الآية ١٢٤ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢٤ من سورة النحل

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٤ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع ، يجتمع الناس فيه للعبادة ، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة ; لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة ، واجتمعت [ الناس ] فيه وتمت النعمة على عباده .

ويقال : إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى ، فعدلوا عنه واختاروا السبت ; لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة ، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة ، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه ، مع أمره إياهم بمتابعة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا بعثه .

وأخذ مواثيقهم وعهودهم على ذلك ; ولهذا قال تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قال مجاهد : اتبعوه وتركوا الجمعة .

ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به ، حتى بعث الله عيسى ابن مريم ، فيقال : إنه حولهم إلى يوم الأحد .

ويقال إنه : لم [ يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها وإنه لم ] يزل محافظا على السبت حتى رفع ، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد ، مخالفة لليهود ، وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة ، والله أعلم .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد " .

لفظ البخاري .

وعن أبي هريرة وحذيفة - رضي الله عنهما - قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ، والمقضي بينهم قبل الخلائق " .

رواه مسلم [ والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت.

وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) اتبعوه وتركوا الجمعة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ ) قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يُمان، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) قال: باستحلالهم يوم السبت.

حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) قال: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم.

وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون قوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا في دينه ، بل كان سمحا لا تغليظ فيه ، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه ، ثم جاء عيسى - عليه السلام - بيوم الجمعة فقال : تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا .

فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، [ ص: 181 ] فاختاروا الأحد .

وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من الاختلاف ; فقالت طائفة : إن موسى - عليه السلام - أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم ، وأخبرهم بفضيلته على غيره ، فناظروه أن السبت أفضل ; فقال الله له : ( دعهم وما اختاروا لأنفسهم ) .

وقيل : إن الله - تعالى - لم يعينه لهم ، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه ، فعينت اليهود السبت ; لأن الله - تعالى - فرغ فيه من الخلق .

وعينت النصارى يوم الأحد ; لأن الله - تعالى - بدأ فيه بالخلق .

فألزم كل منهم ما أداه إليه اجتهاده .

وعين الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة ، فكانت خير الأمم أمة .

روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له - قال يوم الجمعة - فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى فقوله : فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه يقوي قول من قال : إنه لم يعين لهم ; فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل اختلفوا .

وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا .

ومما يقويه أيضا قوله - عليه السلام - : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا .

وهذا نص في المعنى .

وقد جاء في بعض طرقه فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه .

وهو حجة للقول الأول .

وقد روي : إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع .قوله تعالى : على الذين اختلفوا فيه يريد في يوم الجمعة كما بيناه ; اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى .

ووجه الاتصال بما قبله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر باتباع الحق ، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ } أي: فرضا { عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } حين ضلوا عن يوم الجمعة وهم اليهود فصار اختلافهم سببا لأن يجب عليهم في السبت احترامه وتعظيمه، وإلا فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة الذي هدى الله هذه الأمة إليه.

{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيبين لهم المحق من المبطل والمستحق للثواب ممن استحق العقاب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قيل : معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه أي : خالفوا فيه .

وقيل : معناه ما فرض الله تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه أي : خالفوا فيه فقال قوم : هو أعظم الأيام ، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثم سبت يوم السبت .

وقال قوم : بل أعظم الأيام يوم الأحد ، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الأشياء ، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم ، وقد افترض الله عليهم تعظيم يوم الجمعة .

قال الكلبي : أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة ، فقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة ، ولا تعملوا فيه لصنعتكم ، وستة أيام لصناعتكم ، فأبوا وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت ، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة ، فقالوا لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا - يعنون اليهود - فاتخذوا الأحد فأعطى الله الجمعة هذه الأمة ، فقبلوها وبورك لهم فيها .

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غدا ، والنصارى بعد غد " .

قال الله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قال قتادة : الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، استحله بعضهم ، وحرمه بعضهم .

( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما جعل السبت» فرض تعظيمه «على الذين اختلفوا فيه» على نبيهم، وهم اليهود أمروا أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فقالوا: لا نريده واختاروا السبت فشدد عليه فيه «وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون» من أمره بأن يثيب الطائع ويعذب العاصي بانتهاك حرمته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما جعل الله تعظيم يوم السبت بالتفرغ للعبادة فيه على اليهود الذين اختلفوا فيه على نبيهم، واختاروه بدل يوم الجمعة الذي أُمِروا بتعظيمه.

فإن ربك -أيها الرسول- لَيحكم بين المختلفين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه على نبيهم، ويجازي كلا بما يستحقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ .

.

.

)والمراد بالسبت : اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصله - كما يقول ابن جرير - الهدوء والسكوت فى راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم المسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته ، كما قال - جل ثناؤه - : ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أى : راحة لأبدانكم .

.

.والكلام على حذف مضاف ، والمعنى : إنما جعل تعظيم يوم السبت ، والتخلى فيه للعبادة ، ( على الذين اختلفوا فِيهِ ) وهم اليهود ، حيث أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بتعظيم يوم الجمعة ، فخالفوه واختاروا السبت .قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : ( على الذين اختلفوا فِيهِ ) أى : خالفوا نبيهم ، حيث أمرهم : أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه ، وشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه ، فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضى ، وبعضهم لم يرض ، بل المراد به امتناع الجميع - حيث قالوا لا نريد يوم الجمعة ، واختاروا السبت .ثم قال : وفى معنى الآية قول آخر .

قال قتادة : إن الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، حيث استحله بعضهم وحرمه بعضهم ، فعلى هذا القول يكون معنى قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السبت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم عليه السلام، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وعند هذا لسائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟

فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ وفي الآية قولان: القول الأول: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضاً بالجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا واتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد».

إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله، وليس معنى قوله: ﴿ اختلفوا فِيهِ ﴾ أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله: ﴿ اختلفوا فِيهِ ﴾ بهذا، بل الصحيح ما قدمناه.

فإن قال قائل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت؟

وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة، فكان يوم السبت يوم الفراغ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد، فنجعل هذا اليوم عيداً لنا، فهذان الوجهان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيداً لنا؟

قلنا: يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه، والله أعلم.

والقول الثاني: في اختلافهم في السبت، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمعنى: أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها.

إنما جعل وبال السبت وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فية تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه.

والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته.

فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعاً محلين أو محرّمين؟

قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم ﴿ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه.

ومعنى جعل السبت: فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه.

وقرئ: ﴿ إنما جعل السبت ﴾ ، على البناء للفاعل وقرأ عبد الله: ﴿ إنا أنزلنا السبت ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ تَعْظِيمُ السَّبْتِ، أوِ التَّخَلِّي فِيهِ لِلْعِبادَةِ.

﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ عَلى نَبِيِّهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَفَرَّغُوا لِلْعِبادَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَأبَوْا وقالُوا: نُرِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ لِأنَّهُ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَألْزَمَهُمُ اللَّهُ السَّبْتَ وشَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ مَعْناهُ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ أُخْرى واحْتالُوا لَهُ الحِيَلَ، وذَكَرَهم هُنا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَذِكْرِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِالمُجازاةِ عَلى الِاخْتِلافِ، أوْ بِمُجازاةِ كُلِّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ} أي فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} رُوى أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فأطاع أمر الله الرضوان بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ بِمَعْنى إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ والتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ وتَرْكُ الصَّيْدِ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ النَّفْيِ الكُلِّيِّ وتَوْضِيحٌ لَهُ بِإبْطالِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ قادِحًا في الكُلِّيَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحافِظًا عَلَيْهِ أيْ لَيْسَ السَّبْتُ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ وشَعائِرِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أُمِرَتْ بِاتِّباعِها حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ عَلاقَةٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما شُرِعَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ الإسْنادِ إلى الغَيْرِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «جُعِلَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهُما قَرَءا «إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ» وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرُ مَعْنى لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ ذَلِكَ سَوادَ المُصْحَفِ، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُما أنَّهم قَرَءا كالجَماعَةِ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ عَلى نَبِيِّهِمْ حَيْثُ أمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتارُوا السَّبْتَ وهُمُ اليَهُودُ.

أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ والشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الجُمْعَةَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ تَعالى لَهُ فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ»».

وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اليَهُودَ بِالجُمُعَةِ وقالَ: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا واحِدًا وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن أعْمالِكم فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وقالُوا: لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ وشُدِّدَ فِيهِ الأمْرُ ثُمَّ جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجُمُعَةِ فَقالَتِ النَّصارى: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا فاتَّخَذُوا الأحَدَ وكَأنَّهم إنَّما اخْتارُوهُ لِأنَّهُ مُبْتَدَأُ الخَلْقِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ وحَمَلَ «فِي» عَلى التَّعْلِيلِ أيِ اخْتَلَفُوا عَلى نَبِيِّهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: مَعْنى ( اخْتَلَفُوا فِيهِ ) خالَفُوا جَمِيعُهم نَبِيَّهم فَهو اخْتِلافٌ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ، وظاهِرُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّهُ عُيِّنَ لَهم أوَّلًا يَوْمُ الجُمْعَةِ، وقالَ القاضِي عِياضٌ: الظّاهِرُ أنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ووُكِّلَ إلى اجْتِهادِهِمْ فاخْتَلَفَتْ أحْبارُهم في تَعْيِينِهِ ولَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وفَرَضَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مُبَيِّنًا فَفازُوا بِفَضِيلَتِهِ ولَوْ كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ ( اخْتَلَفُوا ) بَلْ يُقالُ خالَفُوا، وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا صَرِيحًا ونَصَّ عَلَيْهِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ أمْ لَهم إبْدالُهُ فَأبْدَلُوهُ وغَلِطُوا في إبْدالِهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: قَدْ أُشْكِلَ أمْرُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: هو أعْظَمُ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ، وقالَ الآخَرُونَ: أعْظَمُها حُرْمَةً الأحَدُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا فِرْقَتَيْنِ في السَّبْتِ وإنَّما اخْتارَ الأحَدَ النَّصارى بَعْدَهم بِزَمانٍ وقِيلَ: المُرادُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم في شَأْنِهِ فَفَضَّلَتْهُ فَرِقَّةٌ مِنهم عَلى الجُمُعَةِ ولَمْ تَرْضَ بِها وفَضَّلَتْ أُخْرى الجُمُعَةَ عَلَيْهِ ومالَتْ إلَيْها بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهم بِالجُمُعَةِ فَأبى أكْثَرُهم إلّا السَّبْتَ ورَضِيَ شِرْذِمَةٌ مِنهم بِها فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في السَّبْتِ وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً دُونَ أُولَئِكَ المُطِيعِينَ.

والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ تَفْسِيرُ رَئِيسِ المُفَسِّرِينَ وتُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ المَرْوِيُّ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أفْضَلِ النَّبِيِّينَ وأعْلَمِ الخَلْقِ بِمُرادِ رَبِّ العالَمِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيِ المُخْتَلِفِينَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أيْ يَقْضِي بَيْنَهم بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْصِلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنهم مِنَ الخُصُومَةِ والِاخْتِلافِ فَيُجازِي كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ عَلى هَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما وقَعَ في الدُّنْيا مِن مَسْخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وإنْجاءِ الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ لا يَعْتَدُّ بِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الفَرْضِ بِالجَعْلِ مَوْصُولًا بِكَلِمَةِ ( عَلى ) لِلْإيذانِ بِتَضَمُّنِهِ لِلتَّشْدِيدِ والِابْتِلاءِ المُؤَدِّي إلى العَذابِ، وعَنِ اليَهُودِ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِالِاخْتِلافِ إشارَةً إلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما جَعَلَ وبالَ تَرْكِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وهو المَسْخُ كائِنًا أوْ واقِعًا عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أيْ أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ أُخْرى وكانَ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْرِيمِهِ حَسْبَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَ الحُكْمُ بَيْنَهم بِالمُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى.

ووَجْهُ إيرادِ ذَلِكَ هاهُنا بِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ إنْذارُ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدُهم بِما في مُخالَفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الوَبالِ كَما ذَكَرَتِ القَرْيَةُ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى تَمْثِيلًا لِذَلِكَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ تَوْسِيطَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَيْنَ حِكايَةِ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ حَثًّا عَلى إجابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ السّابِقُ وأُمِرَ بِها في الكَلامِ اللّاحِقِ فَلِلْمُتَوَسِّطِ نِسْبَةً إلى الطَّرَفَيْنِ تَخَرُّجُهُ مِن أنْ يَكُونَ الفَصْلُ بِهِ كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وهو كَما تَرى.

واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَلِمَةَ ( بَيْنَهم ) تَحْكُمُ بِأنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ هو فَصْلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ دُونَ المُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى.

ويَرُدُّ هَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِالقَضاءِ بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ جَمِيعِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلَيْهِ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنْ قَتادَةَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما ذُكِرَ مَعَ ما في ضِمْنِهِ مِنَ القَوْلِ بِاخْتِلافِ الِاخْتِلافَيْنِ مَعْنًى، والظّاهِرُ اتِّحادُهُما.

وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الِاعْتِراضِ بِمَنعِ حُكْمِ كَلِمَةِ «بَيْنَهُمْ» بِما تَقَدَّمَ فَتَأمَّلْ، وتَفْسِيرُ السَّبْتِ بِاليَوْمِ المَخْصُوصِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبَتْها، قِيلَ: ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في الآيَةِ اسْتِخْدامُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يقول: إنما أمروا في السبت بالقعود عن العمل عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في يوم الجمعة.

وذلك أن موسى  أمرهم أن يتفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوماً واحداً، فيعبدوه ولا يعملوا فيه شيئاً من أمر الدنيا، وستة أيام لصناعتهم ومعايشهم، ويتفرغوا في يوم الجمعة.

فأبوا أن يقبلوا ذلك اليوم، وقالوا: إنَّما نختار السبت، اليوم الذي فرغ الله فيه من أمر الخلق.

فجعل ذلك عليهم، وشدد عليهم، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فاختاروا يوم الأحد.

وقال مجاهد: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في السبت اتَّبعوه، وتركوا الجمعة.

وروى همام عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي  : «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ يوم الجمعة، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، واليهود غداً، والنصارى بعد غد» (١) ثم قال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي: يقضي بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين، فبيّن لهم الحق معاينة.

ثم قال عز وجل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ أي: إلى دين ربك، وإلى طاعة ربك بِالْحِكْمَةِ أي: بالنبوة والقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي: عظهم بالقرآن وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: حاججهم، وناظرهم بالحجة والبيان.

ويقال: باللين.

وفي الآية دليل أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة، إذا قصد بها إظهار الحق.

وهذا مثل قوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46] وقوله: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً [الكهف: 22] .

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي: عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

قوله عز وجل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ قال ابن عباس: «وذلك حين قتل المشركون حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله  يوم أحد ومثلوا به، فقال النبيّ  : «لَئِنْ أمْكَنَنَا اللَّهُ لَنُمَثِّلَنَّ بِالأحْيَاءِ فَضْلاً عَنِ الأمْوَاتِ» .

فنزل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية، وقال محمد بن كعب القرظي: «لما رأى رسول الله  حمزة بالحال التي هو بها حين مثل به، فقال النبي  : «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لأمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ مِنْهُمْ» .

فلما رأى أصحاب رسول الله  ما به من الوجع.

قالوا: لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد (٢) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (876) و (2956) (6624) (7036) ومسلم (855) والنسائي 3/ 85- 87 وأحمد 2/ 243، 249، 273.

(٢) عزاه السيوطي: 5/ 179 إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والقانِتُ «١» : المطيعُ الدائِمُ على العبادَةِ، والحَنِيف: المائلُ إلى الخير والصَّلاح.

/ وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، الآية «الحسنةُ» : لسَانُ الصدق، وإِمامته لجميعِ الخَلْق هذا قول جميع المفسِّرين، وذلك أنَّ كل أمةٍ متشرِّعة، فهي مقرَّة أنَّ إِيمانها إِيمان إِبراهيم، وأنه قُدْوَتُها، وأنه كان على الصواب.

ت: وهذا كلامٌ فيه بعض إِجمالٍ، وقد تقدَّم في غير هذا الموضعِ بيانه، فلا نطوِّل بسَرْده.

وقوله سبحانه: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ...

الآية: الملة: الطريقة في عقائد الشّرع.

وقوله سبحانه: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ...

الآية: أي: لم يكُنْ من ملَّة إِبراهيم، وإِنما جعل اللَّه فرضاً عاقب به القَوْمَ المُخْتَلِفين فيه قاله ابن زَيْد وذلك أن موسى عليه السلام أَمَرَ بَنِي إسرائيل أنْ يجعلوا من الجمعة يوماً مختصًّا بالعبادة، وأمرهم أنْ يكون الجُمُعَةَ، فقال جمهورهم: بلْ يكونُ يَوْمَ السَّبْتِ لأن اللَّه تعالى فَرَغَ فيه من خَلْق مخلوقاته، وقال غيرهم: بَلْ نقبَلُ ما أمَرَ به موسى، فراجَعَهم الجمهورُ، فتابعهم الآخرون، فألزمهم اللَّهُ يَوْمَ السْبتِ إِلزاماً قويًّا، عقوبةً لهم، ثم لم يكُنْ منهم ثبوتٌ، بل عَصَوْا فيه، وتعدَّوْا فأهلكهم «٢» ، وورد في الحديث الصحيح، أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى اختلفوا في اليوم الذي يختصُّ من الجمعة، فأخذ هؤلاء السبْتَ، وأخَذَ هؤلاء الأحدَ، فهدانا اللَّهَ نحْنُ إلى يوم الجمعة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفوا فِيهِ» «٣» فَلَيْسَ الاختلافُ المذكورُ في الآية هو الاختلافَ في هذا الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ أيْ: إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ وتَحْرِيمُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿ إنَّما جُعِلَ ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ ﴿ السَّبْتُ ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ ﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ والهاءُ تَرْجِعُ إلى السَّبْتِ.

وَفِي مَعْنى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ لَهم: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا، فاعْبُدُوهُ في يَوْمِ الجُمْعَةِ، ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن صَنِيعِكم، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا نَبْتَغِي إلّا اليَوْمَ الَّذِي فُرِغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهو يَوْمُ السَّبْتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَهم مُوسى بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، قالُوا: نَتَفَرَّغُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَقالَ: إنَّما أُمِرْتُ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، فَقالَ أحْبارُهم: انْتَهُوا إلى أمْرِ نَبِيِّكم، فَأبَوْا، فَذَلِكَ اخْتِلافُهم، فَلَمّا رَأى مُوسى حِرْصَهم عَلى السَّبْتِ، أمَرَهم بِهِ، فاسْتَحَلُّوا فِيهِ المَعاصِيَ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا يَوْمَ السَّبْتِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ أرْبَعِينَ صَباحًا.

وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في " مُخْتَلِفِ الحَدِيثِ ": «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مُوسى بِالسَّبْتِ، ونُسِخَ السَّبْتُ بِالمَسِيحِ» .

والثّانِي: أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَحَلَّهُ، وبَعْضَهم حَرَّمَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا.

والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟

هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ.

و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ.

و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً ﴾ ، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ  بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ ﴾ ، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية ينادي على أنها تضمّنت معنى يرتبط بملّة إبراهيم وبمجيء الإسلام على أساسها.

فلما نفت الآية قبل هذه أن يكون إبراهيم عليه السلام من المشركين ردّاً على مزاعم العرب المشركين أنهم على ملّة إبراهيم، انتقل بهذه المناسبة إلى إبطال ما يشبه تلك المزاعم.

وهي مزاعم اليهود أن ملّة اليهودية هي ملّة إبراهيم زعماً ابتدعوه حين ظهور الإسلام جحداً لفضيلةٍ فاتتهم، وهي فضيلة بناء دينهم على أول دين للفطرة الكاملة حسداً من عند أنفسهم.

وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ يأهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم ﴾ في سورة آل عمران (65).

فهذه الآية مثل آية آل عمران يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فذلك دالّ على أن هؤلاء الفرق الثلاث اختلفوا في إبراهيم، فكل واحدة من هؤلاء تدّعِي أنها على ملته، إلا أنه اقتصر في هذه الآية على إبطال مزاعم المشركين بأعظم دليل وهو أن دينهم الإشراك وإبراهيمُ عليه السلام ما كان من المشركين.

وعقب ذلك بإبطال مزاعم اليهود لأنها قد تكون أكثر رواجاً، لأن اليهود كانوا مخالطين العرب في بلادهم، فأهل مكة كانوا يتّصلون باليهود في أسفارهم وأسواقهم بخلاف النّصارى.

ولما كانت هذه السورة مكّية لم يتعرّض فيها للنّصارى الذين تُعرّض لهم في سورة آل عمران.

ولهذا تكون جملة إنما جعل السبت } استئنافاً بيانياً نشأ عن قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123] إذ يثير سؤالاً من المخالفين: كيف يكون الإسلام من ملّة إبراهيم؟

وفيه جعل يوم الجمعة اليومَ المقدس.

وقد جعلت التوراة لليهود يوم التّقديس يوم السبت.

ولعلّ اليهود شغبوا بذلك على المسلمين، فكان قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ بياناً لجواب هذا السؤال.

وقد وقعت هذه الجملة معترضة بين جملة ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123] وجملة ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ [سورة النحل: 125] الخ.

ولذلك افتتحت الجملة بأداة الحصر إشعاراً بأنها لقلب ما ظنّه السائلون المشغبون.

وهذا أسلوب معروف في كثير من الأجوبة المورَدة لردّ رأي موهوم، فالضمير في قوله: ﴿ فيه ﴾ عائد إلى إبراهيم على تقدير مضاف، أي اختلفوا في ملّته، وليس عائداً على السبت، إذ لا طائل من المعنى في ذلك.

والذين اختلفوا في إبراهيم، أي في ملّته هم اليهود لأنهم أصحاب السبت.

ومعنى ﴿ جعل السبت ﴾ فرض وعُيّن عليهم، أي فرضت عليهم أحكام السبت: من تحريم العمل فيه، وتحريم استخدام الخدم والدوابّ في يوم السبت.

وعدل عن ذكر اسم اليهود أو بني إسرائيل مع كونه أوجزَ إلى التّعبير عنهم بالموصول لأن اشتهارهم بالصّلة كاففٍ في تعريفهم مع ما في الموصول وصلته من الإيماء إلى وجه بناء الخبر.

وذلك الإيماء هو المقصود هنا لأن المقصود إثبات أن اليهود لم يكونوا على الحنيفية كما علمت آنفاً.

وليس معنى فِعل ﴿ اختلفوا ﴾ وقُوع خلاف بينهم بأمر السبت بل فعل ﴿ اختلفوا ﴾ مرادٌ به خالفوا كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «واختلافهم أنبيائهم» أي عملهم خلاف ما أمر به أنبياؤهم.

فحاصل المعنى هكذا: ما فُرض السبت على أهل السبت إلا لأنهم لم يكونوا على ملّة إبراهيم، إذ مما لا شكّ فيه عندهم أن ملّة إبراهيم ليس منها حرمة السبت ولا هو من شرائعها.

ولم يقع التعرّض لليوم المقدّس عند النصارى لعدم الداعي إلى ذلك حين نزول هذه السورة كما علمت.

ولا يؤخذ من هذا أن ملّة إبراهيم كان اليومُ المقدّسُ فيها يومَ الجمعة لعدم ما يدلّ على ذلك، والكافي في نفي أن يكون اليهود على ملّة إبراهيم أن يوم حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم.

ثم الأظهر أن حرمة يوم الجمعة ادخرت للملّة الإسلامية لقول النبي صلى الله عليه وسلم «فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه فَهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهودُ غداً والنصارى بعد غَد».

فقوله: «فهدانا الله إليه» يدلّ على أنه لم يسبق ذلك في ملّة أخرى.

فهذا وجه تفسير هذه الآية، ومحمل الفعل والضمير المجرور في قوله: ﴿ اختلفوا فيه ﴾ .

وما ذكره المفسّرون من وجوه لا يخلو من تكلّف وعدم طائل.

وقد جعلوا ضمير ﴿ فيه ﴾ عائداً إلى ﴿ السبت ﴾ .

وتأوّلوا معنى الاختلاف فيه بوجوه.

ولا مناسبة بين الخبر وبين ما تُوهّم أنه تعليل له على معنى جعل السبت عليهم لأنهم اختلفُوا على نبيئهم موسى عليه السلام لأجل السبت، لأن نبيّهم أمرهم أن يعظّموا يومَ الجمعة فأبَوا، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضّل من الأسبوع بعلّةِ أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت، ولم يكن في يوم السبت خَلق، فعاقبهم الله بالتّشديد عليهم في حرمة السبت.

كذا نقل عن ابن عباس.

وهو لا يصحّ عنه، وكيف وقد قال الله تعالى: ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ [سورة النساء: 154].

وكيف يستقيم أن يعدل موسى عليه السلام عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عُرف بالصلابة في الدين.

من المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معيّن فعيّنوه السبت.

وهذا لا يستقيم لأن موسى عليه السلام عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصحّ أن يكونوا فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة.

ولعلّك تلوح لك حيرة المفسّرين في التئام معاني هذه الآية.

وإنما} للحصر وهو قصر قلب مقصود به الردّ على اليهود بالاستدلال عليهم بأنهم ليسوا على ملّة إبراهيم، لأن السبت جعله الله لهم شرعاً جديداً بصريح كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم.

وتركيب الاستدلال: إن حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملّة إبراهيم.

ومعنى ﴿ جعل السبت ﴾ أنه جعل يوماً معظّماً لا عمل فيه، أي جعل الله السبت معظّماً، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازاً ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى: ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ [سورة النساء: 154] وقوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ [سورة الأعراف: 163].

وضمن فعل ﴿ جعل ﴾ معنى فُرض فعدي بحرف ﴿ على ﴾ .

وقد ادّخر الله تعالى لمحمد أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم، فجعل لليهود والنصارى ديناً مخالفاً لملّة إبراهيم، ونصَب على ذلك شعاراً وهو اليوم الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح عليه السلام إشارة إلى ذلك، لئلا يكون يوم السبت مسترسلاً في بني إسرائيل، تنبيهاً على أنهم عرضة لنسخ دينهم بدين عيسى عليه السلام وإعداداً لهم لتلّقي نسخ آخر بعد ذلك بدين آخر يكون شعاره يوماً آخر غير السبت وغير الأحد.

فهذا هو التفسير الذي به يظهر انتساق الآي بعضها مع بعض.

وبينهم } ظرف للحكم المستفاد من «يحكم»، أي حكماً بين ظهرانيهم.

وليست ﴿ بينهم ﴾ لتعدية «يحكم» إذ ليس ثمّة ذكر الاختلاف بين فريقين هنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ وفي اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ أعْظَمَ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ.

الثّانِي: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَ الأحَدَ أعْظَمَ حُرْمَةً مِنهُ لِأنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ خَلْقَ الأشْياءِ فِيهِ.

الثّالِثُ: أنَّهم عَدَلُوا عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِن تَعْظِيمِ الجُمُعَةِ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ السَّبْتِ والأحَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى، إنه لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعل لنا السبت، فلما جعل عليهم السبت استحلوا فيه ما حرم عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: بإستحلالهم إياه، رأى موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت فضرب عنقه.

وأخرج الشافعي في الأم والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد» .

وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق والله أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ الآية.

قال مجاهد: اختلفوا فيه واتبعوه وتركوا الجمعة (١) وقال السدي: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى، إن الله لم يخلق يومًا أثقل علينا ولا أبغض إلينا من يوم الجمعة، فاجعل لنا يوم السبت، فلما جعل لهم السبت استحلوا منه ما حرم عليهم (٢) وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نبغي إلا اليوم الذي فُرغ فيه من الخلق، يوم السبت، فجُعل عليهم السبت وشُدِّدَ عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فقال النصارى: لا نريد أن يكون عِيدُهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد، هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين في هذه الآية (٣)  - قال: "إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا والنصارى بعد غد" (٤) (٥) وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ، أي: اختلفوا فيه على نبيهم موسى؛ حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم (٦) (٧) وقال بعض المفسرين أيضًا: أكثر اليهود قالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق الأشياء، وكان شرذمة منهم يرغبون في الجمعة، فهذا اختلافهم (٨) (٩) وفي الآية قولٌ ثانٍ، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس قال: ﴿ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ، يريد تهاونوا وصادوا فيه وتعدوا (١٠) وقال قتادة: استحله بعضهم وحرمه بعضهم (١١) وهذا قول سعيد بن جبير، وعلى هذا معنى اختلافهم في السبت: اختلافهم في استحلاله بالصيد فيه، وتحريمُه: ما ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الأعراف [163] زمن داود، والوجه هو القول الأول؛ لأن السبت جعل عليهم من أول ما اختاروه لا من زمن داود -  -، ومعنى فجعل عليهم: أي جعل ذلك اليوم عقوبة وتشديدًا عليهم، ولم يجعل لهم ذلك اليوم كما ذكر الكلبي: أنهم لما تركوا الجمعة وأرادوا السبت بَدَلَها، جعل عليهم السبت وشدّد عليهم فيه، والآية تدل على نسخ ما سبق من الشريعة في السبت بشريعة محمد -  -، حيث أخبر أن السبت جعل عليهم ولم يجعل علينا.

وذكر بعض أهل المعاني أن وجه اتصال معنى هذه الآية بمعنى الآية السابقة هو: أنه لمّا أُمر النبيّ -  - باتباع الحق، حذر من الاختلاف عليه فيه بما ذكر من حال الذين اختلفوا على نبيهم في السبت بما ليس لهم أن يختلفوا فيه، فشدد عليهم أمره وضيق (١٢) وذكر أبو إسحاق القولين في هذه الآية فقال: جاء في التفسير أنهم أُمروا بأن يتخذوا الجمعة عيدًا، فخالفوا وقالوا: نريد يوم السبت، واختار القول الأول فقال: هو أدل على ما جاء في الاختلاف في السبت (١٣) (١) "تفسير مجاهد" ص 355، بنصه، أخرجه الطبري 14/ 193 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 652.

(٢) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 254، بنحوه وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

(٣) ورد بنحوه منسوبًا إلى الكلبي في: "تفسير هود الهواري" 2/ 395 وليس فيه الخبر عن عيسى  ، والثعلبي 2/ 166 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، وابن الجوزي 4/ 505، والفخر الرازي 20/ 137، والخازن 3/ 141، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، بنحوه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنحوه، والسمرقندي 2/ 255، بنحوه.

(٤) في جميع النسخ: (غدًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.

(٥) ورد في جميع المصادر بزيادة، وطرفه: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" أخرجه أحمد (2/ 249، 274، 241)، البخاري (876) كتاب: الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذه الأمة، والدارقطني (2/ 3)، والثعلبي 2/ 166 ب، والبيهقي: الطهارة/ الغسل على من أراد الجمعة (1/ 297، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 475، والبغوي 5/ 52، والبغوي في شرح السنة: الجمعة/ فرض الجمعة 4/ 200، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، وهود الهواري 2/ 395، والخازن 3/ 141، وابن كثير 2/ 652.

(٦) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، وهود الهواري 2/ 395.

(٧) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 193، بنصه، والثعلبي 2/ 166 أ، بنصه، و"تفسير الماوردى" 3/ 220، بنصه، والطوسي 6/ 438، بنصه.

(٨) انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 348، وابن عطية 8/ 544، وأبي حيان 5/ 548، و"تفسير الألوسي" 14/ 253.

(٩) في (ش)، (ع): (يروا) من الرؤية، والمثبت أصح من الرواية؛ كما هو السياق.

(١٠) ورد غير منسوب في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بمعناه.

(١١) أخرجه الطبري 14/ 194 بنصه، عن سعيد عن قتادة، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 112، بنصه، عن سعيد عن قتادة، و"تفسير الثعلبى" 2/ 166 ب، بنصه عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، عن قتادة، وابن الجوزي 4/ 505، عن قتادة، والخازن 3/ 142، عن قتادة، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 395، بنصه.

(١٢) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 200.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ أمر موسى بني إسرائيل أن يجعلوا يوم الجمعة مختصاً للعبادة فرضي بعضهم بذلك، وقال أكثرهم: بل يكون يوم السبت، فألزمهم الله يوم السبت، فاختلافهم فيه هو ما ذكر والسبت على هذا هو اليوم، وقيل اختلافهم فيه: هو أن منهم من حرم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ قردة، فالمعنى: إنما جعل وبال السبت على الذين اختلفوا فيه، والسبت على هذا مصدر من سبت إذا عظم يوم السبت، قاله الزمخشري، وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم عليه السلام ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ المراد بالسبيل هنا: الإسلام، والحكمة هي الكلام الذي يظهر صوابه، والموعظة هي الترغيب والترهيب، والجدال هو الردّ على المخالف، وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدال، وهذا الآية تقتضي مهادنة نسخت بالسيف، وقيل: إن الدعاء إلى الله بهذه الطريقة من التلطف والرفق غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الملاطفة من الكفار: وأما العصاة فهي في حقهم محكمة إلى يوم القيامة باتفاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً ﴾ .

قال عبد الله بن مسعود: الأمة: الذي يعلم الناس الخير، والقانت: المطيع لله.

وقال بعضهم: أمة قانتاً، أي: مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.

وقال بعضهم: كان أمة، أي: إماماً يقتدى به [في كل خير؛ كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  ﴾ .

وقال الحسن: كان أمة، أي سنة يقتدى به].

ويحتمل أن يكون سماه: أمّة، لما كان كالأمّة والجماعة من القيام مع الأعداء؛ لأنه، وإن كان منفرداً وحده، فكان قيامه مع الأعداء والأكابر منهم كالجماعة والأمة، والممتنع عنهم كالمتفرد.

وأصل الأمة؛ قيل: الجماعة والعدد.

ويحتمل قوله: ﴿ إِكَانَ أُمَّةً ﴾ ، أي: مجمع كل خير وكل طاعة؛ لما عمل هو من الخير عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير؛ فسميّ أمّة لهذا الذي ذكرنا، أو أن يكون تفسير الأمة ما ذكر على أثره: ﴿ قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ﴾ ، والقانت، قيل: المطيع، والقنوت [هو القيام] - كما ذكر - "أنه سئل عن أفضل الصلاة؛ فقال: طولُ القُنُوتِ" ؛ أي: طول القيام؛ فعلى هذا: المعنى: هو القائم لله في كل ما يعبده وأمره به.

وقيل: ﴿ أُمَّةً ﴾ ، أي: ديناً؛ لقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ ، اي: دينكم ديناً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .

قيل: الحاج، وقيل: الحنيف: المسلم، وقيل: المخلص، وفيه كل ذلك: كان حاجّاً مسلماً مخلصاً لله، وأصل الحنف: الميل، أي: كان مائلاً إلى أمر الله وما يعبده به، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذين الوجهين.

أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه فبرّأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين؛ وهو ما قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...

﴾ الآية [آل عمران: 67].

والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي  ﴾ ؛ لأنه هو كان ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكاً، ففيه مشبه في ظاهره؛ فبرأه الله عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكاً، ولكن على المحاجة خرج ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوْله - عز وجل -: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ .

أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ الله في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان الله عليه فضلاً أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن الله - عز وجل - بفضله ومنّه سمىّ ذلك شكراً، وإن لم يكن في الحقيقة شكراً؛ كما ذكر الصدقة التي تصدّق بها العبد إقراضاً كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهُم وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك شراء؛ لكنّه بلطفه [وفضله] عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَبَاهُ ﴾ .

قال بعضهم: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماماً يقتدى به.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً...

﴾ الآية [الأنعام: 161].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .

قال بعضهم: الثناء الحسن، وقال بعضهم: الحسنة في الدنيا؛ لأن جميع أهل الأديان يتولّونه ويرضونه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ، أي: ما آتاه الله - لم يؤته إلا حسنة؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ - أي: ما آتيتناه في الدنيا، آتنا كلها حسنة؛ لأن قوله: ﴿ حَسَنَةً ﴾ إنما هي اسم حسنة واحدة أو أن يكون ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ عند قبض روحه، أي: على الحسنة قبض روحه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

أي: لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ : النبوة والرسالة، أو أن يقال: إنّه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه؛ لكنه خصّ به كما هو خص في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم.

قد كان من إبراهيم معنى؛ حتى خص الله إبراهيم به من بين غيره؛ فذلك الأوّل، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .

أي: دين إبراهيم وسبيله، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال جبريل -  - إلى إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليه - يوم التروية، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها، وأراه أباه، فأوحى الله إلى محمد  : ﴿ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملّته في الحج وفي غيره.

وأصل الملّة: الدّين، والله أعلم؛ كقوله: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ" ، أي: أهل دينين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: اختلافهم؛ وذلك أن موسى -  - أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا في كل سبعة أيام يوماً للعبادة، وهو يوم الجمعة، وينزعوا فيه عمل دنياهم؛ فقالوا: نتفرغ يوم السبت؛ فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً؛ فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم نبيّكم؛ فخذوا به، فذلك اختلافهم؛ فجعل لهم يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي؛ فحرم الله عليهم العمل فيه؛ عقوبة لهم.

وقال الحسن وقتادة: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ ﴾ ، أي: إنما لعن في السبت؛ فمسخوا قردة ﴿ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعضٌ.

وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء فمنهم من صدق، ومنهم من كذب؛ فحرم عليهم يوم السبت؛ عقوبة [لهم]؛ أو أن يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشة؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، ونحوه بعدما أقام عليهم من الآيات ما كانت لهم فيها كفاية فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكر ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يخرج على وجهين: أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه)، أي: على الذين فسقوا فيه؛ حيث قال: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ .

والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه؛ لأن فريقاً منهم قد نهوهم عن ذلك، وفريقاً قد اعتدوا؛ فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم.

وقوله: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يحتمل فيه، أي: في موسى، أو في يوم السبت الذي اختلفوا فيه وعوقبوا فيه، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل: [لكن لو قيل: قد بين في الدنيا: بين المحق من المبطل؛ حيث أهلك] فريقاً؛ وأنجى فريقاً؛ فكيف قال: يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟

لكن يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما جُعِل تعظيم السبت فرضًا على اليهود الذين اختلفوا فيه؛ ليتفرغوا فيه من مشاغلهم للعبادة بعد أن ضلوا عن يوم الجمعة الذي أمروا بالتفرغ فيه، وإن ربك -أيها الرسول- ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فيجازي كلًّا بما يستحقُّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.A60Xe"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر