الإسلام > القرآن > سور > سورة 108 الكوثر > الآية ٣ من سورة الكوثر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الكوثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن شانئك هو الأبتر ) أي : إن مبغضك - يا محمد - ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين ، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره .
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة : نزلت في العاص بن وائل .
وقال محمد بن إسحاق : عن يزيد بن رومان قال : كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : دعوه ، فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره .
فأنزل الله هذه السورة .
وقال شمر بن عطية : نزلت في عقبة بن أبي معيط .
وقال ابن عباس أيضا وعكرمة : نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش .
وقال البزار : حدثنا زياد بن يحيى الحساني ، حدثنا بن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش : أنت سيدهم ، ألا ترى إلى هذا المصنبر المنبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة وأهل السقاية ؟
فقال : أنتم خير منه .
قال : فنزلت : ( إن شانئك هو الأبتر ) هكذا رواه البزار ، وهو إسناد صحيح .
وعن عطاء : نزلت في أبي لهب ، وذلك حين مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال : بتر محمد الليلة .
فأنزل الله في ذلك : ( إن شانئك هو الأبتر ) وعن ابن عباس : نزلت في أبي جهل .
وعنه : ( إن شانئك ) يعني : عدوك .
وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر ، وغيرهم .
وقال عكرمة : الأبتر : الفرد .
وقال السدي : كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا : بتر .
فلما مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : بتر محمد .
فأنزل الله : ( إن شانئك هو الأبتر ) وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد ، وأوجب شرعه على رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى يوم الحشر والمعاد صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد .
آخر تفسير سورة " الكوثر " ، ولله الحمد والمنة .
وقوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) يعني بقوله جل ثناؤه: ( إِنَّ شَانِئَكَ ) إن مبغضك يا محمد وعدوك ( هُوَ الأبْتَرُ ) يعني بالأبتر: الأقلّ والأذلّ المنقطع دابره, الذي لا عقب له.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك, فقال بعضهم: عني به العاص بن وائل السهميّ.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) يقول: عدوّك.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: هو العاص بن وائل.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن هلال بن خباب, قال: سمعت سعيد بن جُبير يقول: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: هو العاص بن وائل.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن هلال, قال: سألت سعيد بن جُبير, عن قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: عدوّك العاص بن وائل انبتر من قومه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: العاص بن وائل, قال: أنا شانئٌ محمدا, ومن شنأه الناس فهو الأبتر.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: هو العاص بن وائل, قال: أنا شانئٌ محمدا, وهو أبتر, ليس له عقب, قال الله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال قتادة: الأبتر: الحقير الدقيق الذليل.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) هذا العاص بن وائل, بلغنا أنه قال: أنا شانئُ محمد.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: الرجل يقول: إنما محمد أبتر, ليس له كما ترون عقب, قال الله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) .
وقال آخرون: بل عني بذلك: عقبة بن أبي معيط.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القُمِّي, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية, قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول: إنه لا يبقى للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولد, وهو أبتر, فأنـزل الله فيه هؤلاء الآيات: ( إِنَّ شَانِئَكَ ) عقبة بن أبي معيط ( هُوَ الأبْتَرُ ) .
وقال آخرون: بل عني بذلك جماعة من قريش.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الوهاب, قال: ثنا داود, عن عكرمة, في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا قال: نـزلت في كعب بن الأشرف, أتى مكة فقال لها أهلها: نحن خير أم هذا الصنبور (9) المنبتر من قومه, ونحن أهل الحجيج, وعندنا منحر البدن, قال: أنتم خير.
فأنـزل الله فيه هذه الآية, وأنـزل في الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) .
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن بدر بن عثمان, عن عكرمة ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) .
قال: لما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: بَتِرَ محمد منا, فنـزلت: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: الذي رماك بالبتر هو الأبتر.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبى عديّ, قال: أنبأنا داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما قَدِم كعب بن الأشرف مكة أتَوْه, فقالوا له: نحن أهل السقاية والسدانة, وأنت سيد أهل المدينة, فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه, يزعم أنه خير منا؟
قال: بل أنتم خير منه, فنـزلت عليه: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) قال: وأنـزلت عليه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...
إلى قوله نَصِيرًا .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن مُبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأقلّ الأذلّ, المنقطع عقبه, فذلك صفة كل من أبغضه من الناس, وإن كانت الآية نـزلت في شخص بعينه.
آخر تفسير سورة الكوثر ------------------------ الهوامش: (7) لعله خطبة الفطر أو النحر ، فإنه اختلف في الخروج إلى عمرة الحديبية هل كان في رمضان أو ذي القعدة ؟
فيكون شكا من الراوي .
(8) البيت لبعض بني أسد، وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن ( 377 ) قال : وقوله : { فصل لربك وانحر } فصل لربك يوم القيامة : انحر .
وبإسناد إلى علي قال : فيها النحر : أخذك شمالك بيمينك في الصلاة .
ويقال : فصل لربك وانحر : استقبل القبلة بنحرك .
وسمعت بعض العرب يقول : منازلنا تناحر هذا : أي قبالته .
وأنشدني بعض بني أسد : " أبا حكم ...
" البيت فهذا من ذلك : ينحر بعضه بعضا .
ا هـ .
وفي ( اللسان : نحر ) والداران تتناحران : أي تتقابلان .
وإذا استقبلت دار دارا ، قيل : هذه تنحر تلك .
ثم نقل كلام الفراء والبيت .
(9) في ( اللسان : صنبر ) أصل الصنوبر : سعفة تنبت في جذع النخلة ، لا في الأرض ، أو النخلة تبقى منفردة .
ومراد كفار قريش بقولهم صنبور ، أي : أنه إذا قلع انقطع ذكره ، كما يذهب أصل الصنبور ؛ لأنه لا عقب له .
قوله تعالى : إن شانئك هو الأبترأي مبغضك ; وهو العاص بن وائل .
وكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات ، ثم مات البنون وبقي البنات : أبتر .
فيقال : إن العاص وقف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلمه ، فقال له جمع من صناديد قريش : مع من كنت واقفا ؟
فقال : مع ذلك الأبتر .
وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من خديجة ; فأنزل الله جل شأنه : إن شانئك هو الأبتر أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة .
وذكر عكرمة عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل قالوا : بتر فلان .
فلما مات إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج أبو جهل إلى أصحابه ، فقال : بتر محمد ; فأنزل الله جل ثناؤه : إن شانئك هو الأبتر يعني بذلك أبا جهل .
وقال شمر بن عطية : هو عقبة بن أبي معيط .
وقيل : إن قريشا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده : قد بتر فلان .
فلما مات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنه القاسم : بمكة ، وإبراهيم بالمدينة ، قالوا : بتر محمد ، [ ص: 198 ] فليس له من يقوم بأمره من بعده ; فنزلت هذه الآية ; قال السدي وابن زيد .
وقيل : إنه جواب لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم مكة : نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء ، وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم هذا الصنيبر الأبيتر من قومه ؟
قال كعب : بل أنتم خير ; فنزلت في كعب : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الآية .
ونزلت في قريش : إن شانئك هو الأبتر ; قاله ابن عباس أيضا وعكرمة .وقيل : إن الله - عز وجل - لما أوحى إلى رسوله ، ودعا قريشا إلى الإيمان ، قالوا : انبتر منا محمد ; أي خالفنا وانقطع عنا .
فأخبر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنهم هم المبتورون ; قاله أيضا عكرمة وشهر بن حوشب .
قال أهل اللغة : الأبتر من الرجال : الذي لا ولد له ، ومن الدواب الذي لا ذنب له .
وكل أمر انقطع من الخير أثره ، فهو أبتر .
والبتر : القطع .
بترت الشيء بترا : قطعته قبل الإتمام .
والانبتار : الانقطاع .
والباتر : السيف القاطع .
والأبتر : المقطوع الذنب .
تقول منه : بتر ( بالكسر ) يبتر بترا .
وفي الحديث ما هذه البتيراء .
وخطب زياد خطبته البتراء ; لأنه لم يمجد الله فيها ، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ابن السكيت : الأبتران : العير والعبد ; قال سميا أبترين لقلة خيرهما .
وقد أبتره الله : أي صيره أبتر .
ويقال : رجل أباتر بضم الهمزة : الذي يقطع رحمه قال الشاعر :لئيم نزت في أنفه خنزوانة على قطع ذي القربى أحد أباتروالبترية : فرقة من الزيدية ; نسبوا إلى المغيرة بن سعد ، ولقبه الأبتر .
وأما الصنبور فلفظ مشترك .
قيل : هو النخلة تبقى منفردة ، ويدق أسفلها ويتقشر ; يقال : صنبر أسفل النخلة .
وقيل : هو الرجل الفرد الذي لا ولد له ولا أخ .
وقيل : هو مثعب الحوض خاصة ; حكاه أبو عبيد .
وأنشد :ما بين صنبور إلى الإزاءوالصنبور : قصبة تكون في الإداوة من حديد أو رصاص يشرب منها .
حكى جميعه الجوهري - رحمه الله - والله سبحانه وتعالى أعلم .
{ إِنَّ شَانِئَكَ } أي: مبغضك وذامك ومنتقصك { هُوَ الْأَبْتَرُ } أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر.وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الكامل حقًا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق، من رفع الذكر، وكثرة الأنصار، والأتباع صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى : ( إن شانئك ) عدوك ومبغضك ( هو الأبتر ) هو الأقل الأذل المنقطع دابره .
نزلت في العاص بن وائل السهمي ; وذلك أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج من [ باب ] المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المساجد فلما دخل العاص قالوا له : من الذي كنت تتحدث معه ؟
قال : ذلك الأبتر يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قد توفي ابن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خديجة رضي الله عنها .
وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال : كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذكره ، فأنزل الله تعالى هذه السورة .
وقال عكرمة عن ابن عباس : نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش ، وذلك أنه لما قدم كعب مكة قالت له قريش : نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم هذا [ الصنبور ] المنبتر من قومه ؟
فقال : بل أنتم خير منه ، فنزلت : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ( النساء - 51 ) .
الآية ، ونزل في الذين قالوا إنه أبتر : " إن شانئك هو الأبتر " أي المنقطع من كل خير .
«إن شانئك» أي مُبغضك «هو الأبتر» المنقطع عن كل خير، أو المنقطع العقب، نزلت في العاص بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم أبتر عند موت ابنه القاسم.
إن مبغضك ومبغض ما جئت به من الهدى والنور، هو المنقطع أثره، المقطوع من كل خير.
ثم بشره - سبحانه - ببشارة أخرى فقال : ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ) والشانئ : هو المبغض لغيره ، يقال : شَنَأَ فلان شَنْئاً ، إذا أبغضه وكرهه .والأبتر فى الأصل : هو الحيوان المقطوع الذنب ، والمراد به هنا : الإِنسان الذى لا يبقى له ذكر .
ولا يدوم له أثر .
.شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان ، لأنه تابع له وهو زينته ، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذي وقطعه .والمعنى : إن مبغضك وكارهك - أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير ، والمحروم من كل ذكر حسن .قال الإِمام ابن كثير : " كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره ، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة " .وقال السدى : كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا : بتر ، فلما مات أبناء النبى صلى الله عليه وسلم قالوا : بتر محمد فأنزل الله هذه الآية .وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد ، وأوجب شرعه على رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى يوم الحشر والمعاد ، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الثناد .
.
.نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها: أنه عليه السلام كان يخرج من المسجد، والعاص بن وائل السهمي يدخل فالتقيا فتحدثا، وصناديد قريش في المسجد، فلما دخل قالوا من الذي كنت تتحدث معه؟
فقال: ذلك الأبتر، وأقول: إن ذلك من إسرار بعضهم مع بعض، مع أن الله تعالى أظهره، فحينئذ يكون ذلك معجزاً، وروى أيضاً أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير القول الثاني: روي عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتاه جمامة قريش فقالوا: نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه، يزعم أنه خير منا؟
فقال: بل أنتم خير منه فنزل: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ ونزل أيضاً: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ والقول الثالث: قال عكرمة وشهر بن حوشب: لما أوحى الله إلى رسوله ودعا قريشاً إلى الإسلام، قالوا: بتر محمد أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون القول الرابع: نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول الله قال أبو جهل: إن أبغضه لأنه أبتر، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده القول الخامس: نزلت في عمه أبي لهب فإنه لما شافهه بقوله: تباً لك كان يقول في غيبته: إنه أبتر والقول السادس: أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط، وإنه هو الذي كان يقول ذلك، واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه.
المسألة الثانية: الشنآن هو البغض والشانئ هو المبغض، وأما البتر فهو في اللغة استئصال القطع يقال: بترته أبتره بتراً وبتر أي صار أبتر وهو مقطع الذنب، ويقال: الذي لا عقب له أبتر، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له، وكذلك لمن انقطع عنه الخير.
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض على سبيل الحضر فيه، فإنك إذا قلت: زيدهو العالم يفيد أنه لا عالم غيره، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام: إنه أبتر لا شك أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه.
ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين، أو على جميع الخيرات أما الأول: فيحتمل وجوهاً أحدها: قال السدي: كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا: بتر فليس له من يقوم مقامه، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة.
وثانيها: قال الحسن: عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين، وصارت رايات الإسلام عالية، وأهل الشرق والغرب لها متواضعة.
وثالثها: زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه، وجبريل وصالح المؤمنين، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب.
ورابعها: الأبتر هو الحقير الذليل، روي أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم، ثم إنه وصف رسول الله بهذا الوصف، ثم قال: قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلاً حقيراً، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطاً، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام واقفاً كالجبل، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى الله عليه وسلم على أقبح وجه، فلما رجع أخذه باليد اليسرى، لأن اليسرى للاستنجاء، فكان نجساً فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ هذه الواقعة.
وخامسها: أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف، قيل: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ أي الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى، وأما المدح الذي ذكرناه فيك، فإنه باق على وجه الدهر.
وسادسها: أن رجلاً قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام، وقال: سودت وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية، فقال: لا تؤذيني يرحمك الله، فإن رسول الله رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ فكان ملك بني أمية كذلك، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين.
المسألة الثالثة: الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فهاهنا تولى الحق سبحانه جوابهم، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ فقال سبحانه: ﴿ بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة فِي العذاب والضلال البعيد ﴾ وحين قالوا: هو مجنون أقسم ثلاثاً، ثم قال: ﴿ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ و[القلم: 2] لما قالوا: ﴿ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ أجاب فقال: ﴿ يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ وحين قالوا: ﴿ أَئِنا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ ﴾ رد عليهم وقال: ﴿ بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين ﴾ فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، وقال: ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ وحين قال حاكياً: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ ﴾ قال: ﴿ وَمَا علمناه الشعر ﴾ ولما حكى عنهم قوله: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوم آخَرُون ﴾ سماهم كاذبين بقوله: ﴿ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ ولما قالوا: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الأسواق ﴾ أجابهم فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الاسواق ﴾ فما أجل هذه الكرامة.
المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة، وعلم تعالى أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهوراً، لا جرم وعده بقهر العدو، فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ وفيه لطائف إحداها: كأنه تعالى يقول: لا أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ.
وثانيها: وصفه بكونه شانئاً، كأنه تعالى يقول: هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء، فحينئذ يحترق قلبه غيظاً وحسداً، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو.
وثالثها: أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر، لأنه كان شانئاً له ومبغضاً، والأمر بالحقيقة كذلك، فإن من عادى محسوداً فقد عادى الله تعالى، لاسيما من تكفل بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته.
ورابعها: أن العدو وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بالقلة والذلة، ونفسه بالكثرة والدولة، فقلب الله الأمر عليه، وقال العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام، والأبترية والدناءة والذلة للعدو، فحصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف.
المسألة الخامسة: اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر.
روي عن مسيلمة أنه عارضها فقال: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر، ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه: أحدها: أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة، وهذا لا يكون معارضة.
وثانيها: أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها، وكالأصل لما بعدها، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالاً لأكثر لطائف هذه السورة.
وثالثها: التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين قوله: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ وبين قوله: إن مبغضك رجل كافر، ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر، فوصفه بأنه لا ولد له، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له، وآخر بأنه لا يبقى منه ذكر، فالله سبحانه مدحه مدحاً أدخل فيه كل الفضائل، وهو قوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكَوثَر ﴾ لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء، لا جرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة، ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات، لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب، أما طاعة البدن فأفضله شيئان، لأن طاعة البدن هي الصلاة، وطاعة المال هي الزكاة، وأما طاعة القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله، واللام في قوله: ﴿ لِرَبّكِ ﴾ يدل على هذه الحالة، ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن، فقدم طاعة البدن في الذكر، وهو قوله: ﴿ فَصَلِّ ﴾ وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيهاً على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحة، وعلى أنه لابد من الإخلاص، ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في المعاد، كأنه يقول: كنت ربيتك قبل وجودك، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات، ثم كما تكفل أولاً بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة النعم، والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنا أنطيناك ﴾ بالنون.
وفي حديثه صلى الله عليه وسلم: «وانطوا الثبجة» والكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة.
وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟
قالت: آب بكوثر.
وقال: وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ** وَكَانَ أَبُوكَ ابْنَ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟
إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير» وروي في صفته: «أحلى من العسل، وأشدّ بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء» وروي: «لا يظمأ من شرب منه أبداً: أول وارديه: فقراء المهاجرين: الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه» وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناساً يقولون: هو نهر في الجنة!
فقال: هو من الخير الكثير.
والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى.
وقيل: صلاة العيد والتضحية.
وقيل: هي جنس الصلاة.
والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم؛ فاعبد ربك الذي أعزّك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفاً لهم في النحر للأوثان (إن) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم ﴿ هُوَ الأبتر ﴾ لا أنت؛ لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك موفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر: وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن.
وكانوا يقولون: إنّ محمداً صنبور: إذا مات مات ذكره.
وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له.
ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه» .
سُورَةُ الكَوْثَرِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنّا ﴿ أعْطَيْناكَ ﴾ وقُرِئَ «أنْطَيْناكَ» .
﴿ الكَوْثَرَ ﴾ الخَيْرَ المُفْرِطَ الكَثْرَةِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ وشَرَفِ الدّارَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ وعَدَنِيهِ رَبِّي فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وأبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، حافَّتاهُ الزَّبَرْجَدُ وأوانِيهِ مِن فِضَّةٍ لا يَظْمَأُ مَن شَرِبَ مِنهُ» ، وقِيلَ: حَوْضٌ فِيها، وقِيلَ: أوْلادُهُ وأتْباعُهُ، أوْ عُلَماءُ أُمَّتِهِ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ.
﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خِلافَ السّاهِي عَنْها المُرائِي فِيها شُكْرًا لِإنْعامِهِ، فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِأقْسامِ الشُّكْرِ.
﴿ وانْحَرْ ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُهم ويَمْنَعُ عَنْهُمُ الماعُونَ، فالسُّورَةُ كالمُقابِلَةِ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَدْ فُسِّرَتِ الصَّلاةُ بِصَلاةِ العِيدِ والنَّحْرُ بِالتَّضْحِيَةِ.
﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ إنَّ مَن أبْغَضَكَ لِبُغْضِهِ اللَّهَ.
﴿ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ إذْ لا يَبْقى لَهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَوْثَرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن كُلِّ نَهْرٍ لَهُ في الجَنَّةِ، ويَكْتُبُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ قُرْبانٍ قَرَّبَهُ العِبادُ في يَوْمِ النَّحْرِ العَظِيمِ» .
{إن شانئك} ان من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم {هُوَ الابتر} المنقطع عن كل خير لا أنت لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك ولك في الآخرة مالا يدخل تحت الوصف فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة قيل نزلت في العاص بن وائل سماه الأبتر والأبتر الذي لا عقب له وهو خبران وهو فصل
سورة الكافرون ست آيات مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ أيْ: مُبْغَضَكَ كائِنًا مَن كانَ ﴿ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ حَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ البَيانِ.
وأصْلُ البَتْرِ القَطْعُ وشاعَ في قَطْعِ الذَّنَبِ؛ وقِيلَ لِمَن لا عَقِبَ لَهُ: أبْتَرُ عَلى الِاسْتِعارَةِ، شُبِّهَ الوَلَدُ والأثَرُ الباقِي بِالذَّنَبِ لِكَوْنِهِ خَلْفَهُ فَكَأنَّهُ بَعْدَهُ، وعَدَمُهُ بِعَدَمِهِ وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالحَقِيرِ الذَّلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ سَبَبُ النُّزُولِ وفِيها عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
واسْمُ الفاعِلِ أعْنِي شانِئَ هاهُنا قِيلَ بِمَعْنى الماضِي لِيَكُونَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ فَيَكُونُ الأبْتَرُ خَبَرَهُ ولا يُشْكِلُ بِمَن كانَ يُبْغِضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ الإيمانِ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ وذاقَ حَلاوَتَهُ فَكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأعَزَّ عَلَيْهِ مِن رُوحِهِ ولَمْ يَكُنْ أبْتَرَ؛ لِما أنَّ الحُكْمَ عَلى المُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلْيَةَ مَأْخَذِهِ فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ الأبْتَرِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ بِالبُغْضِ فَتَدُورُ مَعَهُ، وقَدْ زالَ في أُولَئِكَ الأكابِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
واخْتارَ بَعْضُهم في دَفْعِ ذَلِكَ حَمْلَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَهم لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى البُغْضِ، والظّاهِرُ أنَّهُ انْقَطَعَ نَسْلُ كُلِّ مَن كانَ مُبْغِضًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً، وقِيلَ: انْقَطَعَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ مِن نَسْلِ المُبْغِضِينَ انْقَطَعَ انْتِفاعُ أبِيهِ مِنهُ بِالدُّعاءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لا عِصْمَةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ.
وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ «هُوَ» ضَمِيرُ فَصْلٍ هو الأظْهَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿ الأبْتَرُ ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ ﴿ شانِئَكَ ﴾ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ صِناعَةُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ.
وحَمْلُ ﴿ شانِئَكَ ﴾ عَلى الجِنْسِ هو الظّاهِرُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا وفِيهِ رِواياتٌ: أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أكْبَرُ ولَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القاسِمَ ثُمَّ زَيْنَبَ ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فاطِمَةَ ثُمَّ رُقَيَّةَ، فَماتَ القاسِمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَيِّتٍ مِن ولَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ ماتَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ: قَدِ انْقَطَعَ نَسْلُهُ فَهو أبْتَرُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَبْقى لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَقِبٌ، وهو أبْتَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ » .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: «لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَشى المُشْرِكُونَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: إنَّ هَذا الصّابِئَ قَدْ بُتِرَ اللَّيْلَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ السُّورَةَ».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو أبُو جَهْلٍ؛ أيْ لِأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، وهَذا المِقْدارُ في الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا بَأْسَ بِهِ.
وحِكايَةُ أبِي حَيّانَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ لا تَكادُ تَصِحُّ؛ لِأنَّ هَلاكَ اللَّعِينِ أبِي جَهْلٍ عَلى التَّحْقِيقِ قَبْلَ وفاةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، والجُمْهُورُ عَلى نُزُولِها في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وأيًّا ما كانَ فَلا رَيْبَ في ظُهُورِ عُمُومِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْطَيْناكَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ مِنَ النِّعَمِ فَصَلِّ وانْحَرْ خالِصًا لِوَجْهِ رَبِّكَ ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ الشّانِئِ الكَرِيهِ؛ فَإنَّهُ هو الأبْتَرُ لا أنْتَ، وتَأْكِيدُها قِيلَ: لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَضْمُونِها، وقِيلَ: هو مِثْلُهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ وذَلِكَ لِمَكانِ: فَلا تَكْتَرِثْ...
إلَخِ.
المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ.
وفي التَّعْبِيرِ بِالأبْتَرِ دُونَ المَبْتُورِ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وعَمَّمَ هَذا الشَّيْخُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كُلًّا مِن جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتُرُ شانِئِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كُلِّ خَيْرٍ فَيُبْتَرُ أهْلَهُ ومالَهُ فَيَخْسَرُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ويُبْتَرُ حَياتَهُ فَلا يَنْتَفِعُ بِها ولا يَتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِمَعادِهِ، ويُبْتَرُ قَلْبَهُ فَلا يَعِي الخَيْرَ ولا يُؤَهِّلُهُ لِمَعْرِفَتِهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُبْتَرُ أعْمالَهُ فَلا يَسْتَعْمِلُهُ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ويَبْتُرُهُ مِنَ الأنْصارِ فَلا يَجِدُ لَهُ ناصِرًا ولا عَوْنًا، ويَبْتُرُهُ مِن جَمِيعِ القُرَبِ فَلا يَذُوقُ لَها طَعْمًا ولا يَجُدْ لَها حَلاوَةً وإنْ باشَرَها بِظاهِرِهِ فَقَلْبُهُ شارِدٌ عَنْها وهَذا جَزاءُ كُلِّ مَن شَنَأ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأجْلِ هَواهُ كَمَن تَأوَّلَ آياتِ الصِّفاتِ أوْ أحادِيثَها عَلى غَيْرِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ومُرادِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ تَمَنّى أنْ لا تَكُونَ نَزَلَتْ أوْ قِيلَتْ.
ومِن أقْوى العَلاماتِ عَلى شَنَآنِهِ نُفْرَتُهُ عَنْها إذا سَمِعَها حِينَ يَسْتَدِلُّ بِها السَّلَفِيُّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وأيُّ شَنَآنٍ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أهْلُ السَّماعِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى سَماعِ الغِناءِ والدُّفُوفِ والشَّبّاباتِ فَإذا سَمِعُوا القُرْآنَ يُتْلى أوْ قُرِئَ في مَجْلِسِهِمُ اسْتَطالُوهُ واسْتَثْقَلُوهُ، وكَذَلِكَ مَن آثَرَ كَلامَ النّاسِ وعُلُومَهم عَلى القُرْآنِ والسُّنَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولِكُلٍّ نَصِيبٌ مِنَ الِانْبِتارِ عَلى قَدْرِ شَنَآنِهِ انْتَهى.
وفي بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «شَنِيكَ» بِغَيْرِ ألِفٍ فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي كَما قالُوا بَرْدٌ في بارِدٍ، وبَرٌّ في بارٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فِعْلٍ.
هَذا وأعْلَمُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ عَلى قِصَرِها وإيجازِها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ما يُنادِي عَلى عَظِيمِ إعْجازِها، وقَدْ أطالَ الإمامُ فِيها الكَلامَ وأتى بِكَثِيرٍ مِمّا يَسْتَحْسِنُهُ ذَوُو الأفْهامِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وانْحَرْ ﴾ مُتَضَمِّنٌ الإخْبارَ بِالغَيْبِ وهو سِعَةُ ذاتِ يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ، وقِيلَ مِثْلُهُ في ذَلِكَ: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ .
وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ عارَضَها بِقَوْلِهِ: إنّا أعْطَيْناكَ الزَّماجِرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وهاجِرْ إنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ كافِرٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ وهو لَعَمْرِي مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى أزْيَدَ مِمّا ذُكِرَ فَلْيَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الإمامِ.
واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ والإنْعامِ.
وهي ثلاث آيات مكيّة قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ يعني: الخير الكثير لفضيلة القرآن، ويقال العلم، وقال القتبي أحسبه «فَوْعَلَ» من الكثرة والخير الكثير، وقال مقاتل: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أراد به نهراً في الجنة طينه مسك أذفر ورضراضه اللؤلؤ أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وروى عطاء بن السائب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن عمر م قال: قال رسول الله : الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب ومجراه على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، تربته أطيب من المسك وروي عن أنس عن النبيّ أنه قال: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ فَإِذَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ مِنَ اللُؤْلُؤْ المُجَوَّفِ يَعْنِي الخِيَامَ قُلْتُ مَا هذا يَا جِبْرِيل؟
قَالَ: هذا الكَوثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ» .
ثُمَّ قال عز وجل فَصَلِّ لِرَبِّكَ يعني صلّ لله الصلوات الخمس وَانْحَرْ قال بعضهم: انحر نفسك يعني اجتهد في الطاعة، وقال بعضهم: انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، انحر يعني: استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم: وانحر يعني: البدنة يعني: اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، وقال بعضهم: صل صلاة العيد يوم العيد وانحر البدنة ثم قال عز وجل: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني: مبغضك وهو «العاص بن وائل السهمي» هو الأبتر يعني: الأبتر من الخير وذلك أن العاص بن وائل السهمي كان يقول لأصحابه: هذا الأبتر الذي لا عقب له.
وبلغ ذلك رسول الله فاغتم لذلك فنزل إن شانئك هو الأبتر وأنت يا محمد ستذكر معي إذا ذكرت فرفع الله ذكره في كل مواطن ويقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بأن يستوي بين السجدتين حتى يبدي نحره فخاطب بذلك النبيّ والمراد به جميع الأمة كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وأراد به هو وأصحابه، وروي عن علي بن أبي طالب، في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال يعني: ضع اليمين على الشمال في الصلاة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ في ماله وولده وأهله والبتر: في اللغة الاستئصال والقطع وقال قتادة الأبتر الحقير الرقيق الذليل.
تفسير سورة «الكوثر»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال جماعة من الصحابة والتابعين: الْكَوْثَرَ نَهْرٌ في الجنةِ حافَّتَاه قِبَابٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مجوَّفٍ، وطينُه مِسْكٌ وحَصْبَاؤه يَاقُوتٌ، ونحوُ هذا مِنْ صفاتِه، وإنِ اختلفتْ ألْفَاظُ رُوَاتِه، وقال ابن عباس: الكَوثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ/ قال ابن جُبَيْرٍ: النَّهْرُ الذي في الجنةِ هُو من الخيرِ الذي أعْطَاه اللَّهُ إياه «١» ت: وخَرَّجَ مسلمٌ عن أنس قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يومٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أغفى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ، فَقَرَأَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إلى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» الحديثُ، انتهى، وخَرَّج ابنُ ماجه من حديثِ ثَوْبَانَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أوَّلَ مَنْ يَرِدُ عَلى الحَوْضِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الدُّنْسُ ثِياباً الشُّعْثُ رُؤوساً، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ، وَلاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ» «٢» ، قال الراوي: فبكى عمرُ بن عبدِ العزيزِ حتى اخضل لِحْيَتُهُ، حِينَ بلغهُ الحديثُ، وقال: لاَ جَرَمَ، إنِّي لاَ أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حتى يَتَّسِخَ، وَلاَ أَدْهِنُ رَأْسِي حتى يَشْعَثَ، وخَرَّجَه أبو عيسى الترمذيُّ عن ثوبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمعناه «٣» ، ونَقَلَ صاحبُ «التذكرة» «٤» عن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ الحَوْضَ عَلَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ السَّائِحُونَ الَّذِينَ إذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ استقبلوه بِالحُزْنِ، انتهى من «التذكرة» ، ورَوَى أبو داودَ في «سننِه» عن أبي حمزةَ عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يُرِدُ عَلَي الحَوْضِ، قَال: قُلْتُ:
كَمْ كُنْتُمْ يَومَئِذٍ؟
قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ، انتهى «١» .
وقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أمْرٌ بالصلاةِ على العمومِ، والنَّحْرُ/ نَحْرُ الهَدْيِ، والنُّسُكِ، والضَّحَايَا عَلى قول الجمهور.
وقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ردٌّ على مقالةِ بَعْضِ سفهاءِ قريشٍ كأبي جهل وغيرِه، قال عكرمة وغيره: مات ولد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال أَبُو جَهْلٍ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، فنزلت السُّورةُ، وقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي: المقطوع المبتور من رحمة «٢» الله، والشانئ المبغض، قال الداوديّ: كل شانىء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو أبْتَرُ، لَيْسَ له يَوْمَ القيامة شَفِيعٌ ولا حميم يطاع، انتهى.
سُورَةُ الكَوْثَرِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
وَفِي ﴿ الكَوْثَرَ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ.
رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ إذا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ.
قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟
قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا طِينُهُ، أوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أذْفَرُ.» وَرَوى مُسْلِمٌ أيْضًا في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ إغْفاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إمّا قالَ لَهُمْ، وإمّا قالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟
فَقالَ: " إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ الآنَ آنِفًا سُورَةٌ " فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ حَتّى خَتَمَها.
وقالَ: " هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟
" فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.
قالَ: " هو نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ كَواكِبِ السَّماءِ، يُخْتَلَجُ العَبْدُ مِنهُمْ، فَأقُولُ: يا رَبِّ إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.» والثّانِي: أنَّ الكَوْثَرَ: الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي أُعْطِيَ نَبِيُّنا ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: العِلْمُ والقُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أتْباعِهِ، وأُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ في هَذِهِ الصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَلاةُ العِيدِ.
وقالَ قَتادَةُ: صَلاةُ الأضْحى.
والثّانِي: صَلاةُ الصُّبْحِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْحَرْ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اذْبَحْ يَوْمَ النَّحْرِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: وضْعُ اليَمِينِ عَلى اليُسْرى عِنْدَ النَّحْرِ في الصَّلاةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَفْعُ اليَدَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ إلى النَّحْرِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ، وانْحَرْ لِلَّهِ، فَإنَّ ناسًا يُصَلُّونَ لِغَيْرِهِ، ويَنْحَرُونَ لِغَيْرِهِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ بِالنَّحْرِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن عَنى بِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «العاصِ بْنِ وائِلٍ، لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَوَقَفَ يُحَدِّثُهُ حَتّى دَخَلَ العاصِ المَسْجِدَ، وفِيهِ أُناسٌ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تُحَدِّثُ؟
قالَ: ذاكَ الأبْتَرُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ، وكانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ، وكانُوا يُسَمُّونَ مَن لَيْسَ لَهُ ابْنٌ: أبْتُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ.» وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ عَنى بِهِ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والشّانِئُ: المُبْغِضُ، والأبْتَرُ: المُنْقَطِعُ عَنِ الخَيْرِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَوْثَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "إنّا أنْطَيْناكَ"، وهي لُغَةٌ في "أعْطى"، قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "واليَدُ المُنْطِيَةُ خَيْرٌ مِنَ السُفْلى"»، وقالَ الأعْشى: جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ تُصانُ الجِلالَ وتُنْطى الشَعِيرا قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ قِبابٌ مِن دُرٍّ مُجَوَّفٍ، وطِينُهُ مِسْكٌ، وحَصْباؤُهُ ياقُوتٌ، ونَحْوُ هَذا مِن صِفاتِهِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الرُواةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "كَوْثَرُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الكَثْرَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الَّذِي أعْطى اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا مِنَ النُبُوَّةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ بِرَبِّهِ تَعالى والفَوْزِ بِرِضْوانِهِ والشَرَفِ عَلى عِبادِهِ هو أكْثَرُ الأشْياءِ وأعْظَمُها، فَكَأنَّهُ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنّا أعْطَيْناكَ الحَظَّ الأعْظَمَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: النَهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللهُ تَعالى إيّاهُ، فَنِعْمَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، ونِعْمَ ما تَمَّمَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأمْرُ النَهْرِ ثابِتٌ في الآثارِ في حَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ، صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ ونَفَعَنا بِما مَنَحَنا مِنَ الهِدايَةِ بِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأصْحابِ والأشْياعِ، وقالَ جَعْفَرُ الصادِقُ: نُورٌ في قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ أيْضًا: هو الشَفاعَةُ، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ: هو التَوْحِيدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ" أمْرٌ بِالصَلاةِ عَلى العُمُومِ، فَفِيهِ المَكْتُوباتُ بِشُرُوطِها، والنَوافِلُ عَلى أثَرِها، والنَحْرُ نَحْرُ الهَدْيِ والنُسُكِ في الضَحايا في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَكُنْ شُغْلُكَ هَذَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ : يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ فَأمَرَ أنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَنْحَرُ،» وقالَهُ قَتادَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ: في الآيَةِ طَعْنٌ عَلى كَفّارِ مَكَّةَ، أيْ إنَّهم يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى مُكاءً وتَصْدِيَةً، ويَنْحَرُونَ لِلْأصْنامِ، ونَحْوِهُ، فافْعَلْ هَذا أنْتَ لِرَبِّكَ تَكُنْ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقْتَ صُلْحِ قُرَيْشٍ، قِيلَ لِمُحَمَّدٍ : صِلْ وانْحَرْ الهَدْيَ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: صَلِّ لِرَبِّكَ، وضَعْ يَمِينِكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَلاةِ، فالنَحْرُ -عَلى هَذا- لَيْسَ بِمَصْدَرِ نَحَرَ، بَلْ هو الصَدْرُ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: ارْفَعْ يَدَكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ رَدٌّ عَلى مَقالَةٍ كانَ كَثِيرٌ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ يَقُولُها لِما لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ ولَدٌ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هو أبْتَرُ، يَمُوتُ فَنَسْتَرِيحُ مِنهُ، ويَمُوتُ أمْرُهُ بِمَوْتِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى -وَقَوْلُهُ الحَقُّ-: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ ، أيِ المَقْطُوعُ المَبْتُورُ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَ لَهُ بَنُونَ فَهم غَيْرُ نافِعِيهِ.
"والشانِئُ": المُبْغِضُ، وقالَ قَتادَةُ الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَلِيلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ماتَ ابْنُ النَبِيِّ فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ "بُتِرَ مُحَمَّدٌ"، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، سَمّى النَبِيَّ حِينَ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ: أبْتُرُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكَوْثَرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
استئناف يجوز أن يكون استئنافاً ابتدائياً.
ويجوز أن تكون الجملة تعليلاً لحرف ﴿ إنّ ﴾ إذا لم يكن لرد الإِنكار يكثر أن يفيد التعليل كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ﴾ في سورة البقرة (32).
واشتمال الكلام على صيغة قصر وعلى ضمير غائب وعلى لفظ الأبتر مؤذن بأن المقصود به ردُّ كلام صادر من معيَّن، وحكايةُ لفظٍ مرادٍ بالرد، قال الواحدي: قال ابن عباس: إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام عند باب بني سهم فتحدث معه وأناسٌ من صناديد قريش في المسجد فلما دخل العاصي عليهم قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه فقال: ذلك الأبترُ، وكان قد توفّي قبل ذلك عبدُ الله ابنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مات ابنه القاسم قبلَ عبد الله فانقطع بموت عبد الله الذكورُ من ولده صلى الله عليه وسلم يومئذ، وكانوا يَصِفون من ليس له ابن بأبتر فأنزل الله هذه السورة، فحصل القصر في قوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ لأن ضمير الفصل يفيد قصر صفة الأبتر على الموصوف وهو شانئ النبي صلى الله عليه وسلم قصرَ المسند على المسند إليه، وهو قصر قلب، أي هو الأبتر لا أنت.
و ﴿ الأبتر ﴾ : حقيقته المقطوع بعضه وغلب على المقطوع ذَنبه من الدواب ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيهاً بالدَّابة المقطوع ذَنَبها تشبيه معقول بمحسوس كما في الحديث: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " يقال: بَتر شيئاً إذا قطع بعضَه وبَتر بالكسر كفرِح فهو أبتر، ويقال للذي لا عقب له ذكوراً، هو أبتر على الاستعارة تشبيه متخيل بمحسوس شبهوه بالدابة المقطوع ذنبها لأنه قُطع أثره في تخيُّل أهللِ العرف.
ومعنى الأبتر في الآية الذي لا خير فيه وهو رد لقول العاصي بن وائل أو غيره في حق النبي صلى الله عليه وسلم فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو غيره بالأبتر دون المعنى الذي عناه هو حيث لمز النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر، أي لا عقب له لأن العاصي بن وائل له عقب، فابنه عمرو الصحابي الجليل، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل ولعبد الله عقب كثير.
قال ابن حزم في «الجمهرة» عقبه بمكة وبالرهط.
فقوله تعالى: ﴿ هو الأبتر ﴾ اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانئ النبي صلى الله عليه وسلم ونفيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه.
ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل: «محمد أبتر» إبطالاً لقوله ذلك، وكانَ عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لا عقب له تعيّن أن يكون هذا الإِبطال ضرباً من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهاً على أن الأحقَّ غيرُ ما عناه من كلامه كقوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ [البقرة: 189].
وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظّ الخير، أي ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله.
وهب أنه لم يولد له البتة، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصاً لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية من الاعتماد على الجهود البدنية فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر وذلك أمر قد يعرض، وقد لا يعرض أو لمحبة ذِكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أغناه الله بالقناعة، وأعزّه بالتأييد، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه، فتمحض أن كماله الذاتي بما عَلِمه الله فيه إذ جعل فيه رسالته، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وفي الآية محسن الاستخدام التقديري لأن سوق الإبطال بطريق القصر في قوله: ﴿ هو الأبتر ﴾ نفيُ وصف الأبتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن بمعنًى غير المعنى الذي عناه شانئه فهو استخدام ينشأ من صيغة القصر بناء على أن ليس الاستخدام منحصراً في استعمال الضمير في غير معنى معاده، على ما حققه أستاذنا العلامة سالم أبو حاجب وجعله وجهاً في واو العطف من قوله تعالى: ﴿ وجاء ربك والملك ﴾ [الفجر: 22] لأن العطف بمعنى إعادة العامل فكأنه قال: وجاء الملك وهو مجيء مغاير لمعنى مجيء الله تعالى، قال: وقد سَبقنا الخفاجي إلى ذلك إذ أجراه في حرف الاستثناء في «طراز المجالس» في قول محمد الصالحي من شعراء الشام: وحديثُ حُبّي ليسَ بالْ *** مَنْسُوخ إلاّ في الدَّفاتر والشانئ: المبغض وهو فاعل من الشناءة وهي البغض ويقال فيه: الشنآن، وهو يشمل كل مبغض له من أهل الكفر فكلهم بتر من الخير ما دام فيه شنآن للنبيء صلى الله عليه وسلم فأما من أسلموا منهم فقد انقلب بعضهم محبة له واعتزازاً به.
سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا.
الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.
السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ وانْحَرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ.
الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ.
﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي ﴿ الأبْتَرُ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون قال: لما طعن عمر وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] .
وأخرج البيهقي عن ابن شبرمة قال: ليس في القرآن سورة أقل من ثلاث آيات.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في بطنان الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت فيه أزواجه وخدمه.
قال: وبأي شيء ذكر ذلك؟
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من باب الصفا وخرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن واثل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟
قال: ذلك الأبتر، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله هذه السورة ﴿ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ يعني عدوّك العاص بن وائل هو الأبتر من الخير لا أذكر في مكان إلا ذكرت معي يا محمد، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول: وحباه الإِله بالكوثر ** الأكبر فيه النعيم والخيرات وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: أغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً فقال: «إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ﴾ حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترده أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» .
وأخرج مسلم والبيهقي من وجه آخر بلفظ ثم رفع رأسه فقرأ إلى آخر السورة، قال البيهقي والمشهور فيما بين أهل التفاسير والمغازي أن هذه السورة مكية وهذا اللفظ لا يخالفه فيشبه أن يكون أولى.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر في الجنة يجري ولم يشق شقاً، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ» .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك اذفر.
قلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله» .
وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟
قال: نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر.
قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة.
قال: آكلها أنعم منها يا عمر» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أعطيت الكوثر، قلت يا رسول الله: ما الكوثر؟
قال: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيتشعث أبداً، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟
قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه الخير الكثير.
فقال: صدقت والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: نزلت ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة شاطئاه عليه در مجوّف فيه من الآنية والأباريق عدد النجوم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: الخير الكثير.
وقال أنس بن مالك: نهر في الجنة، وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت الكوثر آنيته عدد النجوم» .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر أعطاه الله محمداً في الجنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، وماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء.
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه.
قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة أجوف فيه آنية من الذهب والفضة لا يعلمها ألا الله.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده فسأل امرأته عنه؟
فقالت: خرج آنفاً أو لا تدخل يا رسول الله؟
فدخل فقدمت له حيساً فأكل فقالت: هنيئاً لك يا رسول الله ومريئاً لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال: أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ» .
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما الكوثر؟
قال: نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله عرضه ما بين إيلة وعدن.
قال: يا رسول الله أله طين أو حال.
قال: نعم المسك الأبيض.
قال: له رضراض حصى؟
قال: نعم رضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ.
قال: أله شجر؟
قال: نعم، حافتاه قضبان ذهب رطبة شارعة عليه.
قال: ألتلك القضبان ثمار؟
قال: نعم تنبت أصناف الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، فيه أكواب وآنية وأقداح تسعى إلى من أراد أن يشرب منها منتشرة في وسطه كأنها الكوكب الدري» .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: نهر في الجنة حافتاه قباب الدر فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج هناد وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه.
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة.
وأخرج هناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الكوثر ما أعطاه الله من النبوّة والخير والقرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الكوثر القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟
قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: ﴿ فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ [ المؤمنون: 76] » .
وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: ﴿ فصل لربك ﴾ قال: الصلاة ﴿ وانحر ﴾ قال: يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة.
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: وضع اليمنى على الشمال عند التحرم في الصلاة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: استقبل القبلة بنحرك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: صلي لربك الصلاة المكتوبة واسأل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فصل لربك ﴾ قال: اشكر لربك.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل فقال انحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك حين يقول: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعكرمة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قالوا: صلاة الصبح بجمع ونحر البدن بمنى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وانحر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة والذبح يوم الأضحى.
وأخرج ابن جريرعن قتادة ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ قال: الأضحى والنحر نحر البدن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فصل لربك ﴾ قال: صلاة العيد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وانحر ﴾ قال: البدن.
وأخرج ابن جرير عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر.
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانحر ﴾ قال: يقول فادع يوم النحر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: بتر محمد منا فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .
وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم ألا ترى إلى هذا الصابئ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة؟
قال: أنتم خير منه.
فنزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ ونزلت ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ [ النساء: 51] إلى قوله: ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ النساء: 52] .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إن هذا الصابئ قد بتر الليلة، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية، فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة، ثما مات عبد الله، فقال العاصي بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .
وأخرج ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم رجلاً والعاصي بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل: من هذا؟
قال: هذا الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن محمد بن علي قال: كان القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب على الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاصي: لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ﴿ فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال البيهقي: هكذا روي بهذا الإِسناد وهو ضعيف والمشهور أنها نزلت في العاصي بن وائل.
وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آت من جنازته، على العاصي بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأشنئوه فقال العاصي بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر، فأنزل الله: ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ قال: هو العاصي بن وائل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل: بتر فلان، فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل: بتر، والأبتر الفرد.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن شانئك ﴾ يقول: عدوّك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ إن شانئك ﴾ قال: أبو جهل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن عطية عن إبراهيم قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول: إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر، فأنزل الله فيه ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ .
قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ يعني الصلوات الخمس في قول مقاتل (١) (٢) (٣) وقال مجاهد (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) قال (عكرمة (٩) (١٠) (١١) - (١٢) (١٣) وروى عن علي أنه فسر هذا النحر بوضع (١٤) (١٥) (وهو) (١٦) (١٧) (١٨) وروى (الأصْبَغُ بنُ نُبَاتة (١٩) (٢٠) - لجبريل (٢١) (٢٢) وذكر الكلبي (٢٣) (٢٤) (٢٥) وذكر عن عطاء أن هذا أمر بالاستواء بين السجدتين حتى يستقل بنحوه القبلة (٢٦) وقال سليمان التيمي معناه: ارفع يديك بالدعاء إلى نحرك (٢٧) (هذا قول المفسرين، وما ذكروه في هذه الآية) (٢٨) (٢٩) فمعنى النحر في هذا هو إصابة النحر، كما يقال رأسه وبطنه، إذا أصابه ذلك منه، ووضع اليد على الصدر نحر أيضًا، كما ذكره علي رحمه الله-، لأنه إصابة النحر باليد، ورفع الأيدي في الصلاة أيضًا عند التكبير نحر، كما فسره جبريل ( ) (٣٠) -، وهو أن يرفع يديه إلى نحره، فتصيب (٣١) (٣٢) (قال) (٣٣) (٣٤) (قال ثعلب: وهو أن ينتصب بنحره بازاء القبلة ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا (٣٥) (٣٦) قال الفراء: ويقال منازلهم تتناحر، أي تتقابل، وأنشد: أبا حَكَمٍ هل أنتَ عمُّ مُجالدٍ ...
وسيدُ أهْلِ الأبْطَحِ المتناحرِ (٣٧) قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ (هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣٨) (٣٩) (٤٠) معنى البتر في اللغة: (أستئصال القطع، يقال بترته أبتره بترًا، أي صار أبتر، وهو المقطوع الذنب.
ويقال للذي لا عقب له أبتر، وكذلك للمنقطع (٤١) (٤٢) قال المفسرون: يعني العاص بن وائل، قال للنبي - -: إنه أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله بن خديجة.
وهو قول (الكلبي (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال محمد بن إسحاق (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال مقاتل: فرفع (٥١) - في الناس عامة حتى ذكر في الصلاة، والأذان، وأتاه مكان ابنه الكوثر (٥٢) وقال (عطاء عن) (٥٣) - فيقول له: إني لأشنؤك، وإنك لأبتر من الرجال، فأنزل الله تعالى (إن شانئك) يعني العاص هو (الأبتر) من خير الدنيا والآخرة (٥٤) وقال قتادة: الأبتر الحقير الذليل (٥٥) وقال الفراء: يقول الله -تعالى-: إن مبغضك وعدوك الذي لا ذكر الله بعمل خير (له) (٥٦) (٥٧) وهو من القول المفهوم، وذلك أنه لما وصف عدوه بأنه أبتر، تضمن ذلك أنه ليس بأبتر، وإلا فليس في المنطق به ذكر رفع ذكر النبي ، وقال أبو إسحاق: جائز أن يكون الأبتر هو المنقطع العقب (٥٨) وقال أهل المعاني: معنى قوله: (هو الأبتر) أي هو الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته فكان الأمر كذلك، وأما أمر النبي - - فإنه ظهر واستفاض حتى ظهر على الدين كله (٥٩) (١) "زاد المسير" 8/ 320.
(٢) "جامع البيان" 30/ 26 من طريق العوفي عن ابن عباس، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 218 من طريق الضحاك عنه ابن عباس، و"الدر المنثور" 8/ 615 وعزاه إلى ابن المنذر.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) "الكشف والبيان" 13/ 166 أ، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وورد عنه فقط تفسير "النحر" في "جامع البيان" 30/ 327، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597.
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) ساقط من (أ).
(٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 401 - 402، و"جامع البيان" 30/ 326 - 327، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"معالم التنزيل" 4/ 535، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وورد عنه تفسير معنى النحر فقط في: "زاد المسير" 8/ 320، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597.
(٨) "جامع البيان" 30/ 326، و"الكشف والبيان" ج 13/ 166 أ، و"الجامع لأحكام == القرآن" 20/ 218، و"التفسير الكبير" 32/ 130، و"فتح القدير" 5/ 504، وورد عنه فقد تفسير النحر في "النكت والعيون" 6/ 355.
(٩) "جامع البيان" 30/ 326، و"الكشف والبيان" ج 13/ 166 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 534، و"الجامع حكام القرآن" 20/ 218.
(١٠) ساقط من (أ).
(١١) المراجع السابقة بالإضافة إلى "المحرر الوجيز" 5/ 529 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 320، و"البحر المحيط" 8/ 520، و"الدر المنثور" 8/ 651.
(١٢) ساقط من (أ).
(١٣) وممن قال بمعنى ذلك: محمد بن كعب، وابن عباس، وعطاء الخراساني، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، انظر: "جامع البيان" 30/ 327، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 وهذا القول رجحه الطبري في تفسيره.
(١٤) في (أ): (موضع).
(١٥) "جامع البيان" 30/ 352 - 326، و"الكشف والبيان" 13/ 166 أ - ب، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"المحرر الوجيز" 5/ 530، و"زاد المسير" 8/ 320، و"التفسير الكبير" 32/ 129، و"القرطبى" 20/ 219، و"البحر المحيط" 8/ 520 و"ابن كثير" 4/ 597 وقال وهذا لا يصح، و"فتح القدير" 5/ 504، و"الدر المنثور" 8/ 560 وعزاه إلى ابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، وانظر: "المستدرك" 2/ 537 كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر.
(١٦) غير مقروء في (ع)، وساقط في (أ).
وأثبت ما رأيت فيه انتظام الكلام.
(١٧) "الكشف والبيان" 13/ 166 ب، و"النكت والعيون" 6/ 355، و"معالم التنزيل" 4/ 534، و"زاد المسير" 8/ 320، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219، و"لباب التأويل" 4/ 416، و"الدر المنثور" 8/ 650 - 651 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن شاهين في السنة، وابن مردويه، والبيهقي.
(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٩) أصبغ بن نُباتة التميمي، ثم الحنظلي، ثم الدارمي، ثم المجاشعي؛ أبو القاسم الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، متروك، رمي بالرفض.
انظر: "المجروحين" لابن حبان 1/ 173، و"تهذيب الكمال" 3/ 308 ت 537، و"تقريب التهذيب" 1/ 81 ت: 613.
(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢١) في (أ): (بحريه).
(٢٢) "الكشف والبيان" 13/ 167 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 وقد قال ابن كثير عنه: إنه حديث منكر جدًّا.
كما ورد في "المستدرك" 2/ 538: كتاب التفسير: سورة الكوثر: قال الذهبي: قلت: إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي (كتب الضعفاء والمتروكين: النسائي: 58: رقم 66)، و"الدر المنثور" 8/ 650 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، و"فتح القدير" 5/ 504.
(٢٣) "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 219.
(٢٤) "معاني القرآن" 3/ 296 بنحوه.
(٢٥) ساقط من (أ).
(٢٦) "الكشف والبيان" 13/ 168 أ، و"التفسير الكبير" 32/ 129 بمعناه، و"الجامع لأحكام القرآن" 2/ 219 - 220، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597، و"الدر المنثور" 8/ 651 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٢٧) المراجع السابقة عدا "التفسير الكبير"، و"الدر".
(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد عقب ابن كثير على ما مضى من الأقوال قال: وكل هذه الأقوال غريبة جدًا، والصحيح القول الأول، وأن المراد بالنحر ذبح المناسك، ثم حسن ما رجحه الطبري من القول بالعموم.
وإن معنى الآية: فاجعل صلاتك كلها لله دون ما سواه من الأنداد، وكذلك النحر اجعله له دون الأوثان شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة؛ قال: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد ابن كعب القرظي وعطاء.
"تفسير القرآن العظيم" 4/ 597 - 598.
(٢٩) ما بين القوسين انظر فيه: "تهذيب اللغة" 5/ 10 (نحو)، و"لسان العرب" 5/ 195 (نحر)، وأيضًا: "مقاييس اللغة" 5/ 400 (نحر).
(٣٠) ساقط من (أ).
(٣١) في) أ): (لتصيب).
(٣٢) في (أ): (لنحره).
(٣٣) ساقط من (أ).
(٣٤) نقلاً عن "تهذيب اللغة" 5/ 11 (نحر).
(٣٥) نقلًا عن "تهذيب اللغة" المرجع السابق، وكلامه في: "مجالس ثعلب" 1/ 11 قال: معنى قوله تعالى: فصل لربك وانحر، يقال: استقبل القبلة بنحرك، ويقال: اذبح.
(٣٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣٧) "معاني القرآن" 3/ 296.
بيت القصيد لبعض بني أسد؛ ذكر ذلك الفراء.
وقد ورد البيت في: برواية (ها أنت) بدلًا من (هل أنت)، و"تهذيب اللغة" 5/ 10 (نحر)، و"لسان العرب" 5/ 197، و"تاج العروس" 3/ 558، و"جامع البيان" 30/ 328، و"النكت والعيون" 6/ 356، و"الكشف والبيان" ج 13/ 168 أ، و"روح المعاني" 30/ 247، و"التفسير الكبير" 32/ 130، و"شرح أبيات معاني القرآن" ص 174 س 387.
موضع الشاهد: يقال منازلهم تتناحر أي هذا ينحر هذا أي قُبالته.
والمعنى: الأبطح: المتسع العريض، وأبطح الوادي: حصاه اللين في بطن المسيل.
والجلد: القوة والشدة.
"شرح أبيات معاني القرآن".
المرجع السابق (٣٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣٩) انظر "تهذيب اللغة" 11/ 42 (شنأ)، و"إصلاح المنطق" ص 284.
(٤٠) سورة المائدة: 2، 8 قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ .وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ومما جاء في معنى: "شنآن" قال: أبو زيد: شنئت الرجل أشنؤه شنئًا وشنآنًا ومنشاءة إذا ابغضته.
واختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرؤوا على فَعْلا، وحجتهم أنه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، ومن أسكن النون، فلأن المصدر قد جاء أيضًا على فعلان، وإذا كان كذلك، فالمعنى في القراءتين واحد، ومعناه: لا يحرمنكم بغض قوم أي بغضكم قوم بصدهم إياكم ..
"البسيط" مختصرًا جدًا.
(٤١) في (أ): (المنقطع).
(٤٢) ما بين القوسين انظر "تهذيب اللغة" 14/ 277 (بتر).
(٤٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 402، و"التفسير الكبير" 32/ 132 - 133.
(٤٤) "تفسير مقاتل" 254 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 132.
(٤٥) "أسباب النزول" ص 404: قال: محققة إن رواية ابن عباس ضعيفة بسبب العوفي كما هو وارد عند ابن جرير، و"جامع البيان" 30/ 329 من طريق العوفي، و"المحرر الوجيز" 5/ 530 من غير ذكر طريق عطاء، و"زاد المسير" 8/ 321، و"التفسير الكبير" 32/ 132، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 598 من غير ذكر طريق عطاء، و"الدر المنثور" 8/ 652 وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران، وابن مردويه.
(٤٦) منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.
انظر "جامع البيان" 30/ 329، "تفسير القرآن" 30/ 329.
وإلى القول أنه العاص ذهب السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 519، وقال البيهقي: والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل: "الدر المنثور" 8/ 652، وقاله به الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 370.
والرواية التي ذكرها الواحدي وعزاها إلى المفسرين هي رواية محمد ابن إسحاق من طريق يزيد بن رومان ونصها عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل السهمي إذا ذكر رسول الله - - قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، ولو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى في ذلك "إنا أعطيناك الكوثر" إلى آخر السورة راجع ذلك: "أسباب النزول" ص 404، تح: أيمن، و"تفسيرالقرآن العظيم" 4/ 598.
قال د.
عصام الحميدان: عن إسناد محمد ابن إسحاق عن يزيد بأنه مرسل يشهد له ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير وقتادة مرسلًا مثله.
وإسناده صحيح.
"أسباب النزول" ص: 466 حاشية: 1، تح: عصام.
وقال آخرون: بل عني بذلك عقبة بن أبي معيط، وهو قول شمر بن عطية، وعكرمة وآخرون قالوا: كعب الأشرف وجماعة من قريش، وهو قول عكرمة، وإحدى روارات ابن عباس.
"جامع البيان" 30/ 303.
وقيل غير ذلك.
يراجع "النكت والعيون" 6/ 356، و"زاد المسير" 8/ 321.
(٤٧) سيرة النبي - - لابن هشام 1/ 421.
(٤٨) "تفسير مقاتل" 254 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 132.
(٤٩) ساقط من (أ).
(٥٠) "سيرة النبي - -" لابن هشام 1/ 421.
(٥١) في (أ): (فدفع).
(٥٢) "تفسير مقاتل" 254 ب.
(٥٣) ساقط من (أ).
(٥٤) "الدر المنثور" 8/ 652 وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران بمعناه، وبمعناه أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه: 8/ 653 وعزاه إلى الزبير بن بكار، وابن عساكر.
الحديث أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" 2/ 70.
(٥٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 402، و"جامع البيان" 30/ 329، و"بحر العلوم" 3/ 519، و"النكت والعيون" 6/ 356، و"البحر المحيط" 8/ 520 (٥٦) ساقط من (أ).
(٥٧) "معاني القرآن" 3/ 296.
(٥٨) العقب: هو ولد الرجل، وولد ولده، وليس له عاقبة أي ليس له نسل.
"مختار الصحاح" ص 443 (عقب)، و"المصباح المنير" 2/ 500 (عقب).
(٥٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والكوثر بثاء مبالغة من الكثرة وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول حوض النبي صلى الله عليه وسلم: الثاني أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله له في الدنيا والآخرة.
قاله ابن عباس وتبعه سعيد بن جبير، فإن قيل: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم.
الثالث أن الكوثر القرآن.
الرابع أنه كثرة الأصحاب والأتباع.
الخامس أنه التوحيد.
السادس أنه الشفاعة، السابع أنه نور وضعه الله في قلبه، ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض لما ورد في الحديث الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الكوثر هو نهر أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء» .
﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ﴾ فيه خمسة أقوال: الأول أنه أمره بالصلاة على الاطلاق وينحر الهدي والضحايا، الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي قبل صلاة العيد فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة الثالث أن الكفار يصلون مكاء وتصدية وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده وانحر له، أي ولجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص.
الرابع أن معنى انحر ضع يدك اليمنى على اليسى عند صدرك في الصلاة فهو على هذا من النحر وهو الصدر.
الخامس أن معاه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ الشانئ هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى العداوة، نزلت هذه الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبو جهل على وجه الرد عليه إذ قال: إن محمداً أبتر أي لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كوالدهم.
القراءات ﴿ شانيك ﴾ بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
وقرأ قتيبة ونصير مهموزاً ممالة.
الوقوف ﴿ الكوثر ﴾ ه ط ﴿ وانحر ﴾ ه ط ﴿ الأبتر ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، لأن تلك مثال لكون الإنسان في خسر، وهذه للمستثنين منهم بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعاً.
هذا وجه إجمالي وأما الوجه التفصيلي فقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ أي الخير الكثير وقع في مقابلة الدع والمنع من الإطعام وقوله ﴿ فصل ﴾ أي دم على الصلاة وقع بإزاء قوله ﴿ عن صلاتهم ساهون ﴾ وقوله ﴿ لربك ﴾ مكان قوله ﴿ يراءون ﴾ وقوله ﴿ وانحر ﴾ والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ﴿ ويمنعون الماعون ﴾ ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب ويبقى لك ولمتابعيك الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري بسبب أولادك الشرفاء والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء، ثم في الآية أصناف من المبالغة منها: التصدير بـ " إن " ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها لفظ الإعطاء دون الإيتاء ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء ولهذا حين قال ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ كان أمته مشاركين له في فوائدها ولم يكن له منعهم منها.
ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في وعد الله كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر وهو مبالغة في الكثرة بزيادة الواو كجدول فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثرالمفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة.
عن أنس عن النبي " "رأيت نهراً في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: ما هذا؟
فقيل: هو الكوثر الذي أعطاك الله" وفي رواية " ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان " قال أهل المعنى: ولعله إنما سمى كوثراً لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيراً، أو لان أنهار الجنة تتفجر منه كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار أو لكثرة شاربيه.
وقد يقال: إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار فلعل منبعه حوض ومنه تسيل الأنهار، والقول الثالث أن الكوثر أولاده لأن هذه السورة نزلت رداً على من زعم أنه الأبتر كما يجيء والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مر الزمان.
فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر لهم.
منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم.
القول الرابع: الكوثر علماء أمته لأنهم كأنبياء بني إسرائيل واختلافهم في فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على الأصول فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة وأديان الأنبياء كشعبها الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب.
الخامس: الكوثر النبوة ولا يخفى ما فيها من الخير الكثير لأنها ثانية رتبة الربوبية ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة لأنه المذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ولن يصير شرعه منسوخاً وله كل معجزة كانت لغيره من الأنيباء المشهورين، وكتاب آدم كان كلمات كما قال ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ وكتاب إبراهيم وموسى كان كلمات وصحفاً ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ و ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ وكتاب محمد مهيمن على الكل كما قال ﴿ ومهيمنا عليه ﴾ وإن آدم تحدى بالكلمات والأسماء ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء ﴾ ومحمد إنما تحدى بالمنظوم ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وأما نوح فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق محمد وقف الحجر على الماء.
وروي أنه كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول وشهد له بالرسالة.
فقال له النبي : يكفيك هذا؟
قال: حتى يرجع إلى مكانه.
فأمره النبي فرجع إلى مكانه.
وأكرم إبراهيم فجعل النار برداً وسلاماً عليه.
وروى محمد بن حاطب قال: كنت طفلاً فانصب القدر من على النار علي فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى النبي وقالت: هذا ابن حاطب احترق كام ترى، فتفل رسول الله على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال : أذهب البأس رب الناس.
فصرت صحيحاً لا بأس بي.
وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض وأكرم محمداًً ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد أصابعه عيوناً، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمداً بذلك قبل ظهور نبوته، وأكرم موسى باليد البيضاء وأكرم محمداً بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان.
وقلب الله عصى موسى ثعباناً.
ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوباً.
وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه.
وكان داود إذا مسح الحديد لان، وكان النبي حين مسح الشاة الجدباء درت.
وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً بالبراق، وأكرم عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
وأكرمه بإحياء الشاة المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة.
وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم أحد رفعها رسول الله صلى الله عيله وسلم فردها إلى مكانها.
وكان عيسى يخبر بما في بيوت الناس والرسول عرف ما أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك، ورد الشمس لسليمان مرة والرسول كان نائماً ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى رسول الله ، وردها مرة أخرى لعلي فصلى العصر لوقته.
وعلمسليمان منطق الطير وفعل ذلك في حق محمد ، روي أن طائراً فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه بولدها؟
فقال رجل: أنا فقال: أردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور.
وأكرم سليمان بمسير غدو شهر وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان له يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به.
وأرسل معاذاً إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثٍ فهاله ذلك ولم يستجرىء أن يرجع فتقدم وقال: إني رسول رسول الله فتبصبص، وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد .
وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفاً برسالته، وحين كفل الظبية حتى أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت: كنت مشتاقة إليه.
منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه.
وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل.
ومعجزاته أكثر من أن تحصى خصوصاً في هذا المقام فثبت صحة قوله ﴿ إنّا أعطيناك الكوثر ﴾ قيل: هو القرآن لأن فوائده عديد الحصى.
وقيل: الإسلام أو الشفاعة أو رفع الذكر أو العلم ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ أو الخلق الحسن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ وقد يقال: إن هذه السورة مع قصرها معجرة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقاً، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من القرآن.
قوله ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ في الصلاة أقوال: فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك، وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي، وقيل: هي الدعاء كأنه قال: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط واشفع تشفع وذلك أنه أبداً كان في هم أمته.
والأقرب وعليه الأكثرون أنها الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان شاكراً قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعاً لربه شاكراً لنعمه.
أما الصلاة فإنه إنما عرفاه بالوحي، يروى أنه حين أمر بالصلاة قال: كيف أصلي ولست على وضوء؟
فقال الله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك ﴿ فصل ﴾ وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال: أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات ﴿ فصل ﴾ وفي قوله ﴿ لربك ﴾ إشارة إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان.
وإنما لم يقل لنا سلوكاً لطريقة الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء " يرسم أمير المؤمنين كذا " ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لو قال " لي " انقطع النظم، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية، ثم الذين فسروا الصلاة بما عرف في الشرع اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ، وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك.
وقال الآخرون: إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله ﴿ وانحر ﴾ وكانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها.
والواو تفيد الترتيب استحساناً وأدباً وإن لم تفده قطعاً.
وقال سعيد بن جيبر: صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقراً بينهم للأصنام فأمر بأن تكون صلاته وقربانه لله تعالى، وكان النحر واجباً على النبي قال " ثلاث كتبن عليّ ولم تكتب على أمتي.
الضحى والأضحى والوتر" وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق النفسانية.
يروى أن رسول الله أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، فنحرها رسول الله حتى أعيا ، ثم أمر علياً بذلك وكانت النوق يزدحمن على رسول الله فلما أخذ علي السكين تباعدت منه ، قال عامة أهل التفسير كابن عباس ومقاتل والكلبي: إن العاص بن وائل وجمعاً من صناديد قريش يقولون: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه، وكان قد مات ابنه عبد الله ابن خديجة فأنزل الله هذه السورة كما مر في أول " المائدة " والشنء البغض والشانىء المبغض والبتر في اللغة استئصال القطع ومنه الأبتر المقطوع الذنب، فاستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره، فبين الله بهذه الصيغة المفيدة للحصر أن أولئك الكفرة هم الذين ينقطع نسلهم وذكرهم، وأن نسل محمد ثابت باق إلى يوم القيامة كما أخبر بقوله " "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" وإن دين الإسلام لا يزال يعلو ويزيد والكفر يعلى ويقهر إلى أن يبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربهما كما قال ﴿ أو لم يروا إنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال بعض أهل العلم: إن الكفار لما شتموه بأنه أبتر أجاب الله عنه من غير واسطة فقال ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ وهكذا سنة الأحباب إذا سمعوا من يشتم حبيبهم تولوا بأنفسهم جوابه، ونظيره في القرآن كثير ﴿ قالوا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم ﴾ إلى قوله ﴿ أم به جنة ﴾ فقال { ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ وقالوا هو مجنون فأقسم الله ﴿ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ وقالوا لست مرسلاً فقال ﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ \[يس: ا - 3\] ﴿ وقالوا أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ فرد عليهم بقوله ﴿ بل جاء بالحق وصدق المرسلين ﴾ ثم ذكر وعيد خصمائه بقوله ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ وحين قال حاكياً ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ قال ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وقالوا ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراًً ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ فقال ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ فأجابهم بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ فما أجل هذه الكرامة!
وقال أهل التحقيق السالكون: بل الواصلون لهم ثلاث درجات أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وأشار إليهما بقوله ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ فإن روحه القدسية متميزة في الكثرة عن سائر الأرواح البشرية بالكم لأنها أكثر مقدمات، وبالكيف لأنها أسرع انتقالاً من المقدمات إلى النتائج.
وأوسطها أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وأشار إليها بقوله ﴿ فصل لربك ﴾ وأدناها أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانتصاب إلى اللذات العاجلة وهي قوله ﴿ وانحر ﴾ فإن منع النفس الشهوية جارية مجرى الذبح والنحر.
ومن البيان أن ترتيب السالك هو الأخذ من الأدون إلى الأعلى، وإنما ورد القرآن بما ورد تنبيهاً على أنه كان في نهاية الوصول.
وأن هذا الترتيب بالنسبة إليه ينعكس وذلك أنه جاء من الحق إلى الخلق.
ثم أشار بقوله ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ إلى أن دواعي النفس التي هي أعدى الأعداء لا بقاء لها، وإنما هي لذات زائلة وتخيلات فانية ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ هذا خرج مخرج الامتنان على رسول الله والإنعام عليه والإفضال؛ ليستأدي بذلك شكره والخضوع له.
ثم اختلفوا في ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : [فقيل]: هو الخير الكثير، والخير الكثير: ما أعطي من النبوة والرسالة وما لا ينجو أحد من سخط الله - - إلا به، وهو الإيمان به والتصديق له، وما صيره معروفا مذكورا في الملائكة، وما قرن ذكره بذكره، ورفع قدره ومنزلته في جميع الخلائق، وغير ذلك مما لا يحصى، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : نهر في الجنة، وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله "أنه سئل عن ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ فقال: نهر في الجنة" ، أو قال ذلك من غير سؤال.
فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه الأول أقرب عندنا؛ لأنه ليس في إعطائه النهر تخصيص في التشريف والعيطة؛ لأن الله - - وعد لأمته ما هو أكثر من هذا؛ لما روي في الأخبار عن النبي أنه قال: "إن لأهل الجنة في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ، ونحن نعلم أن هذا في الإنعام أكثر من النهر الذي وصف.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : شيء أعطاه الله - - رسوله لا يعرف.
وأصله: أنه شيء خاطب به رسوله، وهو قد عرفه؛ فلا يجب أن يتكلف معرفته وتفسيره؛ لأنه إن أخطأ لحقه الضرر، وإن أصابه لم ينفع كثير نفع.
وقيل: ﴿ ٱلْكَوْثَرَ ﴾ : هو حرف أخذ من الكتب المتقدمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: حقيقة الصلاة هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما يعبده في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرانين، والذبائح، والضحايا التي فيها نفار الطباع؛ حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر؛ للآلام التي فيها، والطباع تنفر عن ذلك؛ فتعبده بالذي فييه مناقضة طبعه ونفاره عنه.
وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر، ولكن معناه: إذا فعلت ذلك فافعل لله؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها؛ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ ، أي: للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله .
وقال الحسن: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ صلاة العيد، وانحر البدن بعدها.
وقال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر بمنى.
وقال بعضهم: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة، وهي مخ العبادة؛ على ما ذكر في الخبر.
وكذلك ما ذكر أن المصلي مناجٍ الرب ؛ وهو - والله أعلم - لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير، والركوب، والأكل، والشرب، والكلام، والانتقال من موضع إلى موضع، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها - وإن قل - من الحج والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات، وعلى ذلك ما سمي موسى - -: كليم الله، ونجيه؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة، وأتى جبلا ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك؛ فسمي: نجي الله، وعلى ذلك سمي المصلي: مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْحَرْ ﴾ : هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل؛ لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره؛ فالتألم به بفعل نفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه - - يتحمل المشقة لوجهه مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح البدن؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق الناس وأرحمهم على خلقه، فبلغ من حسن إجابته له، وطاعته له أن ساق مائة بدنة، فنحر ستين منها بيده، وول عليا - - نحر أربعين؛ على ما ذكر في الخبر.
وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس - - قال: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴾ : وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن على، .
وعن عاصم الجحدري، قال: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة.
ومن قول الثنوية: أنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء؛ لما فيه من الألم والأذى.
وقولهم هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعلم أن إفاتة الروح بالذبح أهون على المذبوح من موته حتف أنفه؛ فإذا جاز في الحكمة أن تزهق روحه بغير الذبح فلأن يجوز في الذبح أحق.
وأصله: ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول الله ، وهو المقصود به من بين الناس، وهو يعلم بالذي خاطبه به من الصلاة؛ والنحر، والكوثر، وغير ذلك؛ فلا نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على الله - - سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ يذكر أهل التأويل: أن فلانا سمى رسول الله : أبتر؛ فنزل: إن الذي سماك أبتر هو الأبتر - لا نعرفه حقيقة؛ لأنه لم يذكر أحدا من أولاد الفراعنة وأعداء الرسل - عليهم السلام - اتفخر بأبيه أو بأحد من أوليائه والمنتمين بهم افتخروا بهم، وافتخر أولاد أولياء رسول الله على الناس حتى يتعينوا بذلك فيما بينهم؛ يقول: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ أي: معاديك ومبغضك هو الأبتر دونك.
أو يقول: أعداؤك هم الذي يبتر ذكرهم، وأوليائك مذكورون أبدا على ما قلنا.
وأصله ما ذكرنا أنه خاطب به رسول الله ، وقد عرف ذلك، ونحن لا نعلم في أي شيء كانت القصة؟
وفيم نزلت الآية؟
والله ورسوله أعلم.
قال أبو عوسجة: الشانئ: المبغض، يقال: شنئته: أبغضته، والأبتر: هو الذي لا ولد له ذكر، ولا عقب [له].
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ ﴾ بشارة لرسول الله بالغلبة عليهم، والقهر لهم، والنصرة عليهم، وإظهار دين الله - - في البلاد والآفاق؛ إذ أخبر أن الذي عاداه وباغضه هو المنقطع والأبتر لا هو، والله المستعان.
إن مبغِضك هو المنقطع عن كل خير المَنْسِي الَّذي إن ذُكِر ذُكِر بسوء.
من فوائد الآيات أهمية الأمن في الإسلام.
الرياء أحد أمراض القلوب، وهو يبطل العمل.
مقابلة النعم بالشكر يزيدها.
كرامة النبي على ربه وحفظه له وتشريفه له في الدنيا والآخرة.
كان المستهزئون من قريش -كالعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب وأمثالهم- إذا رأوا أبناء النبي يموتون يقولون: بتر محمد.
أي لم يبق له ذكر في أولاده من بعده، ويعدون ذلك عيبًا يلمزون به، وينفرون به الناس من أتباعه وكانوا إذا رأوا ضعف المسلمين وفقرهم وقلتهم يستخفون بهم، ويهونون أمرهم، ويعدون ذلك مغمزًا في الدين، ويأخذون القلة والضعف دليلًا على أن الدين ليس بحق، ولو كان حقًا لنشأ مع الغنى والقوة...
شأن السفهاء مع الحق في كل زمان أو مكان غلب فيه الجهل.
وكان المنافقون إذا رأوا ما فيه المؤمنون من الشدة والبأساء يمنون أنفسهم بغلبة إخوانهم القدماء من الجاحدين، وينتظرون السوء بالمسلمين لقلة عددهم وخلو أيديهم من المال.
وكان الضعفاء -من حديثي العهد بالإسلام من المؤمنين- تمر بنفوسهم خواطر السوء عندما تشيد عليهم حلقات الضيق...
فأراد الله سبحانه أن يمحص من نفوس هؤلاء ويكبت الآخرين، فأكد الخبر لنبيه أن ما يخيله النظر القصير قليلًا هو الكثير البالغ الغاية في الكثرة، ليؤكد له الوعد بأنه هو الفائز، وأن متبعه هو الظافر، وأن عدوه هو الخائب الأبتر الذي يمحى ذكره، ويعفى أثره -.
فقال: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ .
الكوثر: صيغة مبالغة من الكثرة.
ومعناه الشيء البالغ من الكثرة حد الإفراط.
قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم رجع ابنك؟
قالت: بكوثر.
وقال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرًا وقد اختلف في معنى الكوثر اختلافًا كثيرًا.
ولكن تعريف اللفظ يدل على أن المقصود به كان أمرًا معهودًا للسامعين تذهب أذهانهم إليه عند سماعه -وإن كانوا لم يعهدوا وصفه بأنه أكثر الكثير- وهو الذي كان يستقله أعداؤه.
والذي أعطيه النبي -وكان معروفًا لسامعي الكتاب- هو النبوة، والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدارين الدنيا والآخرة.
ولهذا فإني أذكر لك ما قاله جمع من الأئمة.
فقال أبو بكر بن عياش ويمان بن وثاب: الكوثر هم أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة.
وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع.
وقيل: هو الإسلام.
وقال هلال: هو التوحيد.
وقال عكرمة: هو النبوة.
وقال جعفر الصادق: هو نور قلبه .
وقيل: هو العلم والحكمة.
وقال ابن كيسان: هو الإيثار "أي إيثاره غيره بالمنفعة على نفسه".
وقيل: هو الفضائل التي وهبه الله إياها.
وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه الخير الكثير، والنعم الدنيوية والأخروية من فضائل وفواضل.
وهو ما رواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد، وهو المشهور عن ابن عباس.
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه.
قال أبو بشر: قلت لسعيد فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .
ويروى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضًا.
فإذا جرينا على أن الكوثر هو النبوة أو العلم والحكمة، أو نور القلب -وهو الهدى والرشاد- كان المعنى إن الذي أعطيناك من هذه المواهب هو الكثير الذي لا يكثره شيء، وإن استقله الضعفاء، أو استخف به الأعداء.
وأي كثير يعد كثيرًا بالنسبة إلى الهدى والرشاد ومعرفة طريق السعادة؟
أليس الهدى منبع القوة والعزة، وهو الذي يحفظهما بعد حصولهما؟
إذ القوة والمال -إذا لم تكن معهما الهداية التي تقيم صاحبها على الطريق المستقيم- لا بقاء لهما، ومصيرهما إلى الزوال، ومصير كثرتهما إلى قلة.
وكما قال سيدنا علي : "العلم يحفظك وأنت تحفظ المال".
ولا سبيل إلى حفظ المال إلا بالعلم.
والجهل والضلال مضيعة كل شيء من جاه أو مال.
وعلى أن الكوثر هو الخير الدنيوي والأخروي يكون المراد: إن هؤلاء المستعجلين بالسيئة يظنون أنك في قل وضعف، وأن أغنياءهم وأقوياءهم في عز ونعمة، ولا يعلمون أننا قد أعطيناك من الخير الذي يعظم في نفوسهم مما لا يعرفون، ومن الخير المدخر لك في الغيب مما لا يدركون شيئًا كثيرًا لا تحد كثرته.
وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه..
فلا يفهم من معنى الآية، بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها، هو الذي بيناه من أحد القولين.
والأول -وهو النبوة وما في معناه- أرجح.
أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة، فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به.
وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى، فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه لكثرة الخلاف فيها.
ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين.
فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة يُؤمَن تواطؤ كل منها على الكذب إلى أن وصل إليك لا تنكره فرقة المسلمين قاطبة - فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين.
وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر، فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ، فلا يصدق عليها اسم المتواتر..
خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف، فيسهل على كل راو الميل إلى تصديق ما يقال له.
وهذا يخل بشرط التواتر، لأن أول شرط فيه أن لا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي.
وبالجملة فخبر وجود النهر من الأخبار الغيبية لا يجوز الاعتقاد به إلا بعد التيقن أنه ورد عن المعصوم .
فإذا وصلت فيه إلى اليقين الذي لا يجوز عندك تبدله وكان علمك بصدوره عنه - - كعلمك بوجود مكة أو المدينة قبل أن تراهما، فاعتقد به، وإلا ففوض الأمر إلى الله، وقل لا أعلم.
والله أعلم.
بعد أن أكد لنبيه الخبر بأن الذي أعطاه هو الكوثر الذي لا يستقل عدده ولا ينتقص قدره، وأن ما يعدونه كثيرًا وعظيمًا فهو بالنسبة إليه قليل وحقير، طالبه بالشكر على ذلك.
وأفضل الشكر الإخلاص لله في العبادة لا يشرك في التوسل إليه ولا في الخشوع القلبي له أحدًا سواه، ثم بذل المال للفقراء والمساكين.
ولهذا فرع على الخبر قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ .
أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك مما هو نسك لك لله وحده، فإنه هو مربيك ومسبغ النعم عليك دون سواه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ .
نوه الله بقدر ما أعطاه ثم أمره بالشكر عليه.
وبعد ذلك استأنف الكلمة لذكر حال أعدائه ومبغضيه ووعيدهم بما سيصيبهم في أنفسهم وأموالهم فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ : الشانئ معناه المبغض.
الأبتر: هو المقطوع الذي لا يبقى أثره، ولا يحسن من بعده ذكره.
شبه بقاء الذكر الحسن، واستمرار الأثر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه، وهو زينة له.
وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذنب وقطعه، لأن البتر شاع في هذا المعنى وإن كان أصله القطع مطلقًا.
وشانئه لم يكن يشنئوه لشخصه، لأن شخصه كان محببًا إلى النفوس -كما يدل عليه تاريخه قبل الرسالة- وإنما كان الشانئون يشنئون ويمقتون ما جاء به من الهدى.
فهؤلاء هم الغارقون في الضلال، الخابطون في ظلام الجهل، فلا ريب في فساد أمرهم، وانقطاع أثرهم.
وقد حقق الله هذا الوعيد في شانئيه في زمنه - - من العرب وغيرهم.
فقد جرهم الخذلان إلى غاية الخسران، ولم يبق لهم إلا سوء الذكر لبعضهم والنسيان التام لبقيتهم..
بخلاف النبي ، ومن اهتدى بهديه، فإن ذكرهم لا يزال رفيعًا، وأثرهم لا يزال باقيًا في نفوس الصالحين.
وممن يشنأ ما جاء به ، ويدخل فيما يضمه معنى الأبتر، أولئك الذين يتركون كتاب الله الذي جاء به، ويتمسكون بالظنون وأقوال غير المعصومين دون نظر إلى ما تجر إليه من الانحراف عن سبيل جملة الدين القويم، ويجعلون الدين شيعًا وفوقًا بعد أن صرح الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ .
ثم يعملون على ترويج ما ألصقوه أو ألصق أسلافهم بالدين من البدع وبيع العبادات، واتخاذ الوسائط والشفعاء، مما رمي بهم إلى ما وراء الصراط المستقيم.
فإذا ذكروا بالقرآن أو دعوا إليه، لووا رؤوسهم، وذكروا لك من قول القائلين ما يصادمون به كتاب الله، ويظنون أنهم به يؤمنون، فلا عجب أن ترى الغضب الإلهي يتبعهم في كل مكان، ويقذفهم من ذلة إلى مسكنة، ومن متلفة إلى مهلكة، وهم لا يشعرون، بل ينظرون إلى ما يحل بهم وهم ضاحكون لاهون ساخرون.
نعوذ بالله من الخذلان، ونستعين به على تقرير الإيمان.