الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢٤ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢٤ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع ، يجتمع الناس فيه للعبادة ، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة ; لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة ، واجتمعت [ الناس ] فيه وتمت النعمة على عباده .
ويقال : إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى ، فعدلوا عنه واختاروا السبت ; لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة ، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة ، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه ، مع أمره إياهم بمتابعة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا بعثه .
وأخذ مواثيقهم وعهودهم على ذلك ; ولهذا قال تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قال مجاهد : اتبعوه وتركوا الجمعة .
ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به ، حتى بعث الله عيسى ابن مريم ، فيقال : إنه حولهم إلى يوم الأحد .
ويقال إنه : لم [ يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها وإنه لم ] يزل محافظا على السبت حتى رفع ، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد ، مخالفة لليهود ، وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة ، والله أعلم .
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد " .
لفظ البخاري .
وعن أبي هريرة وحذيفة - رضي الله عنهما - قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ، والمقضي بينهم قبل الخلائق " .
رواه مسلم [ والله أعلم ] .
وقوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت.
وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) اتبعوه وتركوا الجمعة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ ) قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يُمان، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) قال: باستحلالهم يوم السبت.
حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) قال: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم.
وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.
قوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون قوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا في دينه ، بل كان سمحا لا تغليظ فيه ، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه ، ثم جاء عيسى - عليه السلام - بيوم الجمعة فقال : تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا .
فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، [ ص: 181 ] فاختاروا الأحد .
وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من الاختلاف ; فقالت طائفة : إن موسى - عليه السلام - أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم ، وأخبرهم بفضيلته على غيره ، فناظروه أن السبت أفضل ; فقال الله له : ( دعهم وما اختاروا لأنفسهم ) .
وقيل : إن الله - تعالى - لم يعينه لهم ، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه ، فعينت اليهود السبت ; لأن الله - تعالى - فرغ فيه من الخلق .
وعينت النصارى يوم الأحد ; لأن الله - تعالى - بدأ فيه بالخلق .
فألزم كل منهم ما أداه إليه اجتهاده .
وعين الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة ، فكانت خير الأمم أمة .
روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له - قال يوم الجمعة - فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى فقوله : فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه يقوي قول من قال : إنه لم يعين لهم ; فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل اختلفوا .
وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا .
ومما يقويه أيضا قوله - عليه السلام - : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا .
وهذا نص في المعنى .
وقد جاء في بعض طرقه فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه .
وهو حجة للقول الأول .
وقد روي : إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع .قوله تعالى : على الذين اختلفوا فيه يريد في يوم الجمعة كما بيناه ; اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى .
ووجه الاتصال بما قبله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر باتباع الحق ، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود .
يقول تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ } أي: فرضا { عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } حين ضلوا عن يوم الجمعة وهم اليهود فصار اختلافهم سببا لأن يجب عليهم في السبت احترامه وتعظيمه، وإلا فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة الذي هدى الله هذه الأمة إليه.
{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيبين لهم المحق من المبطل والمستحق للثواب ممن استحق العقاب
قوله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قيل : معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه أي : خالفوا فيه .
وقيل : معناه ما فرض الله تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه أي : خالفوا فيه فقال قوم : هو أعظم الأيام ، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثم سبت يوم السبت .
وقال قوم : بل أعظم الأيام يوم الأحد ، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الأشياء ، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم ، وقد افترض الله عليهم تعظيم يوم الجمعة .
قال الكلبي : أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة ، فقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة ، ولا تعملوا فيه لصنعتكم ، وستة أيام لصناعتكم ، فأبوا وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت ، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة ، فقالوا لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا - يعنون اليهود - فاتخذوا الأحد فأعطى الله الجمعة هذه الأمة ، فقبلوها وبورك لهم فيها .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غدا ، والنصارى بعد غد " .
قال الله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قال قتادة : الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، استحله بعضهم ، وحرمه بعضهم .
( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )
«إنما جعل السبت» فرض تعظيمه «على الذين اختلفوا فيه» على نبيهم، وهم اليهود أمروا أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فقالوا: لا نريده واختاروا السبت فشدد عليه فيه «وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون» من أمره بأن يثيب الطائع ويعذب العاصي بانتهاك حرمته.
إنما جعل الله تعظيم يوم السبت بالتفرغ للعبادة فيه على اليهود الذين اختلفوا فيه على نبيهم، واختاروه بدل يوم الجمعة الذي أُمِروا بتعظيمه.
فإن ربك -أيها الرسول- لَيحكم بين المختلفين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه على نبيهم، ويجازي كلا بما يستحقه.
( إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ .
.
.
)والمراد بالسبت : اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصله - كما يقول ابن جرير - الهدوء والسكوت فى راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم المسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته ، كما قال - جل ثناؤه - : ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أى : راحة لأبدانكم .
.
.والكلام على حذف مضاف ، والمعنى : إنما جعل تعظيم يوم السبت ، والتخلى فيه للعبادة ، ( على الذين اختلفوا فِيهِ ) وهم اليهود ، حيث أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بتعظيم يوم الجمعة ، فخالفوه واختاروا السبت .قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : ( على الذين اختلفوا فِيهِ ) أى : خالفوا نبيهم ، حيث أمرهم : أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه ، وشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه ، فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضى ، وبعضهم لم يرض ، بل المراد به امتناع الجميع - حيث قالوا لا نريد يوم الجمعة ، واختاروا السبت .ثم قال : وفى معنى الآية قول آخر .
قال قتادة : إن الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، حيث استحله بعضهم وحرمه بعضهم ، فعلى هذا القول يكون معنى قوله ( إِنَّمَا جُعِلَ السبت .
اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم عليه السلام، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وعند هذا لسائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ وفي الآية قولان: القول الأول: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضاً بالجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا واتخذوا الأحد.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد».
إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله، وليس معنى قوله: ﴿ اختلفوا فِيهِ ﴾ أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله: ﴿ اختلفوا فِيهِ ﴾ بهذا، بل الصحيح ما قدمناه.
فإن قال قائل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت؟
وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة، فكان يوم السبت يوم الفراغ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد، فنجعل هذا اليوم عيداً لنا، فهذان الوجهان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيداً لنا؟
قلنا: يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه، والله أعلم.
والقول الثاني: في اختلافهم في السبت، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمعنى: أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها.
إنما جعل وبال السبت وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فية تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه.
والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته.
فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعاً محلين أو محرّمين؟
قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم ﴿ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه.
ومعنى جعل السبت: فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه.
وقرئ: ﴿ إنما جعل السبت ﴾ ، على البناء للفاعل وقرأ عبد الله: ﴿ إنا أنزلنا السبت ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ تَعْظِيمُ السَّبْتِ، أوِ التَّخَلِّي فِيهِ لِلْعِبادَةِ.
﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ عَلى نَبِيِّهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَفَرَّغُوا لِلْعِبادَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَأبَوْا وقالُوا: نُرِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ لِأنَّهُ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَألْزَمَهُمُ اللَّهُ السَّبْتَ وشَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ مَعْناهُ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ أُخْرى واحْتالُوا لَهُ الحِيَلَ، وذَكَرَهم هُنا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَذِكْرِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِالمُجازاةِ عَلى الِاخْتِلافِ، أوْ بِمُجازاةِ كُلِّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ} أي فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} رُوى أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فأطاع أمر الله الرضوان بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ بِمَعْنى إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ والتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ وتَرْكُ الصَّيْدِ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ النَّفْيِ الكُلِّيِّ وتَوْضِيحٌ لَهُ بِإبْطالِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ قادِحًا في الكُلِّيَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحافِظًا عَلَيْهِ أيْ لَيْسَ السَّبْتُ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ وشَعائِرِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أُمِرَتْ بِاتِّباعِها حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ عَلاقَةٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما شُرِعَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ الإسْنادِ إلى الغَيْرِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «جُعِلَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهُما قَرَءا «إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ» وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرُ مَعْنى لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ ذَلِكَ سَوادَ المُصْحَفِ، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُما أنَّهم قَرَءا كالجَماعَةِ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ عَلى نَبِيِّهِمْ حَيْثُ أمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتارُوا السَّبْتَ وهُمُ اليَهُودُ.
أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ والشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الجُمْعَةَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ تَعالى لَهُ فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ»».
وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اليَهُودَ بِالجُمُعَةِ وقالَ: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا واحِدًا وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن أعْمالِكم فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وقالُوا: لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ وشُدِّدَ فِيهِ الأمْرُ ثُمَّ جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجُمُعَةِ فَقالَتِ النَّصارى: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا فاتَّخَذُوا الأحَدَ وكَأنَّهم إنَّما اخْتارُوهُ لِأنَّهُ مُبْتَدَأُ الخَلْقِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ وحَمَلَ «فِي» عَلى التَّعْلِيلِ أيِ اخْتَلَفُوا عَلى نَبِيِّهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: مَعْنى ( اخْتَلَفُوا فِيهِ ) خالَفُوا جَمِيعُهم نَبِيَّهم فَهو اخْتِلافٌ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ، وظاهِرُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّهُ عُيِّنَ لَهم أوَّلًا يَوْمُ الجُمْعَةِ، وقالَ القاضِي عِياضٌ: الظّاهِرُ أنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ووُكِّلَ إلى اجْتِهادِهِمْ فاخْتَلَفَتْ أحْبارُهم في تَعْيِينِهِ ولَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وفَرَضَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مُبَيِّنًا فَفازُوا بِفَضِيلَتِهِ ولَوْ كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ ( اخْتَلَفُوا ) بَلْ يُقالُ خالَفُوا، وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا صَرِيحًا ونَصَّ عَلَيْهِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ أمْ لَهم إبْدالُهُ فَأبْدَلُوهُ وغَلِطُوا في إبْدالِهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: قَدْ أُشْكِلَ أمْرُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: هو أعْظَمُ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ، وقالَ الآخَرُونَ: أعْظَمُها حُرْمَةً الأحَدُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا فِرْقَتَيْنِ في السَّبْتِ وإنَّما اخْتارَ الأحَدَ النَّصارى بَعْدَهم بِزَمانٍ وقِيلَ: المُرادُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم في شَأْنِهِ فَفَضَّلَتْهُ فَرِقَّةٌ مِنهم عَلى الجُمُعَةِ ولَمْ تَرْضَ بِها وفَضَّلَتْ أُخْرى الجُمُعَةَ عَلَيْهِ ومالَتْ إلَيْها بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهم بِالجُمُعَةِ فَأبى أكْثَرُهم إلّا السَّبْتَ ورَضِيَ شِرْذِمَةٌ مِنهم بِها فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في السَّبْتِ وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً دُونَ أُولَئِكَ المُطِيعِينَ.
والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ تَفْسِيرُ رَئِيسِ المُفَسِّرِينَ وتُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ المَرْوِيُّ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أفْضَلِ النَّبِيِّينَ وأعْلَمِ الخَلْقِ بِمُرادِ رَبِّ العالَمِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيِ المُخْتَلِفِينَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أيْ يَقْضِي بَيْنَهم بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْصِلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنهم مِنَ الخُصُومَةِ والِاخْتِلافِ فَيُجازِي كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ عَلى هَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما وقَعَ في الدُّنْيا مِن مَسْخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وإنْجاءِ الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ لا يَعْتَدُّ بِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الفَرْضِ بِالجَعْلِ مَوْصُولًا بِكَلِمَةِ ( عَلى ) لِلْإيذانِ بِتَضَمُّنِهِ لِلتَّشْدِيدِ والِابْتِلاءِ المُؤَدِّي إلى العَذابِ، وعَنِ اليَهُودِ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِالِاخْتِلافِ إشارَةً إلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما جَعَلَ وبالَ تَرْكِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وهو المَسْخُ كائِنًا أوْ واقِعًا عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أيْ أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ أُخْرى وكانَ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْرِيمِهِ حَسْبَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَ الحُكْمُ بَيْنَهم بِالمُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى.
ووَجْهُ إيرادِ ذَلِكَ هاهُنا بِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ إنْذارُ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدُهم بِما في مُخالَفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الوَبالِ كَما ذَكَرَتِ القَرْيَةُ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى تَمْثِيلًا لِذَلِكَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ تَوْسِيطَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَيْنَ حِكايَةِ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ حَثًّا عَلى إجابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ السّابِقُ وأُمِرَ بِها في الكَلامِ اللّاحِقِ فَلِلْمُتَوَسِّطِ نِسْبَةً إلى الطَّرَفَيْنِ تَخَرُّجُهُ مِن أنْ يَكُونَ الفَصْلُ بِهِ كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وهو كَما تَرى.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَلِمَةَ ( بَيْنَهم ) تَحْكُمُ بِأنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ هو فَصْلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ دُونَ المُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى.
ويَرُدُّ هَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِالقَضاءِ بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ جَمِيعِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلَيْهِ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنْ قَتادَةَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما ذُكِرَ مَعَ ما في ضِمْنِهِ مِنَ القَوْلِ بِاخْتِلافِ الِاخْتِلافَيْنِ مَعْنًى، والظّاهِرُ اتِّحادُهُما.
وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الِاعْتِراضِ بِمَنعِ حُكْمِ كَلِمَةِ «بَيْنَهُمْ» بِما تَقَدَّمَ فَتَأمَّلْ، وتَفْسِيرُ السَّبْتِ بِاليَوْمِ المَخْصُوصِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبَتْها، قِيلَ: ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في الآيَةِ اسْتِخْدامُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ أي: إماماً يقتدى به قانِتاً أي: مطيعاً لربه.
وروى عامر عن مسروق أنه قال: ذكر عند عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل، فقال عبد الله بن مسعود: «كان معاذ بن جبل أمةً قانتاً» .
فقال رجل: وما الأُمة؟
قال: «الذي يعلِّم الناس الخير، والقانت الذي يطيع الله ورسوله» .
وقال القتبي: إنَّما سماه أُمَّةً لأنه كان سبب الاجتماع وقد يجوز أنه سماه أمةً لأنه اجتمع عنده خصال الخير.
ويقال: إنّما سماه أُمَّةً لأنه آمن وحده حين لم يكن مؤمن غيره.
وهذا كما روي عن رسول الله أنه قال: «يَجيءُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يوم القيامة أمة وَحْدَهُ» ، وقد كان أسلم قبل خروج النبيّ حين لَم يكن بمكة مؤمن غيره، وتابعه ورقة بن نوفل، وعاش ورقة بن نوفل إلى وقت خروج النبيّ حتى أنزل عليه الوحي.
ثم قال: حَنِيفاً مُسْلِماً أي: مستقيماً مائلاً عن الأديان كلها وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي: مع المشركين على دينهم، وأصله: ولم يكن، فحذفت النون لكثرة استعمال هذا الحرف.
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ يقول: بما أنعم الله عليه اجْتَباهُ أي: اصطفاه واختاره للنبوة، وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: إلى دين قائم وهو الإسلام وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يقول: أكرمناه بالثناء الحسن.
ويقال: بالنبوة.
ويقال: بالولد الطيب وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ يعني: مع الأنبياء في الجنة.
قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي: بعده هذه الكرامة التي أعطيناها إبراهيم، أمرناك أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي: استقم على دين إبراهيم حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم.
<div class="verse-tafsir"
يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه: إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، اقتداء بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى.
وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد ذلك في الآخرة، وقوله: مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِشارةٌ إِلى ما في «سورة الأنعام» من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)
وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة: «الجهالة» هنا: العَمْد، والجهالة عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس.
ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ» «١» وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع.
وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ...
الآية: لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم- أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم عليه السلام، «والأمة» ، في اللغة: لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم عليه السلام أمة، قال مجاهد: سُمِّيَ إِبراهيم أمةً لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا «٢» ، وفي البخاريِّ أنه قال لِسَارَةَ: «لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ» ، وفي البخاريِّ قال ابن مسعود: الأمّة معلّم الخير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴾ أيْ: إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ وتَحْرِيمُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿ إنَّما جُعِلَ ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ ﴿ السَّبْتُ ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ ﴿ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ والهاءُ تَرْجِعُ إلى السَّبْتِ.
وَفِي مَعْنى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ لَهم: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا، فاعْبُدُوهُ في يَوْمِ الجُمْعَةِ، ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن صَنِيعِكم، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا نَبْتَغِي إلّا اليَوْمَ الَّذِي فُرِغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهو يَوْمُ السَّبْتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَهم مُوسى بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، قالُوا: نَتَفَرَّغُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَقالَ: إنَّما أُمِرْتُ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، فَقالَ أحْبارُهم: انْتَهُوا إلى أمْرِ نَبِيِّكم، فَأبَوْا، فَذَلِكَ اخْتِلافُهم، فَلَمّا رَأى مُوسى حِرْصَهم عَلى السَّبْتِ، أمَرَهم بِهِ، فاسْتَحَلُّوا فِيهِ المَعاصِيَ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا يَوْمَ السَّبْتِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ أرْبَعِينَ صَباحًا.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في " مُخْتَلِفِ الحَدِيثِ ": «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مُوسى بِالسَّبْتِ، ونُسِخَ السَّبْتُ بِالمَسِيحِ» .
والثّانِي: أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَحَلَّهُ، وبَعْضَهم حَرَّمَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا.
والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟
هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ.
و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ.
و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً ﴾ ، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.
الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ ﴾ ، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية ينادي على أنها تضمّنت معنى يرتبط بملّة إبراهيم وبمجيء الإسلام على أساسها.
فلما نفت الآية قبل هذه أن يكون إبراهيم عليه السلام من المشركين ردّاً على مزاعم العرب المشركين أنهم على ملّة إبراهيم، انتقل بهذه المناسبة إلى إبطال ما يشبه تلك المزاعم.
وهي مزاعم اليهود أن ملّة اليهودية هي ملّة إبراهيم زعماً ابتدعوه حين ظهور الإسلام جحداً لفضيلةٍ فاتتهم، وهي فضيلة بناء دينهم على أول دين للفطرة الكاملة حسداً من عند أنفسهم.
وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ يأهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم ﴾ في سورة آل عمران (65).
فهذه الآية مثل آية آل عمران يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فذلك دالّ على أن هؤلاء الفرق الثلاث اختلفوا في إبراهيم، فكل واحدة من هؤلاء تدّعِي أنها على ملته، إلا أنه اقتصر في هذه الآية على إبطال مزاعم المشركين بأعظم دليل وهو أن دينهم الإشراك وإبراهيمُ عليه السلام ما كان من المشركين.
وعقب ذلك بإبطال مزاعم اليهود لأنها قد تكون أكثر رواجاً، لأن اليهود كانوا مخالطين العرب في بلادهم، فأهل مكة كانوا يتّصلون باليهود في أسفارهم وأسواقهم بخلاف النّصارى.
ولما كانت هذه السورة مكّية لم يتعرّض فيها للنّصارى الذين تُعرّض لهم في سورة آل عمران.
ولهذا تكون جملة إنما جعل السبت } استئنافاً بيانياً نشأ عن قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123] إذ يثير سؤالاً من المخالفين: كيف يكون الإسلام من ملّة إبراهيم؟
وفيه جعل يوم الجمعة اليومَ المقدس.
وقد جعلت التوراة لليهود يوم التّقديس يوم السبت.
ولعلّ اليهود شغبوا بذلك على المسلمين، فكان قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ بياناً لجواب هذا السؤال.
وقد وقعت هذه الجملة معترضة بين جملة ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123] وجملة ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ [سورة النحل: 125] الخ.
ولذلك افتتحت الجملة بأداة الحصر إشعاراً بأنها لقلب ما ظنّه السائلون المشغبون.
وهذا أسلوب معروف في كثير من الأجوبة المورَدة لردّ رأي موهوم، فالضمير في قوله: ﴿ فيه ﴾ عائد إلى إبراهيم على تقدير مضاف، أي اختلفوا في ملّته، وليس عائداً على السبت، إذ لا طائل من المعنى في ذلك.
والذين اختلفوا في إبراهيم، أي في ملّته هم اليهود لأنهم أصحاب السبت.
ومعنى ﴿ جعل السبت ﴾ فرض وعُيّن عليهم، أي فرضت عليهم أحكام السبت: من تحريم العمل فيه، وتحريم استخدام الخدم والدوابّ في يوم السبت.
وعدل عن ذكر اسم اليهود أو بني إسرائيل مع كونه أوجزَ إلى التّعبير عنهم بالموصول لأن اشتهارهم بالصّلة كاففٍ في تعريفهم مع ما في الموصول وصلته من الإيماء إلى وجه بناء الخبر.
وذلك الإيماء هو المقصود هنا لأن المقصود إثبات أن اليهود لم يكونوا على الحنيفية كما علمت آنفاً.
وليس معنى فِعل ﴿ اختلفوا ﴾ وقُوع خلاف بينهم بأمر السبت بل فعل ﴿ اختلفوا ﴾ مرادٌ به خالفوا كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «واختلافهم أنبيائهم» أي عملهم خلاف ما أمر به أنبياؤهم.
فحاصل المعنى هكذا: ما فُرض السبت على أهل السبت إلا لأنهم لم يكونوا على ملّة إبراهيم، إذ مما لا شكّ فيه عندهم أن ملّة إبراهيم ليس منها حرمة السبت ولا هو من شرائعها.
ولم يقع التعرّض لليوم المقدّس عند النصارى لعدم الداعي إلى ذلك حين نزول هذه السورة كما علمت.
ولا يؤخذ من هذا أن ملّة إبراهيم كان اليومُ المقدّسُ فيها يومَ الجمعة لعدم ما يدلّ على ذلك، والكافي في نفي أن يكون اليهود على ملّة إبراهيم أن يوم حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم.
ثم الأظهر أن حرمة يوم الجمعة ادخرت للملّة الإسلامية لقول النبي صلى الله عليه وسلم «فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه فَهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهودُ غداً والنصارى بعد غَد».
فقوله: «فهدانا الله إليه» يدلّ على أنه لم يسبق ذلك في ملّة أخرى.
فهذا وجه تفسير هذه الآية، ومحمل الفعل والضمير المجرور في قوله: ﴿ اختلفوا فيه ﴾ .
وما ذكره المفسّرون من وجوه لا يخلو من تكلّف وعدم طائل.
وقد جعلوا ضمير ﴿ فيه ﴾ عائداً إلى ﴿ السبت ﴾ .
وتأوّلوا معنى الاختلاف فيه بوجوه.
ولا مناسبة بين الخبر وبين ما تُوهّم أنه تعليل له على معنى جعل السبت عليهم لأنهم اختلفُوا على نبيئهم موسى عليه السلام لأجل السبت، لأن نبيّهم أمرهم أن يعظّموا يومَ الجمعة فأبَوا، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضّل من الأسبوع بعلّةِ أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت، ولم يكن في يوم السبت خَلق، فعاقبهم الله بالتّشديد عليهم في حرمة السبت.
كذا نقل عن ابن عباس.
وهو لا يصحّ عنه، وكيف وقد قال الله تعالى: ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ [سورة النساء: 154].
وكيف يستقيم أن يعدل موسى عليه السلام عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عُرف بالصلابة في الدين.
من المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معيّن فعيّنوه السبت.
وهذا لا يستقيم لأن موسى عليه السلام عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصحّ أن يكونوا فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة.
ولعلّك تلوح لك حيرة المفسّرين في التئام معاني هذه الآية.
وإنما} للحصر وهو قصر قلب مقصود به الردّ على اليهود بالاستدلال عليهم بأنهم ليسوا على ملّة إبراهيم، لأن السبت جعله الله لهم شرعاً جديداً بصريح كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم.
وتركيب الاستدلال: إن حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملّة إبراهيم.
ومعنى ﴿ جعل السبت ﴾ أنه جعل يوماً معظّماً لا عمل فيه، أي جعل الله السبت معظّماً، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازاً ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى: ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ [سورة النساء: 154] وقوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ [سورة الأعراف: 163].
وضمن فعل ﴿ جعل ﴾ معنى فُرض فعدي بحرف ﴿ على ﴾ .
وقد ادّخر الله تعالى لمحمد أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم، فجعل لليهود والنصارى ديناً مخالفاً لملّة إبراهيم، ونصَب على ذلك شعاراً وهو اليوم الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح عليه السلام إشارة إلى ذلك، لئلا يكون يوم السبت مسترسلاً في بني إسرائيل، تنبيهاً على أنهم عرضة لنسخ دينهم بدين عيسى عليه السلام وإعداداً لهم لتلّقي نسخ آخر بعد ذلك بدين آخر يكون شعاره يوماً آخر غير السبت وغير الأحد.
فهذا هو التفسير الذي به يظهر انتساق الآي بعضها مع بعض.
وبينهم } ظرف للحكم المستفاد من «يحكم»، أي حكماً بين ظهرانيهم.
وليست ﴿ بينهم ﴾ لتعدية «يحكم» إذ ليس ثمّة ذكر الاختلاف بين فريقين هنا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ وفي اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ أعْظَمَ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَ الأحَدَ أعْظَمَ حُرْمَةً مِنهُ لِأنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ خَلْقَ الأشْياءِ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهم عَدَلُوا عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِن تَعْظِيمِ الجُمُعَةِ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ السَّبْتِ والأحَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى، إنه لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعل لنا السبت، فلما جعل عليهم السبت استحلوا فيه ما حرم عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ قال: بإستحلالهم إياه، رأى موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت فضرب عنقه.
وأخرج الشافعي في الأم والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد» .
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق والله أعلم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ الآية.
قال مجاهد: اختلفوا فيه واتبعوه وتركوا الجمعة (١) وقال السدي: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى، إن الله لم يخلق يومًا أثقل علينا ولا أبغض إلينا من يوم الجمعة، فاجعل لنا يوم السبت، فلما جعل لهم السبت استحلوا منه ما حرم عليهم (٢) وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نبغي إلا اليوم الذي فُرغ فيه من الخلق، يوم السبت، فجُعل عليهم السبت وشُدِّدَ عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فقال النصارى: لا نريد أن يكون عِيدُهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد، هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين في هذه الآية (٣) - قال: "إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا والنصارى بعد غد" (٤) (٥) وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ، أي: اختلفوا فيه على نبيهم موسى؛ حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم (٦) (٧) وقال بعض المفسرين أيضًا: أكثر اليهود قالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق الأشياء، وكان شرذمة منهم يرغبون في الجمعة، فهذا اختلافهم (٨) (٩) وفي الآية قولٌ ثانٍ، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس قال: ﴿ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ، يريد تهاونوا وصادوا فيه وتعدوا (١٠) وقال قتادة: استحله بعضهم وحرمه بعضهم (١١) وهذا قول سعيد بن جبير، وعلى هذا معنى اختلافهم في السبت: اختلافهم في استحلاله بالصيد فيه، وتحريمُه: ما ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الأعراف [163] زمن داود، والوجه هو القول الأول؛ لأن السبت جعل عليهم من أول ما اختاروه لا من زمن داود - -، ومعنى فجعل عليهم: أي جعل ذلك اليوم عقوبة وتشديدًا عليهم، ولم يجعل لهم ذلك اليوم كما ذكر الكلبي: أنهم لما تركوا الجمعة وأرادوا السبت بَدَلَها، جعل عليهم السبت وشدّد عليهم فيه، والآية تدل على نسخ ما سبق من الشريعة في السبت بشريعة محمد - -، حيث أخبر أن السبت جعل عليهم ولم يجعل علينا.
وذكر بعض أهل المعاني أن وجه اتصال معنى هذه الآية بمعنى الآية السابقة هو: أنه لمّا أُمر النبيّ - - باتباع الحق، حذر من الاختلاف عليه فيه بما ذكر من حال الذين اختلفوا على نبيهم في السبت بما ليس لهم أن يختلفوا فيه، فشدد عليهم أمره وضيق (١٢) وذكر أبو إسحاق القولين في هذه الآية فقال: جاء في التفسير أنهم أُمروا بأن يتخذوا الجمعة عيدًا، فخالفوا وقالوا: نريد يوم السبت، واختار القول الأول فقال: هو أدل على ما جاء في الاختلاف في السبت (١٣) (١) "تفسير مجاهد" ص 355، بنصه، أخرجه الطبري 14/ 193 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 652.
(٢) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 254، بنحوه وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٣) ورد بنحوه منسوبًا إلى الكلبي في: "تفسير هود الهواري" 2/ 395 وليس فيه الخبر عن عيسى ، والثعلبي 2/ 166 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، وابن الجوزي 4/ 505، والفخر الرازي 20/ 137، والخازن 3/ 141، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، بنحوه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنحوه، والسمرقندي 2/ 255، بنحوه.
(٤) في جميع النسخ: (غدًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.
(٥) ورد في جميع المصادر بزيادة، وطرفه: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" أخرجه أحمد (2/ 249، 274، 241)، البخاري (876) كتاب: الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذه الأمة، والدارقطني (2/ 3)، والثعلبي 2/ 166 ب، والبيهقي: الطهارة/ الغسل على من أراد الجمعة (1/ 297، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 475، والبغوي 5/ 52، والبغوي في شرح السنة: الجمعة/ فرض الجمعة 4/ 200، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، وهود الهواري 2/ 395، والخازن 3/ 141، وابن كثير 2/ 652.
(٦) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، وهود الهواري 2/ 395.
(٧) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 193، بنصه، والثعلبي 2/ 166 أ، بنصه، و"تفسير الماوردى" 3/ 220، بنصه، والطوسي 6/ 438، بنصه.
(٨) انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 348، وابن عطية 8/ 544، وأبي حيان 5/ 548، و"تفسير الألوسي" 14/ 253.
(٩) في (ش)، (ع): (يروا) من الرؤية، والمثبت أصح من الرواية؛ كما هو السياق.
(١٠) ورد غير منسوب في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بمعناه.
(١١) أخرجه الطبري 14/ 194 بنصه، عن سعيد عن قتادة، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 112، بنصه، عن سعيد عن قتادة، و"تفسير الثعلبى" 2/ 166 ب، بنصه عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، عن قتادة، وابن الجوزي 4/ 505، عن قتادة، والخازن 3/ 142، عن قتادة، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 395، بنصه.
(١٢) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 200.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده أمة من الأمم بكماله وجمعه لصفات الخير كقول الشاعر: فليس على الله بمستنكر ** أن يجمع العالم في واحد والآخر: أن يكون أمة بمعنى إمام كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ [البقرة: 124] قال ابن مسعود: والأمة معلم الناس الخير، وقد ذكر معنى القانت والحنيف ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً ﴾ يعني لسان الصدق، وأن جميع الأمم متفقون عليه، وقيل: يعني المال والأولاد ﴿ لَمِنَ الصالحين ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين ﴾ نفى عنه الشرك لقصد الرد على المشركين من العرب الذين كانوا ينتمون إليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون بالياء.
﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.
التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.
وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.
﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.
ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.
﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.
﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.
قاله الحسن.
﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.
قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟
والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.
وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.
﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟
فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.
قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل ﴾ .
﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.
وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.
وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.
﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.
﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.
وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".
ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.
وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.
وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.
ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله أجراً على أجر.
ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.
وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.
ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.
ثم شرف نبينا بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..
ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.
الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.
ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.
ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟
ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".
قال الفقهاء.
إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا ﴾ .
وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.
وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا ﴾ والله أعلم بمراده.
وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله ولم يتقرر الإسلام في قلبي.
فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.
قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً .
وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.
وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله عنه فيها.
قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.
وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.
وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.
قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.
واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".
كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.
ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.
وبوجه آخر.
نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.
وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله فيه.
وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.
والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.
وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.
وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ﴾ ولما بالغ رسول الله في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.
فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.
هذا ما قيل.
وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.
ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".
ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.
فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.
وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.
ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.
وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.
والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.
قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.
فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.
ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ .
وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.
وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.
وأكد ووكد لغتان فصيحتان.
قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.
وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".
وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .
وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ الآية.
﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.
﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.
وفيه ترغيب وترهيب.
ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.
قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.
وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.
وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.
قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.
قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.
فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.
وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.
قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.
وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.
وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.
وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.
وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.
قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.
﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.
وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.
وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.
ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.
﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.
ثم بين أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.
أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.
روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.
فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.
قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي .
قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.
وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.
﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.
ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.
قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.
ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.
وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ .
ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.
ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.
واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.
عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.
وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.
والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.
وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.
وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .
قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.
لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.
وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.
ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.
وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.
﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.
فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.
﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.
يقال: توليته أي أطعته.
وتوليت عنه أي أعرضت عنه.
أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.
وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.
التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.
﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.
فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.
﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.
﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.
﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.
وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.
والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.
﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.
بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً ﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: الأمة: الذي يعلم الناس الخير، والقانت: المطيع لله.
وقال بعضهم: أمة قانتاً، أي: مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.
وقال بعضهم: كان أمة، أي: إماماً يقتدى به [في كل خير؛ كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .
وقال الحسن: كان أمة، أي سنة يقتدى به].
ويحتمل أن يكون سماه: أمّة، لما كان كالأمّة والجماعة من القيام مع الأعداء؛ لأنه، وإن كان منفرداً وحده، فكان قيامه مع الأعداء والأكابر منهم كالجماعة والأمة، والممتنع عنهم كالمتفرد.
وأصل الأمة؛ قيل: الجماعة والعدد.
ويحتمل قوله: ﴿ إِكَانَ أُمَّةً ﴾ ، أي: مجمع كل خير وكل طاعة؛ لما عمل هو من الخير عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير؛ فسميّ أمّة لهذا الذي ذكرنا، أو أن يكون تفسير الأمة ما ذكر على أثره: ﴿ قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ﴾ ، والقانت، قيل: المطيع، والقنوت [هو القيام] - كما ذكر - "أنه سئل عن أفضل الصلاة؛ فقال: طولُ القُنُوتِ" ؛ أي: طول القيام؛ فعلى هذا: المعنى: هو القائم لله في كل ما يعبده وأمره به.
وقيل: ﴿ أُمَّةً ﴾ ، أي: ديناً؛ لقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، اي: دينكم ديناً واحداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
قيل: الحاج، وقيل: الحنيف: المسلم، وقيل: المخلص، وفيه كل ذلك: كان حاجّاً مسلماً مخلصاً لله، وأصل الحنف: الميل، أي: كان مائلاً إلى أمر الله وما يعبده به، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذين الوجهين.
أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه فبرّأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين؛ وهو ما قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...
﴾ الآية [آل عمران: 67].
والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ؛ لأنه هو كان ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكاً، ففيه مشبه في ظاهره؛ فبرأه الله عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكاً، ولكن على المحاجة خرج ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوْله - عز وجل -: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ .
أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ الله في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان الله عليه فضلاً أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن الله - عز وجل - بفضله ومنّه سمىّ ذلك شكراً، وإن لم يكن في الحقيقة شكراً؛ كما ذكر الصدقة التي تصدّق بها العبد إقراضاً كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهُم وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك شراء؛ لكنّه بلطفه [وفضله] عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَبَاهُ ﴾ .
قال بعضهم: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماماً يقتدى به.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً...
﴾ الآية [الأنعام: 161].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .
قال بعضهم: الثناء الحسن، وقال بعضهم: الحسنة في الدنيا؛ لأن جميع أهل الأديان يتولّونه ويرضونه.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ، أي: ما آتاه الله - لم يؤته إلا حسنة؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ - أي: ما آتيتناه في الدنيا، آتنا كلها حسنة؛ لأن قوله: ﴿ حَسَنَةً ﴾ إنما هي اسم حسنة واحدة أو أن يكون ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ عند قبض روحه، أي: على الحسنة قبض روحه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
أي: لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ : النبوة والرسالة، أو أن يقال: إنّه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه؛ لكنه خصّ به كما هو خص في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم.
قد كان من إبراهيم معنى؛ حتى خص الله إبراهيم به من بين غيره؛ فذلك الأوّل، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .
أي: دين إبراهيم وسبيله، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال جبريل - - إلى إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليه - يوم التروية، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها، وأراه أباه، فأوحى الله إلى محمد : ﴿ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملّته في الحج وفي غيره.
وأصل الملّة: الدّين، والله أعلم؛ كقوله: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ" ، أي: أهل دينين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: اختلافهم؛ وذلك أن موسى - - أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا في كل سبعة أيام يوماً للعبادة، وهو يوم الجمعة، وينزعوا فيه عمل دنياهم؛ فقالوا: نتفرغ يوم السبت؛ فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً؛ فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم نبيّكم؛ فخذوا به، فذلك اختلافهم؛ فجعل لهم يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي؛ فحرم الله عليهم العمل فيه؛ عقوبة لهم.
وقال الحسن وقتادة: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ ﴾ ، أي: إنما لعن في السبت؛ فمسخوا قردة ﴿ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعضٌ.
وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء فمنهم من صدق، ومنهم من كذب؛ فحرم عليهم يوم السبت؛ عقوبة [لهم]؛ أو أن يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشة؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، وكقوله: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، ونحوه بعدما أقام عليهم من الآيات ما كانت لهم فيها كفاية فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكر ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يخرج على وجهين: أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه)، أي: على الذين فسقوا فيه؛ حيث قال: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه؛ لأن فريقاً منهم قد نهوهم عن ذلك، وفريقاً قد اعتدوا؛ فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم.
وقوله: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يحتمل فيه، أي: في موسى، أو في يوم السبت الذي اختلفوا فيه وعوقبوا فيه، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .
يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل: [لكن لو قيل: قد بين في الدنيا: بين المحق من المبطل؛ حيث أهلك] فريقاً؛ وأنجى فريقاً؛ فكيف قال: يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟
لكن يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
إنما جُعِل تعظيم السبت فرضًا على اليهود الذين اختلفوا فيه؛ ليتفرغوا فيه من مشاغلهم للعبادة بعد أن ضلوا عن يوم الجمعة الذي أمروا بالتفرغ فيه، وإن ربك -أيها الرسول- ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فيجازي كلًّا بما يستحقُّ.
<div class="verse-tafsir" id="91.A60Xe"