الآية ١٢٥ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢٥ من سورة النحل

ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ١٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٥ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الخلق إلى الله ) بالحكمة ) قال ابن جرير : وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة ( والموعظة الحسنة ) أي : بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها ؛ ليحذروا بأس الله تعالى .

وقوله : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) أي : من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال ، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب ، كما قال : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) [ العنكبوت : 46 ] فأمره تعالى بلين الجانب ، كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - حين بعثهما إلى فرعون فقال : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) [ طه : 44 ] .

وقوله : ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) أي : قد علم الشقي منهم والسعيد ، وكتب ذلك عنده وفرغ منه ، فادعهم إلى الله ، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات ، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير ، عليك البلاغ ، وعلينا الحساب ، ( إنك لا تهدي من أحببت ) [ القصص : 56 ] و ( ليس عليك هداهم ) [ البقرة : 272 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( ادْعُ ) يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته ( إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ) يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ( بِالْحِكْمَةِ ) يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينـزله عليك ( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه ، وذكّرهم بها في تنـزيله، كالتي عدّد عليهم في هذه السورة من حججه ، وذكّرهم فيها ما ذكرهم من آلائه ( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أعرض عن أذاهم إياك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره من خلقه، وحادّ الله، وهو أعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومَحَجة الحقّ، وهو مُجازٍ جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين[ ص: 182 ] فيه مسألة واحدة - هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش ، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف ، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين ، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين .

وقد قيل : إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح { بِالْحِكْمَةِ } أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده.

ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.

إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به.

وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان [المدعو] يرى أن ما هو عليه حق.

أو كان داعيه إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا.

ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها.

وقوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } علم السبب الذي أداه إلى الضلال، وعلم أعماله المترتبة على ضلالته وسيجازيه عليها.

{ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } علم أنهم يصلحون للهداية فهداهم ثم منَّ عليهم فاجتباهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) بالقرآن ، ( والموعظة الحسنة ) يعني مواعظ القرآن .

وقيل : الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب .

وقيل : هو القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف .

( وجادلهم بالتي هي أحسن ) وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن ، أي : أعرض عن أذاهم ، ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق ، نسختها آية القتال .

( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ادع» الناس يا محمد «إلى سبيل ربك» دينه «بالحكمة» بالقرآن «والموعظة الحسنة» مواعظه أو القول الرقيق «وجادلهم بالتي» أي بالمجادلة التي «هي أحسن» كالدعاء إلى الله بآياته والدعاء إلى حججه «إن ربك هو أعلم» أي عالم «بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال ونزل لما قتل حمزة ومثِّل به فقال صلى الله عليه وسلم وقد رآه: لأمثلن بسبعين منهم مكانك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ادعُ -أيها الرسول- أنت ومَنِ اتبعك إلى دين ربك وطريقه المستقيم، بالطريقة الحكيمة التي أوحاها الله إليك في الكتاب والسنة، وخاطِب الناس بالأسلوب المناسب لهم، وانصح لهم نصحًا حسنًا، يرغبهم في الخير، وينفرهم من الشر، وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين.

فما عليك إلا البلاغ، وقد بلَّغْتَ، أما هدايتهم فعلى الله وحده، فهو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والخطاب فى قوله - تعالى - ( ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة ) للرسول صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه كل مسلم يصلح للدعوة إلى الله - عز وجل - .أى : ادع - أيها الرسول الكريم - الناس إلى سبيل ربك أى : إلى دين ربك وشريعته التى هى شريعة الإِسلام ( بالحكمة ) أى : بالقول المحكم الصحيح الموضح للحق ، المزيل للباطل ، الواقع فى النفس أجمل موقع .وحذف - سبحانه - مفعول الفعل ( ادع ) للدلالة على التعميم ، أى ، ادع كل من هو أهل للدعوة إلى سبيل ربك .وأضاف - سبحانه - السبيل إليه .

للإِشارة إلى أنه الطريق الحق ، الذى من سار فيه سعد وفاز ، ومن انحرف عنه شقى وخسر .وقوله - تعالى - : ( والموعظة الحسنة ) وسيلة ثانية للدعوة إلى الله - تعالى - أى : وادعهم - أيضا - إلى سبيل ربك بالأقوال المشتملة على العظات والعبر التى ترقق القلوب ، وتهذب النفوس ، وتقنعهم بصحة ما تدعوهم إليه ، وترغبهم فى الطاعة لله - تعالى - وترهبهم من معصيته - عز وجل - وقوله - تعالى - : ( وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ) بيان لوسيلة ثالثة من وسائل الدعوة السليمة .أى : وجادل المعاند منهم بالطريقة التى هى أحسن الطرق وأجملها ، بأن تكون مجادلتك لهم مبنية على حسن الإِقناع ، وعلى الرفق واللين وسعة الصدر فإن ذلك أبلغ فى إطفاء نار غضبهم ، وفى التقليل من عنادهم ، وفى إصلاح شأن أنفسهم ، وفى إيمانهم بأنك إنما تريد من وراء مجادلتهم ، الوصول إلى الحق دون أى شئ سواه .وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت أقوم طرق الدعوة إلى الله - تعالى - وعينت أحكم وسائلها ، وأنجعها فى هداية النفوس .إنها تأمر الدعاة فى كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل الله لا إلى سبيل غيره : إلى طريق الحق لا طريق الباطل ، وإنها تأمرهم - أيضا - أن يراعوا فى دعوتهم أحوال الناس ، وطباعهم ، وسعة مداركهم ، وظروف حياتهم ، وتفاوت ثقافاتهم .وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذى تسعه عقولهم ، وبالأسلوب الذى يؤثر فى نفوسهم ، وبالطريقة التى ترضى قلوبهم وعواطفهم .فمن لم يقنعه القول المحكم ، قد تقنعه الموعظة الحسنة ، ومن لم تقنعه الموعظة الحسنة .

قد يقنعه الجدال بالتى هى أحسن .ولذلك كان من الواجب على الدعاة إلى الحق ، أن يتزودوا بجانب ثقافتهم الدينية الأصيلة الواسعة - بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ ، وطبائع الأفراد والأمم .

.

فإنه ليس شئ أنجع فى الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم ، وتغذية هذه الطبائع والميول بما يشبعها من الزاد النافع ، وبما يجعلها تقبل على فعل الخير ، وتدبر عن فعل الشر .وكما أن أمراض الأجسام مختلة ، ووسائل علاجها مختلفة - أيضا - ، فكذلك أمراض النفوس متنوعة ، ووسائل علاجها متباينة .فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة : ومنهم من يكون علاجه بالعبارة الرقيقة الرفيقة التى تهز المشاعر ، وتثير الوجدان ، ومنهم من يكون علاجه بالمحاورة والمناقشة والمناظرة والمجادلة بالتى هى أحسن ، لأن النفس الإِنسانية لها كبرياؤها وعنادها ، وقلما تتراجع عن الرأى الذى آمنت به .

إلا بالمجادلة بالتى هى أحسن .

والحق : أن الدعاة إلى الله - تعالى - إذا فقهوا هذه الحقائق فتسلحوا بسلاح الإِيمان والعلم ، وأخلصوا لله - تعالى - القول والعمل ، وفطنوا إلى أنجع الأساليب فى الدعوة إلى الله ، وخاطبوا الناس على قدر عقولهم واستعدادهم .

.

نجحوا فى دعوتهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .قال الآلوسى : وإنما تفاوتت طرق دعوته صلى الله عليه وسلم لتفاوت مراتب الناس ، فمنهم خواص ، وهم أصحاب نفوس مشرقة ، قوية الاستعداد لإِدراك المعانى ، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ، وهؤلاء يدعون بالحكمة .ومنهم عوام ، أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد ، شديدة الإِلف بالمحسوسات ، قوية التعلق بالرسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان ، لكن لا عناد عندهم ، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة .ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق ، لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ، ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر ، بل لابد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال ، لتلين عريكته ، وتزول شكيمته ، وهؤلاء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتى هى أحسن .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين ) بيان لكمال علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شئ ، وإرشاد للدعاة فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى أن عليهم أن يدعوا الناس بالطريقة التى بينها - سبحانه - لهم ، ثم يتركوا النتائج له - تعالى - يسيرها كيف يشاء .والظاهر أن صيغة التفضيل ( أعلم ) فى هذه الآية وأمثالها ، المراد بها مطلق الوصف لا المفاضلة ، لأن الله - تعالى - لايشاركه أحد فى علم أحوال خلقه ، من شقاوة وسعادة ، وهداية وضلال .والمعنى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده العليم بمن ضل من خلقه عن صراطه المستقيم ، وهو وحده العليم بالمهتدين منهم إلى السبيل الحق وسيجازى كل فريق منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب .وما دام الأمر كذلك ، فعليك - أيها الرسول الكريم - أن تسلك فى دعوتك إلى سبيل ربك ، الطرق التى أرشدك إليها ، من الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتى هى أحسن ، ومن كان فيه خير - كما يقول صاحب الكشاف - كفاه الوعظ القليل ، والنصيحة اليسيرة ، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل ، وكأنك تضرب منه فى حديد بارد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بإتباع إبراهيم عليه السلام، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، فقال: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة ﴾ .

واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقاً متغايرة متباينة، وما رأيت للمفسرين فيه كلاماً ملخصاً مضبوطاً.

واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لابد وأن تكون مبنية على حجة وبينة، والمقصود من ذكر الحجة، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه.

أما القسم الأول: فينقسم أيضاً إلى قسمين: لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض، وإما أن لا تكون كذلك، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل، فظهر بهذا التقسيم إنحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة.

أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى بالحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وهي التي قال الله في صفتها: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ .

وثانيها: الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة.

وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم، وذلك هو الجدل، ثم هذا الجدل على قسمين: القسم الأول: أن يكون دليلاً مركباً من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن.

القسم الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركباً من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول، وذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿ وجادلهم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية.

إذا عرفت هذا فنقول: أهل العلم ثلاث طوائف: الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة، والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام، وهذان القسمان هما الطرفان.

فالأول: هو طرف الكمال، والثاني: طرف النقصان.

وأما القسم الثاني: فهو الواسطة، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة، وأدناها المجادلة، وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون، وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة والغلبة، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة، فقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ ﴾ معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل.

ومن لطائف هذه الآية أنه قال: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهاً على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم.

واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها، فظهر أن هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين ﴾ والمعنى: أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين، والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية، فبعضها نفوس مشرقة صافية قليلة التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، فلهذا قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق النفوس المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة، كما قال: ﴿ فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إلى سَبِيلِ رَبّكَ ﴾ إلى الإسلام ﴿ بالحكمة ﴾ بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها.

ويجوزأن يريد القرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف ﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد بارد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ادْعُ ﴾ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ.

﴿ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ إلى الإسْلامِ.

﴿ بِالحِكْمَةِ ﴾ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ، وهو الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيحُ لِلشُّبْهَةِ.

﴿ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ الخِطاباتِ المُقْنِعَةِ والعِبَرِ النّافِعَةِ، فالأُولى لِدَعْوَةِ خَواصِّ الأُمَّةِ الطّالِبِينَ لِلْحَقائِقِ والثّانِيَةُ لِدَعْوَةِ عَوامِّهِمْ.

﴿ وَجادِلْهُمْ ﴾ وجادِلْ مُعانَدِيهِمْ.

﴿ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ وإيثارِ الوَجْهِ الأيْسَرِ، والمُقَدَّماتِ الَّتِي هي أشْهَرُ فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ في تَسْكِينِ لَهَبِهِمْ وتَبْيِينِ شَغَبِهِمْ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ أيْ إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ والدَّعْوَةُ، وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ والضَّلالِ والمُجازاةُ عَلَيْهِما فَلا إلَيْكَ بَلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ وهو المُجازِي لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ} إلى الإسلام {بِالْحِكْمَةِ} بالمقالة الصحيحة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة {وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها أو

بالقرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة والحكمة المعرفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة {وَجَادِلُهُم بِالِّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة أو بما يوقظ القلوب ويعظ النفوس ويجلو العقول وهو رد على من يأبى المناظرة في الدين {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سبيله وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ادْعُ ﴾ أيْ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَّةِ قاطِبَةً فَحُذِفَ المَفْعُولُ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ افْعَلِ الدَّعْوَةَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ إشْعارًا بِأنَّ عُمُومَ الدَّعْوَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المَقْصُودُ الأمْرُ بِإيجادِها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجادِلْهُمْ ﴾ .

﴿ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ إلى الإسْلامِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ تارَةً بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وأُخْرى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ  ما لا يَخْفى.

﴿ بِالحِكْمَةِ ﴾ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ وهي الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُزِيحَةُ لِلشُّبَهِ وقَرِيبٌ مِن هَذا ما في البَحْرِ أنَّها الكَلامُ الصَّوابُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ ﴿ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ وهي الخِطاباتُ المُقْنِعَةُ والعِبَرُ النّافِعَةُ الَّتِي لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهم بِها ﴿ وجادِلْهُمْ ﴾ ناظِرْ مُعانَدِيهِمْ ﴿ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ واخْتِيارُ الوَجْهِ الأيْسَرِ واسْتِعْمالُ المُقَدِّماتِ المَشْهُورَةِ تَسْكِينًا لِشَغَبِهِمْ وإطْفاءً لِلَهَبِهِمْ كَما فَعَلَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

واسْتَدَلَّ- كَما قِيلَ- أرْبابُ المَعْقُولِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الدَّعْوَةِ مِن بَيْنِ الصِّناعاتِ الخَمْسِ إنَّما هو البُرْهانُ والخَطابَةُ والجَدَلُ حَيْثُ اقْتَصَرَ في الآيَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْها، وإنَّما تَفاوَتَتْ طُرُقُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ النّاسِ، فَمِنهم خَواصٌّ وهم أصْحابُ نُفُوسٍ مُشْرِقَةٍ قَوِيَّةِ الِاسْتِعْدادِ لِإدْراكِ المَعانِي قَوِيَّةِ الِانْجِذابِ إلى المَبادِئِ العالِيَةِ مائِلَةٍ إلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِ وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالحِكْمَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ.

ومِنهم عَوامٌّ أصْحابُ نُفُوسٍ كَدِرَةٍ ضَعِيفَةِ الِاسْتِعْدادِ شَدِيدَةِ الإلْفِ بِالمَحْسُوساتِ قَوِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالرُّسُومِ والعاداتِ قاصِرَةٍ عَنْ دَرَجَةِ البُرْهانِ لَكِنْ لا عِنادَ عِنْدَهم وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ.

ومِنهم مَن يُعانِدُ ويُجادِلُ بِالباطِلِ لِيُدْحِضَ بِهِ الحَقَّ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن تَقْلِيدِ الأسْلافِ ورَسَخَ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ فَصارَ بِحَيْثُ لا تَنْفَعُهُ المَواعِظُ والعِبَرُ بَلْ لا بُدَّ مِن إلْقامِهِ الحَجَرَ بِأحْسَنِ طُرُقِ الجِدالِ لِتَلِينَ عَرِيكَتُهُ وتَزُولَ شَكِيمَتُهُ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرَ  بِجِدالِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وإنَّما لَمْ تُعْتَبَرِ المُغالَطَةُ والشِّعْرُ لِأنَّ فائِدَةَ المُغالَطَةِ تَغْلِيطُ الخَصْمِ والِاحْتِرازُ عَنْ تَغْلِيطِهِ إيّاهُ ومَرْتَبَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُنافِي أنْ يَغْلَطَ وتَتَعالى أنْ يَغْلَطَ، والشِّعْرُ وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلْخَواصِّ والعَوّامِ فَإنَّ النّاسَ في بابِ الإقْدامِ والإحْجامِ أطْوَعُ لِلتَّخْيِيلِ مِنهم لِلتَّصْدِيقِ إلّا أنَّ مَدارَهُ عَلى الكَذِبِ ومِن ثَمَّةَ قِيلَ: الشِّعْرُ أكْذَبُهُ أعْذَبُهُ فَلا يَلِيقُ بِالصّادِقِ المَصْدُوقِ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ لا يُقالُ: الشِّعْرُ الَّذِي هو أحَدُ الصِّناعاتِ قِياسٌ مُؤَلَّفٍ مِن مُقَدِّماتٍ مُخَيَّلَةٍ والشِّعْرُ الَّذِي مَدارُهُ عَلى الكَذِبِ وهو الكَلامُ المَوْزُونُ المُقَفّى وهو الَّذِي نَفى تَعْلِيمَهُ عَنْهُ  لِما قِيلَ: كَوْنُ الشِّعْرِ مَذْمُومًا لَيْسَ لِكَوْنِهِ كَلامًا مَوْزُونًا مُقَفًّى بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى تَخَيُّلاتٍ كاذِبَةٍ فَهُما مِن وادٍ واحِدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ فِيها إشارَةً إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ إلّا أنَّهُ خالَفَ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، فَفي الكَشْفِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ في الدَّعْوَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ فَيَكُونُ الكَلامُ في نَفْسِهِ حَسَنَ التَّأْلِيفِ مُنْتِجًا لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الغَرَضِ ومَعَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِهِ المُناصَحَةُ لِمَن خُوطِبَ بِهِ ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ حَسَنَ الخُلُقِ في ذَلِكَ مُعَلِّمًا ناصِحًا شَفِيقًا رَفِيقًا ما نَصُّهُ: والأحْسَنُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلدَّعْوَةِ حَسَبَ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ في الفَهْمِ والِاسْتِعْدادِ، فَمَن دَعى بِلِسانِ الحِكْمَةِ لِيُفادَ اليَقِينُ العِيانِيُّ أوِ البُرْهانِيُّ هُمُ السّابِقُونَ، ومَن دَعى بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الإقْناعاتُ الحِكَمِيَّةُ لا الخِطاباتُ المَشْهُورَةُ طائِفَةٌ دُونَ هَؤُلاءِ، ومَن دَعى بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ هم عُمُومُ أهْلِ الإسْلامِ والكُفّارُ أيْضًا اه، ولا أرى ما يُوجِبُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الخِطاباتِ المَشْهُورَةَ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَقْبُولَةٍ مِن شَخْصٍ مُعْتَقِدٍ فِيهِ ولا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِعْمالُ الظَّنِّيّاتِ أوْ أخْذُ كَلامِ الغَيْرِ والدَّعْوَةُ بِهِ هو المُوجِبُ لِذَلِكَ لا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ.

وذَكَرَ الإحْسائِيُّ رَئِيسُ الفِرْقَةِ الطّاهِرَةِ في زَمانِنا المُسَمّاةِ بِالكَشْفِيَّةِ في كِتابِهِ شَرْحِ الفَوائِدِ ما مُحَصِّلُهُ أنَّ المَدْعُوِّينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ، وكَذا الأدِلَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ فَإنْ كانُوا مِنَ الحُكَماءِ العُقَلاءِ والعُلَماءِ النُّبَلاءِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم مَن مَعْرِفَتِهِ بِدَلِيلِ الحِكْمَةِ وهو الدَّلِيلُ الذَّوْقِيُّ العِيانِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالمُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُعايَنَةِ كَقَوْلِنا في رَدِّ مَن زَعَمَ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ كانَتْ كامِنَةً في ذاتِهِ تَعالى بِنَحْوٍ أشْرَفَ ثُمَّ أفاضَها إنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ قَبْلَ الإفاضَةِ حالٌ مُغايِرٌ لِما بَعْدَها سَواءٌ كانَ التَّغَيُّرُ في نَفْسِ الذّاتِ أوْ فِيما هو في الذّاتِ فَإنْ حَصَلَ التَّغَيُّرُ في الذّاتِ لَزِمَ حُدُوثُها وإنْ حَصَلَ فِيما هو في الذّاتِ- أعْنِي حَقائِقَ الأشْياءِ الكامِنَةِ- لَزِمَ أنْ تَكُونَ الذّاتُ مَحَلًّا لِلْمُتَغَيِّرِ المُخْتَلِفِ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حُدُوثُها.

وكَقَوْلِنا في إثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ أظْهَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: إنَّ كُلَّ أثَرٍ يُشابِهُ صِفَةً مُؤَثِّرَةً وأنَّهُ قائِمٌ بِفِعْلِهِ قِيامَ صُدُورٍ كالأشِعَّةِ بِالنَّيِّراتِ والكَلامِ بِالمُتَكَلِّمِ، فالأشْياءُ هي ظُهُورُ الواجِبِ بِها لَها لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَظْهَرُ بِذاتِهِ وإلّا لاخْتَلَفَتْ حالَتاهُ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ أشَدَّ ظُهُورًا مِنَ الظّاهِرِ في ظُهُورِهِ لِأنَّ الظّاهِرَ أظْهَرُ مِن ظُهُورِهِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِظُهُورِهِ مِثْلَ القِيامِ فَإنَّ القائِمَ أظْهَرُ في القِيامِ مِنَ القِيامِ والقاعِدَ أظْهَرُ في القُعُودِ مِنَ القُعُودِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِما إلّا بِالقِيامِ والقُعُودِ فَتَقُولُ: يا قائِمُ ويا قاعِدُ، والمَعْنى لَكَ إنَّما هو القائِمُ والقاعِدُ لا القِيامُ والقُعُودُ لِأنَّهُ بِظُهُورِهِ لَكَ بِذَلِكَ غَيْبٌ عَلَيْكَ مُشاهَدَتُهُ وإنِ التَفَتَ إلَيْهِ احْتَجَبَ عَنْكَ القائِمُ والقاعِدُ، وهو آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ كالتَّوْحِيدِ وما يَلْحَقُ بِهِ، ومُسْتَنَدُهُ الفُؤادُ وهو نُورُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ  : ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»» والنَّقْلُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وشَرْطُهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَتْحُ بابِ النُّورِ ثَلاثَةُ أشْياءَ.

أحَدُها أنْ تُنْصِفَ رَبَّكَ وتَقْبَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ولا تَتَّبِعَ شَهْوَةَ نَفْسِكَ.

وثانِيها أنْ تَقِفَ عِنْدَ بَيانِكَ وتَبَيُّنِكَ وتَبْيِينِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ﴾ وثالِثُها أنْ تَنْظُرَ في تِلْكَ الأحْوالِ أعْنِي البَيانَ وما بَعْدَهُ بِعَيْنِهِ تَعالى وهي العَيْنُ الَّتِي هي وصْفُ نَفْسِهِ لَكَ أعْنِي وجُودَكَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ أثَرًا ونُورًا لا بِعَيْنِكَ الَّتِي هي أنْتَ مِن حَيْثُ- إنَّكَ أنْتَ- أنْتَ فَإنَّكَ لا تَعْرِفُ بِهَذِهِ العَيْنِ إلّا الحادِثاتِ المُحْتاجَةَ الفانِيَةَ.

وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ ذَوِي الألْبابِ وأرْبابِ القُلُوبِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الحَقِيقِيِّ في اعْتِقاداتِهِمْ بِدَلِيلِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ اليَقِينِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ اليَقِينُ في الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ وبِغَيْرِهِ مِمّا أمَرَهم بِالإيمانِ بِهِ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الطَّرِيقَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وعِلْمِ اليَقِينِ والتَّقْوى، وهَذِهِ العُلُومُ وإنْ كانَتْ قَدْ تُسْتَفادُ مِن غَيْرِهِ ولَكِنْ بِدُونِ مُلاحَظَتِهِ لا يُوقَفُ عَلى اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ الَّذِي هو أصْلُ عِلْمِ الأخْلاقِ، ومُسْتَنَدُهُ القَلْبُ والنَّقْلُ، وشَرْطُ صِحَّتِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ اتِّصافُ عَقْلِكَ بِهِ بِأنْ تَلْزَمَ ما ألْزَمَكَ بِهِ ولا تَظْلِمَهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللَّهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ أصْحابِ الرُّسُومِ كالمُتَكَلِّمِينَ ونَظائِرِهِمْ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الرَّسْمِيِّ بِمُقْتَضى طَبِيعَتِهِمُ القاصِرَةِ بِدَلِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهي الدَّلِيلُ العِلْمِيُّ القَطْعِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ فِيما ذَكَرَ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، ومُسْتَنَدُهُ العِلْمُ والنَّقْلُ، وشَرْطُهُ إنْصافُ الخَصْمِ بِأنْ يُقِيمَهُ عَلى النَّحْوِ المُقَرَّرِ في عِلْمِ المِيزانِ، وقَدْ ذَكَرَهُ العُلَماءُ في كُتُبِهِمُ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعِيَّةِ بَلْ لا يَكادُ يُسْمَعُ مِنهم غَيْرُ هَذا الدَّلِيلِ وهو مَحِلُّ المُناقِشاتِ والمُعارَضاتِ، وأمّا الدَّلِيلانِ الأوَّلانِ فَلَيْسَ فِيهِما مُناقَشَةٌ ولا مُعارَضَةٌ فَإذا اعْتَرَضَ عَلَيْهِما مُعْتَرِضٌ فَقَدِ اعْتَرَضَ فِيهِما بِغَيْرِهِما اه.

المُرادُ مِنهُ وهو كَما تَرى، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِتَعْلَمَ حالَ المَرْءُوسِ مِن حالِ الرَّئِيسِ، ولَقَدْ رَأيْتُ مَشايِخَ هَذِهِ الطّائِفَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِما هو كَشَوْكِ القَنافِذِ ويَحْسُبُونَهُ كَرِيشِ الطَّواوِيسِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ القُرْآنُ المَجِيدُ فَإنَّهُ جامِعٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ادْعُ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ أنَّ الحِكْمَةَ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ الحَسَنَةَ بِالإعْراضِ عَنْ أذاهم وادَّعى أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، ولِكَوْنِ الحِكْمَةِ أعْلى الدَّلائِلِ وأشْرافِها والمَدْعُوِّينَ بِهِ الكامِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وقَلِيلٌ ما هم جِيءَ بِها أوَّلًا، ولِكَوْنِ الجَدَلِ أدْنى الدَّلائِلِ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ سِوى إلْزامِ الخَصْمِ وإفْحامِهِ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ النّاقِصِينَ الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ ولَيْسُوا بِصَدَدِ تَحْصِيلِ هاتَيْكَ العُلُومِ ذُكِرَ أخِيرًا، ولِكَوْنِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ دُونَ الحُجَّةِ وفَوْقَ الجَدَلِ والمَدْعُوِّينَ بِها المُتَوَسِّطِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الكَمالِ حَدَّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ ولَمْ يَكُونُوا في النُّقْصانِ بِمَرْتَبَةِ أُولَئِكَ المُشاغِبِينَ وسَطَتْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكَأنَّهُ إنَّما لَمْ يَقُلِ: ادْعُ إلى سَبِيلٍ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والجِدالِ الأحْسَنِ لِما أنَّ الجِدالَ لَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لَها وهو الإلْزامُ والإفْحامُ كَما قالَهُ الإمامُ فَلْيُفْهَمْ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ.

﴿ وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ إلَيْهِ وهو تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الأمْرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ وما عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ والضَّلالِ والمُجازاةِ عَلَيْهِما فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ إذْ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما ما يَسْتَحِقُّهُ كَذا قِيلَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى المُجازاةِ مُسَلَّمَةٌ وأمّا أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى فالآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أصْلًا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا انْحَصَرَ عِلْمُ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ فِيهِ تَعالى عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ عِلْمُهُما فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ حُصُولُهُما فالقَوْلُ بِعَدَمِ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وقِيلَ: المَعْنى اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ فَإنَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ وإزالَةِ عُذْرِ الضّالِّينَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ فَلا تُلِحُّ عَلَيْهِمْ إنْ أبَوْا بَعْدَ الإبْلاغِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ مَثَلًا فَإنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِهِمْ فَمَن كانَ فِيهِ خَيْرٌ كَفَتْهُ النَّصِيحَةُ اليَسِيرَةُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ عَجَزَتْ عَنْهُ الحِيَلُ.

وتَقْدِيمُ الضّالِّينَ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وإيرادُ الضَّلالِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ لِما أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها وإعْراضٌ عَنِ الدَّعْوَةِ وذَلِكَ أمْرٌ عارِضٌ بِخِلافِ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ عَلى الفِطْرَةِ والجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الثَّباتِ، وجُمْلَةُ (هُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكَ) إلَخْ أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ وتَكْرِيرُ (هُوَ أعْلَمُ) لِلتَّأْكِيدِ والإشْعارِ بِتَبايُنِ حالِ المَعْلُومِينَ ومَآلِهِما مِنَ العِقابِ والثَّوابِ وهو في الجُمْلَةِ الأُولى ضَمِيرُ فَصْلٍ لِلتَّخْصِيصِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أوْ لِلتَّقْوِيَةِ كَما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللَّطافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يقول: إنما أمروا في السبت بالقعود عن العمل عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في يوم الجمعة.

وذلك أن موسى  أمرهم أن يتفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوماً واحداً، فيعبدوه ولا يعملوا فيه شيئاً من أمر الدنيا، وستة أيام لصناعتهم ومعايشهم، ويتفرغوا في يوم الجمعة.

فأبوا أن يقبلوا ذلك اليوم، وقالوا: إنَّما نختار السبت، اليوم الذي فرغ الله فيه من أمر الخلق.

فجعل ذلك عليهم، وشدد عليهم، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فاختاروا يوم الأحد.

وقال مجاهد: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في السبت اتَّبعوه، وتركوا الجمعة.

وروى همام عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي  : «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ يوم الجمعة، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، واليهود غداً، والنصارى بعد غد» (١) ثم قال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي: يقضي بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين، فبيّن لهم الحق معاينة.

ثم قال عز وجل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ أي: إلى دين ربك، وإلى طاعة ربك بِالْحِكْمَةِ أي: بالنبوة والقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي: عظهم بالقرآن وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: حاججهم، وناظرهم بالحجة والبيان.

ويقال: باللين.

وفي الآية دليل أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة، إذا قصد بها إظهار الحق.

وهذا مثل قوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46] وقوله: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً [الكهف: 22] .

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي: عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

قوله عز وجل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ قال ابن عباس: «وذلك حين قتل المشركون حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله  يوم أحد ومثلوا به، فقال النبيّ  : «لَئِنْ أمْكَنَنَا اللَّهُ لَنُمَثِّلَنَّ بِالأحْيَاءِ فَضْلاً عَنِ الأمْوَاتِ» .

فنزل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية، وقال محمد بن كعب القرظي: «لما رأى رسول الله  حمزة بالحال التي هو بها حين مثل به، فقال النبي  : «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لأمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ مِنْهُمْ» .

فلما رأى أصحاب رسول الله  ما به من الوجع.

قالوا: لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد (٢) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (876) و (2956) (6624) (7036) ومسلم (855) والنسائي 3/ 85- 87 وأحمد 2/ 243، 249، 273.

(٢) عزاه السيوطي: 5/ 179 إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والقانِتُ «١» : المطيعُ الدائِمُ على العبادَةِ، والحَنِيف: المائلُ إلى الخير والصَّلاح.

/ وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، الآية «الحسنةُ» : لسَانُ الصدق، وإِمامته لجميعِ الخَلْق هذا قول جميع المفسِّرين، وذلك أنَّ كل أمةٍ متشرِّعة، فهي مقرَّة أنَّ إِيمانها إِيمان إِبراهيم، وأنه قُدْوَتُها، وأنه كان على الصواب.

ت: وهذا كلامٌ فيه بعض إِجمالٍ، وقد تقدَّم في غير هذا الموضعِ بيانه، فلا نطوِّل بسَرْده.

وقوله سبحانه: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ...

الآية: الملة: الطريقة في عقائد الشّرع.

وقوله سبحانه: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ...

الآية: أي: لم يكُنْ من ملَّة إِبراهيم، وإِنما جعل اللَّه فرضاً عاقب به القَوْمَ المُخْتَلِفين فيه قاله ابن زَيْد وذلك أن موسى عليه السلام أَمَرَ بَنِي إسرائيل أنْ يجعلوا من الجمعة يوماً مختصًّا بالعبادة، وأمرهم أنْ يكون الجُمُعَةَ، فقال جمهورهم: بلْ يكونُ يَوْمَ السَّبْتِ لأن اللَّه تعالى فَرَغَ فيه من خَلْق مخلوقاته، وقال غيرهم: بَلْ نقبَلُ ما أمَرَ به موسى، فراجَعَهم الجمهورُ، فتابعهم الآخرون، فألزمهم اللَّهُ يَوْمَ السْبتِ إِلزاماً قويًّا، عقوبةً لهم، ثم لم يكُنْ منهم ثبوتٌ، بل عَصَوْا فيه، وتعدَّوْا فأهلكهم «٢» ، وورد في الحديث الصحيح، أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى اختلفوا في اليوم الذي يختصُّ من الجمعة، فأخذ هؤلاء السبْتَ، وأخَذَ هؤلاء الأحدَ، فهدانا اللَّهَ نحْنُ إلى يوم الجمعة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفوا فِيهِ» «٣» فَلَيْسَ الاختلافُ المذكورُ في الآية هو الاختلافَ في هذا الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ مَعَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، وسَنَذْكُرُ هُناكَ السَّبَبَ.

فَأمّا السَّبِيلُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: هو دِينُ الإسْلامِ.

وَفِي المُرادِ بِالحِكْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القُرْآنُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الفِقْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي " المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجادِلْهُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، قالَهُ أبَو صالِحٍ.

والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: جادِلْهم بِالقُرْآنِ.

والثّانِي: بِـ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: جادِلْهم غَيْرَ فَظٍّ ولا غَلِيظٍ، وألِنْ لَهم جانِبَكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ﴾ المَعْنى: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَهو يَأْمُرُكَ فِيهِما بِما فِيهِ الصَّلاحُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ.

وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ.

وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا".

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟

-فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ  في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ ، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ  قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ.

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ .

يتنزل معنى هذه الآية منزلة البيان لقوله: ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123] فإن المراد بما أوحي إليه من اتّباع ملّة إبراهيم هو دين الإسلام، ودين الإسلام مبنيّ على قواعد الحنيفية، فلا جرم كان الرسول بدعوته الناس إلى الإسلام داعياً إلى اتّباع ملّة إبراهيم.

ومخاطبة الله رسوله بهذا الأمر في حين أنه داع إلى الإسلام وموافق لأصول ملّة إبراهيم دليل على أن صيغة الأمر مستعملة في طلب الدّوام على الدعوة الإسلامية مع ما انضمّ إلى ذلك من الهداية إلى طرائق الدعوة إلى الدين.

فتضمّنت هذه الآية تثبيت الرسول على الدعوة وأن لا يؤيسه قول المشركين له ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ [سورة النحل: 101] وقولهم: ﴿ إنما يعلّمه بشر ﴾ [سورة النحل: 103]؛ وأن لا يصدّه عن الدعوة أنه تعالى لا يهدي الذين لا يؤمنون بآيات الله.

ذلك أن المشركين لم يتركوا حيلة يحسبونها تثبّط النبي عن دعوته إلا ألقوا بها إليه من: تصريح بالتكذيب، واستسخار، وتهديد، وبذاءة، واختلاق، وبهتان، كما ذلك محكي في تضاعيف القرآن وفي هذه السورة، لأنهم يجهلون مراتب أهل الاصطفاء ويزنونهم بمعيار موازين نفوسهم، فحسبوا ما يأتونه من الخزعبلات مثبطاً له وموشكاً لأن يصرفه عن دعوتهم.

وسبيل الربّ: طريقهُ.

وهو مجاز لكل عمل من شأنه أن يبلّغ عاملَه إلى رضى الله تعالى، لأن العمل الذي يحصل لعامله غرض ما يُشبهِ الطريقَ الموصل إلى مكان مقصود، فلذلك يستعار اسم السبيل لسبب الشيء.

قال القرطبي: إن هذه الآية نزلت بمكّة في وقت الأمر بمهادنة قريش، أي في مدّة صُلح الحديبية.

وحكى الواحدي عن ابن عباس: أنها نزلت عقِب غزوة أُحد لما أحزن النبي منظرُ المُثلة بحمزة رضي الله عنه وقال: لأقتلنّ مكانه سبعين رجلاً منهم.

وهذا يقتضي أن الآية مدنية.

ولا أحسب ما ذكراه صحيحاً.

ولعلّ الذي غَرّ مَن رواه قوله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ [النحل: 126] كما سيأتي، بل موقع الآية متّصل بما قبله غير محتاج إلى إيجاد سبب نزول.

وإضافة ﴿ سبيل ﴾ إلى ﴿ ربك ﴾ باعتبار أن الله أرشد إليه وأمر بالتزامه.

وهذه الإضافة تجريد للاستعارة.

وصار هذا المركب علماً بالغلبة على دين الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ [سورة الأنفال: 36]، وهو المراد هنا، وفي قوله عقبه ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ [سورة النحل: 125].

ويطلق سبيل الله علماً بالغلبة أيضاً على نصرة الدين بالقتال كما في قوله تعالى: ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ [سورة التوبة: 41].

والباء في قوله: بالحكمة } للملابسة، كالباء في قول العرب للمعرّس: بالرفاء والبنين، بتقدير: أعرست، يدل عليه المقام، وهي إما متعلقة ب ﴿ ادع ﴾ ، أو في موضع الحال من ضمير ﴿ ادع ﴾ .

وحذف مفعول ادع} لقصد التعميم، أو لأن الفعل نزل منزلة اللازم، لأن المقصود الدوام على الدعوة لا بيان المدعوين، لأن ذلك أمر معلوم من حال الدعوة.

ومعنى الملابسة يقتضي أن لا تخلو دعوته إلى سبيل الله عن هاتين الخصلتين: الحكمة، والموعظة الحسنة.

فالحكمة: هي المعرفة المُحكمة، أي الصائبة المجرّدة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم.

ولذلك عرّفوا الحكمة بأنها: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطئ في العلل والأسباب.

وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغيّر.

وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ في سورة البقرة (269) مفصّلاً فانظره.

وتطلق الحكمة على العلوم الحاصلة للأنبياء، ويرادفها الحكم.

والموعظة } : القول الذي يلين نفس المقول له لعمل الخير.

وهي أخصّ من الحكمة لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها.

وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ في سورة النساء (63).

وعند قوله: ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ في سورة الأعراف (145).

ووصفها بالحُسْن تحريض على أن تكون ليّنة مقبولة عند الناس، أي حسنة في جنسها، وإنما تتفاضل الأجناس بتفاضل الصفات المقصودة منها.

وعطف الموعظة} على «الحكمة» لأنها تغاير الحكمة بالعُموم والخصوص الوجهي، فإنه قد يسلك بالموعظة مسلك الإقناع، فمن الموعظة حكمة، ومنها خطابة، ومنها جدل.

وهي من حيث ماهيّتها بينها وبين الحكمة العموم والخصوص من وجه، ولكن المقصود بها ما لا يخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة بقرينة تغيير الأسلوب، إذ لم يعطف مصدر المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال: والمجادلة بالتي هي أحسن، بل جيء بفعلها، تنبيهاً على أن المقصود تقييد الإذن فيها بأن تكون بالتي هي أحسن، كما قال: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ [سورة العنكبوت: 46].

والمجادلة: الاحتجاج لتصويب رأي وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك.

ولما كان ما لقيه النبي من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة أمره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن.

وتقدمت قريباً عند قوله: ﴿ تجادل عن نفسها ﴾ [سورة النحل: 111].

وتقدمت من قبل عند قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة النساء (107).

والمعنى: إذا ألجأتك الدعوة إلى محاجّة المشركين فحاججهم بالتي هي أحسن.

والمفضل عليه المحاجّة الصادرة منهم، فإن المجادلة تقتضي صدور الفعل من الجانبين، فعلم أن المأمور به أن تكون المحاجّة الصادرة منه أشدّ حسناً من المحاجّة الصادرة منهم، كقوله تعالى: ﴿ ادفع بالتي هن أحسن ﴾ [سورة المؤمنون: 96].

ولما كانت المجادلة لا تكون إلا مع المعارضين صرّح في المجادلة بضمير جمع الغائبين المراد منه المشركون، فإن المشركين متفاوتون في كيفيات محاجتهم، فمنهم من يحاجّ بلين، مثل ما في الحديث: أن النبي قرأ القرآن على الوليد بن المغيرة ثم قال له: هل ترى بما أقول بأساً قال: لا والدماء.

وقرأ النبي القرآن على عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول في مجلس قومه، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إن كان ما تقول حقاً فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدّثه إيّاه ومن لم يأتك فلا تغتّه ولا تأته في مجلسه بما يكره منه.

وتصدّي المشركين لمجادلة النبي تكرّر غير مرّة.

ومن ذلك ما روي عن ابن عباس: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ [سورة الأنبياء: 98] الآية، قال عبد الله الزِّبَعْرَى: لأخصُمَنّ محمداً، فجاءه فقال: يا محمد قد عُبد عيسى، وعُبدتتِ الملائكة فهل هم حصب لجهنّم؟

فقال النبي: اقرأ ما بعدُ ﴿ إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ [سورة الأنبياء: 101].

أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والطبراني، وأبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ.

وقُيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة بمثل ذلك لأن الموعظة لما كان المقصود منها غالباً ردع نفس الموعوظ عن أعماله السيئة أو عن توقّع ذلك منه، كانت مظّنة لصدور غلظة من الواعظ ولحصول انكسار في نفس الموعوظ، أرشد الله رسوله أن يتوخّى في الموعظة أن تكون حسنة، أي بِإلانَة القول وترغيب الموعوظ في الخير، قال تعالى خطاباً لموسى وهارون: ﴿ اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى ﴾ [سورة طه: 43] وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال: وعظَنا رسولُ الله موعظة وجِلَت منها القلوب وذَرَفَتْ منها العيون الحديث.

وأما الحكمة فهي تعليم لمتطلبي الكمال من معلّم يهتمّ بتعليم طلابه فلا تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة.

والمجادلة لما كانت محاجة في فعل أو رأي لقصد الإقناع بوجه الحقّ فيه فهي لا تعدو أن تكون من الحكمة أو من الموعظة، ولكنها جعلت قسيماً لهما هنا بالنظر إلى الغرض الداعي إليها.

وإذ قد كانت مجادلة النبي لهم من ذيول الدعوة وُصفت بالتي هي أحسن كما وصفت الموعظة بالحسنة.

وقد كان المشركون يجادلون النبي قصداً لإفحامه، وتمويهاً لتغليطه نبّه الله على أسلوب مجادلة النبي إيّاهم استكمالاً لآداب وسائل الدعوة كلها.

فالضمير في وجادلهم } عائد إلى المشركين بقرينة المقام لظهور أن المسلمين لا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يتلقّون منه تلقّي المستفيد والمسترشد.

وهذا موجب تغيير الأسلوب بالنسبة إلى المجادلة إذ لم يقل: والمجادلةِ الحسنة، بل قال: ﴿ وجادلهم ﴾ ، وقال تعالى أيضاً: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ [سورة العنكبوت: 46].

ويندرج في التي هي أحسن ردّ تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجّه، مثل قوله تعالى ﴿ وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سورة سبأ: 24]، وقوله: ﴿ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ [سورة الحج: 68].

والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة، وأن الرسول إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة.

وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصّة وعامّة.

وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملاً على هذه الأحوال الثلاثة؛ بل قد يكون الكلام حكمة مشتملاً على غِلظة ووعيد وخالياً عن المجادلة.

وقد يكون مجادلة غير موعظة، كقوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.

وكقول النبي إنك لتأكل المِرباع وهو حرام في دينك، قاله لعديّ بن حاتم وهو نصراني قبلَ إسلامه.

ومن الإعجاز العلمي في القرآن أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي الحقّ، وهي البرهان والخطابة والجَدل المعبّر عنها في علم المنطق بالصناعات وهي المقبولة من الصناعات.

وأما السفسطة والشعر فيَرْبَأُ عنهما الحكماء الصادقون بله الأنبياء والمرسلين.

قال فخر الدين: إن الدعوة إلى المذهب والمقالةِ لا بدّ من أن تكون مبنيّة على حُجّة.

والمقصود من ذكر الحجّة إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب السامعين، وإما إلزام الخصم وإفحامُه.

أما القسم الأول فينقسم إلى قسمين لأن تلك الحجّة إما أن تكون حُجّة حقيقية يقينية مبرأة من احتمال النقيض، وإما أن لا تكون كذلك بل تكون مفيدة ظناً ظاهراً وإقناعاً، فظهر انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: أولها: الحجّة المفيدة للعقائد اليقينية وذلك هو المسمّى بالحكمة.

وثانيها: الأمارات الظنّية وهي الموعظة الحسنة.

وثالثها: الدلائل التي القصد منها إفحام الخصم وذلك هو الجَدل.

وهو على قسمين، لأنه: إما أن يكون مركّباً من مقدّمات مسلّمة عند الجمهور وهو الجدل الواقع على الوجه الأحسن، وإما أن يكون مركّباً من مقدّمات باطلة يحاول قائلها ترويجها على المستمعين بالحيل الباطلة.

وهذا لا يليق بأهل الفضل» ا ه.

وهذا هو المدعو في المنطق بالسفسطة، ومنه المقدمات الشعرية وهي سفسطة مزوّقة.

والآية جامعة لأقسام الحجّة الحقّ جمعاً لمواقع أنواعها في طرق الدعوة، ولكن على وجه التّداخل، لا على وجه التباين والتقسيم كما هو مصطلح المنطقيين، فإن الحجج الاصطلاحية عندهم بعضها قسيم لبعض، فالنسبة بينها التبايُن.

أما طرق الدعوة الإسلامية فالنسبة بينها العموم والخصوص المطلق أو الوجهي.

وتفصيله يخرج بنا إلى تطويل، وذهنك في تفكيكها غير كليل.

فإلى الحكمة ترجع صناعة البرهان لأنه يتألف من المقدمات اليقينية وهي حقائق ثابتة تقتضي حصول معرفة الأشياء على ما هي عليه.

وإلى الموعظة ترجع صناعة الخطابة لأن الخطابة تتألف من مقدّمات ظنّية لأنها مراعى فيها ما يغلب عند أهل العقول المعتادة.

وكفى بالمقبولات العادية موعظة.

ومثالها من القرآن قوله تعالى ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا ﴾ [سورة النساء: 22] فقوله: ﴿ ومقتاً ﴾ أشار إلى أنّهم كانوا إذا فعلوه في الجاهلية يُسمونه نكاح المَقت، فأجري عليه هذا الوصف لأنه مُقنع بأنه فاحشة، فهو استدلال خطابي.

وأما الجدل فما يورد في المناظرات والحجاج من الأدّلة المسلّمة بين المتحاجَيْن أو من الأدّلة المشهورة، فأطلق اسم الجدل على الاستدلال الذي يروج في خصوص المجادلة ولا يلتحق بمرتبة الحكمة.

وقد يكون مما يُقبل مثله في الموعظة لو ألقي في غير حال المجادلة.

وسمّاه حكماء الإسلام جدلاً تقريباً للمعنى الذي يطلق عليه في اللغة اليونانية.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين ﴾ .

هذه الجملة تعليل للأمر بالاستمرار على الدّعوة بعد الإعلام بأن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله، وبعد وصف أحوال تكذيبهم وعنادهم.

فلما كان التّحريض بعد ذلك على استدامة الدعوة إلى الدين محتاجاً لبيان الحكمة في ذلك بيّنت الحكمة بأن الله هو أعلم بمصير الناس وليس ذلك لِغير الله من الناس فما عليك إلا البلاغ، أي فلا تيْأس من هدايتهم ولا تتجاوز إلى حدّ الحزن على عدم اهتدائهم لأن العلم بمن يهتدي ومن يضلّ موكول إلى الله وإنما عليك التبليغ في كل حال.

وهذا قول فصل بين فريق الحقّ وفريق الباطل.

وقُدم العلم بمن ضَلّ لأنه المقصود من التعليل لأن دعوتهم أوكد والإرشاد إلى اللّين في جانبهم بالموعظة الحسنة والمجادلة الحسنى أهمّ، ثم أتبع ذلك بالعلم بالمهتدين على وجه التكميل.

وفيه إيماء إلى أنه لا يدري أن يكون بعض من أيس من إيمانه قد شرح الله صدره للإسلام بعد اليأس منه.

وتأكيد الخبر بضمير الفصل للاهتمام به.

وأما ﴿ إنّ ﴾ فهي في مقام التعليل ليست إلا لمجرّد الاهتمام، وهي قائمة مقام فاء التفريع على ما أوضحه عبد القاهر في دلائل الإعجاز؛ فإن إفادتها التأكيد هنا مستغنى عنها بوجود ضمير الفصل في الجملة المفيدة لقصر الصّفة على الموصوف، فإن القصر تأكيد على تأكيد.

وإعادة ضمير الفصل في قوله: ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ للتّنصيص على تقوية هذا الخبر لأنه لو قيل: وأعلمُ بالمهتدين، لاحتمل أن يكون معطوفاً على جملة ﴿ هو أعلم بمن ضل ﴾ على أنه خبر (لإنّ) غيرُ داخل في حيّز التقوية بضمير الفصل، فأعيد ضمير الفصل لدفع هذا الاحتمال.

ولم يقل: وبالمهتدين، تصريحاً بالعلم في جانبهم ليكون صريحاً في تعلّق العلم به.

وهذان القصران إضافيان، أي ربّك أعلم بالضّالين والمهتدين، لا هؤلاء الذين يظنّون أنهم مهتدون وأنكم ضالون.

والتفضيل في قوله: ﴿ هو أعلم ﴾ تفضيل على علم غيره بذلك.

فإنه علم متفاوت بحسب تفاوت العالمين في معرفة الحقائق.

وفي هذا التفضيل إيماء إلى وجوب طلب كمال العلم بالهدى، وتمييز الحقّ من الباطل، وغوص النظر في ذلك، وتجنّب التسرّع في الحكم دون قوة ظنّ بالحقّ، والحذر من تغلّب تيارات الأهواء حتى لا تنعكس الحقائق ولا تسير العقول في بنَيّات الطرائق، فإن الحقّ باققٍ على الزمان والباطل تكذبه الحجّة والبرهان.

والتخلّق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاماً من مقامات الرسول صلى الله عليه وسلم في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه أن يكون سالكاً للطرائق الثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وإلا كان منصرفاً عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمّة، وأن يخشى أن يعرّض مصالح الأمّة للتلف، فإصلاح الأمّة يتطلّب إبلاغ الحقّ إليها بهذه الوسائل الثلاث.

والمجتمعُ الإسلامي لا يخلو عن متعنّت أو مُلَبّس وكلاهما يُلقي في طريق المصلحين شَواكَ الشبه بقصد أو بغير قصد.

فسبيل تقويمه هو المجادلة، فتلك أدنى لإقناعه وكشف قناعه.

في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبة خطبها في آخر عمره: «أيها الناس قد سُنّت لكم السّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلّوا بالناس يميناً وشمالاً» وضرب بإحدى يديه على الأخرى.

(لعلّه ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى الممسكة السيف أو العصا في حال الخطبة).

وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذُكر مطلب للناس في حكم لم يسبق له بيان في الشريعة.

وقدم ذكر علمه ﴿ بمن ضل عن سبيله ﴾ على ذكر علمه ﴿ بالمهتدين ﴾ لأن المقام تعريض بالوعيد للضالين، ولأن التخلية مقدمة على التحلية، فالوعيد مقدّم على الوعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي إلى دِينِ رَبِّكَ وهو الإسْلامُ.

﴿ بِالحِكْمَةِ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: بِالنُّبُوَّةِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: بِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالعَفْوِ.

الثّانِي: بِأنْ تُوقِظَ القُلُوبَ ولا تُسَفِّهَ العُقُولَ.

الثّالِثُ: بِأنْ تُرْشِدَ الخَلَفَ ولا تَذُمَّ السَّلَفَ.

الرّابِعُ: عَلى قَدْرِ ما يَحْتَمِلُونَ.

رَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أُمِرْنا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أنْ نُكَلِّمَ النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم، فإن طاعتهم طاعة الله معصيتهم معصية الله، فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين وقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ومن ولي من أمركم شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: دين ربك (١) ﴿ بِالْحِكْمَةِ ﴾ قال أهل التفسير: بالنبوة (٢) ﴿ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ يعني مواعظ القرآن، ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي افتلهم عما هم عليه، غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، أي ألن لهم جانبك (٣) قال مجاهد: أي أعرض عن أذاهم إياك كله (٤) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ بلا إله إلا الله (٥) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ إلى آخرها، معناه: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح.

(١) انظر: "تنوير المقباس" ص 295، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، والسمرقندي 2/ 255، والثعلبي 2/ 166 ب، والخازن 3/ 142.

(٢) ورد بلفظه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، و"تفسير السمرقندي" 2/ 255، و"تفسير الماوردي" 3/ 220، والطوسي 6/ 440، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506، والخازن 3/ 143، وأبي حيان 5/ 549.

(٣) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506.

(٤) "تفسير مجاهد" ص 355 بنصه، أخرجه الطبري 14/ 194 بنصه من طريقين، و"الدر المنثور" 4/ 255، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506، بنصه، و"تنوير المقباس" ص 295 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ أمر موسى بني إسرائيل أن يجعلوا يوم الجمعة مختصاً للعبادة فرضي بعضهم بذلك، وقال أكثرهم: بل يكون يوم السبت، فألزمهم الله يوم السبت، فاختلافهم فيه هو ما ذكر والسبت على هذا هو اليوم، وقيل اختلافهم فيه: هو أن منهم من حرم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ قردة، فالمعنى: إنما جعل وبال السبت على الذين اختلفوا فيه، والسبت على هذا مصدر من سبت إذا عظم يوم السبت، قاله الزمخشري، وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم عليه السلام ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ المراد بالسبيل هنا: الإسلام، والحكمة هي الكلام الذي يظهر صوابه، والموعظة هي الترغيب والترهيب، والجدال هو الردّ على المخالف، وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدال، وهذا الآية تقتضي مهادنة نسخت بالسيف، وقيل: إن الدعاء إلى الله بهذه الطريقة من التلطف والرفق غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الملاطفة من الكفار: وأما العصاة فهي في حقهم محكمة إلى يوم القيامة باتفاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ .

قيل: دين ربك.

﴿ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

قال الحسن: الحكمة: القرآن، أي: ادعهم إلى دين الله بالقرآن.

وقال بعضهم: بالحكمة: بالحجة والبرهان، أي: ادعهم إلى دين الله بالحجج والبراهين؛ أي: ألزمهم دين الله بالحجج والبراهين؛ حتى يقروا به.

وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

قال الحسن: أي عظهم بالمواعظ التي وعظهم الله -  - في الكتاب.

وقال أبو بكر: أي ذكرهم النعم التي أنعم عليهم، ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: جادلهم أحسن المجادلة بلين القول، وخفض الجانب والجناح؛ لعلهم يقبلون دينهم، ويخضعون لربهم.

وكذلك اختلفوا في قوله: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ : قال الحسن: الكتاب والحكمة: واحد؛ اسم شيء، وهو القرآن.

وقال بعضهم: الكتاب هو القرآن، وهو سماع الوحي، والحكمة: وحي الإلهام، وهو السنة.

وقال بعضهم: الكتاب: هو التنزيل، والحكمة: هي المعنى المودع فيه؛ فمن يقول: إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن يقول في قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : القرآن، ومن يقول عنه: إنهما غيرٌ - يقول - هاهنا -: إنّ الحكمة: الحجة والبرهان، إمّا من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي ذكر في هذه السورة؛ من ذلك قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ  ﴾ : يعني: من بطون النحل، وقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ  ﴾ ، وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه؛ فذلك كله بحكمته، أي: ادعهم إلى دينه وذكرهم بهذا، وهم يقرون به؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره.

والموعظة الحسنة: ما ذكر في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ الآية [النحل: 90]، وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة؛ لأن العدل والإحسان، وما ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد.

والانتهاء - أيضاً - عن الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه؛ كأن الحكمة هي التي تشتمل على العلم والعمل جميعاً؛ كأنه قال: ادعهم إلى دين الله بالعلم والعمل جميعاً؛ حتى ينجع ذلك فيهم؛ أو: ادعهم باللّين وخفض الجناح مرة، [و] بالعنف والخشونة ثانياً؛ فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

يحتمل - والله أعلم - أي: جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ...

﴾ الآية [النحل: 17]، وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً...

﴾ الآية [النحل: 75]، وقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...

﴾ الآية [النحل: 76]، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ...

﴾ الآية [النحل: 71]، ونحو هذا.

يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذين ينكرون؛ فيلزمهم القبول والخضوع له.

ثم في الآية دلالة تعليم المناظرة في الدين وكيفية المعاملة - بعضهم لبعض - فيها؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي عنده بالقرآن أو غيره من الحجج والبينات، ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : هكذا يجب أن يناظر بعضهم بعضاً بالوجه الذي وصف الله، وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه: مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر، وهو ما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وقوْله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 80]، [و] مناظرة فرعون مع موسى - صلوات الله عليه - حيث قال: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ولما قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ وأمثاله ممّا يكثر، فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع الفراعنة والأعداء؛ فكيف المناظرة بين الأولياء؟!

فهذا كله يردّ على من يأبى المناظرة في الدين ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

في الآية نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحاً؛ لأنه لم يقل لهم مصرحاً: إنكم قد ضللتم عن سبيله؛ لحسن معاملته التي علم رسوله وأمره أن يعاملهم؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأَمْيل إلى القلوب وآخذ؛ ألا ترى أنه قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ .

اختلف في سبب نزول ذلك: قال بعضهم: [نزلت] في أصحاب رسول الله  ، وذلك أن نفراً منهم قد مثلوا يوم أحد مثلة سيّئة: من قطع الآذان، وتجديع الأنوف، وبقر البطون، ونحوه؛ فقال أصحابهم: لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن كذا وكذا.

فأرادوا أن يجازوا بذلك؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...

﴾ الآية [النحل: 126].

وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم؛ لأنه لو لم يكنْ لهم الظفر فكيف يقدرون على معاقبة مثل ما عاقبوا؛ دل أنه على البشارة لهم بالنصر والظفر بهم.

وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتولّ القتل والأخذ والضرب؛ لما لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولّوا ذلك، لكن لا يؤاخذ إخوانهم بهم؛ لما بمعونة بعضهم بعضاً فيها، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع، وإن كان الذي تولّى ذلك بعضٌ منهم؛ لما أن من تولّى ذلك إنّما تولى بمعونة من لم يتول.

وقال بعضهم: إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة؛ مثل قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ ، ومثله؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم، ولكن بمثله، وأمّا إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعاً إذا أبوا الإسلام؛ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29]، وقوله -  -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله" ، وقوله -  - ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام، وحكمه في القصاص والقطع فيما دون النفس والجراحات: أمر ألا يتجاوزوا حقوقهم؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 194]، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى...

﴾ الآية [البقرة: 178].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ ﴾ .

على ذلك.

﴿ لَهُوَ خَيْرٌ ﴾ اي: الصبر خير ﴿ لِّلصَّابِرينَ ﴾ .

ودل قوله: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ على أن الآية في القصاص لا في الحرب؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر، بل يكون الصبر جهاداً؛ دل أنه في غير المحاربة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ .

أي: ما توفيقك على الصّبر إلا بالله؛ كقول شعيب: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [هود: 88].

والثاني: واصبر وما صبرك إلا بالله، أي: تركك القصاص لأمر الله؛ حيث أمرك به، لا لضعف أو عجز فيك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال: إنه كان يحزن ويضيق صدره؛ لمكان كفرهم بالله، وتركهم الإيمان بالله؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ؛ فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ : لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ذلك.

ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ : على المؤمنين الذين قتلوا واستشهدوا؛ لأنهم مستبشرون فرحون عند ربّهم بما آتاهم الله من فضله [؛ كقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ أي: لا تحزن عليهم، وهم فيما ذكر.

أو لا تحزن على المؤمنين، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة؛ إذ كانوا يكفرون برسول الله وبأصحابه ويؤذونهم، أخبر أن لا يضيقن صدرك لذلك.

وقال بعضهم: نزلت في أمر حمزة سيّد الشهداء: أنه مثل به وجرح جراحات عظيمة؛ فاشتد على النبي  فقال: "لَئِنْ ظَفِرْنَا بِأُولَئِكَ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَنَفْعَلَنَّ كَذَا؛ فنزلت الآية: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...

﴾ " ، لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غيره - القاتل والجارح - بالقتل، وذلك قد كان في الابتداء؛ ألا ترى أنّه قال: ﴿ ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...

 ﴾ : كانوا همّوا أن يأخذوا الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى، حتى نزل هذا فصار منسوخاً به، وبقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ، ولو كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص - لم يكن فيه حياة، أو إن قالوا في الحرب مع الكفرة فذلك لا يحتمل؛ لأنه في الحرب لهم أن يقتلوا الكل، وألا يتركوا واحداً منهم؛ دلّ أنه يخرج على أحد وجهين: على النسخ الذي ذكرنا.

أو على النهي عن أخذ أكثر من حقه، وكقوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [البقرة: 194].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ .

[يحتمل: اتقوا] مخالفة الله ورسوله بالنصر لهم والعون؛ فإن الله ناصركم ومعينكم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .

في العمل والتوحيد، أو يقول: إن الله مع الذين اتقوا محارم الله وارتكاب مناهيه بالنصر لهم والمعونة.

﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .

إلى نعم الله - عزّ وجلّ - بالقيام بالشكر لها.

وبالله التوفيق، وصلى الله -  - على سيدنا محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ادع -أيها الرسول- إلى دين الإسلام أنت ومن اتبعك من المؤمنين بما تقتضيه حال المدعو وانقياده، وبالنصح المشتمل على الترغيب والترهيب، وجادلهم بالطريقة التي هي أحسن قولًا وفكرًا وتهذيبًا، فليس عليك هداية الناس، وإنما عليك إبلاغهم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن دين الإسلام، وهو أعلم بالمهتدين إليه، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

<div class="verse-tafsir" id="91.ne0gd"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده