم الجحدري، قال: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

ومن قول الثنوية: أنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء؛ لما فيه من الألم والأذى.

وقولهم هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعلم أن إفاتة الروح بالذبح أهون على المذبوح من موته حتف أنفه؛ فإذا جاز في الحكمة أن تزهق روحه بغير الذبح فلأن يجوز في الذبح أحق.

وأصله: ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول الله  ، وهو المقصود به من بين الناس، وهو يعلم بالذي خاطبه به من الصلاة؛ والنحر، والكوثر، وغير ذلك؛ فلا نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على الله -  - سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل.

وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ يذكر أهل التأويل: أن فلانا سمى رسول الله  : أبتر؛ فنزل: إن الذي سماك أبتر هو الأبتر - لا نعرفه حقيقة؛ لأنه لم يذكر أحدا من أولاد الفراعنة وأعداء الرسل - عليهم السلام - اتفخر بأبيه أو بأحد من أوليائه والمنتمين بهم افتخروا بهم، وافتخر أولاد أولياء رسول الله  على الناس حتى يتعينوا بذلك فيما بينهم؛ يقول: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ أي: معاديك ومبغضك هو الأبتر دونك.

أو يقول: أعداؤك هم الذي يبتر ذكرهم، وأوليائك مذكورون أبدا على ما قلنا.

وأصله ما ذكرنا أنه خاطب به رسول الله  ، وقد عرف ذلك، ونحن لا نعلم في أي شيء كانت القصة؟

وفيم نزلت الآية؟

والله ورسوله أعلم.

قال أبو عوسجة: الشانئ: المبغض، يقال: شنئته: أبغضته، والأبتر: هو الذي لا ولد له ذكر، ولا عقب [له].

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ بشارة لرسول الله  بالغلبة عليهم، والقهر لهم، والنصرة عليهم، وإظهار دين الله -  - في البلاد والآفاق؛ إذ أخبر أن الذي عاداه وباغضه هو المنقطع والأبتر لا هو، والله المستعان.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأدّ شكر الله على هذه النعمة، أن تصلي له وحده وتذبح؛ خلافًا لما يفعله المشركون من التقرّب لأوثانهم بالذبح.

<div class="verse-tafsir" id="91.O9yJ7"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان المستهزئون من قريش -كالعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب وأمثالهم- إذا رأوا أبناء النبي  يموتون يقولون: بتر محمد.

أي لم يبق له ذكر في أولاده من بعده، ويعدون ذلك عيبًا يلمزون به، وينفرون به الناس من أتباعه وكانوا إذا رأوا ضعف المسلمين وفقرهم وقلتهم يستخفون بهم، ويهونون أمرهم، ويعدون ذلك مغمزًا في الدين، ويأخذون القلة والضعف دليلًا على أن الدين ليس بحق، ولو كان حقًا لنشأ مع الغنى والقوة...

شأن السفهاء مع الحق في كل زمان أو مكان غلب فيه الجهل.

وكان المنافقون إذا رأوا ما فيه المؤمنون من الشدة والبأساء يمنون أنفسهم بغلبة إخوانهم القدماء من الجاحدين، وينتظرون السوء بالمسلمين لقلة عددهم وخلو أيديهم من المال.

وكان الضعفاء -من حديثي العهد بالإسلام من المؤمنين- تمر بنفوسهم خواطر السوء عندما تشيد عليهم حلقات الضيق...

فأراد الله سبحانه أن يمحص من نفوس هؤلاء ويكبت الآخرين، فأكد الخبر لنبيه أن ما يخيله النظر القصير قليلًا هو الكثير البالغ الغاية في الكثرة، ليؤكد له الوعد بأنه هو الفائز، وأن متبعه هو الظافر، وأن عدوه هو الخائب الأبتر الذي يمحى ذكره، ويعفى أثره -.

فقال: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  ﴾ .

الكوثر: صيغة مبالغة من الكثرة.

ومعناه الشيء البالغ من الكثرة حد الإفراط.

قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم رجع ابنك؟

قالت: بكوثر.

وقال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرًا وقد اختلف في معنى الكوثر اختلافًا كثيرًا.

ولكن تعريف اللفظ يدل على أن المقصود به كان أمرًا معهودًا للسامعين تذهب أذهانهم إليه عند سماعه -وإن كانوا لم يعهدوا وصفه بأنه أكثر الكثير- وهو الذي كان يستقله أعداؤه.

والذي أعطيه النبي  -وكان معروفًا لسامعي الكتاب- هو النبوة، والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدارين الدنيا والآخرة.

ولهذا فإني أذكر لك ما قاله جمع من الأئمة.

فقال أبو بكر بن عياش ويمان بن وثاب: الكوثر هم أصحابه وأشياعه  إلى يوم القيامة.

وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع.

وقيل: هو الإسلام.

وقال هلال: هو التوحيد.

وقال عكرمة: هو النبوة.

وقال جعفر الصادق: هو نور قلبه  .

وقيل: هو العلم والحكمة.

وقال ابن كيسان: هو الإيثار "أي إيثاره  غيره بالمنفعة على نفسه".

وقيل: هو الفضائل التي وهبه الله إياها.

وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه الخير الكثير، والنعم الدنيوية والأخروية من فضائل وفواضل.

وهو ما رواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد، وهو المشهور عن ابن عباس.

وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس  أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه.

قال أبو بشر: قلت لسعيد فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله  إياه  .

ويروى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضًا.

فإذا جرينا على أن الكوثر هو النبوة أو العلم والحكمة، أو نور القلب -وهو الهدى والرشاد- كان المعنى إن الذي أعطيناك من هذه المواهب هو الكثير الذي لا يكثره شيء، وإن استقله الضعفاء، أو استخف به الأعداء.

وأي كثير يعد كثيرًا بالنسبة إلى الهدى والرشاد ومعرفة طريق السعادة؟

أليس الهدى منبع القوة والعزة، وهو الذي يحفظهما بعد حصولهما؟

إذ القوة والمال -إذا لم تكن معهما الهداية التي تقيم صاحبها على الطريق المستقيم- لا بقاء لهما، ومصيرهما إلى الزوال، ومصير كثرتهما إلى قلة.

وكما قال سيدنا علي  : "العلم يحفظك وأنت تحفظ المال".

ولا سبيل إلى حفظ المال إلا بالعلم.

والجهل والضلال مضيعة كل شيء من جاه أو مال.

وعلى أن الكوثر هو الخير الدنيوي والأخروي يكون المراد: إن هؤلاء المستعجلين بالسيئة يظنون أنك في قل وضعف، وأن أغنياءهم وأقوياءهم في عز ونعمة، ولا يعلمون أننا قد أعطيناك من الخير الذي يعظم في نفوسهم مما لا يعرفون، ومن الخير المدخر لك في الغيب مما لا يدركون شيئًا كثيرًا لا تحد كثرته.

وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه..

فلا يفهم من معنى الآية، بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها، هو الذي بيناه من أحد القولين.

والأول -وهو النبوة وما في معناه- أرجح.

أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة، فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به.

وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى، فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه لكثرة الخلاف فيها.

ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين.

فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة يُؤمَن تواطؤ كل منها على الكذب إلى أن وصل إليك لا تنكره فرقة المسلمين قاطبة - فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين.

وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر، فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ، فلا يصدق عليها اسم المتواتر..

خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف، فيسهل على كل راو الميل إلى تصديق ما يقال له.

وهذا يخل بشرط التواتر، لأن أول شرط فيه أن لا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي.

وبالجملة فخبر وجود النهر من الأخبار الغيبية لا يجوز الاعتقاد به إلا بعد التيقن أنه ورد عن المعصوم  .

فإذا وصلت فيه إلى اليقين الذي لا يجوز عندك تبدله وكان علمك بصدوره عنه -  - كعلمك بوجود مكة أو المدينة قبل أن تراهما، فاعتقد به، وإلا ففوض الأمر إلى الله، وقل لا أعلم.

والله أعلم.

بعد أن أكد لنبيه الخبر بأن الذي أعطاه هو الكوثر الذي لا يستقل عدده ولا ينتقص قدره، وأن ما يعدونه كثيرًا وعظيمًا فهو بالنسبة إليه قليل وحقير، طالبه بالشكر على ذلك.

وأفضل الشكر الإخلاص لله في العبادة لا يشرك في التوسل إليه ولا في الخشوع القلبي له أحدًا سواه، ثم بذل المال للفقراء والمساكين.

ولهذا فرع على الخبر قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ  ﴾ .

أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك مما هو نسك لك لله وحده، فإنه هو مربيك ومسبغ النعم عليك دون سواه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  ﴾ .

نوه الله بقدر ما أعطاه ثم أمره بالشكر عليه.

وبعد ذلك استأنف الكلمة لذكر حال أعدائه ومبغضيه ووعيدهم بما سيصيبهم في أنفسهم وأموالهم فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ  ﴾ : الشانئ معناه المبغض.

الأبتر: هو المقطوع الذي لا يبقى أثره، ولا يحسن من بعده ذكره.

شبه بقاء الذكر الحسن، واستمرار الأثر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه، وهو زينة له.

وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذنب وقطعه، لأن البتر شاع في هذا المعنى وإن كان أصله القطع مطلقًا.

وشانئه  لم يكن يشنئوه لشخصه، لأن شخصه كان محببًا إلى النفوس -كما يدل عليه تاريخه قبل الرسالة- وإنما كان الشانئون يشنئون ويمقتون ما جاء به من الهدى.

فهؤلاء هم الغارقون في الضلال، الخابطون في ظلام الجهل، فلا ريب في فساد أمرهم، وانقطاع أثرهم.

وقد حقق الله هذا الوعيد في شانئيه في زمنه -  - من العرب وغيرهم.

فقد جرهم الخذلان إلى غاية الخسران، ولم يبق لهم إلا سوء الذكر لبعضهم والنسيان التام لبقيتهم..

بخلاف النبي  ، ومن اهتدى بهديه، فإن ذكرهم لا يزال رفيعًا، وأثرهم لا يزال باقيًا في نفوس الصالحين.

وممن يشنأ ما جاء به  ، ويدخل فيما يضمه معنى الأبتر، أولئك الذين يتركون كتاب الله الذي جاء به، ويتمسكون بالظنون وأقوال غير المعصومين دون نظر إلى ما تجر إليه من الانحراف عن سبيل جملة الدين القويم، ويجعلون الدين شيعًا وفوقًا بعد أن صرح الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ .

ثم يعملون على ترويج ما ألصقوه أو ألصق أسلافهم بالدين من البدع وبيع العبادات، واتخاذ الوسائط والشفعاء، مما رمي بهم إلى ما وراء الصراط المستقيم.

فإذا ذكروا بالقرآن أو دعوا إليه، لووا رؤوسهم، وذكروا لك من قول القائلين ما يصادمون به كتاب الله، ويظنون أنهم به يؤمنون، فلا عجب أن ترى الغضب الإلهي يتبعهم في كل مكان، ويقذفهم من ذلة إلى مسكنة، ومن متلفة إلى مهلكة، وهم لا يشعرون، بل ينظرون إلى ما يحل بهم وهم ضاحكون لاهون ساخرون.

نعوذ بالله من الخذلان، ونستعين به على تقرير الإيمان.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد