الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١١٦ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين ، الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم ، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم ، فقال : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس [ له ] فيها مستند شرعي ، أو حلل شيئا مما حرم الله ، أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه .
و " ما " في قوله : ( لما ) مصدرية ، أي : ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم .
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ ) فتكون تصف الكذب، بمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون " ما " بمعنى المصدر.
وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ) هذا بخفض الكذب، بمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم ( هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ) فيجعل الكذب ترجمة عن " ما " التي في لمَا، فتخفضه بما تخفض به " ما ".
وقد حُكي عن بعضهم: (لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكُذُبُ) يرفع الكُذُب، فيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج على فُعُل على أنه جمع كُذُوب وكذب، مثل شُكُور وشُكُر.
والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب الكَذِب لإجماع الحجة من القرّاء عليه ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تُحرِّمون، ولا أحلّ كثيًرا مما تُحِلون ، ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال ( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) يقول: إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلَّدون في الدنيا ، ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلا.
قوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون[ ص: 178 ] فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : لما تصف ما هنا مصدرية ، أي لوصف .
وقيل : اللام لام سبب وأجل ، أي لا تقول لأجل وصفكم الكذب بنزع الخافض ، أي لما تصف ألسنتكم من الكذب .
وقرئ الكذب بضم الكاف والذال والباء ، نعتا للألسنة .
وقد تقدم وقرأ الحسن هنا خاصة الكذب بفتح الكاف وخفض الذال والباء ، نعتا " لما " ; التقدير : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب .
وقيل على البدل من ما ; أي ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب .
الآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة .هذا حلال إشارة إلى ميتة بطون الأنعام ، وكل ما أحلوه .وهذا حرام إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموه .إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحونالثانية : أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال : ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام ، ولكن كان يقول : كانوا يكرهون وكانوا يستحبون .
وقال ابن وهب قال مالك : لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا ، ولم أكن لأصنع هذا .
ومعنى هذا : أن التحليل والتحريم إنما هو لله - عز وجل - ، وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان ، إلا أن يكون البارئ - تعالى - يخبر بذلك عنه .
وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول : إني أكره كذا .
وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى .
فإن قيل : فقد قال فيمن قال لزوجته أنت علي حرام إنها حرام ويكون ثلاثا .
فالجواب أن مالكا لما سمع علي بن أبي طالب يقول إنها حرام اقتدى به .
وقد يقوى الدليل على التحريم عند المجتهد فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك ، كما يقول إن الربا حرام في غير الأعيان الستة ، وكثيرا ما يطلق مالك - رحمه الله - ; فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق المقاصد لقوة الأدلة في ذلك .
{ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } أي: لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه.
{ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا بد أن يظهر الله خزيهم
قوله تعالى ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ) أي : لا تقولوا لوصف ألسنتكم ، أو لأجل وصفكم الكذب ، أي : أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره ، ( هذا حلال وهذا حرام ) يعني البحيرة والسائبة ، ( لتفتروا على الله الكذب ) فتقولون إن الله أمرنا بهذا ، ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) لا ينجون من عذاب الله .
«ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم» أي لوصف ألسنتكم «الكذب هذا حلال وهذا حرام» لما لم يحله الله ولم يحرمه «لتفتروا على الله الكذب» بنسبة ذلك إليه «إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون».
ولا تقولوا -أيها المشركون- للكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال لِما حرَّمه الله، وهذا حرام لِما أحَلَّه الله؛ لتختلقوا على الله الكذب بنسبة التحليل والتحريم إليه، إن الذين يختلقون على الله الكذب لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة.
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب .
.
) " ما " موصولة ، والعائد محذوف ، أى : ولا تقولوا - فى شأن الذى تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة - هذا حلال وهذا حرام ، من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر ، فضلا عن استناده إلى وحى أو قياس مبنى عليه ، بل مجرد قول باللسان .ولفظ " الكذب " منتصب على أنه مفعول به ل ( تقولوا ) وقوله - سبحانه - : ( هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ ) بدل منه .
.
.والمعنى : ولا تقولوا - أيها الجاهلون - للشئ الكذب الذى تصفه ألسنتكم ، وتحكيه وتنطق به بدون بينة أو برهان .
هذا الشئ حلال وهذا الشئ حرام .وقد حكى الله - تعالى - عن هؤلاء الجاهلين فى آيات كثيرة ، أنهم حللوا وحرموا أشياء من عند أنفسهم ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا .
.
) وقوله - سبحانه - : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟
قلت : هو من فصيح الكلام وبليغه ، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه .
فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته ، كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر .
.
.وقال بعض العلماء ما ملخصه : ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولا لتصف ، وأن يكون قوله : ( هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ ) مفعولا لتقولوا .وعلى هذا الوجه يكون فى وصف ألسنتهم الكذب ، مبالغة فى وصف كلامهم بالكذب ، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة ، فكشفت عنها ألسنتهم ووضحتها ووصفتها ونعتتها بالنعوت التى جلتها .
.
ومنه قول الشاعر :أضحت يمينُك من جُودٍ مصوَّرةً ...
لا ، بل يمينك منها صُوِّرَ الجودُواللام فى قوله : ( لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ) هى لام الصيرورة والعاقبة ، أو هى - كما يقول صاحب الكشاف - من التعليل الذى لا يتضمن معنى الغرض ، لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به الله ، ليس الغرض منه افتراء الكذب فحسب ، بل هناك أغراض أخرى ، كظهورهم بمظهر أولى العلم ، وكحبهم للتباهى والتفاخر .
.وقوله : ( تفتروا ) من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب ، لأنه اختلاق للكذب الذى لايستند إلى شئ من الواقع .أى : ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لا صحة لها ، هذا حلال وهذا حرام ، لتنسبوا ذلك إلى الله - تعالى - كذبا وزورا .قال الإِمام ابن كثير : ويدخل فى الآية كل من ابتدع بدعة ، ليس له فيها مستند شرعى ، أو حلل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله ، بمجرد رأيه وتشهيه .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع، وفي النقصان عنها أخرى، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضاً في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب، وأقول: إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر، والله أعلم.
المسألة الثانية: في انتصاب الكذب في قوله: ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب ﴾ وجهان.
الأول: قال الكسائي والزجاج: (ما) مصدرية، والتقدير: ولا تقولوا: لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال: لا تقولوا: لكذا كذا وكذا.
فإن قالوا: حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار، لأن قوله تعالى: ﴿ لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ﴾ عين ذلك.
والجواب: أن قوله: ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب ﴾ ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله: ﴿ لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ﴾ ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة.
وهو أنه تعالى يذكر كلاماً ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة.
الثاني: أن تكون (ما) موصولة، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، وحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.
المسألة الثالثة: قوله تعال: ﴿ تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذباً، ونظيره قول أبي العلاء المعري: سرى برق المعرة بعد وهن *** فبات برامة يصف الكلالا والمعنى: أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا هاهنا، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ﴾ المعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون: إنه أمرنا بذلك.
وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضاً لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ قال الواحدي: وقوله: ﴿ لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ﴾ بدل من قوله: ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب ﴾ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى، ثم أوعد المفترين، وقال: ﴿ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ ثم بيّن أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب، فقال: ﴿ متاع قَلِيلٌ ﴾ قال الزجاج: المعنى متاعهم متاع قليل، وقال ابن عباس: بل متاع كل الدنيا متاع قليل، ثم يردون إلى عذاب أليم، وهو قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بلا تقولوا، على: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ﴿ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا ﴾ [الأنعام: 139] من غير استناد ذلك الوصف إلى وحي من الله أو إلى قياس مستند إليه، واللام مثلهافي قولك: ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام.
وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ بدل من الكذب.
ويجوز أن يتعلق بتصف على إرادة القول، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام.
ولك أن تنصب الكذب بتصف، وتجعل (ما) مصدرية، وتعلق ﴿ هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ بلا تقولوا: على ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى فارغة.
فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟
قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصوّرته بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال.
وعينها تصف السحر.
وقرئ: ﴿ الكذب ﴾ بالجرّ صفة لما المصدرية، كأنه قيل: لوصفها الكذب، بمعنى الكاذب، كقوله تعالى ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ [يوسف: 18] والمراد بالوصف: وصفها البهائم بالحل والحرمة.
وقرئ: ﴿ الكذب ﴾ جمع كذوب بالرفع، صفة للألسنة، وبالنصب على الشتم.
أو بمعنى: الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب من قولك: كذب كذاباً، ذكره ابن جني.
واللام في ﴿ لّتَفْتَرُواْ ﴾ من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض ﴿ متاع قَلِيلٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ ﴾ كَما قالُوا ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ﴾ الآيَةَ، ومُقْتَضى سِياقِ الكَلامِ وتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأجْناسِ الأرْبَعَةِ إلّا ما ضُمَّ إلَيْهِ دَلِيلٌ: كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وانْتِصابُ ﴿ الكَذِبَ ﴾ بِـ ﴿ لا تَقُولُوا ﴾ و ﴿ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصِفُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ مَفْعُولُ ﴿ لا تَقُولُوا ﴾ ، و ﴿ الكَذِبَ ﴾ مُنْتَصِبٌ بِـ ﴿ تَصِفُ ﴾ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ولا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ووَصَفَ ألْسِنَتَهُمُ الكَذِبَ مُبالَغَةً في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ كَأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً وألْسِنَتُهم تَصِفُها وتَعْرِفُها بِكَلامِهِمْ هَذا، ولِذَلِكَ عُدَّ مِن فَصِيحِ الكَلامِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ.
وقُرِئَ « الكَذِبِ» بِالجَرِّ بَدَلًا مِن « ما»، والكَذِبُ جَمْعُ كَذُوبٍ أوْ كَذّابٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ وبِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ.
﴿ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ تَعْلِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الغَرَضَ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ لَمّا كانَ المُفْتَرِي يَفْتَرِي لِتَحْصِيلِ مَطْلُوبٍ نَفى عَنْهُمُ الفَلّاحَ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ أيْ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ أوْ ما هم فِيهِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ تَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب} هو منصوب بلا تقولوا أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم مَا فِى بُطُونِ هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي أو إلى القياس المستنبط منه واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام وقوله {هذا حلال وهذا حَرَامٌ} بدل من الكذب ولك أن تنصب الكذب بتصف وتجعل ما مصدرية وتعلق هذا حلال وهذا حرام بلا تقولوا أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام وهذا لوصف ألسنتكم الكذب أي ولا تحوموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان وقوله تصف ألسنتكم الكذب من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته كقولك وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر واللام في {لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب} من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض {إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يفلحون}
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ما يُفْهَمُ مِنَ الحَصْرِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِالأهْواءِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ ﴾ إلَخْ، ولا يُنافِي ذَلِكَ العَطْفَ كَما لا يَخْفى، واللّامُ صِلَةُ القَوْلِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ ﴾ وقَوْلِكَ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، و«ما» مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا تَقُولُوا في شَأْنِ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحَلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ مِن غَيْرِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَلى مُلاحَظَةٍ وفِكْرٍ فَضْلًا عَنِ اسْتِنادِهِ إلى وحْيٍ أوْ قِياسٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدِ قَوْلٍ بِاللِّسانِ.
( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَقُولُوا- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: هَذا ﴿ حَلالٌ وهَذا حَرامٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارٍ أعْنِي، وقِيلَ: ( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهَذا مَقُولُ القَوْلِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( الكَذِبَ ) مَقُولَ القَوْلِ المَذْكُورِ ويُضْمَرُ قَوْلٌ آخَرُ بَعْدَ الوَصْفِ واللّامُ عَلى حالِها أيْ لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ ومُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ ﴾ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ وجُوِّزَ أنْ لا يُضْمَرَ القَوْلُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ وأنْ يُقَدَّرَ قائِلُهُ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ (والكَذِبَ) مَفْعُولُ الوَصْفِ وهَذا ﴿ حَلالٌ ﴾ إلَخْ مَقُولُ القَوْلِ أيْ لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ، وحاصِلُهُ لا تَحِلُّوا ولا تُحَرِّمُوا لِمُجَرَّدِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ وتَصْوِيرِها لَهُ وتَحْقِيقِها لِماهِيَّتِهِ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَنشَأً لِلْكَذِبِ ومَنبَعًا لِلزُّورِ شَخْصٌ عالِمٌ بِكُنْهِهِ ومُحِيطٌ بِحَقِيقَتِهِ يَصِفُهُ لِلنّاسِ ويُعَرِّفُهُ أوْضَحَ وصْفٍ وأبْيَنَ تَعْرِيفٍ، ومِثْلُ هَذا وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ تَقُولُ: لَهُ وجْهٌ يَصِفُ الجَمالَ ورِيقٌ يَصِفُ السُّلافَ وعَيْنٌ تَصِفُ السِّحْرَ، وتَقَدَّمَ بَيْتُ المَعَرِّي، وقَدْ بُولِغَ في الآيَةِ مِن حَيْثُ جُعِلَ قَوْلُهم كَذِبًا ثُمَّ جُعِلَ اللِّسانُ النّاطِقَةُ بِتِلْكَ المَقالَةِ يَنْبُوعَهُ مُصَوِّرَةً إيّاهُ بِصُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِتابَةِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ نَحْوَ: نَهارُهُ صائِمٌ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالكَذِبِ صارَتْ كَأنَّها حَقِيقَتُهُ ومَنبَعُهُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويَعْرِفُهُ كَقَوْلِهِ: أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عُبَيْدٍ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ «الكَذِبِ» بِالجَرِّ، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما مَعَ مَدْخُولِها، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ صِفَةً- لِما- المَصْدَرِيَّةِ مَعَ صِلَتِها.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَسْبُوكَ مِن ما أوْ أنْ أوْ كَيْ مَعَ الفِعْلِ مَعْرِفَةٌ كالمُضْمَرِ لا يَجُوزُ نَعْتُهُ فَلا يُقالُ: أعْجَبَنِي أنْ تَقُومَ السَّرِيعُ كَما يُقالُ: أعْجَبَنِي قِيامُكَ السَّرِيعُ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يَتْبَعُ بِذَلِكَ كَلامَ العَرَبِ.
وقَرَأ مُعاذٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ «الكُذُبُ» بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ وهو جَمْعُ كَذُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كِذابٍ بِكَسْرِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً وجَمْعُ فُعُلٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ أوْ جَمْعُ كاذِبٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أوْ يَعْقُوبُ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ ونَسَبَ قِراءَةَ مُعاذٍ ومَن مَعَهُ إلى مَسْلَمَةَ «الكُذُبَ» بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أوْجُهٍ.
الأوَّلُ إنَّ ذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ وهو نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ مَقْطُوعٌ.
الثّانِي مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَصِفَ- أوْ ( تَقُولُوا ) والمُرادُ الكَلِمُ الكَواذِبُ: الثّالِثُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ- لِتَصِفَ- مِن مَعْناهُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ المَصْدَرِ، وأُعْرِبَ ﴿ هَذا حَلالٌ ﴾ إلَخْ عَلى ما مَرَّ ولا إشْكالَ في إبْدالِهِ لِأنَّهُ كَلِمٌ بِاعْتِبارِ مَوادِّهِ وكَلامًا ظاهِرًا ﴿ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ اللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ ولِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بَلْ لِأغْراضٍ أُخَرَ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما ذُكِرَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ولا يَبْعُدُ قَصْدُهم لِذَلِكَ كَما قالُوا: ﴿ وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ وفي البَحْرِ أنَّهُ الظّاهِرُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلتَّعْلِيلِ السّابِقِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّ في هَذا التَّنْبِيهِ عَلى مَنِ افْتَرَوْا الكَذِبَ عَلَيْهِ ولَيْسَ فِيما مَرَّ بَلْ فِيهِ إثْباتُ الكَذِبِ مُطْلَقًا فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ اجْتَرَءُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوا وحَرَّمُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ﴿ لِتَفْتَرُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ لِما تَصِفُ ﴾ إلَخْ لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى ما في البَحْرِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما مَصْدَرِيَّةً لِأنَّها إذا جُعِلَتْ مَوْصُولَةً لا تَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِيُبْدَلَ مِن ذَلِكَ ما يُفْهِمُ التَّعْلِيلَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ التَّعْلِيلِ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ فَعِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيلِ يَجُوزُ الإبْدالُ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العَسْكَرِيُّ لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَلُّهُ ولا حُرْمَتُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَدارَ الحَلِّ والحُرْمَةِ لَيْسَ إلّا حُكْمُهُ سُبْحانَهُ، ومِن هُنا قالَ أبُو نَضْرَةَ: لَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا مُنْذُ سَمِعْتُ آيَةَ النَّحْلِ إلى يَوْمِي هَذا.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويُقالُ في مَسائِلِ الِاجْتِهادِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا ونَحْوَ ذَلِكَ فَهو أبْعَدُ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿ لا يُفْلِحُونَ ﴾ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ أيْ مَنفَعَتُهُمُ الَّتِي قَصَدُوها بِذَلِكَ الِافْتِراءِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ- فَمَتاعٌ- خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (وقَلِيلٌ) صِفَتُهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ لَمّا نُفِيَ عَنْهُمُ الفَوْزُ بِمَطْلُوبٍ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ وهم قَدْ تَحَصَّلَ لَهم مَنفَعَةٌ بِالِافْتِراءِ؟
فَقِيلَ: ذاكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ لا عِبْرَةَ بِهِ ويَرْجِعُ الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ المُرادَ نَفِيُ الفَوْزِ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وإلى كَوْنِ <div class="verse-tafsir"
ثم بيّن المحرمات فقال تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي: ذبح بغير اسم الله فَمَنِ اضْطُرَّ أي: أجهد إلى شيء مما حرّم الله عليه غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ في أكله أي: لا يأكل فوق حاجته.
ويقال: غير مفارق الجماعة، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ فيما أكل رَحِيمٌ حين رخص له في أكل الميتة عند الاضطرار.
ثم قال: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ أي: لا تقولوا يا أهل مكة فيما أحللت لكم هذا حَلالٌ على الرجال، وَهذا حَرامٌ على النساء.
ويقال: في الآية تنبيه للقضاة والمفتين كي لا يقولوا قولاً بغير حجة وبيان.
ثم قال: لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي: بتحريم البحيرة والسائبة إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ أي: لا يفوزون، ولا ينجون من العذاب مَتاعٌ قَلِيلٌ أي: عيشهم في الدنيا قليل وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ...
الآية: قال ابن عبَّاس: القرية هنا مكَّة، والمراد الضمائر كلِّها في الآيةِ أهْلُ القرية «١» ، ويتوجَّه عنْدِي في الآيةُ أنها قُصِدَ بها قريةٌ غير معَّينة جُعِلَتْ مثلاً لمكَّة، على معنى التحذير، لأهلها ولغيرها مِنَ القُرَى إِلى يوم القيامة/ وهو الذي يُفْهَمُ من كلام حَفْصَةَ أمِّ المؤُمنين، و «أَنعَم» جمع نِعْمة.
وقوله سبحانه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعاراتٌ، أي: لما باشرهم ذلك، صار كاللِّباس، والضميرُ في جاءَهُمْ لأهل مكَّة، والرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والْعَذابُ: الجوعُ وأَمْرُ بَدْرٍ ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنيةً، وإن كانَتْ مكِّية، فهو الجوع فقطْ.
وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ...
الآية: هذا ابتداءُ كلامٍ آخر، أي: وأنتم أيها المؤمنون، لستُمْ كهذه القريةِ فكُلُوا واشْكُروا اللَّه على تباين حَالِكم، من حال الكَفَرة، وقوله: حَلالًا حالٌ، وقوله: طَيِّباً: أي مستَلَذًّا إذ فيه ظهورُ النعمةِ، ويحتمل أن يكون «الطَّيْب» بمعنى الحلالِ، كُرِّر مبالغة وتأكيدا.
وقوله سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ...
الآية: هذه الآية مخاطَبَةٌ للكفَّار الذينَ حرَّموا البحائر والسَّوائب، قال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه» ومعنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلالٌ أو حرامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم، إِنما المحرِّم والمحلِّل هو اللَّه سبحانه، قال ابن وَهْب: قال مالكٌ لم يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أنْ يقال لَهُمْ:
هَذَا حَلاَلٌ، وهذا حَرَامٌ، ولكنْ يقول: أَنا أَكْرَهُ هذا، ولَمْ أَكُنْ لأصنَعَ هذا، فكان النّاس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللّامُ في " لِما " بِمَعْنى مِن أجْلِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ: ولا تَقُولُوا: هَذِهِ المَيْتَةُ حَلالٌ، وهَذِهِ البَحِيرَةُ حَرامٌ، مِن أجْلِ كَذِبِكم، وإقْدامِكم عَلى الوَصْفِ، والتَّخَرُّصِ لِما لا أصْلَ لَهُ، فَجَرَتِ اللّامُ هاهُنا مَجْراها في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ أيْ: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لَبَخِيلٌ، و " ما " بِمَعْنى المَصْدَرِ، والكَذِبُ مَنصُوبٌ بِـ " تَصِفُ "، والتَّلْخِيصُ: لا تَقُولُوا لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الكُذُبُ " قالَ ابْنُ القاسِمِ: هو نَعْتُ الألْسِنَةِ، وهو جَمْعُ كَذُوبٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أنَّ تَحْلِيلَكم وتَحْرِيمَكم لَيْسَ لَهُ مَعْنًى إلّا الكَذِبُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ ﴾ إلى ما كانُوا يُحِلُّونَ ويُحَرِّمُونَ ﴿ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ هو أمَرَنا بِهَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ أيْ: مَتاعُهم بِهَذا الَّذِي فَعَلُوهُ قَلِيلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ ، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ.
وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما".
وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ.
وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا حَلالٌ ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَذا حَرامٌ ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿ وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ.
ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا ﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ.
والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عاد الخطاب إلى المشركين بقرينة قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ فالجملة معطوفة على جملة ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ [سورة النحل: 112] الآية.
وفيه تعريض بتحذير المسلمين لأنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية، فربّما بقيت في نفوس بعضهم كراهية أكل ما كانوا يتعفّفون عن أكله في الجاهلية.
وعلّق النهي بقولهم: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ .
ولم يعلّق بالأمر بأكل ما عدا ما حُرم لأن المقصود النهي عن جعل الحلال حراماً والحرام حلالاً لا أكل جميع الحلال وترك جميع الحرام حتى في حال الاضطرار، لأن إمساك المرء عن أكل شيء لكراهيَةٍ أو عَيْف هو عمل قاصر على ذاته.
وأما قول: ﴿ وهذا حرام ﴾ فهو يفضي إلى التحجير على غيره ممن يشتهي أن يتناوله.
واللام في قوله: ﴿ لما تصف ﴾ هي إحدى اللامين اللّتين يتعدّى بهما فعل القول وهي التي بمعنى (عن) الداخلة على المتحدّث عنه فهي كاللام في قوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ [سورة آل عمران: 168]، أي قالوا عن إخوانهم.
وليست هي لام التقوية الداخلة على المخاطب بالقول.
﴿ وتصف ﴾ معناه تذكر وصْفاً وحالاً، كما في قوله تعالى: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ [سورة النحل: 62].
وقد تقدم ذلك في هذه السورة، أي لا تقولوا ذلك وصفاً كَذباً لأنه تقَوّل لم يقله الذي له التحليل والتحريم وهو اللّهُ تعالى.
وانتصب ﴿ الكذب ﴾ على المفعول المطلق ل ﴿ تصف ﴾ ، أي وصفاً كذباً، لأنه مخالف للواقع، لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا ولا نصب لهم دَلِيلاً عليه.
وجملة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ هي مقول ﴿ تقولوا ﴾ ، واسم الإشارة حكاية بالمعنى لأوصافهم أشياء بالحِلّ وأشياء بالتحّريم.
و ﴿ لتفتروا ﴾ علة ل ﴿ تقولوا ﴾ باعتبار كون الافتراء حاصلاً، لا باعتبار كونه مقصوداً للقائلين، فهي لام العاقبة وليست لام العلّة.
وقد تقدّم قريباً أن المقصد منها تنزيل الحاصل المحقّق حصولُه بعدَ الفعل منزلةَ الغرض المقصود من الفعل.
وافتراء الكذب تقدّم آنفاً.
والذين يفترون هم المشركون الذين حرموا أشياء.
وجملة ﴿ متاع قليل ﴾ استئناف بياني في صورة جواب عما يجيش بخاطر سائل يسأل عن عدم فلاحهم مع مشاهدة كثير منهم في حالة من الفلاح، فأجيب بأن ذلك متاع، أي نفع موقّت زائل ولهم بعده عذاب أليم.
والآية تحذّر المسلمين من أن يتقوّلوا على الله ما لم يقله بنصّ صريح أو بإيجاد معاننٍ وأوصاف للأفعال قد جَعل لأمثالها أحكاماً، فمن أثبت حلالاً وحراماً بدليل من معاننٍ ترجع إلى مماثلة أفعال تشتمل على تلك المعاني فقد قال بما نصب الله عليه دليلاً.
وقُدم ﴿ لهم ﴾ للاهتمام زيادة في التحذير.
وجيء بلام الاستحقاق للتنبيه على أن العذاب خقّهم لأجل افترائهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجَهالَةِ أنَّها سُوءٌ.
الثّانِي: بِجَهالَةٍ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها سُوءٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالثًا: أنَّهُ الَّذِي يُعَجِّلُ بِالإقْدامِ عَلَيْها ويَعِدُ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ.
﴿ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا ﴾ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ السّالِفِ إذا لَمْ يُصْلِحْ عَمَلَهُ في المُسْتَأْنَفِ لا يَسْتَحِقُّ ولا يَسْتَوْجِبُ الثَّوابَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ﴾ قال: هي البحيرة والسائبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام...
﴾ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له: كذبت.
ويقول: إن الله حرم كذا وأحل كذا، فيقول الله عز وجل له: كذبت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ﴾ الآية.
قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة (١) وقال ابن عباس: يعني قولهم: ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ﴾ ، وذكر وجهين آخرين في انتصاب الكذب؛ أحدهما: أن نصبه على نفي الخافض (٧) (٨) (٩) وما قومي بِثَعْلَبةَ بنِ بَكْرٍ ...
ولا بفَزَارة الشُّعْرِ الرِّقابَا (١٠) انتصب الرقاب على معنى التفسير هذا كلامه (١١) ﴿ هَذَا ﴾ و ﴿ وَهَذَا ﴾ إلى ما كانوا يحلونه ويحرمونه.
وقوله تعالى: ﴿ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ ، وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم إلى الله تعالى، ويقولون إنه أمَرَنا بذلك، وقوله: ﴿ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ بدل من قوله: ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ ﴾ ؛ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله، ففسر ذلك الوصف والكذب بالافتراء على الله، ثم أوعد المفترين، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ .
(١) "تفسير مجاهد" ص 354، بنصه، أخرجه الطبري 14/ 189 بنصه من طريقين، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 110، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 140، و"الدر المنثور" 4/ 252، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 2/ 165ب، والبغوي 5/ 49 - 5/ 50.
(٢) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 140.
(٣) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 608، بنصه.
(٤) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 131، وأبي حيان 5/ 545، و"الدر المصون" 7/ 297، و"تفسير الألوسي" 14/ 247.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222، بنصه.
(٦) انظر.
"تفسير ابن الجوزي" 4/ 502، بنحوه عن ابن الأنباري.
(٧) أي لما تصف ألسنتكم من الكذب.
"تفسير القرطبي" 10/ 196.
(٨) أي التمييز.
انظر: "المعجم المفصل في النحو العربي" 1/ 365.
(٩) هو الحارث بن ظالم (جاهلي).
(١٠) ورد في "الكتاب" 1/ 201، و"البيان والتبيين" 4/ 1008، و"المقتضب" 4/ 161، و"الأغاني" 11/ 123، و"الإنصاف" 109، 110، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 398، و"شرح المفصل" 6/ 89، وفي بعض المصادر برواية: (الشُّعْرى رِقابا)، وفي جميع المصادر -ما عدا الإنصاف- (سعد) بدل (بكر)، قال في الانتصاف من الإنصاف: والمحفوظ (بثعلبة بن سعد)، وكذلك هو في نسب ثعلبة؛ فإنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان، وفزارة هو ابن ذبيان أخو سعد بن ذبيان أبي ثعلبة، والشاعر في هذا البيت ينتفي من بني سعد بن ذبيان.
(الشُّعْر): جمع أشعر، والشعرى مؤنث الأشعر، والأشعر: الكثير شعر القفا ومقدم الرأس، فهذا عندهم مما يتشاءم به، ويحمدون النّزع، وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس.
والشاهد: أنه نصب الرقابا بقوله: (الشُّعْر) جمع أشعر، وهو هنا صفة مشبهة.
(١١) ذكر الواحدي أن صاحب النظم ذكر وجهين آخرين للنصب ولم يذكر إلا وجهًا واحدًا، وذكر السمين أربعة أوجه للنصب.
انظر: "الدر المصون" 7/ 297.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ إن المراد بالقرية مكة، فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم والعذاب الذي أخذهم القحط وغيره، وإن كانت القرية غير معينة، فالرسول من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، والعذاب ما أصابهم من الهلاك ﴿ فَكُلُواْ ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ ﴾ هذه الآية مخاطبة للعرب الذين احلوا أشياء وحرموا أشياء كالبحيرة وغيرها مما ذكر في سورة المائدة والنعام، ثم يدخل فيها كل من قال: بدل من الكذب وما في قوله بما تصف موصولة ويجز أن ينتصب الكذب بقوله تصف وتكون ما على هذا مصدرية ويكون قوله هذا حلال وهذا حرام معمول لا تقولوا ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ يعني عيشهم في الدنيا أو انتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.
ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.
﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.
﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.
﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".
الآخرون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد .
قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.
﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.
قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.
ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه أخبر بتبديل مكان الآية.
وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.
﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".
والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.
وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.
﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.
﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.
ثم حكى شبهة أخرى عنهم.
كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.
واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.
وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.
وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.
وقيل: هو سلمان الفارسي.
ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.
قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.
ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.
وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.
ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ .
وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.
وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.
ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.
وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.
وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.
فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.
قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.
زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.
ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.
روي أن النبي قيل له: هل يكذب المؤمن؟
قال: لا.
وقرأ هذه الآية.
ثم إنه من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.
واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .
وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.
وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.
وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.
قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.
فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.
وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.
فأتى عمار رسول الله وهو يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه وقال : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.
وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.
وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.
أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.
وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.
ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.
فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.
ومنهم من قال: ليس له ذلك.
واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.
ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.
وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.
ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.
ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.
وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.
ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.
والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.
قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.
وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.
ولكن من شرح بالكفر صدره.
فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.
قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.
وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.
وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.
﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.
ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".
وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.
ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.
قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.
ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.
ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.
وتكرير "إن" لطول الكلام.
من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.
ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.
وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.
فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.
وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.
ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.
والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.
فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.
قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.
وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا ﴾ ﴿ ما كنا مشركين ﴾ ونحو ذلك.
عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل يفعل ذلك.
ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.
قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.
فوصف الله تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.
ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.
قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.
قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.
وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".
قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.
وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.
عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.
نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟
قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً؟
كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.
والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.
فكانت الاستعارة مجردة.
ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.
وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.
وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.
ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.
وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.
قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.
قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.
وقيل: القتل يوم بدر.
وقيل: إن قول ابن عباس أولى.
والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.
﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.
فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.
وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟
وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .
ورجح قول ابن عباس بأنه قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.
وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.
ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.
وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".
واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.
والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.
ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.
وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.
والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.
ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ .
ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.
وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.
﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.
ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.
وكان رسول الله يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.
وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.
وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.
وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.
وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.
﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.
يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله حببه إلى أهل الأديان كلها.
وقيل: الأموال والأولاد.
وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".
﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ .
قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.
قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟
فأجاب الله بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.
فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.
ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.
وروى أبو هريرة عن النبي : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.
والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.
وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.
ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.
سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.
واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.
فما وجه جعل الجمعة عيداً؟
والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.
ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.
ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.
وفيه أن طريقة إبراهيم في الدعوة كانت هكذا.
وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.
فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.
وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.
وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.
وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.
فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.
هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.
وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.
ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.
أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.
ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.
والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.
فوقف رسول الله على حمزة وقد مثل به.
وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.
قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.
ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.
ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ﴾ أمر الله أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.
وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.
وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.
ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.
﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.
فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.
ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.
وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.
وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.
وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.
وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.
ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.
فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.
وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.
واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.
فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.
﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.
﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.
قال النبي : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .
﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.
﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.
﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم ".
﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.
﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.
﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.
﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.
﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.
﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.
قوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ﴾ .
اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها: قال بعضهم: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم.
وقال بعضهم: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل المدينة؛ لئلا يكذبوا محمداً كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .
قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان.
ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: كفرت بالشكر لأنعم الله، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله - - وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ﴾ .
اللّباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباساً؛ لما ستر وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الّذي كان قبل الجوع؛ لأن الجوع إذا اشتد غيّر وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة.
والخوف [ما] ذكر أنه بعث رسول الله إليهم؛ ألا ترى أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرَينِ" ، وقيل: الخوف: القتل.
وقوله: ﴿ رَغَداً ﴾ .
قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالاً أو عيشاً من غير عناء وكدّ.
وقال القتبي: رغداً، أي كثيراً واسعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: من أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه، كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
بالتكذيب؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه، أو ظالمون على أنفسهم.
أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم يظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق، ويعرف ذلك من جوهرهم، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ .
قال بعضهم: الحلال والطيب: واحد، وهو الحلال، كأنه قال: كلوا ما أحل لكم؛ كقوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ما حل لكم.
وقال بعضهم: ﴿ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ ، أي: حلالاً يطيب لكم ما تلذّذون به؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا تستطيب؛ بل تكره، وقوله: تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به، لا ما تستخبث [به]؛ لأنّ الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : لا تبعةَ عليكم.
وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختارُهُ؛ حيث شرط فيه الحلال.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .
الشكر له عليهم لازم، وإن لم تعبدوا؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين، أو يقول: وجّهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة، أي: افعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ ﴾ .
أي: حرم أكل الميتة وما ذكر؛ كأنه قال هذا، وذكر على أثر تحريمهم أشياء أحل لهم - لحوماً حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم: من الزرع والأنعام، والبحيرة والسّائبة، وما ذكر؛ فقال: لم يحرم ذاك؛ ولكن إنما حرّم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وأمّا على الابتداء فإنه يبعد، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ .
إلى ما ذكر من المحرمات.
﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ .
على ما نهى عنه، وهو الشبع؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ .
﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ .
إليه.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يستحله في دينه؛ فلا عاد ولا متعدٍّ في أكله.
وقال بعضهم: غير باغ: على المسلمين مفارق بجماعتهم مُشَاقٍّ لهم، ولا عاد: عليهم؛ يستفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم.
وأمّا تأويله عندنا: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ : متعد ومتجاوز اضطراره، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس: غير باغ على الناس ولا متعد عليهم؛ لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار؛ لأنه لا يقدر عليه والحال ما ذكر.
والثاني: أنه - وإن كان باغياً على ما ذكروا - لم يبح له التناول من الميتة؛ يكون باغياً على نفسه؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه؛ فيصير باغياً على نفسه فدلّ أنّه على ما ذكرنا.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ﴾ يحتمل: أي: لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام.
وعن ابن عباس - - قال: لا تقولوا لما أحللتموه: هذا حلال، ولما حرمتموه: هذا حرام، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59].
وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله وهذا مما حرمه الله؛ إلا بإذن من الله، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
أي: تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا.
فإن قيل: كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالاً، والحلال - حراماً؟
قيل: لأن التحليل والتحريم؛ والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئاً أحله الله، أو أحلوا شيئاً حرّمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله - - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على الله؛ لأن من أحلّ شيئاً حرمه الله، أو حرم شيئاً أحلّه الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ إنما يصير آثماً مجرماً، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
في تحليل ما حرم عليهم، وفي تحريم ما أحله، وقوْلهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ .
أي: لا يفلحون وهم مفترون على الله، وأمّا إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا أفلحوا، ولا يفلحون في الآخرة؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ .
على الابتداء؛ وإنما سمّى قليلاً - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع؛ فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل، كما قيل لكلّ آتٍ: قريبٌ؛ لما يأتي لا محالة؛ فعلى ذلك كل زائِل منقطع - قليلٌ.
والثاني: سمي قليلاً؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائِد؛ فهو قليل في الحقيقة، أو أنّه سمّاه قليلاً؛ لما أن متاع الدنيا قليل عما وعَدَ في الآخرة؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل؛ لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .
وهو ما قصّ في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ...
﴾ الآية [النساء: 160].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ .
بتحريم ما حرمنا عليهم؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم، وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ وهو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك؛ بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ ؛ لأنهم عبيده وإماؤه؛ ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة، وبتحليل ثانياً، ولكن ظلموا أنفسهم؛ حيث وجهوها إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .
أي: عمل السوء بجهالة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل؛ يقال لمن عمل السوء: يا جاهل يا سفيه.
والثاني: جهل ما يحل به بعمله السوء.
ثم [قوله] ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ...
﴾ إلى آخره، يمكن أن يكون في الآية إضمار لم يذكر؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ ﴾ ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذُكر له جواب، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ ﴿ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
فظاهر الجواب أن يقول: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...
﴾ الآية [النحل: 110]؛ لكن يخرج على الإضمار، أو على التكرار: على إرادة التأكيد، أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هذا - والله أعلم - جوابه، أي: إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم، فهمُوا قبل أن يعمل السوء، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا تقولوا -أيها المشركون- لما تصفه ألسنتكم من الكذب على الله: هذا الشيء حلال، وهذا الشيء حرام؛ بقصد أن تختلقوا على الله الكذب بتحريم ما لم يحرم، أو تحليل ما لم يحلل، إن الذين يختلقون على الله الكذب لا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مرهوب.
<div class="verse-tafsir" id="91.kk5ed"