الآية ١٧ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٧ من سورة الأنبياء

لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ) يعني : من عندنا ، يقول : وما خلقنا جنة ولا نارا ، ولا موتا ، ولا بعثا ، ولا حسابا .

وقال الحسن ، وقتادة ، وغيرهما : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) اللهو : المرأة بلسان أهل اليمن .

وقال إبراهيم النخعي : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه ) من الحور العين .

وقال عكرمة والسدي : المراد باللهو هاهنا : الولد .

وهذا والذي قبله متلازمان ، وهو كقوله تعالى : ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه ) [ الزمر : 4 ] ، فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا ، لا سيما عما يقولون من الإفك والباطل ، من اتخاذ عيسى ، أو العزير أو الملائكة ، ( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) [ الإسراء : 43 ] .

وقوله : ( إن كنا فاعلين ) قال قتادة ، والسدي ، وإبراهيم النخعي ، ومغيرة بن مقسم ، أي : ما كنا فاعلين .

وقال مجاهد : كل شيء في القرآن " إن " فهو إنكار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: لو أردنا أن نتخذ زوجة وولدا لاتخذنا ذلك من عندنا، ولكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله ولا ينبغي، لأنه لا ينبغي أن يكون لله ولد ولا صاحبة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سليمان بن عبيد الله الغيداني، قال: ثنا أبو قُتيبة، قال: ثنا سلام بن مسكين، قال: ثنا عقبة بن أبي حمزة، قال: شهدت الحسن بمكة، قال: وجاءه طاووس وعطاء ومجاهد، فسألوه عن قول الله تبارك وتعالى ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنا ) قال الحسن: اللهو: المرأة.

حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن محمد، عن ليث، عن مجاهد في قوله ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ) قال: زوجة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا )...

الآية، أي أن ذلك لا يكون ولا ينبغي.

واللهو بلغة أهل اليمن: المرأة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ) قال: اللهو في بعض لغة أهل اليمن: المرأة ( لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ).

وقوله ( إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله ( إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) يقول: ما كنا فاعلين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قالوا مريم صاحبته، وعيسى ولده، فقال تبارك وتعالى ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ) نساء وولدا( لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) قال: من عندنا، ولا خلقنا جنة ولا نارا، ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ) من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهوا لما اعتقد قوم أن له ولدا قال : لو أردنا أن نتخذ لهوا واللهو المرأة بلغة اليمن ؛ قاله قتادة .

وقال عقبة بن أبي جسرة - وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهوا - فقال : اللهو الزوجة ؛ وقاله [ ص: 186 ] الحسن .

وقال ابن عباس : اللهو الولد ؛ وقاله الحسن أيضا .

قال الجوهري : وقد يكنى باللهو عن الجماع .

قلت : ومنه قول امرئ القيس :ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثاليوإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب ، كما قال زهير بن أبي سلمى :وفيهن ملهى للصديق ومنظرالجوهري : قوله تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهوا قالوا امرأة ، ويقال : ولدا .

لاتخذناه من لدنا أي من عندنا لا من عندكم .

قال ابن جريج : من أهل السماء لا من أهل الأرض .

قيل : أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله ؛ أي كيف يكون منحوتكم ولدا لنا .

وقال ابن قتيبة : الآية رد على النصارى .

إن كنا فاعلين قال قتادة ومقاتل وابن جريج والحسن : المعنى ما كنا فاعلين ؛ مثل إن أنت إلا نذير أي ما أنت إلا نذير .

وإن بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله : لاتخذناه من لدنا .

وقيل : إنه على معنى الشرط ؛ أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد ؛ إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا .

وقيل : لو أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة .

ومال إلى هذا قوم ؛ لأن الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال ، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل ؛ ذكره القشيري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ْ} على الفرض والتقدير المحال { لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ْ} أي: من عندنا { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ْ} ولم نطلعكم على ما فيه عبث ولهو، لأن ذلك نقص ومثل سوء، لا نحب أن نريه إياكم، فالسماوات والأرض اللذان بمرأى منكم على الدوام، لا يمكن أن يكون القصد منهما العبث واللهو، كل هذا تنزل مع العقول الصغيرة وإقناعها بجميع الوجوه المقنعة، فسبحان الحليم الرحيم، الحكيم في تنزيله الأشياء منازلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) اختلفوا في اللهو ، قال ابن عباس في رواية عطاء : اللهو المرأة ، وهو قول الحسن وقتادة ، وقال في رواية الكلبي : اللهو الولد ، وهو قول السدي ، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهوا في اللغة ، والمرأة محل الوطء ( لاتخذناه من لدنا ) أي : من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض .

وقيل : معناه لو كان جائزا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه .

وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال : ( لاتخذناه من لدنا ) لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره ( إن كنا فاعلين ) قال قتادة ومقاتل وابن جريج : ( إن ) للنفي ، أي : ما كنا فاعلين .

وقيل : ( إن كنا فاعلين ) للشرط أي : إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا ، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لو أردنا أن نتخذ لهواً» ما يلهى به من زوجة أو ولد «لاتخذناه من لدنا» من عندنا من الحور العين والملائكة «إن كنا فاعلين» ذلك، لكنا لم نفعله فلم نُرده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لو أردنا أن نتخذ لهوًا من الولد أو الصاحبة لاتخذناه من عندنا لا من عندكم، ما كنا فاعلين ذلك؛ لاستحالة أن يكون لنا ولد أو صاحبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من أن خلق السموات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا ، وإنما لحكم بالغة ، مستتبعة لغايات جليلة ، ومنافع عظيمة .و " لو " هنا حرف امتناع لامتناع .

أى : امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط .واللهو : الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة ، ولا يتناسب مع الجد ، وهو قريب من العبث الباطل تقول : لهوت بهذا الشىء ألهوا لهوا ، إذا تشاغلت به عن الجد ، ويطلقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة .أى : لو أردنا - على سبيل الفرض والتقدير - أن نتخذ ما نتلهى به ، لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية ، فيستحيل علينا أن نريده .فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال ، لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله - تعالى - ومع ذاته الجليلة .وقوله : ( إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ) تأكيد لامتناع إرادة اللهو ، و ( أَن ) نافية ، أى : ما كنا فاعلين ذلك ، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية أما الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما قال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض  ﴾ وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وهذا كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا  ﴾ وقوله: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق  ﴾ .

والثاني: أن الغرض منه تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفي عنه وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن.

المسألة الثانية: قال القاضي عبد الجبار: دلت الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى إذ لو كان كذلك لكان لاعباً فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل يقتضي نفي الفعل.

والجواب: يبطل ذلك بمسألة الداعي عن ما مر غيره مرة أما قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فاعلين ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ معناه من جهة قدرتنا.

وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن وقيل: المرأة وقيل من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس رداً لمن قال بولادة المسيح وعزير فأما قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ بَلِ ﴾ اضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويراً لإبطاله فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو فدمغه، فأما قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ يعني من تمسك بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل، وهو الذي عناه بقوله: ﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: وما سوّينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعدّ والمرافق التي لا تحصى.

ثم بين أنّ السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالي: هو أن الحكمة صارفة عنه، وإلا فأنا قادر على اتخاذه إن كنت فاعلاً لأني على كل شيء قدير.

وقوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ ، كقوله: ﴿ رّزْقاً مّن لَّدُنَّا ﴾ [القصص: 57] أي من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن.

وقيل المرأة.

وقيل من لدنا، أي من الملائكة لا من الإنس، ردّاً لولادة المسيح وعزير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ وإنَّما خَلَقْناها مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ تَبْصِرَةً لِلنُّظّارِ وتَذْكِرَةً لِذَوِي الِاعْتِبارِ وتَسَبُّبًا لِما يَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَتَسَلَّقُوا بِها إلى تَحْصِيلِ الكَمالِ ولا يَغْتَرُّوا بِزَخارِفِها فَإنَّها سَرِيعَةُ الزَّوالِ.

﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ ما يُتَلَهّى بِهِ ويُلْعَبُ.

﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، أوْ مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِحَضْرَتِنا مِنَ المُجَرَّداتِ لا مِنَ الأجْسامِ المَرْفُوعَةِ والأجْرامِ المَبْسُوطَةِ كَعادَتِكم في رَفْعِ السُّقُوفِ وتَزْوِيقِها وتَسْوِيَةِ الفُرُشِ وتَزْيِينِها، وقِيلَ اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ وقِيلَ الزَّوْجَةُ والمُرادُ بِهِ الرَّدُّ عَلى النَّصارى ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ذَلِكَ ويَدُلُّ عَلى جَوابِ الجَوابِ المُتَقَدِّمِ.

وقِيلَ ( إنْ ) نافِيَةٌ والجُمْلَةُ كالنَّتِيجَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم نزه ذاته عن سمات الحدوث بقوله {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} أي ولداً أو امرأة كأنه رد على من قال عيسى ابنه ومريم صاحبته {لاتخذناه مِن لَّدُنَّا} من الولدان أو الحور {إِن كُنَّا فاعلين} أي إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا وقيل هو نفي كقوله وان أدري أي ما كنا فاعلين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ انْتِفاءِ اللَّعِبِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ لَهْوٍ لَكانَ اتِّخاذُ لَهْوٍ مِن جِهَتِنا أيْ لَهْوًا إلَهِيًّا أيْ حِكْمَةً اتَّخَذْتُمُوها لَهْوًا مِن جِهَتِكم وهَذا عَيْنُ الجِدِّ والحِكْمَةِ فَهو في مَعْنى لَوْ أرَدْناهُ لامْتَنَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِذَلِكَ المَعْنى مُبالَغَةً في الِامْتِناعِ عَلى أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ وجَوابَها مَحْذُوفٌ أيْ ( إنْ كُنّا فاعِلِينَ ) ما يُوصَفُ بِفِعْلِهِ بِاللَّهْوِ فَكَهَذا يَكُونُ فِعْلُنا ولَوْ حُمِلَ عَلى النَّفْيِ لِيَكُونَ تَصْرِيحًا بِنَتِيجَةِ السّابِقِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ لَكانَ حَسَنًا بالِغًا انْتَهى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى أنّا لَوْ أرَدْنا ذَلِكَ لاتَّخَذْنا فَإنّا قادِرُونَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ إلّا إنّا لَمْ نُرِدْهُ لَأنَّ الحِكْمَةَ صارِفَةٌ عَنْهُ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ تَفْسِيرَهُ ذَلِكَ بِالقُدْرَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ، وقَدْ فَسَّرَهُ بِهِ أيْضًا البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وظاهِرُهُ أنَّ اتِّخاذَ اللَّهْوِ داخِلٌ تَحْتَ القُدْرَةِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ تَعالى امْتِناعًا ذاتِيًّا والمُمْتَنِعُ لا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي صِدْقَ الطَّرَفَيْنِ فَهو تَعْلِيقٌ عَلى امْتِناعِ الإرادَةِ أوْ يُقالُ الحِكْمَةُ غَيْرُ مُنافِيَةٍ لِاتِّخاذِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَهّى بِهِ وإنَّما تُنافِي أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ لاهِيًا بِهِ فَلا امْتِناعَ في الِاتِّخاذِ بَلْ في وصْفِهِ انْتَهى.

والحَقُّ عِنْدِي أنَّ العَبَثَ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَحْنُ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِالوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى لَكُنّا قائِلُونَ بِالوُجُوبِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ الكَلَنْبَوِيُّ: إنَّ مَذْهَبَ الماتُرِيدِيَّةِ المُثْبِتِينَ لِلْأفْعالِ جِهَةً مُحَسِّنَةً أوْ مُقَبِّحَةً قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ إنْ كانَ في الفِعْلِ جِهَةٌ تَقْتَضِي القُبْحَ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ ولا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ كالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ عِنْدَهم كالكَذِبِ عِنْدَ مُحَقِّقِي الأشاعِرَةِ والماتُرِيدِيَّةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الجِهَةُ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ تَعالى ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم يُوافِقُونَ الأشاعِرَةَ في أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهى.

ومَن أنْكَرَ أنَّ كَوْنَ العَبَثِ نَقْصًا كالكَذِبِ فَقَدْ كابَرَ عَقْلُهُ، وأبْلَغُ مِن هَذا أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ القَوْلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ مُطْلَقِ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَلْزَمَ أحَدٌ المُحالاتِ المَشْهُورَةِ وأنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ الإصْحابِ المَوْجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى نَفْيُ الوُجُوبِ في الخُصُوصِيّاتِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، ولَعَلَّهُ حِينَئِذٍ يُرادُ بِالوُجُوبِ لُزُومُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن تَرْكِهِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِهِ مُحالًا بَعْدَ صُدُورِ مُوجِبِهِ اخْتِيارًا لا مُطْلَقًا ولا بِشَرْطِ تَمامِ الِاسْتِعْدادِ لِئَلّا يَلْزَمَ رَفْضُ قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ كَما لا يُلْزِمُ رَفْضُها في اخْتِيارِ الإمامِ الرّازِيِّ ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ مِن لُزُومِ العِلْمِ لِلنَّظَرِ عَقْلًا، ومَعَ هَذا يَنْبَغِي التَّحاشِي عَنْ إطْلاقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

وقِيلَ مَعْنى مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِحَضْرَتِنا مِنَ المُجَرَّداتِ أيْ لاتَّخَذْناهُ مِن ذَلِكَ لا مِنَ الأجْرامِ المَرْفُوعَةِ والأجْسامِ المَوْضُوعَةِ كَدَيْدَنِ الجَبابِرَةِ في رَفْعِ العُرُوشِ وتَحْسِينِها وتَسْوِيَةِ الفُرُوشِ وتَزْيِينِها انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى إنْكارِ المُجَرَّداتِ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ المُرادُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ اتِّخاذَ اللَّهْوِ في هَذا العالَمِ لا أنَّهُ يَجُوزُ اتِّخاذُهُ مِنَ المُجَرَّداتِ بَلْ هو فِيها أظْهَرُ في الِاسْتِحالَةِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ المَعْنى لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ اللَّهْوِ لاتَّخَذْناهُ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ لِأنَّهُ نَقْصٌ فَسَتْرُهُ أوْلى أوْ هو أسْرَعُ تَبادُرًا مِمّا في الكَشْفِ وذَلِكَ أبْعَدُ مَغْزًى، وقالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: اللَّهْوُ طَلَبُ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ ثُمَّ المَرْأةُ تُسَمّى لَهْوًا وكَذا الوَلَدُ لِأنَّهُ يُسْتَرْوَحُ بِكُلٍّ مِنهُما ولِهَذا يُقالُ لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ووَلَدِهِ رَيْحانَتاهُ، والمَعْنى لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ امْرَأةً ذاتَ لَهْوٍ أوْ ولَدًا ذا لَهْوٍ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا أيْ مِمّا نَصْطَفِيهِ ونَخْتارُهُ مِمّا نَشاءُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ  ﴾ وقالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ مِنَ الحُورِ العِينِ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ وقَوْلِ النَّصارى في المَسِيحِ وأُمِّهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا وكَوْنِها صاحِبَةً، ومَعْنى ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَجْرِي لِأحَدٍ فِيهِ تَصَرُّفٌ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ انْتَهى.

وتَفْسِيرُ اللَّهْوِ هُنا بِالوَلَدِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ الوَلَدُ بِلُغَةِ حَضْرَمَوْتَ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المَرْأةِ حَكاهُ قَتادَةُ عَنْ أهْلِ اليَمَنِ ولَمْ يَنْسُبْهُ لِأهْلِ بَلْدَةٍ مِنهُ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ أصْلَهُ الجِماعُ ويُكَنّى بِهِ عَنِ المَرْأةِ لِأنَّها تُجامَعُ وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبُرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي والظّاهِرُ حَمْلُ اللَّهْوِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ولِأنَّ نَفْيَ الوَلَدِ سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كَوْنَ المُرادِ الرَّدَّ عَلى النَّصارى وأضْرابِهِمْ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ السِّياقِ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ والجَوابَ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنّا فاعِلِينَ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا وكَوْنُها نافِيَةً وإنْ كانَ حَسَنًا مَعْنًى وقَدْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنهم مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِأنَّ أكْثَرَ مَجِيءِ إنِ النّافِيَةِ مَعَ اللّامِ الفارِقَةِ لَكِنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لاَ تَرْكُضُوا يعني: قالت لهم الملائكة عليهم السلام لا تهربوا، وقال قتادة: هذا على وجه الاستهزاء، وقال مقاتل: لما انهزموا قالت لهم الملائكة عليهم السلام كهيئة الاستهزاء: لا تركضوا، وقال القتبي: هذا كما قال لبيد: هَلا سَأَلْتَ جُمُوعَ كِنْدَة ...

يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا قال ابن عباس: «إن قرية من قرى اليمن يقال لها حصور، أرسل الله عز وجل إليهم نبياً فكذبوه ثم قتلوه، فسلط الله عز وجل عليهم بختنصر فقتلهم وهزمهم، فقالت لهم الملائكة عليهم السلام حين انهزموا: لا تركضوا» يعني: لا تهربوا.

وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ يعني: خولتم فيه من أمر دنياكم وَمَساكِنِكُمْ يعني: ومنازلكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ.

عن قتل نبيكم، ويقال: عن الإيمان.

قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ بقتل نبينا  ويقال: بالشرك بالله عز وجل.

قوله عز وجل: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ، يعني: كلمة الويل قولهم.

حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ، يعني: محصوداً.

وقال أهل اللغة: فعيل بمعنى مفعول، والحصيد بمعنى محصود، ويقع على الواحد والاثنين والجماعة.

وقال السدي: الحصيد الذي قد حصد، ويقال: كداسة الغنم بأظلافها خامدين ميتين لا يتحركون.

وقال مجاهد رحمه الله: خامِدِينَ بالسيف.

قوله عز وجل: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الخلق والعجائب لاعِبِينَ، يعني: لغير شيء، ولكن خلقناهم لأمر كائن، ويقال: وما خلقت هذه الأشياء إلا ليعتبروا ويتفكروا فيها، ويعلموا أن خالق هذه الأشياء أحق بالعبادة من غيره، ويكون لِيَ عليهم الحجة يوم القيامة.

قوله عز وجل: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً يعني: زوجةً بلغة حضر موت، لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا يعني: من عندنا.

قال ابن عباس: «اللهو الولد» ، وقال الحسن وقتادة: اللهو المرأة، وقال القتبي: التفسيران متقاربان، لأن المرأة للرجل لهو وولده لهو، كما يقال: هما ريحانتاه، وأصل اللهو: الجماع، فكني به بالمرأة والولد، كما كني عنه باللمس.

وتأويل الآية: أن النصارى لما قالت، في المسيح ما قالت، قَالَ الله تَعَالى: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي: صاحبة لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي: من عندنا لا من عندكم، لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.

ثم قال: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يعني: ما كنا فاعلين.

ويجوز أن يكون إِنْ كُنَّا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا كُلَّهُ مَرْوِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ: لاَ تَرْكُضُوا إلى آخر الآية.

مِنْ كلامِ ملائِكَةِ العذابِ على جِهَةِ الهُزْءِ بِهم.

وقوله: حَصِيداً أي: بالعذاب كحصيدِ الزَّرْعِ بالمِنْجَلِ، وخامِدِينَ أي: موتى مُشَبَّهينَ بالنارِ إذا طفئت، ثم وَعَظَ سبحانه السَّامِعِينَ بقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ.

لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)

وقوله سبحانه: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً الآية: ظاهِرُ الآية: الرَّدُّ على مَنْ قال من الكُفَّارِ في أَمْرِ مريمَ- عليها السلام-، وما ضَارَعَهُ من الكُفْرِ تعالى الله عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ و «إن» في قوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ شرطيةً، ويحتمل أَنْ تكونَ نافِيَةً بمعنى:

ما كُنَّا فاعلين، وكُلُّ هذا قد قيل، و «الحَقَّ» عام في القرآن والرسالة والشَّرْعِ، وكُلِّ ما هو حَقًّ، فَيَدْمَغُهُ معناه: يُصِيبُ دِمَاغَهُ، وذلك مُهْلِكٌ في البشر فكذلك الحقّ يهلك الباطل، والْوَيْلُ: الخِزْيُ.

وقيل: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وَأَنه المُرَاد في هذه الآية، وهذه مُخَاطَبَةٌ للكفّار الذين وصفوا الله عز وجل بما لا يجوزُ عليه تعالى اللَّه عن قولهم.

وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ ...

الآية: عند هنا ليست في المسافات، وإنما هي تشريفٌ في المنزلة.

وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي: لا يكلون، والحسير من الإبل: المعِييُ.

وقوله: لاَ يَفْتُرُونَ وفي «الترمذي» عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلاَّ وَمَلُكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً للَّهِ» «٢» الحديث.

قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وفي الباب عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ، انتهى من أصل الترمذي، أعني:

«جامعه» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ نَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا، إنَّما خَلَقْناهُما دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا ووَحْدانِيَّتِنا، لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِخَلْقِهِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لِخالِقِهِ، لِنُجازِيَ أوْلِياءَنا ونُعَذِّبَ أعْداءَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والآلِهَةُ بَناتُهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِاللَّهْوِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ولَدًا ذا لَهْوٍ نُلْهى بِهِ.

والثّانِي: المَرْأةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: اللَّعِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً، أوْ ولَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ، لا مِن أهْلِ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصِلُ اللَّهْوِ: الجِماعُ، فَكُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّهْوِ كَما كُنِّيَ عَنْهُ بِالسِّرِّ، والمَعْنى: لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لاتَّخَذَناهُ مِن عِنْدِنا؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى ( ما )، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنْ كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم يَسْتَجِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ أيْضًا؛ لِأنَّ " إنْ " تَكُونُ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: إنْ كُنْتَ لَصالِحًا، مَعْناهُ: ما كُنْتَ إلّا صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ﴾ ؛ أيْ: دَعْ ذاكَ الَّذِي قالُوا فَإنَّهُ باطِلٌ، ﴿ نَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: نُسَلِّطُ الحَقَّ وهو القُرْآنُ، ﴿ عَلى الباطِلِ ﴾ وهو كَذِبُهم، ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَكْسِرُهُ، وأصْلُ هَذا إصابَةُ الدِّماغِ بِالضَّرْبِ، وهو مَقْتَلٌ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ ؛ أيْ: زائِلٌ ذاهِبٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنّا نُبْطِلُ كَذِبَهم بِما نُبَيِّنُ مِنَ الحَقِّ حَتّى يَضْمَحِلَّ، ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِن وصْفِكُمُ اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ، ﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي: هم عَبِيدُهُ ومُلْكُهُ، ﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَنْقَطِعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَعْيَوْنَ، والحَسْرُ: المُنْقَطِعُ الواقِفُ إعْياءً وكَلالًا.

والثّالِثُ: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا يَسْأمُونَ.

وسُئِلَ كَعْبٌ: أما يَشْغَلُهم شَأْنٌ ؟

أما تَشْغَلُهم حاجَةٌ ؟!

فَقالَ لِلسّائِلِ: يابْنَ أخِي؛ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَما جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، ألَسْتَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وتَقُومُ وتَجْلِسُ، وتَجِيءُ وتَذْهَبُ، وتَتَكَلَّمُ وأنْتَ تَتَنَفَّسُ ؟

فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ ؛ لِأنَّ أصْنامَهم مِنَ الأرْضِ هي، سَواءٌ كانَتْ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ، ﴿ هُمْ ﴾ يَعْنِي: الآلِهَةُ، ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يُحْيُونَ المَوْتى.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( يَنْشُرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ.

وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، والمَعْنى: ما اتَّخَذُوا آلِهَةً تَنْشُرُ مَيِّتًا.

﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ يَعْنِي: السَّماءَ والأرْضَ، ﴿ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: مَعْبُودِينَ، ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: سِوى اللَّهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ؛ أيْ: لَخَرَبَتا وبَطَلَتا، وهَلَكَ مَن فِيهِما؛ لِوُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَ الآلِهَةِ، فَلا يَجْرِي أمْرُ العالَمِ عَلى النِّظامِ؛ لِأنَّ كُلَّ أمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخِلافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَحْكُمُ في عِبادِهِ مِن هَدْيٍ وإضْلالٍ، وإعْزازٍ وإذْلالٍ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لِلْخَلْقِ، والخَلْقُ يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ امْتِثالُ أمْرِ مَوْلاهم.

ولَمّا أبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ إلَهٌ سِواهُ مِن حَيْثُ العَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ، أبْطَلَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الأمْرِ، فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.

﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلى دِينِي مِمَّنْ يَتَّبِعُنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.

﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، والمَعْنى: هَذا القُرْآنُ وهَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، فانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِاتِّخاذِ إلَهٍ سِواهُ ؟

فَبَطَلَ بِهَذا البَيانِ جَوازُ اتِّخاذِ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ الأمْرِ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

" فَهم مُعْرِضُونَ " عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى مَن قالَ مِنَ الكَفّارِ أمْرَ مَرْيَمَ وما ضارَعَهُ مِنَ الكُفْرِ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ، و"اللهْوُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَرْأةُ، ورُوِيَ أنَّها في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى الزَوْجَةِ، و"إنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الشَرْطِيَّةَ، بِمَعْنى: لَوْ كُنّا فاعِلِينَ، ولَسْنا كَذَلِكَ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ هُنا اعْتِراضٌ وانْفِصالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، بِمَعْنى "ما"، وكُلُّ هَذا قَدْ قِيلَ.

و"الحَقُّ" عامٌّ في القُرْآنِ والرِسالَةِ والشَرْعِ وكُلِّ ما هو حَقٌّ، و"الباطِلُ" أيْضًا عامٌّ كَذَلِكَ، و"يَدْمَغُهُ" مَعْناهُ: يُصِيبُ دِماغَهُ، وذَلِكَ مَهْلِكٌ في البَشَرِ، فَكَذَلِكَ الحَقُّ يُهْلِكُ الباطِلَ، و"الوَيْلُ": الخِزْيُ والهَمُّ، وقِيلَ: هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ فَهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وصَفُوا اللهَ تَبارَكَ وتَعالى بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، تَعالى اللهُ وتَبارَكَ وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عن قَوْلِهِمْ، بَلْ هو كَما وصَفَ نَفْسَهُ، وفَوْقَ ما نَعَتَهُ بِهِ خَلْقُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كثير في القرآن الاستدلال بإتقان نظام خلق السماوات والأرض وما بينهما على أن لله حكمة في خلق المخلوقات وخلق نُظمها وسُننها وفِطَرها، بحيث تكون أحوالها وآثارها وعلاقة بعضها ببعض متناسبة مُجارية لما تقتضيه الحكمة ولذلك قال تعالى في سورة [الحجر: 85] ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وقد بيّنا هنالك كيفية ملابسة الحق لكل أصناف المخلوقات وأنواعها بما يغني عن إعادته هنا.

وكثر أن ينبه القرآن العقول إلى الحكمة التي اقتضت المناسبة بين خلق ما في السماوات والأرض ملتبساً بالحق، وبين جزاء المكلفين على أعمالهم على القانون الذي أقامته الشرائع لهم في مختلف أجيالهم وعصورهم وبلدانهم إلى أن عَمّتهم الشريعة العامة الخاتمة شريعة الإسلام، وإلى الحكمة التي اقتضت تكوين حياة أبدية تلقى فيها النفوس جزاءَ ما قدمته في هذه الحياة الزائلة جزاء وفاقاً.

فلذلك كثر أن تُعقب الآياتُ المبينة لما في الخلق من الحقّ بالآيات التي تذكُر الجزاء والحساب، والعكس، كقوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ في آخر سورة [المؤمنين: 115]، وقوله تعالى: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾ آخر [الحجر: 85]، وقوله تعالى: ﴿ إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ﴾ في سورة [ص: 2628]، وقوله تعالى: ﴿ أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ في سورة [الدخان: 3740]، وقوله تعالى: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون ﴾ في سورة [الأحقاف: 3] إلى غير هذه من الآيات.

فكذلك هذه الآية عقب بها ذكر القوم المهلَكين، والمقصود من ذلك إيقاظ العقول إلى الاستدلال بما في خلق السماوات والأرض وما بينهما من دقائق المناسبات وإعطاء كلّ مخلوق ما به قِوامه، فإذا كانت تلك سنةَ الله في خلق العوالم ظَرفِها ومظروفها، استدل بذلك على أن تلك السنة لا تتخلف في ترتب المسببات على أسبابها فيما يأتيه جنس المكلفين من الأعمال، فإذا ما لاح لهم تخلف سبب عن سببه أيقنوا أنه تخلف مؤقت فإذا علمهم الله على لسان شرائعه بأنه ادخر الجزاء الكامل على الأعمال إلى يوم آخر آمنوا به، وإذا علّمهم أنهم لا يفوتون ذلك بالموت بل إن لهم حياةً آخِرة وأن الله باعثهم بعد الموت أيقنوا بها، وإذا علمهم أنه ربما عجل لهم بعض الجزاء في الحياة الدنيا أيقنوا به.

ولذلك كثر تعقيب ذكر نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء الآجل والبعث وإهلاك بعض الأمم الظالمة، أو تعقيب ذكر البعث والجزاء الآجل والعاجل بذكر نظام خلق السماوات والأرض.

وحسبك تعقيب ذلك بالتفريع بالفاء في قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ الآيات ختام سورة [آل عمران: 190191].

ولأجل هذا اطرد أوْ كادَ أن يطرد ذكر لفظ ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر خلق السماوات والأرض في مثل هذا المقام لأن تخصيص ما بينهما بالذكر يدل على الاهتمام به لأن أشرفه هو نوع الإنسان المقصود بالعبرة والاستدلال وهو مناط التكليف.

فليس بناء الكلام على أن يكون الخلق لعباً منظوراً فيه إلى رد اعتقاد معتقدٍ ذلك ولكنه بني على النفي أخذاً لهم بلازم غفلتهم عن دقائق حكمة الله بحيث كانوا كقائلين بكون هذا الصنع لعباً.

واللعبُ: العمل أو القول الذي لا يُقصد به تحصيل فائدة من مصلحة أو دفع مفسدة ولا تحصيل نفع أو دفع ضر.

وإنما يقصد به إرضاء النفس حين تميل إلى العبث كما قيل: «لا بد للعاقل من حَمْقة يعيش بها».

ويرادفه العبث واللهو، وضده: الجد.

واللعب من الباطل إذ ليس في عمله حكمة فضده الحقّ أيضاً.

وانتصب ﴿ لاعبين ﴾ على الحال من ضمير ﴿ خلَقْنا ﴾ وهي حال لازمة إذ لا يستقيم المعنى بدونها.

وجملة ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ مقررة لمعنى جملة ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ تقريراً بالاستدلال على مضمون الجملة، وتعليلاً لنفي أن يكون خلق السماوات والأرض لَعباً، أي عبثاً بأن اللعب ليس من شأننا أو على الفرض والتنازل لو أردنا اللهو لكان ما يلهو به حاصلاً في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصاً بالله تعالى إذ جعَل سكانها عباداً له مخلصين، فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو ﴿ لَدُن ﴾ مضافاً إلى ضمير الجلالة بقوله تعالى من ﴿ لدنا ﴾ ، أي غير العوالم المختصة بكم بل لكان في عَالم الغيب الذي هو أشد اختصاصاً بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين.

فالظرفية المفادة من ﴿ لدن ﴾ ظرفية مجازية.

وإضافة ﴿ لدن ﴾ إلى ضمير الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى ﴿ رزقا من لدنا ﴾ في سورة [القصص: 57]، وقوله تعالى: ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ في سورة [آل عمران: 8]، أي لو أردنا أن نتخذ لهواً لما كان اتخاذه في عالم شهادتكم.

وهذا استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخد شيئاً للتفكه به أن يستأثر به ولا يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا أقرب إلى الله تعالى.

وجملة ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ إن جعلت (إن) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب (لو) وهو جملة ﴿ لاتخذناه ﴾ فيكون تكريراً للتلازم؛ وإن جعلت (إن) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة لتقرير الامتناع المستفاد من (لو)، أي ما كنا فاعلين لهواً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَدًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهْوَ النِّساءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ المَرْأةُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِأنَّهم قالُوا: مَرْيَمُ صاحِبَتُهُ وعِيسى ولَدُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهْوُ الَّذِي هو داعِي الهَوى ونازِعُ الشَّهْوَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ويُلْعِينُنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبُّهُ ولِلَّهْوِ داعٍ لَبِيبٌ غَيْرُ غافِلِ ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن عِنْدِنا إنْ كُنّا فاعِلِينَ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً ووَلَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ وما اتَّخَذْنا مِن أهْلِ الأرْضِ.

﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا فاعِلِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ كُنّا لاتَّخَذْناهُ بِحَيْثُ لا يَصِلُ عِلْمُهُ إلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ الكَلامُ المَتْبُوعُ، والباطِلُ المَدْفُوعُ.

وَمَعْنى يَدْمَغُهُ أيْ يُذْهِبُهُ ويُهْلِكُهُ كالمَشْجُوجِ تَكُونُ دامِغَةً في أُمِّ رَأْسِهِ تُؤَدِّي لِهَلاكِهِ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ إبْلِيسُ.

الثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ المَواعِظُ والباطِلَ المَعاصِي، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الخَواطِرِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الحَقَّ الإسْلامُ، والباطِلَ الشِّرْكُ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هالَكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لا يَعْيَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا يَسْتَنْكِفُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: لا يَنْقَطِعُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَسِيرِ وهو البَعِيرُ المُنْقَطِعُ بِالإعْياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبَيْضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو، الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ الآية.

يقول: لو أردت أن أتخذ ولداً لأتخذت من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: النساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اللهو بلسان اليمن، المرأة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو بلغة أهل اليمن، المرأة.

وفي قوله: ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي، إن ذلك لا يكون ولا ينبغي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: نساء ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من الحور العين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: لعباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من عندنا ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي ما كنا فاعلين.

يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً، وكل شيء في القرآن ﴿ إن ﴾ فهو إنكار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل نقذف بالحق ﴾ قال: القرآن ﴿ على الباطل ﴾ قال: اللبس ﴿ فإذا هو زاهق ﴾ قال: هالك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ قال: هي والله لكل واصف كذب إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ومن عنده ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ يقول: لا يرجعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يحسرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يعيون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا ينقطعون من العبادة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل رضي الله عنه، أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ أما شغلهم رسالة؟

أما شغلهم عمل؟

فقال: جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب، وتجيء وتذهب، وتتكلم وأنت تتنفس؟

فكذلك جعل لهم التسبيح.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ قال: جعلت أنفاسهم تسبيحاً.

وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن أبي كثير قال: خلق الله الملائكة صمداً ليس لهم أجواف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد النساء (١) وهو قول الحسن، وقتادة، قالا: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة (٢) وقال (٣) (٤) (٥) قال الزجاج وغيره: تأويله في اللغة: أن المرأة لهو الدنيا، وكذلك الولد (٦) والمعنى على ذي اللهو أي: الذي يُلهى به.

ومعنى اللهو: طلب التزويج (٧) يقول: لو أردنا أن نتخذ ولداً ذا لهو أو امرأة ذات لهو.

﴿ لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾ .

قال المفسرون: من الحور العين (٨) وهذا إنكار على من أضاف الصاحبة والولد إلى الله تعالى، واحتجاج عليهم بأنه لو كان جائزا في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك لأن من قدر على ستر النقص لم يظهره، وهذا معنى قوله: ﴿ لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾ أي: من عندنا بحيث لا تطلعون عليه (٩) قال ابن قتيبة في هذه الآية: التفسيران في اللهو متقارنان؛ لأن امرأة الرجل لهوه (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ...

كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي (١٤) أي: النكاح.

وتأويل الآية: أن النصاري لما قالت في المسيح وأمه ما قالت قال الله -عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ صاحبة كما تقولون، لا تخذنا ذلك (من [لدنا] (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ هو قال المفسرون -ابن عباس (٢٠) (٢١) قال الفراء (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ  ﴾ ﴿ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ  ﴾ ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ  ﴾ ويكون المعنى تحقيقا لكذبهم في وصف الله تعالى بالولد والصاحبة أي (٢٥) (٢٦) قال أبو إسحاق: القول الأول قول المفسرين، والقول الثاني قول النحويين، وهم أجمعون يقولون القول الأول، ويستجيدونه؛ لأن "إن" تكون في معنى النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت [لصالحا، معناه: ما كنت] (٢٧) (٢٨) وقال الفراء: أشبه الوجهين بمذهب العربية أن تكون "إن" بمعنى (٢٩) (٣٠) (١) ذكر البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 313، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 343 هذه الرواية عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: المرأة.

(٢) قول الحسن رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 5/ 620.

ورواه الطبري 17/ 10 عن الحسن من غير قوله بلغة أهل اليمن.

وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 عن الحسن أنه قال: النساء.

وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.

وأما قول قتادة: فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 22، والطبري 17/ 10، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣) (قال): ساقطة من (أ)، (ت).

(٤) روى الفراء في كتابه "معاني القرآن" 2/ 200 هذه الرواية قال: حدثنا حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكرها.

وذكرها البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 313 وابن الجوزي 5/ 343.

(٥) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 عن السدي، وعزاه لابن أبي حاتم.

وذكره البغوي 5/ 313، وابن الجوزي 5/ 343.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 386.

(٧) في جميع النسخ (التزويج)، وفي "لسان العرب" 15/ 259: وطلب اللهو الخلو، أي: طلب الخلو التزويج.

وقد يكون صواب العبارة: طلب الترويح عن النفس.

(٨) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 هذا القول من رواية ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي.

وذكره البغوي 5/ 313، وأبو حيان 6/ 302، ولم ينسباه لأحد.

(٩) ذكر هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 209، والجشمي في "التهذيب" 6/ 139 ب، والبغوي 5/ 313، وأبو حيان في "البحر" 6/ 302، ولم ينسبوه لأحد.

(١٠) في (د)، (ع): (إن المرأة للرجل لهوه).

(١١) ساقط من (ت).

(١٢) في (أ)، (ت): (ولذلك).

(١٣) باللهو: ساقطة من (د)، (ع).

(١٤) البيت أنشده لامرئ القيس ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 163.

وهو في "ديوانه" ص 28، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 76 وفيه: وألا يحسن السر أمثالي، == و"معاني القرآن" للقراء 1/ 53 وفيه: وألا يشهد السر، و"خزانة الأدب" 1/ 64.

قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 64: بسباسة: امرأة من بني أسد، وكبر: شاخ، واللهو مصدر لهوت بالشيء إذا لعبن به.

قال في "الصحاح": وقد يكنى باللهو عن الجماع.

(١٥) (لدنا): موضعها بياض في (ت).

(١٦) (عندنا): ساقطة من (د)، (ع).

(١٧) ساقط من (د)، (ع).

(١٨) (أنَّ): ساقطة من (أ).

(١٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 613 - 164 مع تصرف يسير.

(٢٠) في (د)، (ع): (وابن عباس).

(٢١) ذكره ابن الجوزي 5/ 344 عن ابن عباس.

وقول قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 22، والطبري 17/ 10.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 عنه، بلفظ: إن ذلك لا يكون ولا ينبغي.

وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.

وقول السدي ذكره عنه ابن كثير في تفسيره 3/ 175.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 2/ 200.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 387.

(٢٤) (إنْ): ساقطة من (ت).

(٢٥) في (أ)، (ت): (إنْ)، وهو خطأ.

(٢٦) ساقط من (ت).

(٢٧) ساقط من (د)، (ع).

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.

(٢٩) في (أ): (المعنى).

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 200 مع اختلاف يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل المرأة، و ﴿ مِن لَّدُنَّآ ﴾ : أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ ولداً لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردّ على من قال: إن المسيح ابن الله وعزيز ابن الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لا عبين.

وقال الزمخشري: المعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ لهواً لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض للحكمة، وفي كلا القولين نظر ﴿ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما قبلها، أو نافية، والأوّل أظهر ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ ﴿ الحق ﴾ عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، ﴿ الباطل ﴾ عام في أضداد ذلك ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي يقمعه ويبطله، وأصله من إصابة الدماغ ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ يعني الملائكة ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي لا يَعْيَوْن ولا يملون ﴿ أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ أم هنا للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ يتعلق بينشرون؛ والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإلهة القدرة على الإحياء والإماتة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ .

أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضاً على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمراً فهو في عمله عابث لاهٍ، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا لعباً؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، صير عدم الرجوع إليه [بعد] خلقهم عبثاً باطلا.

وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاَّه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَهْواً ﴾ أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ  ﴾ ، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [الولد] بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ﴾ أي: ولداً؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهواً لذلك، قال: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!

والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد؛ إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.

وقوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ ، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولداً، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ ﴾ .

يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.

﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ ، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.

﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: هو ذاهب متلاشٍ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ : من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردّاً على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولداً من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفاً من ذلك واستنكافاً، فكيف قلتم ذلك في الله  وتعالى ، وأضفتم إليه.

أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله -  وتعالى - غنيّاً بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: "الملائكة بنات الله"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.

أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟

أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً منكم، ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.

وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعاً سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتبعهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاماً كافياً.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي: يبطله.

وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.

﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضاً، ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ والفتور: الإعياء أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لو أردنا اتخاذ صاحبة أو ولد لاتخذناه مما عندنا، وما كنا فاعلين ذلك لتنزهنا عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.3EmzV"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله